حاجة العِلم للميتافيزيقا – روجر تريغ / ترجمة: عمر المرجان

حاجة العِلم للميتافيزيقا – روجر تريغ / ترجمة: عمر المرجان

العِلم لا يخبرنا ما إذا كان العِلم يفسِّر كلّ شيء (روجر تريغ – أكتوبر 1، 2015)


لا تستطيع التكنولوجيا أن تُساير التوقّعات النظريّة عن الواقع التحت الذرّي الذي في الفيزياء. نفس الشيء ينطبق على قدرتنا لحفظ أقاصي الكون. تتجاوز النظريّة المعطيات ويمكن أن تصبح أكثر تطرّفاً بالدعاوى التي تدّعيها حول صفة واقع ما. النظريّات مُؤكّدة بشكل ناقص أكثر بواسطة النتائج التجريبيّة ممّا سبق في الماضي, لكن العلماء يكرهون الاعتراف بأنّ الحجج التي يقدّموها فلسفيّة وميتافيزيقيّة. نظريّاتهم تقدّم إطاراً يستطيعون العمل فيه, لكن إذا أُزِيلتْ لا من ملاحظة واقعيّة فقط لكن ممّا في الأساس يمكن أن يكون في مُتَناوَلنا, أحفادنا, أو حتّى أيّ راصد ممكن في كوننا, من الصعب رؤية أنّ هناك أيّ شيء آخر غير نِتاج العقل المحض. كون العلماء يستخدمون مثل هذا الاستنتاج لا يجعله علماً.

إذاً ما الذي يجب للعلم الأصيل كي يكون ممكناً؟ هذا سؤال من خارج العلم وهو, حسب التعريف, سؤال -بل ميتافيزيقيّ- فلسفيّ. أولئك الذين يقولون أنّ العلم يمكن الإجابة عن كلّ سؤال هم أنفسهم يقفون خارج العلم كي يدّعوا ذلك. لهذا السبب تصير الطبائعيّة -الصيغة الحديثة للمادِّيَّة, تنظر للواقع على أنّها مُعَرّفة بما هو متاح للعلوم- نظريّة ميتافيزيقيّة حين تحيد بعيداً عن المنهجيّة للتحدّث عمّا يمكن أن يوجد. نفي الميتافيزيقا والتمسّك بالمادّيّة لا بدّ أن تكون نفسها حركة داخل الميتافيزيقا. وتتضمَّن الوقوف خارج ممارسة العلم والكلام في نطاقه. الجزم بأنّ العلم يستطيع تفسير كلّ شيء لا يمكن أن يأتي من داخل العلم. إنّها عبارة عن العلم دائماً.

بشكل مشابه, يجب أن يتمّ تأكيد السؤال في الفلسفة حيث يقف التحقيقي[i] -الذي يعتقد أنّه لا تكون قضيّة ما ذات معنى إلّا إذا أمكن إثبات أنّها صحيحة أو خاطئة- لكي ينفي إمكان الميتافيزيقا. يمكن التعبير عن الإحراج أحياناً بواسطة التحدّي المستمرّ لكيف يمكن تحقيق دعوى نظريّة التحقيق نفسها. بحسب مبادئها تبدو ميتافيزيقيّة بشكل مريب فعند التحقّق منها بوسائل علميّة يُصادر على كلّ سؤال بشكل واضح. أحد الإجابات (وأُعطِيَت في مرّة بواسطة آي. جي. آيير A. J. Ayer) هي أنّ مبدأ التحقيق هو ’’اكسيوم.‘‘[ii]  الذي, مع أنّه, لا يحلّ سؤال لِما ينبغي أن نختار اكسيوم مثل هذا. يبدو اعتباطيّاً نوعاً ويترك مجالاً لإمكان أن يختار آخرون نقطة بداية مختلفة دون الخوف من انتقاد عقلاني. لم يتمّ حلّ شيء إذاً.

بعض الفلاسفة, بالتحديد من ذوي المُعْتَقد البراغماتي, تكلّموا عن استحالة “نظرة الإله.” لا يمكن لأحد منّا أن يقف خارج كلّ فهم الإنسان والمخطّطات التصوّريّة ويتكلّم عمّا يوجد هناك أو ما يمكن أن يكون. كلّنا مرسيِّين في أماكننا. هذه بديهيّة, لكن يمكنها أن تتسبّب سريعاً بالتشكيك بالإمكانيّة لأيّ استنتاج معزول. هي تأخذنا بسرعة شديدة إلى نسبيّة فلسفيّة على أنّها وِجهة, وفق أنّنا مخلوقات الزمان والمكان. مع ذلك هذه وحدها لا يدمّر إمكانيّة الفلسفة والميتافيزيقا. إنّها تقوِّض كلّ الفهم الذاتي للعلم التجريبي. يعتمد الأخير على فكرة عقل موضوعي, نزيه يمكن أن يتشارك به كلّ البشر في كلّ مكان. وهو قبل كلّ شيء يتعلّق بالحقيقة, والقيمة النهائيّة التي تقود مهنة العلم التي يجب أن يتمّ احترامها من قِبل كلّ العلماء. لهذا فتخطئة أو مُبالَغة نتائج التجارب تضرّ العلم بشدّة. الحقيقة العلميّة لا تحترم الأشخاص أو الثقافات, وهي بالتأكيد لا تعتمد على أحدهما.

العلم له مدى كوني. ينبغي لاكتشاف علمي ما حول صفة الكون أن يقدر علماء افتراضيّون في مجرّات قاصية على مشاركتها. القوانين الفيزيائيّة التي لكوننا على الأقلّ تظلّ منتظمة وهي بَيِّنة في أيّ مكان منه. هذا يعطي دليلاً لحقيقة أساسيّة عن العلم التي تُعْتَبَر صحيحة من قِبل العلماء العاملين. يبحث العلم واقعاً موضوعيّاً متاح للكلّ ومستقلّ للعقل.

لكن الرياضيّات, يمكن أن يُدّعى أنّها مجرّد أداة تمّت صناعتها بواسطة عقل الإنسان. إذاً لماذا, ينبغي أن نفترض بأنّه يمكنها أن تعبِّر بصورة مضغوطة أعمال الواقع المادّي؟ أولئك, مثل ماكس تِغمارك Max Tegmark, الذين يفترضون أنّ طبيعة الواقع رياضيّة يقومون بقفزة بين العلامات التي تبدو بأنّها صناعة العقل وواقع لا يوجد بشكل مستقلّ من معرفتنا لها فحَسْب بل وتتجاوز بعيداً أيّ معرفة ممكنة. يشرح تِغمارك قدرة الرياضيّات على وصف العالم المادّي بأنّها ’’تسلسل طبيعي للحقيقة بأنّ السابق هو بنية رياضيّة, ونحن نكشف هذا فقط شيئاً فشيئاً‘‘[iii] لكن, هذه نفسها عبارة ميتافيزيقيّة حول طبيعة الواقع, سابقة منطقيّاً على تصرّف الفيزياء.

هناك الكثير من العمل الفلسفي الذي ينبغي فعله قبل أن يمكن إفادة عبارات واسعة النطاق حول صفة الواقع. جِم باغُت Jim Baggott, يكتب عن العلم, يطرح دعاوىً قد تبدو تافهة للعديد من العلماء. بداية بالملاحظة أنّ ’’الواقع هو مفهوم ميتافيزيقي, وبهذا فهو بعيد عن مُتناوَل العلم,‘‘ ينبّه هو بأنّ ’’الواقعيّين العلميّين يفترضون أنّ الواقع (وكياناته) موجود بشكل موضوعي ومستقلّ للإدراك أو القياس.‘‘[iv] فيدّعي أكثر من هذا بأنّ ’’الواقع عقلاني, مُتوقَّع ومُتاح لعقل الإنسان.‘‘ هذه الإوصاف يمكن أن – وقد حَصَل- يُعْتَرَض عليها, لكن الافتراضات مهمّة لتمكّن العلم من أن يُمارَس.

الواقع يعطي العلم مرمىً وهدفاً. أخذ دور في مهنة العلم دون أيّ فكرة لحقيقة ما تقع أحياناً بعيداً عن مُتناوَلنا هو كلعب كرة القدم دون مرمى للتصويب نحوَه. سيكون الهدف بلا قيمة, وكذلك العلم. لا بدّ أن يكون العلم في عمل الاكتشاف. كون الواقع يتضمّن البشر, لا يعني أنّه متمركز عليهم مثل أنّ الأرض هي مركز الكون. غالباً يتعدّى كلّاً من معرفة الإنسان الممكنة والواقعيّة.

الاستقلال المنطقيّ للواقع المادّي من العقل والفهم يعطي العلم هدفه. المشكلة, كما نبّه عليها الفلاسفة خلال القرون, هي أنّ هذا يمكن أن يفتح مجالاً واسعاً للرَّيْبِيَّة. إن كنّا مُثَبَّتِين بواقع ما بعيد عن مُتناوَلنا, فكيف نأمل الحصول على أيّ معرفة؟ ربما كان كانط, وما نظنّ أنّا نعرفه ربما يعكس مقولات عقل الإنسان فقط. ربما يمكننا التعامل مع الأشياء كما تبدو لنا فحسب. كيف هي الأشياء في نفسها قد تكون بعيدة عن مُتناوَلنا للأبد. بدلاً من ذلك, الواقع الذي نسعى لفهمه ربما لا يكون عرضة لفهم عقلاني. قد يكون فوضويّ ومُبَعْثَر بشكل كاف لأن يكون غامضاً. لو قيل لنا بأنّ هذا مُحال لأنّ العلم يعمل, فقد عدنا بتبرير براغماتي عوضاً عن تبرير ميتافيزيقي.  قد يبدو مُقنعاً, لكنّه ليس دفاعاً عن القلق بأنّه يمكن أن نعيش في خليج عَرَضي من النظام على حدّ محيط عظيم من الفوضى.

كيف يمكننا في العلم أن نُعَمِّم من هنا إلى هناك, حين يكون ’’هناك‘‘ بعيد كلّ البعد عن مُتناوَلنا ربما, أو من الآن إلى البعد ذلك, حيث أصول الكون, أو المستقبل الأقصى, قد يعرض صعوبة مشابهة؟ هذه هي المشكلة الفلسفيّة المهيبة للاستقراء. حاول ديفد هيوم, كفيلسوف تجريبيّ في القرن الثامن عشر, أن يزيل الحاجة إلى الميتافيزيقا بقوله أنّ استنتاجنا المتعلّق بانتظام الطبيعة ليس مؤّسساً في صفة الواقع. يقول, ’’إنّ العقل, ليس مُرْشِد الحياة, بل هو العُرْف.‘‘[v] نحن نتوقّع من المستقبل أن يُماثِل الماضي فحسب, مثلاً. مثل هذا الموقف, الذي يدرك حدود ما يمكن إثباته من خبرة الإنسان, قد يقود إلى رَيْبِيَّة عميقة. لا يمكن أن يقدِّم أساساً غير عقلاني إطلاقاً. يصير العلم إلى التعبير عن طبيعة الإنسان وتفضيلنا للمؤلّف أكثر من أن يصير مهمّة للمعرفة. نَصِف ما يحدث ونترك البحث عن تعليل أعمق لماذا يحدث.

هناك شيء كالتقدّم العلمي, ويحدث من خلال تجربة وخطأ منهجيّاً أو, في اصطلاح كارل بوبر, التخمين والتفنيد. لكن, على الـ’’الواقعي العلمي‘‘ أن يكون على حذر, عن كيف لواقعيّة كهذه أن يتمّ تعريفها. الواقعيّة التي تجعل الواقع ما يقول عنها العلم الحديث تربط الواقع منطقيّاً بعقول البشر في الوقت الحاضر. إذاً العلم مُنْتَج بشري فقط, متجذّر في الزمان والمكان. إقحام علم المستقبل – أو العلم المثالي – قد يبدو معقولاً أكثر, لكن حتّى في ذلك الحين هناك فرق بين علمٍ يعكس (أو يقابل) طبيعة الواقع وكونه مجرّد بناء بشريّ. ما إن يُقبَل الاستقلال المنطقيّ للواقع من العلم, السؤال هو لِما للواقع صفة تمكّنه من أن يُفهَم علميّاً. الوضوح والعقلانيّة الجوهريّة للواقع لا يمكن التسليم بصحّتها. حتّى أعظم العلماء, مثل اينشتاين, رأوا أنّ وضوح العالم لغز. له ملاحظة شهيرة أنّ ’’الشيء الغير مفهوم إلى الأبد حول العالم هو مفهوميّته.‘‘[vi] مثل الطريقة التي تبدو الرياضيّات بها أنّها تُخَطِّط البنية العقلانيّة الجوهريّة للعالم المادّي, هذا يُسَلَّم به في العلم ولا يمكن أن يُعطى تعليلاً علميّاً. تبدو كأنّها حقيقة ميتافيزيقيّة, والذي لا بدّ أنّ تعليلها, إذا أمكن أن يكون هناك تعليل, أتى من خارج العلم.

 

المقال الأصل

 


[i] وضعتُ هذه الترجمة لمصطلح: Verificationist. (المترجم)

[ii] الأكسيوم تعني البديهيّة, وهي قضيّة أوليّة صادقة بذاتها يجزم بها العقل من دون برهان. (المترجم)

[iii] Tegmark, M Our Mathematical Universe Knopf, New York, NY (2014).

[iv] Baggott, J. Farewell to Reality Pegasus Books, New York, NY (2013).

[v] Abstract of Hume, D. “Treatise Concerning Human Nature” in McNabb, D.G.C. (ed.) David Hume Fontana Press, London (1962).

[vi] French, A.P. Einstein: A Centenary Volume Harvard University Press, Cambridge, MA (1979).

error: المحتوى محمي