حوار مع جون غرايش: فلسفة الدين من وجهة نظر تأويلية وفينومينولوجية وسُبل التداوي بالفلسفة

حوار مع جون غرايش: فلسفة الدين من وجهة نظر تأويلية وفينومينولوجية وسُبل التداوي بالفلسفة

 

بالتعاون مع مؤسسة مؤمنون بلا حدود


توطئة

“جون غرايش” (Jean Greisch) فيلسوف فرنسي معاصر، وُلد في بلدة كوريش (Koerich) في لوكسمبورغ (Luxembourg) سنة 1942. درس الثيولوجيا في الجامعة الكاثوليكية في لوفين (Université Catholique de Louvain) وفي جامعة إنسبروك في النمسا (Université d’Innsbruck)، حيث تعوّد على مقاربات نظرية (متعالية، فينومينولوجية) في قراءة التوماويّة (توما الأكويني) خصوصاً، تردد بعدها على دروس الأب ستانسلاس بروتون (Stanislas Breton) حول توما الأكويني سنة 1969-1970 في كليّة الفلسفة بالمعهد الكاثوليكي بباريس حيث سيزاول التدريس لاحقاً. كما تردّد على دروس الأب دومينيك ديبغل (Dominique Dubarle) حول فلسفة هيغل. وحضر دروس بول ريكور عندما كان يدير مخبر “الفينومينولوجيا والهيرمينوطيقا”، وهي دروس ومحاضرات حول التأويل والاستعارة وفلسفة الفعل، وكانت مادة ثريّة في المؤلفات العديدة التي دوّنها ريكور مثل “الاستعارة الحية”، و”من النصّ إلى الفعل”.

درّس الفلسفة في المعهد الكاثوليكي في باريس (Institut Catholique de Paris)، حيث أصبح عميد المعهد من 1985 إلى 1994، وأشرف على مخبر “فلسفة الهيرمينوطيقا والفينومينولوجيا” في المعهد ذاته. ناقش سنة 1985 رسالة الدكتوراه حول مارتن هايدغر التي ستظهر في كتاب عنوانه “القول السعيد: مارتن هايدغر بين الأشياء والكلمات” (انظر البيبليوغرافيا)، ثم عمل أستاذاً باحثاً في “أرشيفات هسيرل” بالمركز الوطني للبحث العلمي (CNRS)، ودرّس أيضاً في جامعة هومبولت ببرلين (Université Humboldt, Berlin) ويواصل التدريس منذ 2009، كما أنّه أستاذ زائر في الولايات المتحدة الأمريكية في جامعة فيلانوفا (Université de Villanova, Pennsylvanie) حيث شغل كرسي “الفلسفة المسيحية”، وفي اليابان في جامعة كيوتو (Université de Kyoto). يدير اليوم سلسلة “الفلسفة” في منشورات بوشين (éditions Beauchesne).

بيبليوغرافيا جون غرايش مدهشة، تشتمل على العشرات من الكتب والترجمات إلى جانب المئات من المقالات والمحاضرات باللغات التي يتقنها (الفرنسية، والألمانية، والإنجليزية). بعث لي بقائمة مؤلفاته بين سنوات 1973-2010 وهي تتحدّد في 33 صفحة، وهذا يُبرز بلا شك العطاء الفكري الغزير لديه. سأكتفي هنا بأهم الأعمال الرئيسة التي أحددها في الكتب والترجمات المنشورة والكتب قيد الإعداد أو النشر. المجال الفكري الذي تنصبّ فيه مؤلفاته متعدد المشارب: الفينومينولوجيا، الهيرمينوطيقا، فلسفة الدين، الفلسفة التحليلية، المنطق، التأويل، السردية، الزمن والحدث، الحداثة، الأنثروبولوجيا الفلسفية، الأنطولوجيا، الغيرية، الترجمة، الأخلاق، الحقيقة، فريدريش شلايرماخر، إدموند هسيرل، مارتن هايدغر، بول ريكور، جاك دريدا، إيمانويل لفيناس، كلود رومانو، ستانسلاس بروتون، هنري دوميري…

1- الكتب المنشورة[1]:

الهيرمينوطيقا والغراماتولوجيا [علم الكتابة] (1977)؛ العصر الهيرمينوطيقي للعقل (1985)؛ القول السعيد: مارتن هايدغر بين الأشياء والكلمات (1987)؛ الهيرمينوطيقا والميتافيزيقا: مشكلة تاريخية [بالألمانية] (1993)؛ الأنطولوجيا والزمانية: مدخل إلى تأويل كامل لـ”الوجود والزمان” (1994)؛ شجرة الحياة وشجرة المعرفة: الجذور الفينومينولوجية لهيرمينوطيقا هايدغر 1919-1923 (2000)؛ الكوجيتو الهيرمينوطيقي: الهيرمينوطيقا الفلسفية والإرث الديكارتي (2000)؛ بول ريكور: مسار المعنى (2001)؛ الدغل المتوهج وأنوار العقل: ابتكار فلسفة الدين، الجزء الأول: الوارثون وميراث القرن التاسع عشر (2002)، الجزء الثاني: المقاربات الفينومينولوجية والتحليلية (2002)، الجزء الثالث: نحو براديغم هيرمينوطيقي (2004)؛ الإصغاء بأذن أخرى: الرهانات الفلسفية للهيرمينوطيقا الإنجيلية (2006)؛ من نحن؟ دروب فينومينولوجية نحو الإنسان (2009)؛ الخطيئة والاقتدار. الفلسفة الأنثروبولوجية لدى بول ريكور [بالألمانية] (2009)؛ من اللا-آخَر إلى الآخَر كله: الإله والمطلق في اللاهوت الفلسفي للحداثة (2012).

2- الترجمات المنشورة[2]:

هانس يوناس، مبدأ المسؤولية: محاولة في الأخلاق من أجل حضارة تكنولوجية (1990)؛ فلهلم شاب، متعرقلون داخل الحكايات: كينونة الإنسان والشيء (1992)؛ بول ريكور، الذات عينها كآخر [ترجمة إلى الألمانية] (1996)؛ هانس أورس فون بالتزار، الثيولوجي، الجزء الثالث: روح الحقيقة، بالاشتراك مع جوزيف دوري (1996)؛ أوجن غوزنستوك-هويسي، تحت خطر اللغة (1997)؛ إيمانويل كانط، نحو السلام الدائم، بالاشتراك مع إ. بلونديل، أ. هنسن-لوف، ت. ليدنباخ (2001) مارتن هايدغر، فينومينولوجيا الحياة الدينية (2012).

3- كتب قيد الإعداد أو النشر[3]:

يحضّر غرايش مجموعة من الكتب التي ستصدر عما قريب: “التجربة الفلسفية، التمارين الروحية وعلاج النفس” [بالإنجليزية] عن المنشورات الجامعية فوردام بنيويورك؛ “اللقاء مع الحقيقة” عن منشورات سوي بباريس؛ “الهيرمينوطيقا بوصفها حكمة في الارتياب” عن منشورات مجلة “حلقة الهيرمينوطيقا” (في سلسلة “فيلو”)؛ “العيش بالتفلسف: التجربة الفلسفية، التمارين الروحية، علاج النفس” عن منشورات هيرمان. بالإضافة إلى مجموعة قصصية فلسفية (مزدوجة اللغات: فرنسية-ألمانية وفرنسية-إنجليزية) موجّهة إلى تلاميذ المتوسط والثانوي عنوانها: “حكايات مينيرفا: الطائر الفلسفي”، بعضها يصدر في الربيع وبعضها الآخر في خريف 2015.

تُرجمت أعماله إلى العديد من اللغات الأجنبية (الإنجليزية، الإسبانية، اليابانية، الرومانية) وإلى اللغة العربية حيث ستصدر بعض أعماله باللسان العربي قريباً وعلى وجه التحديد مؤلفه الضخم “الدغل المتوهج وأنوار العقل”، في ثلاثة أجزاء. تحصل سنة 2013 على “جائزة لابريير” (Prix La Bruyère) عن الأكاديمية الفرنسية حول كتابه “من اللا-آخَر إلى الآخَر كله”. سيتم عقد لقاء حول أعماله الفكرية في المركز الثقافي سوريزي-لا-سال (Cerisy-La-Salle) تحت عنوان: “جون غرايش: العقل الفينومينولوجي والعقل الهيرمينوطيقي”، من 2 إلى 8 سبتمبر/أيلول 2015، من تنظيم جيروم دو غرامون (Jérôme de Gramont) وستيفانو بنكالاري (Stefano Bancalari). لنترقب ذلك عن كثب. كما جرت العادة، قمتُ بمحاورة جون غرايش بالفرنسية وترجمتُ مضمون الحوار إلى العربية، كما أردفتُ الحوار بهوامش كثيرة لإيضاح فكرة أو للتعريف بشخصية فكرية أو مذهب أو نظرية. على أمل أن يستفيد قراء مجلة “يتفكرون” من هذا الحوار الهادف.

محمد شوقي الزين: السّيد جون غرايش، مرحباً بك في هذا الحوار، شاكراً لك قبول إجرائه. إنك فيلسوف فرنسي معاصر ودرّست الفلسفة في المعهد الكاثوليكي بباريس وفي جامعة هومبولت ببرلين، متخصص في الفينومينولوجيا والتأويلية؛ الفلسفية منها والدينية، وأنت صاحب العشرات من المؤلفات في هذا التخصص. كيف وصلت إلى هذا التخصص، وإلى جعل هذه المباحث المنهجية والصارمة (الفينومينولوجيا والهيرمينوطيقا) الحليف الأساسي في قراءة نصوص التراث والظواهر والمصائر والتحوّلات؟

جون غرايش: كان ينبغي التفكير قبل كلّ شيء في شروط ما سمّاه ريكور “التطعيم” (greffe) الناجح بين الفينومينولوجيا التي ارتقى بها هسيرل، في الكتاب العُمدة المُسمّى “بحوث منطقية”، إلى مصاف “الفلسفة الأولى”، وبين الهيرمينوطيقا، الفن العريق في التأويل، التي حاول أفلاطون تحديد حالتها في [محاورة] “أيون” (Ion)، بالإشارة إلى أنّ هذا “الوهب الإلهي” ليس تقنية يمكن تعليمها، ولا علماً يمكنه أن ينافس المعرفة الجدلية للفيلسوف. في نهاية “أيون”، يقارن أفلاطون المؤوّل بالمتقلّب (Protée)[4]، القادر على كلّ التحوُّلات، وبهذا المعنى، لا يمكن تقريباً القبض عليه (insaisissable). خلال ما يُقارب ألف سنة، ظلّ فنّ التأويل (ars interpretandi)، الذي تتعدّد قواعده حسب تنوّع الحقول التي يشتغل فيها (تأويل النصوص المقدسة، الفيلولوجيا، وفقه الأحكام خصوصاً)، ظلّ مجالاً معرفياً خارج الفلسفة. لم تتغيّر الوضعية إلا ابتداء من القرن التاسع عشر، بفضل تغيُّر في البراديغم الذي أجراه شلايرماخر (Schleiermacher)[5] ومعاصروه. بتأسيس الهيرمينوطيقا على تجربة الفهم وسوء الفهم، فإنّ هذه الوضعية احتملت على بُعد فلسفي أكدّ عليه دلتاي (Dilthey)[6]، وهايدغر وأخيراً وليس آخراً هانس جيورج غادامير.

إنّ الفينومينولوجيا التي تهتمّ بأشكال عطاء الظواهر[7] والهيرمينوطيقا الجديدة، على وجه الخصوص تلك التي تسلّم، عند هايدغر وغادامير، بأنه قبل أن يكونا نمطين خاصين في المعرفة، بإمكانهما التمييز بين “علوم الفكر” والمنهج التفسيري في “علوم الطبيعة”، يشتركان في الاهتمام بظاهرة الفهم. عبارة “فينومينولوجيا هيرمينوطيقية” ليست تناقضاً في ذاتها (contradictio in adiecto). إذا كان هدف الفينومينولوجي هو “إنقاذ الظواهر” فإنّ هذا “الإنقاذ” يستلزم بالضرورة عملاً في الفك الرمزي للظواهر وتأويلها. انطلاقاً من هنا، يرتسم حد أساسي في التقسيم بين مقاربتين في الهيرمينوطيقا: 1- الأولى، ذات بُعد جرماني، تعرّف الهيرمينوطيقا بوصفها “أداةً في الفهم” (Kunstlehre des Verstehens)، بوصفها نظرية في فن الفهم؛ 2- الثانية، التي أنعتها غالباً كهيرمينوطيقا “مبرهن عليها على الطريقة الغالية” (more gallico demonstrata)[8] وهي هيرمينوطيقا بول ريكور: برفضها أن تجعل تنافساً بين التفسير والفهم و”أنطلجة”[9] (ontologiser) مفهوم الفهم، فإنها تركّز على فكرة التأويل. أعتبر نفسي أقرب إلى هذا النموذج الثاني. أضف إلى ذلك اختلافاً آخر أوضحته بشكل مفصّل في كتابي “السماع بأذن أخرى” [انظر البيبليوغرافيا]. إنّ نظرية فلسفية في الفهم يمكنها أن تهمل خصوصيات الهيرمينوطيقا الأدبية أو القانونية أو الدينية. يبدو لي مهماً أيضاً التفكير في ما اصطلح عليه ريكور اسم “علاقة التشابُك المتبادل” بين الهيرمينوطيقا العامة (الفلسفية) والهيرمينوطيقيات الخاصة.

محمد شوقي الزين: اعتبر جياني فاتيمو (Gianni Vattimo) أنّ الهيرمينوطيقا (التأويلية) هي “لغة شائعة” (koinè) في الفكر المعاصر. كيف استطاعت هذه المعرفة عبور الأزمنة والمجالات الفكرية لتصبح مفتاحاً هاماً في القراءات العالمية المعاصرة؟

حتى وإن استعملتُ أنا أيضاً عبارة “العصر الهيرمينوطيقي للعقل” في أول محاولة لي حول الهيرمينوطيقا، لا أقول إنّ الهيرمينوطيقا هي لغة شائعة في الفكر المعاصر، لسبب بسيط وهو أنّ الفلسفة المعاصرة، على الأقل فلسفة القرن العشرين، تتحدث بلغات مختلفة لا يوجد بينها انسجام موضوعي سلفاً: الفلسفة التحليلية، فينومينولوجيا هسيرل، الفلسفة المتعالية، الهيغلية الجديدة، الكانطية الجديدة، …إلخ. معنى ذلك، لا يوجد بتاتاً ما يُسمّى لغة شائعة (koinè). إنّ الهيرمينوطيقا الفلسفية كما أفهمها هي، على غرار هيرمينوطيقا ريكور، مجرّد صورة أخرى من فينومينولوجيا هسيرل التي تنخرط في تراث طويل من الفلسفة التأملية (philosophie réflexive)[10]. الحديث عن “مفتاح عالمي” شيء غامض، لأنّ هذا يؤدي إلى تشبيه الهيرمينوطيقا بمفتاح عمومي (passe-partout) بإمكانه فتح كلّ الأبواب، ويمكننا استعماله بشكل عشوائي وبثقة عمياء. يمكن بطبيعة الحال إجراء جرد حول كلّ المناهج التأويلية الممارَسة في مختلف الحقول والميادين من أجل إنشاء نظرية عامّة في التأويل، كما حاول إميليو بيتي (Emilio Betti)[11] فعله في زمانه.

كان غادامير على حق؛ إنّ الهيرمينوطيقا الفلسفية الجديرة بهذا الاسم لا يمكن بناؤها إلا على أساس تحليل شروط إمكان الفهم في ذاته. كما يدلّ عليه العنوان الذي يضع الأسس المبدئية لهيرمينوطيقا فلسفية، “الحقيقة والمنهج”[12] هو جوهرة الهيرمينوطيقا الفلسفية في القرن العشرين، المشكلة المحورية فيه ليست المنهج وإنما الحقيقة. ما يهم هو تجارب الحقيقة في ميادين الفن والتاريخ واللغة التي تفلت من الوصاية الإبستمولوجية للعلوم المحضة. إذا أخذنا على سبيل المثال التاريخ، فإنّ المعرفة الإسطوغرافية (historiographie) لا يمكنها أن تمحو بداهة أننا منغمسون في التاريخ بمعزل عن معرفتنا المسبقة بالتاريخ، وأنّ التاريخية (historicité) تحدّد كينونتنا ذاتها.

محمد شوقي الزين: نشرتَ كتباً أكاديمية لها علاقة بتاريخ الهيرمينوطيقا عند العديد من الفلاسفة. لكنّ الأمر الذي يشد الانتباه هو مشروعك الكبير: “الدغل المتوهّج وأنوار العقل” في ثلاثة أجزاء يحمل عنواناً فرعياً: “ابتكار فلسفة الدين” حيث الترجمة العربية هي قيد الإعداد. هل يمكنك أن تقدّم لنا ظروف وضع هذا المشروع والدروس المستخلصة؟

هذا الكتاب هو حصيلة مجموعة من المحاضرات في فلسفة الدين التي قدّمتُها خلال سنوات عدة لطلبة الماجستير في الفلسفة وفي علم اللاهوت. على الخلاف من البلدان الأخرى التي تنتمي فيها فلسفة الدين إلى أرغانون المعارف الأكاديمية، فإنّ فرنسا، وبحجة اللائكية، لم تكن مؤيّدة لهذا التعليم، لأنها تشك في فلسفة الدين على أنها حصان طروادة لعلم في اللاهوت لا يقرّ بهذا الاسم[13]. لقد اتّضح لي أنّ أحسن طريقة لإبطال هذه الريبة كانت في إعادة رواية أصل ونشأة المعرفة الفلسفية [للدين] منذ هيغل وشلايرماخر، بوصفهما من بين الآباء المؤسسين لهذا الفرع المعرفي، وحتى الزمن المعاصر.

لكي أتوجّه بحصافة داخل هذه الورشة الكبيرة، تبنّيتُ مقاربة تميّز بين خمسة نماذج (براديغمات) كبرى: النموذج النظري البحت (paradigme spéculatif)، النموذج النقدي (paradigme critique)، النموذج الفينومينولوجي (paradigme phénoménologique)، النموذج التحليلي (paradigme analytique) وأخيراً النموذج التأويلي (paradigme herméneutique). بخصوص هذا البراديغم الأخير، فإنّ فرضيتي هي أنه لم يتطور سوى بمواجهة نقدية مع النماذج الأخرى، كما أبيّن ذلك عبر مثال مارتن هايدغر وبول ريكور. إنّ المساهمة التي طوّرتها في مجموعة من الدراسات التي أودّ جمعها ذات يوم في مجلد، تنبني على مثلث مفهومي مركّب من ثلاث مقولات جوهرية: “الحياة” (برغسون، ميشال هنري[14])، و”الوجود” (ياسبرز، هايدغر) و”التفكير” (نابير[15]، ريكور).

إنّ “الدين”، أياً كانت التعبيرات التاريخية بشأنه، هو تجلٍّ أصلي للحياة. معنى ذلك: قبل أن يصبح منظومة مذهبية، ينبغي أن يُفهم الدين على أنّه مسار الحياة يستوجب متابعته في أرقى أيّامه وفي أشقاها. فمن البليغ أن تكون محاضرات في فلسفة الدين لدى هايدغر في العشرينيات من القرن العشرين، التي ترجمتها إلى الفرنسية، تحمل عنوان: “فينومينولوجيا الحياة الدينية”. الدين هو دين كائن موجود، الذي على غرار الكائنات الأخرى، يشارك في ما سمّاه كانط “اللعبة الكبيرة للحياة”. الوجود، كما يذكّرنا به ياسبرز، ليس بدهيّاً؛ ولهذا السبب لا تساعدنا الفلسفة في التوجّه نحو العالم (Weltorientierung) فحسب، لأنّ هذا يتطلب حواراً مستمراً مع العلم، ولكن تساهم أيضاً في الإسفار عن الوجود (Existenzerhellung)[16]، دون نسيان نشاط “الهيرمينوطيقا” في فكها لشيفرات التعالي (transcendance).

أخيراً، مقتضيات التفكير هي متوافقة الطبع (connaturelle) مع الدين ومع الفلسفة أيضاً. إنّ الدين الذي يجعل من رفض التفكير قانوناً أعلى، أو الذي يمنعنا من التفكير، هو صورة زائفة (كاريكاتور) عن الدين أكثر خطورةً من كلّ الكاريكاتوريات التي يمكن أن يكون موضوعاً لها، لأنّه في هذه الحالة يقوم الدين بتزييف جوهره الخالص. أقوم في المقدمة العامة للكتاب بإدراج تمييزين مهمّين جداً في نظري، قبل كل شيء، التمييز الذي أقامه هنري دوميري[17] بين “فلسفة الدين” و”الفلسفة الدينية”. يمارس التمييز الأول نوعاً من الحياد الرفيق إزاء كلّ الأديان، ويحتمل هذا خطورة مقاربة موسوعية محضة، تبعاً لما سماه ريكور في حديثه عن الأساطير، “الإغواء الثقافي”[18]. يتموضع التمييز الثاني في وجهة نظر الاعتقاد الديني الخاص بفيلسوف يبحث فيه عن استخلاص معقولية فلسفية خاصة. تقوم الطريقتان الضروريتان معاً في تكميل بعضهما بعضاً أكثر من كونهما متنافستين. قد تتقاطعان عند الفيلسوف نفسه (فتغنشتاين هو أحسن مثال)، لكن ينبغي تفادي الخلط بينهما.

التمييز الآخر الذي تدور حوله تأملات جاك دريدا في “الإيمان والمعرفة”[19]، هو التمييز بين “الديني” و”المقدّس”. تُشكّل هاتان الكلمتان القطبين الأساسيين للإضمار الهيرمينوطيقي[20] الذي ينبغي للفيلسوف أن يعمّره بمضامين. علاوة على ذلك، كلّ قطب من هذين القطبين هو بوجه ما “مزدوج العمق”. يتغيّر “الدين” في المعنى تبعاً للتعريف مع شيشرون[21] بوصفه إتقان مجموعة من التعاليم الطقوسية، أو مع أغسطين[22] ولكتانتيوس[23] بوصفه حدّة الصلة بين المؤمن والإله. أمّا بالنسبة “للمقدّس”، فهو يتبدّى بشكل مختلف في التصوّر “الأنطولوجي” لدى هايدغر، أو في التصوّر “الأخلاقي” عند لفيناس الذي يدخل في صراع مع المقتضى الأخلاقي. كان دريدا على حق عندما أثار انتباهنا إلى أهمية هذه الفروقات المفهومية، كما أنّه يدعونا إلى مساءلة ما يسميه ظاهرة “العولمة اللاتينية” (mondialatinisation)، بمعنى أنّ الجميع يبدو متفقاً، لأسباب مفيدة أو سيئة، في استعمال المصطلح اللاتيني الذي استحدثه شيشرون في توصيف الظواهر الدينية.

كلّ كتاب هو بمثابة “قارورة مرمية في البحر” لا يعرف المؤلف في أي ساحل سوف تستقر، وأي نوع من القراء سيفتحها ويقرأ الرسالة التي بداخلها. إنّي سعيد جداً بأن تكون الترجمتان الإسبانية والعربية لكتابي هما في طريقهما نحو الإتمام، وإنّي فضولي جداً ـ وأيضاً قلق نوعاً ما ـ لمعرفة طبيعة التلقي لدى القرّاء في هاتين اللغتين.

محمد شوقي الزين: إنّ المجال المفضَّل لديك هو القراءة المتأنّية والمتبحّرة في مارتن هايدغر الذي خصّصتَ له رسالة في الدكتوراه. ما إسهام فلسفة هايدغر في فهم البُعد الديني؟ وما علاقته بالدين؟

إذا أردنا فهم مساهمة هايدغر في فينومينولوجيا الدين، فإنّ محاضراته في بداية العشرينيات من القرن العشرين، المجموعة تحت عنوان “فينومينولوجيا الحياة الدينية”، هي ذات أهمية حاسمة. حتى وإن كان الأمر يتعلق بورشة مبكرة تخلى عنها هايدغر بسرعة، فإنه حدّد زماناً فاصلاً (terminus a quoi) يتيح لنا، كما بيّنتُ ذلك في كتابي “شجرة الحياة وشجرة المعرفة”، وصف النشأة المعقدة لـ”الوجود والزمان” (Sein und Zeit)، حيث قدّمتُ شرحاً كاملاً في كتابي “الأنطولوجيا والزمانية” المرشّح هو الآخر لترجمة عربية. معرفة أين تكمن مساهمة هايدغر في تهيئة فينومينولوجيا تأويلية للدين، هي مسألة شائكة جعلت موقفه تجاه الدين، وعلى الخصوص الدين المسيحي، يتطور على امتداد مساره الفكري. تصبح المسألة أكثر تعقيداً إذا ما انتبهنا، كما بيّنتُ في آخر فصل من كتابي “من اللا-آخَر إلى الآخَر كله”، إلى الطريقة التي يعيد فيها هايدغر ضبط وإزاحة المشكلة الفلسفية للإله.

في كتابه “مساهمات في الفلسفة” (Beiträge zur Philosophie)، يُدرج الصورة الملغزة لعبارة “الإله الأخير”، حيث يبيّن أنه “الآخر راديكالياً بالمقارنة مع كلّ الذين وُجدوا حتى الآن، خصوصاً الإله المسيحي”. هذا “اللاهوت الأخروي” (théo-eschatologie) ما بعد الميتافيزيقي مدهش إلى درجة أنّه انطلاقاً من منعطف 1936-1938، ادّعى هايدغر أنّه خرج من الميتافيزيقا المتماهية مع “الأنطو-لاهوت” (onto-théologie) وتمثل الإله كعلة أولى، علة لذاته (Dieu causa sui). أواصل التساؤل حول مداخل المسألة ومخارجها لهذا “البدء الآخر للفكر”، دون نسيان الاستفزاز الناتج عن “الدفاتر السوداء”[24]، حيث نُشرت الأجزاء الأولى منها، ويتجلى مجالي المفضَّل في هايدغر سنوات 1928-1932 عندما وضع الأسس المبدئية لما سمّاه في تلك الفترة “ميتافيزيقا الدازاين”. إذا أردنا ألا ننضم إلى معسكر أولئك الذين يعتبرون أننا ولجنا في زمان “ما بعد الميتافيزيقا”، علينا إعادة استئناف مشروع “ميتافيزيقا” الدازاين، كما أحاول فعله في كتاب سيحمل عنوان “وظيفة الميتا، البنية التحتية الوجودية للميتافيزيقا”[25].

محمد شوقي الزين: لقد كتبتَ في “الدلالات المتعدّدة للتجربة وفكرة الحقيقة”[26] ما يلي: “لا يمكننا، بطبيعة الحال، أن نُسند لفعل التفلسف قيماً “علاجية” فقط عندما نعترف بتجربة فريدة. على العموم، يمكن أن نتساءل إذا كان هذا الفهم “الروحي” و”العلاجي” للتفلسف يوفّر فُرصاً مُثلى للحوار بين الثقافات والأديان من ذلك الذي يرى فيه مجال التكوين المفهومي والمذهبي”. كيف يمكن لهذا الحوار أن يحصل في ظلّ قطيعة ملموسة بين ضفّتي البحر المتوسط (أوروبا الغربية والدول العربية الإسلامية) مبنية على التشنّج والارتياب المتبادل؟ ما الأدوات الممكنة في ذلك؟ هل يمكن للترجمة مثلاً أن تضطلع بهذه الأخلاقية في الحوار؟

السؤال الواسع الذي تطرحه يجوب كتابي في رمّته: “العيش بالتفلسف”، وهو الآن تحت الطبع، وسأتحدث عنه بعد قليل. إنّ الفكرة التي شكلتها حول الهيرمينوطيقا لا تنفصل عن تجربتي بصفتي مترجماً واعياً للتمييز الهام الذي أقامه شلايرماخر، في مؤلَّف شهير، بين الترجمة التقنية (Dolmetschung) والترجمة الفكرية (Übersetzung). ثمّة العديد من الملتقيات أجريت والكثير من المجالس التابعة للبرلمان الأوروبي أقيمت، وكانت تتطلب خدمات المترجمين المحترفين. لكن، أتساءل أحياناً إذا كان هؤلاء المترجمون على علم بفكرة “محنة الأجنبي”[27] (أنطون برمان) التي تقتضيها ترجمة النصوص الأدبية والفلسفية. إنّ الفكرة التي أشكّلها حول أوروبا لا تنفصل عن هذه التجربة. أوروبا التي أنتمي إليها هي أوروبا الترجمات والمترجمين بأتمّ معنى لهاتين الكلمتين. انتصار الأحادية اللغوية (monolinguisme) الذي يحاول بعضهم فرضه علينا اليوم لعدة أسباب خاطئة، مالية بالدرجة الأولى، تُفقد أوروبا روحها. أنخرط كليةً في أطروحة باربارا كاسان التي تفتتح بها الموسوعة الرائعة “المعجم الأوروبي للفلسفات”[28]، الذي هو أداة عمل لا غنى عنها للجيل الجديد من المفكرين.

لا ننسى أيضاً دَيْن الفلسفة الغربية تجاه الشرّاح العرب لأرسطو من بين الفلاسفة والمترجمين. لقد نبهنا هيغل: فقط في الغسق تأخذ بومة مينيرفا طيرانها. معنى ذلك أنّ الفلاسفة يتكهنون المستقبل برداءة. بدلاً من أن نقيّد أنفسنا بالجمود والتشنّج الذي أوردته في سؤالك، بأن نثبّت بوم مينيرفا في أرضية الطيران للثقافتين (الغربية والعربية الإسلامية)، من الأولى تشجيعها على الطيران الليلي مهما كان خطيراً، لأنّه فقط في الطيران يمكن لهذه البوم أن “تتحاور”، أن “تعترف” إحداهما بالأخرى، بالنداء والتساؤل، بلا مواربة أو مجاملة أو تنازل.

محمد شوقي الزين: تسعى إلى إصدار كتاب ذي قيمة فلسفية هائلة له علاقة بعلاج النفس عنوانه: “العيش بالتفلسف: تجربة فلسفية، تمارين روحية وعلاج النفس”، (منشورات هيرمان). بانحسار دور الروحي وتضخّم الديني (في بعض أوجهه الصراعية والتدميرية)، هل مداواة النفس، أو طب النفوس، هو أمر ضروري وعاجل اليوم؟ كيف يمكن القيام بذلك ووُفق أيّة وصفة؟

هذا الكتاب هو صدى للأسئلة التي رأيناها قبل قليل: “العيش بالتفلسف بإخضاع الأنا والآخر إلى الامتحان”: بهذه الكلمات، قام سقراط بتحديد دوره الفلسفي أمام محكمة أثينا التي قضت بالحكم عليه بالإعدام. يبدو لي مهمّاً التفكير اليوم، بنمط جديد، في دلالة ورهانات هذه العبارة السقراطية. يدفعنا هذا التفكير إلى مواجهة ثلاثة أسئلة جوهرية وحاسمة، كما حاولتُ تبيان ذلك في كتابي الجديد: 1- سؤال القاعدة التجريبية للفلسفة أو التمارين التي تتيح وضع هذه التجربة الفلسفية على قدم وساق، وفي نهاية المطاف، نوع “الخلاص” الذي يمكن أن توفّره لنا. لستُ وحيداً في هذا الصدد، بل على العكس من ذلك، أغامر في ميدان مهّد له العديد من المؤلفين الجادّين أمثال مارتا نوسبوم (Martha Nussbaum)، بيير هادو (Pierre Hadot)، مارسيل كونش (Marcel Conche) وأندري جون فولك (André-Jean Voelke)، دون أن أنسى ميشال فوكو الذي وضع في محاضراته الأخيرة في الكوليج دو فرانس القواعد الأساسية لـ”هيرمينوطيقا الذات”[29]، المتركّزة حول المبحث السقراطي في “الانهمام بالذات” (souci de soi)، في فترة كان بول ريكور يضع فيها الخطوط العريضة في “هيرمينوطيقا الذات” التي ستجد تعبيرها الأوفى في كتابه “الذات عينها كآخر”[30].

إعجابي ببحوث هؤلاء الكُتّاب حثني على تمديد التحقيق إلى ما وراء الإطار العام للفلسفة العريقة، وذلك بتقدير خصوبة تصوّر معيّن للفلسفة يرى فيها أسلوباً في الحياة، وربما أيضاً حدودها، وليس مجرد نظر عقلي، دون أن يكون ضرورياً أن نضع منافسة بينهما. يستعيد كتابي دروساً قدّمتها في باريس، في بوسطن وفي فيلانوفا بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 2012، وفي جامعة هومبولت ببرلين. تقدّم هذه الدروس خطوطاً عريضة في “مسار الاعتراف”[31] التاريخي الذي لا يتوقف عند المدارس الكبرى في الفلسفة الهلينستية (الأبيقورية، الرواقية، الشكية) التي استحضرت التماثل مع العلاج. بقراءة بوثيوس[32]، وكيركيغارد، ونيتشه، وفتغنشتاين وفرانتس روزنتسفايغ[33]، أردتُ تبيان راهن تصوّر معيّن للفلسفة، لا يمكن تجاوزه، الذي بدلاً من أن يكون نسقاً مذهبياً، يعكس الخيار الوجودي لأسلوب معيّن في الحياة.

محمد شوقي الزين: عندما تستحضر الدلالات المتعددة للتجربة والإمكانية الاشتقاقية في التوتّر بين ما يمكن التحكّم فيه (le maîtrisable) والمحتمل (le probable)، ألا تشير إلى الحكمة الرواقية بين ما يتوقف علينا فعله (المتحّكم فيه) وبين ما يفلت من إرادتنا (يمكن أن يكون: المصادفة، المصير، الحظ…)، باختصار الحدث؟

يقول غادامير في “الحقيقة والمنهج”: إنّ مفهوم التجربة هو من بين المفاهيم الأقل تبياناً واستجلاءً. حاولتُ إعادة وصف ما قبل التاريخ الطويل لهذا المفهوم لتفادي حصره في المعنى الذي يتلقاه في العلوم المسماة “التجريبية” (expérimentales) واستعمالاته من طرف الأشكال المتعددة من التجريبية (empirisme). توفر لنا الفينومينولوجيا التأويلية في هذا الخصوص عُلبة من الأدوات الضرورية، كما تشهد على ذلك “الهيرمينوطيقا الحدثية” (herméneutique événementiale) عند كلود رومانو[34]. لهذا، لا ينبغي المبالغة في تقدير التمييز الرواقي بين الأشياء التي تخضع إلى إرادتنا والأشياء التي تفلت من إرادتنا. ينبغي، على العكس، الدفع بالتساؤل إلى أبعد مدى بمعرفة كيف يمكن الإقرار بالحاكمة (l’hégémonikon)، أي النفس العاقلة التي تدبّر أفعالنا كلها [حسب الفلسفة الرواقية]. للتعبير عن ذلك في صورة بسيطة: السؤال الحاسم عند الرواقي هو معرفة إذا كان ثمة قائد على متن الطائرة، أو لتفادي المغالطة التاريخية (anachronisme): إذا كان ثمة قبطان على متن السفينة. هل هذا السؤال هو مهم وحاسم بالنسبة إلينا؟ ألا نتساءل بدورنا ما هو المصير الذي نعدّه لما لا يمكننا التحكم فيه؟ تمهّد هذه الأسئلة أحد الكتب قيد الطبع الآن عنوانه: “الهيرمينوطيقا بوصفها حكمة في الارتياب”.

محمد شوقي الزين: لقد كان الحدث في صُلب الفلسفات المعاصرة (هايدغر، دريدا، دولوز…). ما الشيء الذي يُثير في الحدث؟ لماذا يُقارَن بالنشأة القصوى؟ هل بمقتضى ميلاد أصلي (اليسوع مثلاً) أو معجزة غامضة؟ باختصار، لماذا الحدث هو في عداد ما يتعذّر تعريفه؟

بالفعل، الحدث هو مفهوم مركزي عند العديد من الفلاسفة المعاصرين الذين يقدمون له قراءات متنوّعة ومتمايزة. يكفي أن نستحضر بعض الأسماء على غرار ألفرد نورث وايتهد (Alfred North Whitehead)، مارتن هايدغر، ألان باديو (Alain Badiou)، والقريب منا جون لوك ماريون وكلود رومانو، لكي ندرك هذه الأهمية القصوى التي نوليها للحدث. من بين كل الكُتاب الذين أوردتُ أسماءهم، أشعر أنني أقرب إلى “الهيرمينوطيقا الحدثية” التي سطرها كلود رومانو في كتابيه “الحدث والعالم” و”الحدث والزمن”. في دراسة حديثة، تساءلتُ بأيّ معنى يمكن لعبارة كانط الشهيرة “الرمز يحث على التفكير”، التي كانت خيط أريان الذي سار وُفقه ريكور في “رمزية الشر”، أن تتحول إلى الحدث. يتبدى الحدث في ظرف مغاير، إذا كان مرتبطاً بالتمييز بين العَرضي والجوهري، بين المحتمل والضروري، بين البنية والزمن، بين الواقعة والحدث…. إلخ. قبل أن نطرح سؤال معرفة إذا كان هنالك “أنطولوجيا في الأحداث”، سؤال قدّم له وايتهد وهايدغر وباديو أجوبة متباينة، يبدو لي من الأجدى أن نهتم مع ماريون ورومانو بالمظهرية (phénoménalité) الخاصة بالأحداث.

لا تأتي الأحداث في العالم البارمينيدي[35] حيث كلّ شيء “ثابت الأواصر”. تأتي في عالم تتبع فيه الأشياء مسارها، أو تبعاً للقول الشعبي المأثور: “كلّ شيء يسير على ما يرام” (tout baigne). إنّ التغيير الحدثي يمكنه أن يأخذ مظهر واقعة جديدة تعدّل المعطيات، حتى ولو لم يُدرك أي شخص ذلك. لكن الحدث، بالمعنى القوي للكلمة، يُوجِد ما لا يوجَد بعد. إنّ أحد الخيوط الحمراء التي تربط بين المقاربات الفنومينولوجية والهيرمينوطيقية والأنطولوجية للحدث هي قوته في المناداة: “في ما وراء صحراء النقد، نريد أن نكون مدعاة للنداء”، كما أعلن ريكور في نهاية “رمزية الشر”. بالنسبة لفيلسوف يريد “التفكير انطلاقاً من الحدث”، فإنّ التهديد القاتل لا ينبُع من “صحراء النقد”، ولكن من الشك الذي وضعه شكسبير على لسان ماكبيث (Macbeth)[36] عندما يطلع على خبر وفاة زوجته، بينما تتحول غابة بيرنام (Birnam)، وهي رمز الثبات إن كان هنالك ثبات ما، إلى خشب متموّج، أي إلى “حدث” تبدو معه الحياة البشرية، الفردية أو الجماعية، مجرد ظل زائل، أو حكاية يتلوها معتوه بشكل صاخب وولع، والتي لا تعني في نهاية المطاف أي شيء.

يمكن أن نتصوّر إزاء هذا التحدي معادلاً “حدثياً” للرغبة في تلقي النداء من جديد: “لقد بقي لي القليل من التطيُّر اللاعقلاني”، يكتب الروائي التشيكي ميلان كونديرا (Milan Kundera)، “وكأنه قناعة عجيبة بأنّ كلّ حدث يطرأ عليّ يحتمل على معنى زائد، وأنّه يعني شيئاً ما؛ وعبر مغامرته الخاصة تتوجه إلينا الحياة بالكلام، تكشف بالتدريج عن سر تقدمه كلغز قابل للفك، وأنّ الأزمنة التي نحياها تشكل في الوقت نفسه أسطورة لحياتنا، وأنّ في حوزة هذه الأسطورة مفتاحاً لحقيقة السر”. “هل هذا وهم؟”، يتساءل الروائي. ويجيب عن ذلك: “هذا ممكن، بل ومحتمل، لكن لا يمكنني قمع هذه الحاجة في استجلاء مستمر لحياتي الشخصية”. تفضي هذه الإجابة إلى التعريف “الهيرمينوطيقي” للإنسان كما صاغه تشارلز تايلر[37]، تعريف أوافق عليه بدون تردد: الإنسان هو “حيوان ذاتي-التأويل” (self-interpreting animal)، كائن حي مكرَّس لعمل لا ينضب في التأويل الذاتي.

محمد شوقي الزين: في كتابك: “شجرة الحياة وشجرة المعرفة، الجذور الفينومينولوجية للهيرمينوطيقا الهايدغرية” (منشورات سيرف، 2000)، تقوم باستنطاق أهمّ الفلاسفة المعاصرين (هايدغر، دريدا، غادامير…) والتيّارات التي ينخرطون فيها (الفينومينولوجيا، التفكيكية، الهيرمينوطيقا…). هل كان هذا الحوار بين الأشخاص وتجارب الفكر، عبر كتابك وبقلمك، سهلاً في إدارته والكشف عن رهاناته؟

أقلّ ما نقوله: إنّ هذا “الحوار العرْضي” (التلاسني، التثقافي، التدايني وحتى “التفلسفي”[38]، لأنّ الفلاسفة لهم مشكلة في دوزنة آلاتهم الموسيقية) لم يكن سهلاً. أطبّق عليه بلا تردد عبارة أنطون برمان يستعملها في حديثه عن مشكلة الترجمة: في كلّ الحالات وعلى جميع المستويات، يفترض “محنة الأجنبي”. على الخلاف من أطروحة المحلل النفسي جون لابلانش[39] الذي يعتقد أنّ الهيرمينوطيقا تتهرّب من هذه المحنة في الأجنبي، أرى من جهتي أنّه لا مجال لأن نجعل متنافسين المؤول والمترجم، العكس هو الحالة المناسبة؛ من جانب ومن آخر، محنة الغيرية (altérité) هي نفسها. دفعتني دراسة رائعة لجون بيير فرنان[40] حول التكامل بين هيستيا وهرمس (Hestia et Hermès) في الفكر اليوناني العريق إلى وصف التجربة الهيرمينوطيقية الأساسية بمنحها شكل إهليلج، حيث القطب الأول هو الألفة المطلقة (هيستيا) والآخر هو الغرابة المطلقة (هرمس). في الألفة، في “المنزل” المحوَّل إلى قلعة محصَّنة، لا وجود لمكان لاستقبال الأجنبي، في الغرابة، كل شيء ينفجر ويتشتت.

كما أشار شلايرماخر في خطابه الأكاديمي حول الهيرمينوطيقا، لا ننفك عن الرواح والمجيء بين القطبين. لا يتعلق الأمر فقط بالفكرة التي نشكّلها حول نشاط الفهم والتأويل، ولكن أيضاً بتصوّر معين للأخلاق. على غرار بول ريكور، كنتُ دائماً أعتبر أنّ الترجمة هي البراديغم الأساسي لكل فهم. يمكن أن نقول عن مهمة المترجم ما قاله هيرقليطس عن النهر الذي لا نستحم في مائه مرّتين، مع اختلاف طفيف وهو أنّه ليس فقط مياه اللغة التي لا تنفك عن التجدد، لكن المترجم أيضاً، يخرج منها، في كل مرّة، متجدداً بشكل عميق.

محمد شوقي الزين: اتّخذ بول ريكور مكانة هامة في كتاباتك المتنوعة، خصوصاً في الكتاب المخصَّص له: “بول ريكور، منحى المعنى” (منشورت ميون، 2001). كيف ساهم ريكور في تكوينك الفلسفي من جهة، ودوره في تجذير الهيرمينوطيقا في فرنسا من جهة أخرى؟

بدأتُ التردد على حلقات الدروس عند بول ريكور في بداية السبعينيات من القرن العشرين، وكنتُ وقتها أحضّر شهادة الجدارة في الفلسفة. كانت سنوات رائعة وجدت تعبيرها لاحقاً في كتابه “الاستعارة الحيّة” وثلاثية “الزمن والسرد”[41]. إنّ المباحث التي كنا نشتغل عليها في تلك الفترة لم تفارقني أبداً حتى وإن عمدتُ إلى التعمّق في الأساس الوجودي للوظيفة الاستعارية، وركّزتُ تأملاتي حول الوظيفة السردية على الثلاثية التي سماها الفينومينولوجي الألماني فلهلم شاب[42] ظاهرة “التعرقل في الحكايات”. عندما يقول هولدرلين[43] (Hölderlin) بشكل “شاعري” إنّ الإنسان يسكن هذه الأرض، معنى ذلك أنّ الاستعارة ليست تكلّفاً بلاغياً أو شاعرياً، ولكن تعكس مظهراً أساسياً من كينونتنا في العالم، يلخصه بول سيلان[44]، شاعر لا يبتعد عن انشغالاتي الفلسفية: “كلّ شيء أقل/ كلّ شيء أكثر/ كلّ هذا يكون”.

في ما يتعلق بالوظيفة السردية، يبدو لي مهمّاً مقاومة إغراء “المثالية السردية” التي ترفض الميل نحو حالات- حدود تُخفق فيها الحبكة أو الدسيسة السردية (mise-en-intrigue narrative)، سواء لأنّه لا شيء يمكن حكايته (يبقى مجرد ركام غير متجانس من الوقائع المتعددة والساخرة أو من الانطباعات العابرة)، أو لأنّ الذات التي لها القدرة على الاندراج في “الدسيسة” تضحي هزيلة (يمكنني أن أحكي أي شيء ما عدا ذاتي: إنّها الرواية السردية على طريقة “أتقدم مقنَّعاً”[45]). في عملين حديثين (“من نحن؟ دروب فينومينولوجية نحو الإنسان” و”الخطيئة والاقتدار. الفلسفة الأنثروبولوجية لدى بول ريكور” [طالع البيبليوغرافيا])، يمكن إضافة مجموعة من الدراسات إليهما تحت عنوان “الهيرمينوطيقا بوصفها حكمة في الارتياب”، اهتممتُ بالمساهمة الأساسية لدى بول ريكور في الأنثروبولوجيا الفلسفية تحت الشكل المزدوج في أنثروبولوجيا الخطيئة وفينومينولوجيا الإنسان المقتدر.

كلّ هذا للقول إنّ من بين جميع الفلاسفة الذين كان لي الحظ في التعرُّف عليهم والالتقاء بهم (ستانسلاس بروتون[46]، المشرف على رسالتي في الدكتوراه، إيمانويل لفيناس، ميشال هنري، جاك دريدا، دون نسيان القبيلة الواسعة من الفرنسيين المعاصرين المتخصصين في الفينومينولوجيا)، ريكور هو المحاور الأساسي، لأنّه أعطى الوسام الشرفي الفلسفي لعبارة “الفينومينولوجيا الهيرمينوطيقية” التي أنخرط فيها أيضاً. عندما أتأمل في لقائي بهؤلاء الفلاسفة، أتذكر كلمة جيدة عند لورن فابيوس (Laurent Fabius) عندما كان الوزير الأول تحت حكم الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتيران (François Mitterand)، في جوابه على أسئلة الصحفيين الذين انشغلوا بالتقارب الكبير بينهما، قال: “هو، هو؛ وأنا، أنا”. أقول الشيء نفسه بشأن الفلاسفة الذين أحسّ نفسي قريباً منهم، لكن بإتمام النكتة بعبارة عند مونتاني[47] يقول فيها عن صديقه لابويسيه[48]: “لأنّه كان هو، لأنني كنتُ أنا”. هذه العبارة “لأنّ” هي التي تضع الفرق. فهو ينبهنا إلى أنّ الفلسفة هي مؤسسة أصدقاء. ربما الطريقة التي يحيا بها الفلاسفة صداقاتهم، دون التنكر لاختلافاتهم أو استبعادها، تساعدنا بشكل متواضع على تدبير اختلافات أخرى: سياسية أو ثقافية أو دينية.

 

 

 

 

 


* نشر هذا الحوار في مجلة “يتفكرون“، 2015، العدد 6

[1]. Jean Greisch, Herméneutique et grammatologie, Paris, éd. du CNRS, 1977; L’âge herméneutique de la raison, éd. du Cerf, 1985, (coll. «Cogitatio Fidei», 143); La parole heureuse. Martin Heidegger entre les choses et les mots, Paris, éd. Beauchêne, 1987, (coll. «Bibliothèque des Archives de Philosophie, 47); Hermeneutik und Metaphysik. Eine Problemgeschichte, Munich, W. Fink, 1993; Ontologie et temporalité. Esquisse d’une interprétation intégrale de Sein und Zeit, Paris, PUF, 1994, coll. «Epiméthée», rééd. 2002; L’Arbre de la vie et l’arbre du savoir. Les racines phénoménologiques de l’herméneutique heideggerienne (1919-1923), Paris, éd. du Cerf, 2000, (coll. «Passages», 100), rééd. 2013; Le Cogito herméneutique. L’herméneutique philosophique et l’héritage cartésien, Paris, Vrin, 2000; Paul Ricoeur. L’itinérance du sens, Grenoble, éd. Jérôme Millon, 2001; Le Buisson ardent et les lumières de la raison, t.1: Héritiers et héritages du XIXe siècle, t.2: Les approches phénoménologiques et analytiques, t.3: Vers un paradigme herméneutique, Paris, éd. du Cerf, 2004; Entendre d’une autre oreille. Les enjeux philosophiques de l’herméneutique biblique, Paris, Bayard, 2006; Du non-autre au tout-autre. Dieu et l’absolu dans les théologies philosophiques de la modernité, Paris, PUF, 2012; Qui sommes-nous ? Chemins phénoménologiques vers l’homme, Louvain-La-Neuve, éd. de l’Institut Supérieur de Philosophie, 2009; Fehlbarkeit und Fähigkeit. Die pilosophische Anthropologie Paul Ricoeurs, LIT-Verlag, 2009.

[2]. Hans Jonas, Le Principe Responsabilité. Essai d’une éthique pour la civilisation technologique, Paris, éd. du Cerf, 1990, coll. «Passages», 3e éd. 1995; Wilhelem Schapp, Empêtrés dans des histoires. L’être de l’homme et de la chose, tr. Jean Greisch, Paris, éd. du Cerf, 1991, coll. «La Nuit Surveillée»; Paul Ricœur, Das Selbst als ein Anderer, tr. Jean Greisch, München, W. Fink, 1996; Hans Urs von Balthazar, La Théologique. III. L’Esprit de Vérité, Bruxelles, Culture et Vérité, 1996, tr. avec Joseph Doré; Eugen Rosenstock-Huessy, Au risque du langage, Paris, éd. du Cerf, 1997, (coll. «La Nuit Surveillée», 152); Emmanuel Kant, Vers la paix perpétuelle, tr. E. Blondel, J. Greisch, O. Hansen-Loeve, Th. Leydenbach, Paris, Hatier, 2001; Martin Heidegger, Phénoménologie de la vie religieuse, tr. Jean Greisch, Paris, Gallimard, 2012, coll. «Bibliothèque de Philosophie».

[3]. Jean Greisch, Philosophical Experience, Spiritual Exercises and the Therapy of the Soul (Fordham University Press); Rendez-vous avec la vérité, (Paris, éd. du Seuil); L’herméneutique comme sagesse de l’incertitude (à paraître dans la Collection «Phéno» de la revue: «Le Cercle herméneutique»); Vivre en philosophant. Expérience philosophique, exercices spirituels et thérapies de l’âme (éditions Hermann, coll. «De visu»); Les Contes de Minerve. La chouette philosophe, destinées à des collégiens et à des lycéens (éditions IPAGINE).

[4]- في الأسطورة اليونانية، “بروتيوس” (Prôteus) هو كائن بحري ذكره هوميروس في “الأوديسا”، له قدرة عجيبة على التحوّل (métamorphose) في أشكال مختلفة؛ وله قُدرات سحرية في الظهور والاختفاء. يقال عن إنسان إنه “بروتيوس” عندما يتقلّب في الأحوال أو يتذبذب في الآراء. قد تكون لهذه الكلمة دلالة سلبية في المكر والخديعة، لكن قد تكون لها دلالة إيجابية أيضاً في التحوّل مع الوضعيات والوقائع لغرض دفاعي أو ثقافي للسياقات والمستويات. عندما يتحدث ابن عربي مثلاً عن “التحوُّل في الصور”، فهو يستحضر قيمة “بروتيوسية”، حتى وإن أخذ “الحرباء” كنموذج في التعبير عن التحوّل الإلهي في صور العالم والمسمى بالتجلي.

[5]ـ فريدريش دانيال إرنست شلايرماخر (بريسلاو 1768 ـ برلين 1834)، فيلسوف ولاهوتي ألماني. درس في جامعة هاله (Halle) وعقد علاقات مع التيار الرومانسي بقيادة فريدريش شليغل. قام بترجمة الأعمال الكاملة لأفلاطون وقدم في جامعة برلين محاضرات عنوانها “حول الدين” (1799). عُيّن عميداً لكلية علوم الدين، وترك بعد وفاته أعمالاً في 31 مجلداً، تُترجم اليوم بالتدريج إلى اللغات الأوروبية. يُعدّ من بين الفلاسفة الألمان الذين أعطوا لنظرية التأويل أو “الهيرمينوطيقا” بعض التأسيسات المبدئية، خصوصاً في الحقل الذي اشتغل عليه وكان ينتمي إليه وهو الحقل الديني. كما كانت له اهتمامات بالترجمة من خلال محاضرة ألقاها في الأكاديمية الملكية للعلوم ببرلين بتاريخ 24 يونيو 1813: “في الطرق المتنوعة للترجمة” (Über die verschiedenen Methoden des Übersetzens)، بناءً على تجربته في ترجمة محاورات أفلاطون، وعلى هم مذهبي كامن في البروتستانتية ذاتها وهو ترجمة الإنجيل الذي أجراه مارتن لوثر والمشكلات النظرية والعملية المترتبة عن هذه الترجمة.

[6]- فلهلم دلتاي (1833-1911)، فيلسوف ومؤرخ ألماني، صاحب موسوعة كبيرة في علوم الفكر (Geisteswissenschaften). استلهم من شلايرماخر في تطبيق قواعد الهيرمينوطيقا على التاريخ ومحاولة التوفيق (الصعب) بين علوم الطبيعة وعلوم الفكر بالتفكير الجدي والعميق في العلاقة بين التفسير الذي تختص به علوم الطبيعة القائمة على السببية والتأويل الذي تختص به العلوم النفسية والتاريخية والدينية، وأيضاً مشكلات تحديد مفهوم التجربة بين التجربة العلمية والتجربة المعيشة (Erlebnis). له العديد من المؤلفات التي تدور في فلك العلوم الإنسانية والتاريخية ونظرية تصورات العالم (Weltanschauungen).

[7]ـ فكرة العطاء (donation) هي ذات أهمية كبرى في الفينومينولوجيا إلى جانب الرد الترنسندنتالي (réduction) الذي يسعى إلى اقتناص الظاهرة في محض بروزها للوعي، بمعزل عن أشكال تعيُّنها اليومي أو الذرائعي. العطاء هو المعطى من الظاهرة، تجلي هذه الظاهرة للوعي. جون لوك ماريون هو من بين أهم الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين ذوي النزوع الفينومينولوجي الذي منح لفكرة “العطاء” كل الأبعاد الفلسفية واللاهوتية. يمكن الرجوع إلى أهم مؤلفاته في هذا المضمار:

Jean-Luc Marion, Réduction et donation. Recherches sur Husserl, Heidegger et la phénoménologie, Paris, PUF, 1989; Etant donné. Essai d’une phénoménologie de la donation, Paris, PUF, 1997; De surcroît. Etudes sur les phénomènes saturés, Paris, PUF, 2001.

فكرة “العطاء”، فضلاً عن كونها اكتسبت دلالة دينية (الوهب، العطية، المنحة، الزكاة، الصدقة، الإحسان…) في التجارة الرمزية بالأفعال، فإنها تغلّفت أيضاً بدلالة فينومينولوجية ذات أبعاد ميتافيزيقية أو متعالية في طريقة تجلي ظاهرة من الظواهر للحدس. يمكن ربط هذه الفكرة بالمبحث الواسع الذي أثاره ابن عربي بفكرة “الجود” عندما ربطه بالوجود، وجعل علة الكينونة هي العطاء نفسه، بعبارته الشهيرة: “عن الجود صدر الوجود”، (الفتوحات المكية، ج2، 179).

[8]ـ يستعمل غرايش عبارة لاتينية في تبيان طبيعة الهيرمينوطيقا لدى بول ريكور: العبارة اللاتينية “المبرهَن عليه على الطريقة الغالية”، معناه الشيء الذي يسير وُفق الروح التاريخية (der Geist) لبلاد الغال (La Gaule) التي تواجدت في الجغرافيا الفرنسية الحالية؛ وهو الاسم الذي نعت به الرومان الشعوب السلتية (Celtiques) المتواجدة في تلك الفترة، قبل احتلالهم من طرف الرومان بين القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد. قام غرايش بعنونة إحدى دراساته حول ريكور بهذه الصيغة:

Jean Greisch, “De la compréhension à l’interprétation: l’herméneutique more gallico demonstrata”, in: Philosopher en français, sous la direction de Jean-François Mattéi, Paris, PUF/Quadrige, 2001.

[9]ـ أستعمل كلمة “أنطلجة” (ontologisation) لأبقى دائماً في سياق القوة النظرية التي تحملها الكلمة في مرجعيتها الثقافية، ولافتقار كلمة عربية دقيقة تعبّر عن مغزى المقولة. غالباً ما أسلك مسار شلايرماخر في الحفاظ على الكلمات المتعذر ترجمتها، نظراً لفرادتها وقوة منبتها، وفهمها في مبناها الأصلي: هذا شأن العديد من المقولات التي أتداولها (أنطلجة، أسططقة، سَنبلة، أيدولة، أيقونة…)، والعديد من المفاهيم النظرية أو السياسية الكبرى المتعذر ترجمتها، لأنها ذات حمولة قوية ترسّخت في التاريخ: مثلاً مصطلحات “فلسفة” و”ديمقراطية” في كل اللغات العالمية.

[10] ـ الفلسفة التأملية هي تراث فلسفي حديث ابتدأ مع مين دو بيران (Maine de Biran) للدلالة على الخاصية الأساسية للإنسان وهي التفكير، ومهمة الفيلسوف في فهم أو تصحيح هذا التفكير بأدوات أكثر تطوراً واحترافية باستعمال مفاهيم ومصطلحات ومقولات تحدد طبيعة هذا التفكير البشري، كما فعل ديكارت باستحداثه وترسيخه لمقولة الكوجيتو، وكما فعلت الفينومينولوجيا بدراسة طبيعة التفكير البشري عبر مفاهيم الوعي والقصدية والحدس، إلخ. يمكن مطالعة هذا المرجع الهام:

Ludovic Robberechts, Essai sur la philosophie réflexive, t.1: De Biran à Brunschvicg, Namur, éditions J. Duculot, 1971, t.2: Jean Nabert et après, Namur, Presses Universitaires, 1974.

[11]ـ إميليو بيتي (1890-1968)، فيلسوف وقانوني إيطالي، اهتم بالهيرمينوطيقا واشتغل عليها في حقل القانون والحقوق التشريعية. من أشهر أعماله: “نظرية عامة في التأويل” (1955)، “راهن النظرية العامة في التأويل” (1967). تقدم دراسة جون غروندان لمحة عامة حول التوجه التأويلي لدى بيتي: «الهيرمينوطيقا بوصفها علماً دقيقاً عند إميليو بيتي»:

Jean Grondin, “L’herméneutique comme science exacte chez Emilio Betti”, Archives de philosophie, n°53, 1990, p. 177-199

[12]. Hans-Georg Gadamer, Wahrheit und Methode. Grundzüge einer philosophischen Hermeneutik, Tübingen, 1960; tr. fr. Vérité et méthode: les grandes lignes d’une herméneutique philosophique, tr. Pierre Fruchon, Jean Grondin, Gilbert Merlio, Paris, Seuil, 1996, coll. «L’Ordre philosophique».

الترجمة العربية: غادامير، الحقيقة المنهج: الخطوط الأساسية في هيرمينوطيقا فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، مراجعة جورج كتورة، دار أويا، طرابلس، 2007.

[13]ـ ما أراد غرايش قوله هو صعوبة تشكيل فلسفة في الدين في أزمنة لم تعد تؤمن بالدين، خصوصاً في أوروبا، وعلى وجه التحديد فرنسا. بحكم القوانين اللائكية، فإن هذا البلد يرى فلسفة الدين كتسمية أخرى لعلم اللاهوت (الثيولوجيا) الذي يعود تحت غطاء جديد، مع أنّ فلسفة الدين لها أدوات علمية وفلسفية في فهم الظاهرة الدينية وليست أبولوجيا (Apologétique) همّها الدفاع عن مدوّنة العقائد الدينية كما سنّتها الكنيسة في عزّ سلطتها التاريخية في العصر الوسيط.

[14]ـ ميشال هنري 1922-2002 (Michel Henry) من أشهر الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين الذين اشتغلوا على الفينومينولوجيا بتكريس مفاهيم ترتبط أساساً بالتراث المسيحي الضخم. كما أنه جعل مفهوم “الحياة” (والمفاهيم المتعلقة به مثل “الجسد”) في مركز دراساته المعمّقة حول الفينومينولوجيا. من أهم أعماله: أساس التجلي (1963)، الفلسفة وفينومينولوجيا الجسد (1965)؛ أنا الحقيقة: من أجل فلسفة في المسيحية (1996)، التجسيد: فلسفة الجسد (2000). ومن بين الأعمال المنشورة بعد وفاته: فينومينولوجيا الحياة: الجزء الأول: في الفينومينولوجيا (2003)؛ الجزء الثاني: في الذاتية (2003)؛ الجزء الثالث: في الفن والسياسي (2003)؛ الجزء الرابع: حول الأخلاق والدين (2004).

Miche Henry, L’essence de la manifestation, Paris, PUF, 1963; Philosophie et phénoménologie du corps, Paris, PUF, 1965; C’est moi la vérité. Pour une philosophie du christianisme, Paris, Seuil, 1996; Phénoménologie de la vie, t.1: De la phénoménologie (Paris, PUF, 2003); t.2: De la subjectivité (Paris, PUF, 2003); t.3: De l’art et du politique (Paris, PUF, 2003); t.4: Sur l’éthique et la religion (Paris, PUF, 2004).

[15]ـ جون نابير 1881-1960 (Jean Nabert) فيلسوف معاصر، من بين المنتمين إلى التيار التفكيري أو التأملي. أهم مؤلفاته التي أثرت بشكل حاسم على بول ريكور وعلى فلسفة الدين عموماً: الرغبة في الإله (مجموعة نصوص منشورة بعد وفاته).

Jean Nabert, Le désir de Dieu, préface de Paul Ricoeur, Paris, Aubier, 1966, rééd. augmentée, Paris, Cerf, 1996.

[16]ـ جاءت عبارة غرايش بهذه الصيغة: élucidation de l’existence. أستعمل هنا “الإسفار” كمرادف لكلمة: كشف، تبيان، إيضاح، شرح، إنارة، إلخ. أستعمل في الحقيقة كلمة وظّفها ابن عربي في رسالته «الإسفار عن نتائج الأسفار» (رسائل ابن عربي، تقديم محمود محمود غراب، دار صادر، بيروت، 1997)، وكنتُ في تحضيري لدبلوم الدراسات المعمّقة في الجامعة الفرنسية قد دوّنتُ رسالة تحت عنوان: «السفر الوجودي عند ابن عربي». يتطابق هذا وفكرة الكشف عن الوجود عند ياسبرز، مثلما السفر الوجودي يقتضي تقنية كشفية/تأويلية يمكن نعتها بكلمة الإسفار.

[17]ـ هنري دوميري 1920-2012 (Henry Duméry) أكاديمي ومفكر فرنسي، عمل أستاذاً في جامعة باريس العاشرة، نانتير (Nanterre). اشتغل على أعمال الفيلسوف الفرنسي المتخصص في الأبعاد الفلسفية للدين موريس بلونديل 1861-1949 (Maurice Blondel). من أشهر أعمال دوميري: بلونديل والدين (1954)، فلسفة الدين (1957) في جزأين، مشكلة الإله في فلسفة الدين (1957)، الفينومينولوجيا والدين (1962).

Henry Duméry, Blondel et la religion, Paris, PUF, 1954; Philosophie de la religion, 2 vol., Paris, PUF, 1957; Le problème de Dieu en philosophie de la religion, Paris, Desclée, 1957; Phénoménologie et religion, Paris, PUF, 1962.

[18]ـ حرفياً: الدونجوانية الثقافية. الدونجوانية (donjuanisme)، نسبة إلى شخصية دون جوان (Don Juan)، هي السلوك المرضي في إغواء الآخر وافتتانه.

[19]. Jacques Derrida, Foi et savoir, Paris, Seuil, 2001

[20]ـ الإضمار أو الحذف (ellipse) في البلاغة هو إسقاط كلمة أو أكثر يكتشفها القارئ في السياق. مثلاً: «أكل زيد التفاح وعمرو البرتقال». يفهم القارئ من الشق الثاني من الجملة أنّ عمراً أكل البرتقال رغم إسقاط الفعل “أكل”. الغرض من الإضمار هو خلق الاختصار، ويمكن للقارئ ملأ الفراغ من خلال استيعابه للمقاطع المخصومة. ينقل غرايش الإضمار اللغوي نحو الهيرمينوطيقا لتبيان الطريقة التي يعمّر بها الفيلسوف الفجوات الكائنة بين مدلول “الديني” ومدلول “المقدّس” مع احترام الحدود الدلالية والإبستمولوجية، حتى لا يخلط بين هذا وذاك.

[21]ـ شيشرون 106-43 ق.م (Cicéron ou Marcus Tillius Cicero)، خطيب ومفكر روماني. أحد أشهر المرجعيات الفكرية اللاتينية في البلاغة والسياسة والحق والدين. صاحب مؤلفات عديدة وحاسمة في تطور الفكر اللاتيني والمسيحي. من أشهر أعماله في المجال الديني: في طبيعة الآلهة (De Natura Deorum) في عدة أجزاء. يحدد في مؤلفه الدين على أنه مراقبة الشعائر (الممارسة) بناءً على الجذر relegere من الكلمة اللاتينية religio.

[22]ـ أغسطين 354-430م (Augustin ou Aurelius Augustinus) كاتب ورجل دين مسيحي، من تاغاست (سوق اهراس حالياً، الجزائر)، قس هيبونة (عنابة حالياً). من أشهر أعماله: مدينة الله ضد الوثنيين (De Civitate Dei contra paganos)، اعترافات (Confessiones)، في التثليث (De trinitate).

[23]ـ لكتانتيوس 250-325م (Lactance ou Lanctantius ou Lucius Caecilius Firmianus) خطيب ومفكر مسيحي، اشتهر بتدوين رسائل في البلاغة والنحو والفلسفة. من أشهر أعماله: المؤسسات الإلهية (Divinae Institutiones) الذي يحدد فيه الدين كصلة أو رابطة بين الإنسان والإله، بناءً على الجذر religare من الكلمة اللاتينية religio.

[24]ـ الدفاتر السوداء (Cahiers noirs) هي مجموعة من الكتابات لهايدغر حول الفترة النازية التي عاشها وينوي ناشر ألماني نشرها وتوزيعها، لأنها تؤكّد، حسب نظره، الانتماء الذي لا لبس فيه لهايدغر إلى معاداة السامية (antisémitisme). أثار نشر هذه الكتابات ضجة إعلامية كبيرة، وهبت أقلام للدفاع عن الفيلسوف الألماني في كون بعض الفقرات الموحية بكره اليهود ينبغي وضعها في سياقها، فيما حمّل البعض الآخر هايدغر التبعات الأخلاقية التي لا تليق بمفكر من طرازه. في انتظار صدور «الدفاتر السوداء» وترجمتها إلى الفرنسية، تبقى ساحة السجال على أشدها بين أتباع هايدغر والمتخصصين في فلسفته.

[25]. Jean Greisch, La fonction méta. L’infrastructure existentiale de la métaphysique (à paraître).

[26]. Jean-Greisch, «Les multiples sens de l’expérience et l’idée de vérité», Recherches de science religieuse, 2003/4, tome 91, p. 593

[27]. Antoine Berman, L’épreuve de l’étranger. Culture et traduction dans l’Allemagne romantique, Paris, Gallimard, 1984.

[28]. Barbara Cassan (éd.), Vocabulaire européen des philosophies. Dictionnaire des intraduisibles, Paris, Le Seuil/Le Robert, 2004.

[29]. Michel Foucault, Herméneutique du sujet. Cours au Collège de France 1981-1982, Paris, Gallimard/Le Seuil, 2001, coll. «Hautes études».

[30] Paul Ricoeur, Soi-même comme un autre, Paris, Seuil, 1990.

[31]ـ يستعيد غرايش عنواناً مهماً لدى بول ريكور مسارات الاعتراف (2004) ليجعل منه جُملة إرشادية في الحديث عن دَينه لكُتاب وفلاسفة اعتنوا بالطابع التجريبي للفلسفة، بوصفها خبرة أو ممارسة متجذرة في الحياة.

[32]ـ بوثيوس 480-524 (Boèce ou Anicius Manlius Severinus Boethius) فيلسوف ورجل سياسي روماني، كان له اهتمام بما سُمي منذ الرواقية والأفلاطونية المحدثة بطب النفوس، كما يشهد على ذلك مؤلفه: “عزاء الفلسفة” (De consolatione philosophiae)، وهو كتاب في شكل حوار يتراوح بين الشعري والنثري دوّنه في السجن ويحكي فيه الكيفية التي تخلصه فيها الفلسفة من كربه وهمه. مباحث الحوار متنوعة حول الإله والمصير والنفس والألم والسعادة والفضيلة والخير والشر والعدل. كان لهذا الكتاب وقع كبير على العديد من مفكري العصر الوسيط والنهضة الأوروبية.

[33]ـ فرانتس روزنتسفايغ 1886-1929، فيلسوف وثيولوجي من أصل يهودي، تأثر بالعديد من المفكرين أمثال هرمان كوهن (Hermann Cohen) ومارتن بوبر (Martin Buber) واشتغل على المثالية الألمانية، خصوصاً فلسفة هيغل وشيلنغ. تميزت فلسفته بتفكير أنطولوجي ورمزي في نجمة داود التي خصها بأهم مؤلف في هذا المضمار: “فداء النجمة”.

Franz Rosenzweig, Der Stern der Erlösung, Kaufmann, Frankfurt am Main, 1921, tr. fr. L’étoile de la rédemption, tr. Alexandre Derczansk, Jean-Louis Schlegel, Paris, Seuil, 2003, coll. «La couleur des idées».

[34]ـ كلود رومانو، ولد سنة 1967، فيلسوف فرنسي معاصر وأستاذ الفلسفة في جامعة باريس السوربون. مجال اهتمامه هو الفينومينولوجيا، وركز جهوده على دراسة الحدث (événement) بوصفه الحاصل أو الطارئ (l’advenant) حسب تعيّنات وفر لها دراسات معمقة بالاعتماد على قراءة نقدية لـ«الوجود والزمان» لهايدغر. من أهم أعماله: الحدث والعالم (1998)، الحدث والزمن (1999)، يوجد: محاولات في الفينومينولوجيا (2003)، في صُلب العقل: الفينومينولوجيا (2010)، المغامرة الزمنية: ثلاث محاولات في تقديم الهيرمينوطيقا الحدثية (2010).

Claude Romano, L’événement et la monde, Paris, PUF, 1998, coll. «Epiméthée»; L’événement et le temps, Paris, PUF, 1999, coll. «Epiméthée»; Il y a: essais de phénoménologie, Paris, PUF, 2003, coll. «Epiméthée»; Au cœur de la raison, la phénoménologie, Paris, Gallimard, 2010, coll. «Folio/Essais»; L’aventure temporelle: trois essais pour introduire à l’herméneutique événementiale, Paris, PUF, 2010, coll. «Quadrige».

[35]ـ نسبة إلى بارمنيدس (Parménide)، الفيلسوف السابق على سقراط الذي تحدث عن الوجود (être) وعن العدم (non-être) في مجموعة من قصائده الشعرية. من بين أعماله التي وصلت إلينا: “في الطبيعة”.

[36]ـ «ماكبيث» هي تراجيديا كتبها ويليم شكسبير سنة 1606 تستلهم من شخص ملك اسكتلندا وتصوّر وقائع الصراع على الحكم، ومن ورائه تجليات الشر في الإنسان.

[37]ـ تشارلز تايلر، فيلسوف كندي، عمل أستاذاً في جامعة منتريال. كانت مجمل بحوثه حول الفلسفة التحليلية والتأويل والحداثة والفلسفة العملية والأخلاقية. من أهم أعماله: الفلسفة والعلوم الإنسانية (1985)، مصادر الذات: التأسيس الحديث للهوية (1989)، أزمة في الحداثة (1991)، حرية المحدثين (1999)، العلمانية وحرية الضمير (2010).

Charles Taylor, Philosophy and Human Sciences, Cambridge University Press, 1985; Sources of the Self: The Making of the Modern Identity, Harvard University Press, 1989; La malaise de la modernité, Paris, Cerf, 1991; La liberté des modernes, Paris, PUF, 1999; La laïcité et la liberté de conscience, Montréal, Les éditions du Boréal, 2010.

[38]- التلاسني (interlinguistique)، التثقافي (interculturel)، التدايني (interreligieux)، التفلسفي (interphilosophique)، مبنية كلها على وزن التفاعل كاقتراب نسبي من البادئة الفرنسية: inter-.

[39]ـ جون لابلانش، 1924-2012، فيلسوف ومحلل نفسي فرنسي، عمل أستاذاً في علم النفس في جامعة السوربون بباريس. دخل في نقاش حاد مع جاك لاكان حول طريقة تأويل كتابات فرويد. اشتهر خصوصاً بنشره لمعجم في التحليل النفسي. من أشهر مؤلفاته: معجم التحليل النفسي (1967)، الحياة والموت في التحليل النفسي (1970)، تأسيسات جديدة في التحليل النفسي (1987)، ترجمة فرويد (1989)، بين الافتتان والإلهام: الإنسان (1999).

Jean Laplanche, Vocabulaire de la psychanalyse (avec Jean-Bertrand Pontalis), Paris, PUF, 1967; Vie et mort en psychanalyse, Paris, Flammarion, 1970; Nouveaux fondements pour la psychanalyse, Paris, PUF, 1987; Traduire Freud, Paris, PUF, 1989 (avec A. Bourguignon, P. Cotet, F. Robert); Entre séduction et inspiration: l’homme, Paris, PUF, 1999.

[40]ـ جون بيير فرنان 1914-2007، أشهر مؤرخ فرنسي متخصص في الفكر اليوناني، وعلى وجه الخصوص الفكر الأسطوري. عمل أستاذاً في المدرسة العملية للدراسات العليا (EPHE)، ثم أستاذاً في الكوليج دو فرانس. من أهم أعماله: الأسطورة والفكر عند الإغريق: دراسات في السيكولوجيا التاريخية (1965)، الأسطورة والمجتمع في اليونان القديمة (1974)، الفرد، الموت، الحب: الذات والآخر في اليونان القديمة (1989)، الأسطورة والدين في اليونان القديمة (1990)، بين الأسطورة والسياسة (1996)، الكون، الآلهة، البشر: حكايات إغريقية حول الأصول (1999)؛ مع بيير فيدال ناكيه: اليونان العريقة، الجزء الأول: من الأسطورة إلى العقل (1990)، الجزء الثاني: المكان والزمان (1991)، الجزء الثالث: طقوس في المرور والاختراق (1992)؛ مع مارسيل ديتيان: حِيل العقل: الميتيس عند الإغريق (1974).

Jean-Pierre Vernant, Mythe et pensée chez les Grecs. Etudes de psychologie historique, Paris, Maspero, 1974, rééd., Paris, La Découverte, 2007; Mythe et société en Grèce ancienne, Paris, Maspero, 1974; L’individu, la mort, l’amour. Soi-même et l’autre en Grèce ancienne, Paris, Gallimard, 1989; Mythe et religion en Grèce ancienne, Paris, Le Seuil, 1990; Entre mythe et politique, Paris, Le Seuil, 1996; L’Univers, les dieux, les hommes. Récits grecs des origines, Paris, Le Seuil, 1999; avec Pierre-Vidal Naquet, La Grèce ancienne, t.1: Du mythe à la raison, Paris, Le Seuil, 1990, t.2: L’espace et le temps, Le Seuil, 1991, t.3: Rites de passage et transgression, Le Seuil, 1992; avec Marcel Detienne, Les ruses de l’intelligence. La mètis des Grecs, Paris, Flammarion, 1974.

[41] Paul Ricoeur, La métaphore vive, Paris, Le Seuil, 1975; Temps et récit, t.1: L’intrigue et le récit historique, Paris, Le Seuil, 1983, t. 2: La configuration dans le récit de fiction, 1984, t.3: Le temps raconté, 1985.

[42]ـ فلهلم شاب (1884-1965)، فيلسوف ألماني متخصص في الفينومينولوجيا، درس عند فلهلم دلتاي وإدموند هسيرل. ساهم بأعماله في التفكير في الإدراك البشري ومسألة التاريخ والسرد، وأيضاً الحق والتشريع. من أعماله الشهيرة: العلم الجديد في الحق، الجزء الأول: العقد بوصفه عطاءً قبلياً (1930)؛ الجزء الثاني: القيمة، العمل، الملكية (1932)، متعرقلون في الحكايات: كينونة الإنسان والشيء (1953)، ترجمه جون غرايش إلى الفرنسية؛ فلسفة الحكايات (1959).

Wilhelm Schapp, Die neue Wissenschaft vom Recht (Rothschild, Berlin), Bd. 1: Der Vertrag als Vorgegebenheit. 1930; Bd. 2: Wert, Werk und Eigentum, 1932; In Geschichten verstrickt. Zum Sein von Ding und Mensch. Hamburg, Meiner 1953; Philosophie der Geschichten. Leer, Rautenberg 1959.

[43]ـ يوهان فريريش هلدرلين 1770-1843 (Johann Friedrich Hölderlin)، شاعر ألماني ومترجم روائع التراجيديا اليونانية، عقد علاقات مع رواد الرومانسية والمثالية الألمانية أمثال فيخته وشيلنغ وهيغل وغيرهم.

[44]ـ بول سيلان 1920-1970 (Paul Celan)، شاعر فرنسي من أصل روماني، كتب معظم أشعاره بالألمانية. كان له تأثير كبير على فلاسفة فرنسيين، من بينهم جاك دريدا. تدور أشعاره حول المصير المأساوي للإنسان في التاريخ (تركيزه على المحرقة اليهودية)، وكيف ينعتق الإنسان من ضروريات التاريخ بالإمكانات الأنطولوجية للغة.

[45]ـ عبارة «أتقدّم مقنّعاً» (Larvatus prodeo) استعملها رونيه ديكارت في طريقته في نقد الفكر السكولائي الذي هيمن طيلة العصر الوسيط. كان يخشى من أن تحظر الكنيسة كتاباته، فاستعمل هذا الشعار كطريقة في نقد الفكر الوسيطي بطريقة مقنّعة (masquée)، أي غير مباشرة، بالتلميح.

[46]- ستانسلاس برتون 1912-2005، فيلسوف فرنسي معاصر ولاهوتي مسيحي، درّس في المعاهد الكاثوليكية في باريس وليون، وأحد ألمع المفكرين الذين أثروا في الجيل المتجه نحو دراسات تاريخية وأنثروبولوجية وفينومينولوجية في المسيحية أمثال ميشال دو سارتو وجون غرايش وبول ريكور. من أهم أعماله: ولع المسيح والفلسفات (1954)، الوعي والقصدية (1954)، مقاربات فينومينولوجية في فكرة الكينونة (1959)، الماهية والوجود (1962)، مشكلة الوجود الروحي في فلسفة نيكولا هرتمان (1962)، الكينونة، العالم، المخيال (1976)، الكتابة والوحي (1979)، الفلسفة والعرفان، الوجود والوجود الزائد (1996).

Stanislas Breton, La passion du Christ et les philosophies, Teramo, Eco, 1954; Conscience et intentionnalité, Paris-Lyon, Vitte, 1954; Approches phénoménologiques de l’idée d’être, Paris-Lyon, Vitte, 1959; Essence et existence, Paris, PUF, 1962; Le problème de l’être spirituel dans la philosophie de Nicolas Hartmann, Paris-Lyon, Vitte, 1962; Être, monde, imaginaire, Paris, Le Seuil, 1976; Ecriture et révélation, 1979; Philosophie et mystique, existence et surexistence, Grenoble, éd. Jérôme Millon, 1993.

[47]ـ ميشال دو مونتاني 1533-1592 (Michel de Montaigne)، فيلسوف ورجل سياسي فرنسي، ينتمي إلى التيار الإنسي (Humanisme). من أشهر أعماله: محاولات (Essais) في عدة مجلدات.

[48]ـ إيتيان دو لابوسيه 1530-1563 (Etienne de La Boétie)، شاعر فرنسي من الإنسية الأوروبية، كان معاصراً لمونتاني وصديقاً حميمياً له.

 

error: المحتوى محمي