جدلية الدين والحرية – أبو يعرب المرزوقي

جدلية الدين والحرية – أبو يعرب المرزوقي

marzouki34

أبو يعرب المرزوقي

خاص بحكمة


“ففي الفلسفة, التي هي علم لاهوت, لا يتعلق الأمر وحصريا إلا ببيان عقل الدين”
ج.1.ص.3411 .

نجيب في هذه المقدمة, بعد التمهيد العام, عن سؤالين كلاهما مضاعف. وبهما يمكن أن نحدد بصورة وجيزة منجزات الفكر الهيجلي موجبها وسالبها. فهذه المنجزات تقبل العرض النسقي من خلال تجليها بدورها في دروسه في فلسفة الدين بجزئيها. وقد تمكنا بعون الله من نقلهما إلى العربية بفضل ما نلناه من تشجيع مؤسسة كلمة التي أثرت المكتبة العربية بأمهات الفكر الإنساني في جميع مجالات الابداع.

وسنتكلم في غاية المقدمة عن إشكالية كانت أحد الدافعين لترجمة هذا الكتاب لكنها أصبحت من مسائل الراهن الفكري والروحي للعلاقة بين الحضارتين العربية الإسلامية والأوروبية. ففضلا عن الداعي الأكاديمي الخالص المتمثل في فهم أحد الكبار من ممثلي الفكر الالماني المعاصر في مرحلة نضوجه المرحلة المؤسسة لتطوره اللاحق, كان الدافع للترجمة محاولة فهم العلل التي جعلت هيجل يتحير في تحديد منزلة الإسلام فلا يجد له مكانا ضمن سلسلة الأشكال التي حددتها فلسفته الدينية.
فهو يكاد يتكلم عليه في كل فصول الكتاب, كما نبين في الثبت الذي نذيل به هذه المقدمة. لكنه لم يخصص له فصلا مثل أشكال الأديان الأخرى التي درسها رغم أنه ينزله في نفس المرحلة التي ينسبها إلى المسيحية مع اعتبارهما متضادين في خصائص نظرية وفي ثمرات عملية لعلها من صدى الصراع التاريحي بين الحضارتين العربية الإسلامية والجرمانية المسيحية كما يعرضها في فلسفة التاريخ (المرحلة الرابعة أو الجرمانية من تاريخ العالم)(2):

فأما السؤال المضاعف الأول فيتعلق ببيان أهمية هذا الكتاب من خلال الجواب عن فرعيه وهما:
1-ما المنزلة التي تشغلها فلسفة الدين في فلسفة هيجل؟
2-وما طبيعة العلاقة بين هذه المنزلة والمبدأ الموحد لأعماله الفلسفية كلها؟
وأما السؤال المضاعف الثاني فيتعلق ببيان طبيعة الثورة الفلسفية التي أسست للحلول الهيجلية في مسألة فلسفة الدين من خلال الجواب عن فرعيه وهما:
1- ما علة الانقلاب الجدلي في نظرية المنطق الانقلاب الذي آل إلى التوحيد الصريح بين المنطق والميتافيزيقا؟
2-وما صلة ذلك بحل معضلات فلسفة الدين عامة وبسر الأسرار في المسيحية أي بالتثليث؟
5- والمسألة الأخيرة التي نختم بها هذه المقدمة هي غاية سعينا لفهم الموقف الهيجلي الذي يجعل الإسلام حاضرا في كل مراحل الوعي الديني دون أن يخصص له منزلة في أي من هذه المراحل العشر. وبذلك يصبح تحديد طبيعة الفكر الهيجلي وخاصة ما ترتب عليه من مواقف سلبية من الحضارات بإطلاق المركزية الغربية المسيحية ذات صلة بوضع حضارتنا دون إسقاط لأننا ننطلق من الوجه الغالب عليه وبالاستناد إلى أقواله وليس مجرد تأويل نقدمه. فعنده أن فلسفة الدين هي جوهر الفلسفة, إذ يقول “الفلسفة هي علم اللاهوت. إنها تعرض مصالحة الإله مع ذاته ومع الطبيعية, بحيث إن الطبيعة أو الغيرية هي في ذاتها إلهية, وإن الروح المتناهي بعضه يسمو بذاته عينها إلى المصالحة, وبعضه يصل إليها في تاريخ العالم”(3).
وبهذا المعنى فالفلسفة ليست علما للحقيقة فحسب بل هي العلم بالتدرج الإنساني في مسعاه التحرري من القيود الطبيعية والثقافية ليسمو إلى مقام الألوهية الذي هو مقام تحقق الحقيقة حيث يصبح المدد القيامي هو بدوره روحيا أو ذاتية لذاتها. والأمة التي تحقق ذلك تصبح ممثلة للقيم المطلقة والبقية تكون دونها إنسانية. ولهذه العلة أطلقنا على هذا الكتاب عنوان جدلية الدين والحرية ولكن بمعنيين ملغ للعبودية ومبرر لها في آن إذ يصبح الحاصل عليها ذا حق في فرضه قيمه على غيره الذي يظن أهلا للعبودية ما كان مختلفا عنه. فالتحرر الروحي للعقل وللإنسان يمكن أن يصبح كذلك من علل استعباد البعض للبعض باسم هذه الفلسفة(4).

 

المسألة الأولى

منزلة فلسفة الدين في نسق هيجل
وهكذا يتبين أن فلسفة الدين تمثل تاج عمل هيجل الفلسفي بوجهي فلسفته الموجب والسالب في آن. وهي كذلك حتى بمعنى كونها آخر مبدعاته تاريخيا فإن ضميمتها التي تناقش أدلة وجود الإله كانت آخر ما كتب بنية النشر في حياته قبل أن يتخطفه الطاعون. وهذه المنزلة تحدد في آن منزلة فلسفة هيجل في فكر عصره من خلال موقفه من فلسفة التنوير عامة ومن نظرية المعرفة ونظرية الدين اللتين تقول بهما خاصة, وإذن فبها اكتمل البناء الهيجلي فتحددت معالم فلسفته كلها بذاتها وبعلاقتها بفكر عصره ممثلا بالفلسفة النقدية والتنوير في صلته بالمعرفة وبالدين في آن وضمن هذه العلاقة يتنزل الموقف من الإسلام(5).

ولعل طبيعة موقفه السلبي من عصر التنوير الذي يرده إلى رؤى الحصاة أعني رؤى دون العقل القادر على إدراك الحقيقة في ذاتها لأنها نابعة من منطق الحصاة في شكله الأرسطي الظاهر والذي لم يكن أرسطو نفسه يعمل بمقتضاه في أعماله الفلسفية المبدعة رغم كونه واضعه. ولهذا الموقف علاقة بالقطيعة المنطقية مع فكر الحصاة واستبدال منطق الاسترياء (6) بمنطق بالتأمل حتى يؤسس للقضية التأميلة التي تمكن من بيان أهم أسس المرحلة الوسيطة من الفكر المسيحي ممثلا بالدليل الوجودي. فهذا الدليل بعد التعديل الهيجلي يمثل الموقف المقابل لموقف التنوير تقديما للمفهوم والكلي على التصور والعيني ووصلا مع مرحلة الدين المسيحي التي يفضلها هيجل تفضيله لنفس المرحلة الفلسفية أعني المرحلة الوسيطة. فهي عنده بما فيها من أفلاطونية محدثة مسيحية مرحلة التمام الفكري في الفلسفة. وعلى ذلك يؤسس تعريفه لعلاقة الفلسفة بالدين بوحدة الموضوع واختلاف الشكل.

فقد قال في غاية دروسه في فلسفة الدين : »إن هدف الفلسفة هو معرفة الحقيقة, معرفة الإله. ذلك أنه هو الحقيقة المطلقة, إذ لا شيء غيره جدير بالجهد, بالقياس إلى الإله وتفسيره. والفلسفة تعرف الإله جوهريا, بوصفه الكلية العينية والروحية, الكلية الحقيقية التي هي بريئة من الحسد, بل تقاسم الإنسان الحقيقة. فالنور بعد يتواصل مع الإنسان. أما من يقول هنا إن الإله ليس علينا علمه, فإنه يقول إن الإله حسود, ولا فائدة من جدية السعي للإيمان به, مهما كثر كلامه مع ذلك على الإله. إن التنوير هو كِبر الحصاة هذا, وهو معارض الفلسفة الأكثر حماسة, إنه يعتبر من السوء أن تظهر الفلسفة العقل في الدين المسيحي, وعندما تبين أن شهادة الروح والحقيقة في الدين وأنها حاصلة وثابتة في الدين. ففي الفلسفة التي هي علم لاهوت لا يتعلق الأمر وبصورة حصرية إلا ببيان عقل الدين” (7) مفهوم الحسد ونفيه عن الإله بتمكينه الإنسان من معرفة الحقيقة: مفهوم أفلاطوني أرسطي مفادة أن الوجود شفاف للعقل الإنساني وأن القول بعكس ذلك نفي لهذه الشفافية واتهام للإله بالحسد حسد الإنسان من خلال حرمانه من معرفة الحقيقة الوجود على ما هو عليه. وطبعا فهذا الموقف مناف مطلق المنافاة لموقف الفلسفة النقدية التي تنفي كل امكانية لمعرفة الشيء في ذاته أو الحقيقة وراء الظاهرة فتكتفي بالمعرفة التي لا تنفذ للحقيقة في ذاتها.

وقد لجأ هيجل لمعنيين نفسيين أحدهما استعاره من الفلسفة القديمة والثاني وضعه هو لوصف عكسه. فمثلما تم تعليل شفافية الوجود باستعارة نفي الحسد عن الله فإن القول بعدم شفافية الوجود يعلل هنا باستعارة الكبر المنسوب للعقل الإنساني الذي لم يتجاوز رتبة الحصاة أي العقل المثبت للمعاني المجردة والمفقد لها سيلان الوجود فتجمد المعاني بمعيار الهويات الجامدة التي لا تتمكن من تجاوز التناقضات المترتبة على هذا التجميد.

 

المسالة الثانية

وحدة أعمال هيجل الفلسفية من منظور فلسفة الدين
يقبل فكر هيجل ككل فكر ذي نسقية فلسفية الرد إلى مسار تكويني يحاكي مسار العقل الإنساني العيني والكلي العقل بجميع أبعاده المتشاجنة والتي توجد دائما معا ولكن بغلبة أحدها محددا لطبيعة المزيج الروحي والعقلي والذوقي الجمالي والخلقي السياسي. وهذا المسار يؤطره إبداعان بأولهما كانت البداية وبالثاني كانت الغاية بمعنييها نهاية ومقصدا. وحتى البداية ذاتها فإنها قد كانت بعد مسار من جنس ما آلت إليه الغاية, لأن فكر هيجل لم يصل إلى ظاهراتية الروح إلا في مسار كان لفكره الديني فيه الدور الأول. فلكأن مسار فكره دار دورة كاملة ليعود إلى البداية في الغاية عودة من تجهز لإتمام ما كان مجرد حدوس في محاولات هيجل الأولى وجلها ذات نفس ديني فاصبح فلسفة تامة العمارة المنطقية وحتى البلاغية.
فأما كتاب البداية فهو ظاهراتية الروح. وأما كتاب الغاية فهو الدروس في فلسفة الدين. ويملأ هذا الإطار بين البداية والغاية جعلا ما كان غير مذكور في الكتابين رغم كونه لحمتهما وسداهما يصبح صريحا في عنوان الكتابين اللذين يطبق فيهما مضمون الكتابين المؤطرين. إنهما تاريخ الفلسفة وفلسفة التاريخ. فهما كتابان يبرهنان تعيينا على حصول هذا المسار في ظاهر الوجود (فلسفة التاريخ) وفي باطنه (تاريخ الفلسفة) دون أن يكون الظاهر والباطن قابلين للفصل أحدهما عن آخرهما(8).
لكن القلب من عمله الفكري وزبدته هو منطقه الذي هو ميتافيزيقاه وثولوجاه في آن. فهو يلخص الحبكة المفهومية لوجوه فلسفته الأربعة بداية (الظاهرياتية) وغاية (فلسفة الدين) وتعينا في ظاهر الوجود الإنساني الإلهي (فلسفة التاريخ) أو في باطنه (تاريخ الفلسفة). أما باقي أعمال هيجل فهي إما عرض مدرسي للتدريس مثل الموسوعة في صيغها المتوالية أو استثمار لنتائج هذه الأعمال في السياسة والأخلاق والتربية أو في خصومات عامة أو أكاديمية للدفاع عنها أو لمناقشة غيره بها.
فيكون إبداع هيجل محاكيا للإبداع الوجودي نفسه طبيعيا كان أو حضاريا الابداع الوجودي الذي يبلغ غايته في تحقيق الروح الإنساني الذي يعتبره هيجل مطابقا للروح لأنه حسب رايه هو جوهر الدين المتجلي أو المسيحية التي يعدها هي بدورها غاية تطور الدين بمراحله العشر التي عرضها في دروسه والتي تتصف في آن بكونها لا تتضمن في الغاية إلا ما تتضمن في البداية لكنها تنتقل مما كان في الذات إلى ما يصبح للذات بالتخلص التدريجي من الانغماس في الطبيعي والسمو إلى الروحي والعقلي :”ولهذه العلة بالذات, أعني لعلة كون التطور لم يعد إلى المفهوم ولم يصدر بعد من باطن المفهوم, فإن التطور يبقي المملكة العقلية في كل عوداتها إلى المدد القيامي على طابعها المباشر, فتظل منتسبة إلى الدين الطبيعي. ومن ثم فإن مراحلها تكون مراحل متخارجة, وتبقى ذات قيام ذاتي منفصل فتتعارض. وتلك هي لعنة الطبيعة. وبذلك سنجد خاصة أصداء المفهوم والحقيقي أصداءه التي ستكون كلها شديدة الإيلام لأنها تبقى في تخارج التحديد وتبقى المراحل قائمة الذات وستدرك نظريا في تعينها المتشييء”(9).

وبذلك فالتاريخ الإنساني بما هو موضوع للفلسفة يمثل نظرية في العدل الإلهي( ثيوديسيا) لأن التاريخ الإنساني ليس إلا مسرحا لتحقق العقل كما تعبر عنه الفلسفة أعني تكوينية العقل الإنساني ومراحل تدرجه في الوعي بذاته أعني نفس المراحل التي تمثلها فلسفة الدين لأن الحقيقة في المسارين واحدة حتى وإن كانت تبدو في الفلسفة أكثر نضوجا وأقرب إلى الصوغ العلمي منها إلى الممارسة العملية كما في الدين إذ إن “(..) الفلسفة هي علم اللاهوت. إنها تعرض مصالحة الإله مع ذاته ومع الطبيعية, بحيث إن الطبيعة أو الغيرية هي في ذاتها إلهية, وإن الروح المتناهي بعضه يسمو بذاته عينها إلى المصالحة, وبعضه يصل إليها في تاريخ العالم”(10). وهكذا فإنه بالوسع أن نوجز ثمرة عمل هيجل الفكري كما تعينت في دروس فلسفة الدين بأن هذه الفلسفة الغاية تمدنا بأربعة مفاتيح أساسية لفهم فكره وتأثيره في آن :

إثنان منهما يتعلقان بنظرياته الفلسفية ندرسهما في هذه المسألة.
والآخران يتعلقان بأحكامه التاريخية ندرسهما في المسألة الأخيرة.
فمفتاحان الأولان يعدان أساسيين لفهم فكره وعلاقته بفكر عصره من خلال الموقف الإيجابي من العلاقة بين الفلسفة والدين ودور الدين في حياة الإنسان الفكرية والخلقية والسياسية:
1-المفتاح الأول هو أن تكوينية الفكر الإنساني هي بالأساس تكوينية دينية تشمل الفكر عامة وفيها يتحقق نضوجه الحقيقي وأن كل ما عداها من أصناف تكوينيات الفكر توابع لها : ومعنى ذلك أن طلب الحقيقة عند هيجل واحد, وأنه بالأساس ديني لأن الغاية المطلقة من المعرفة هي علم الحقيقة التي يمثل التدرج في الصعود إليها عين تكوينية الفكر بما هو كيان مضمونه هو عين ذاته وتعتبر تكوينية الأشكال الدينية التعين التاريخي لهذه التكوينية وأدلة وجود الإله الصوغ المنطقي لهذه التكوينية. وفضل هيجل أنه أدرك هذه العلاقة فأحيا هذه الأدلة بدلالتها الجديدة المتحررة من استرياء علم الكلام.
2-وهذا هو المفتاح الثاني أعني التأويل الهيجلي لأدلة وجود الإله. فمن خلال التمييز بين نوعين من الاستدلال العلمي البراني الذي تتقابل فيه ذات وموضوع كما في المعرفة الطبيعية أو التاريخية أو الرياضية والجواني الذي تكون فيه الذات هي الموضوع في آن الموضوع المعلوم. وقد مثل هيجل لهذين النوعين من الاستدلال المعرفي ن بأفضل شكل منهما أي بالاستدلال الرياضي من جهة أولى والاستدلال الديني من جهة ثانية بمستوييه أدلة مصوغة منطقيا وتكوينية الأشكال الدينية الحاصلة تاريخيا يبين هيجل هذا الطابع المركزي للفكر الديني في الفلسفة. فأدلة وجود الإله وتكوينية الأشكال الدينية هي عين تكوينية العقل الإنساني في مسعاه إلى علم الحقيقة لأن ذاته هي عين هذا المسعى وهي هذا الصعود والتكوينية من المتناهي إلى اللامتناهي ومن الظاهر إلى الباطن ليس في معرفة موضوع خارجي فحسب (الطبيعة) بل في تكون الفكر نفسه إذ هو هذا الصعود ذاته لكأنه منحوته تخرج ذاتها من ركام الطبيعة.

 

 

المسالة الثالثة

الثورة المنطقية وعلامتها القضية التأملية
أما القلب في هذه العملية كلها فيبقى كتاب المنطق الذي هو في آن الميتافيزيقا الهيجلية الحقيقية . ولهذه الأعمال الخمسة من الترابط ما يجعل أيا منها هو في الحقيقة كلها منظورا إليها منه, بحيث إن ظاهرياتية الروحة وفلسفة الدين وتاريخ الفلسفة وفلسفة التاريخ مناظر لمجرى تحقق العقل وسموه نحو إدراك ذاته وتحرره من الانغماس في الوجود الطبيعي صعودا إلى الوجود الروحي أو عملية الانتقال من المدد القيامي (زبستنس) اللاواعي إليه واعيا فيصبح ذاتية مطلقة (زبجيفيتات) تحقق في وجودها لذاتها ولم تبق وجودا في ذاتها.
وما يشد هذه الأعمال فيوحد بينها أي المنطق الجدلي مبني على نظريتين واحدة تتعلق بنظرية المعرفة والتمييز بين صنفيها من خلال التمييز بين ضربي الاستدلال العقلي البراني أو الذي يكون فيه عمل العقل خارجي بالنسبة إلى موضوعه والجواني أو ما يكون الاستدلال هو ذاته حركة الموضوع نفسه بحيث إن القياس مقدماته وحده الأوسط ونتيتجه هي عين مراحل تطوره من المقدم إلى التالي :
1-ضروب الاستدلال : النقلة الخارجية والنقلة الذاتية :« وليس المدد القيامي المجرد بالأمر المباشر بل هو الصائر بفضل هذا التجاوز, هذا الواضع لنفسه. وكون ذلك هو الطبيعة الحقيقية لهذه الخصائص ذاتها, هو ما سيتم البرهان عليه في المنطق. وإنه لمن الجوهري أن نحفظ ذلك في معناه الذاتي له ,أعني بالتعيين أننا لسنا نحن الذين نصير في استريائنا الخارجي, بل إن ما يصير من إحدى هذه الخصائص إلى آخرتها هو تلك الخصائص ذاتها. وبالأحرى فإنها هي التي تحقق ذلك التجاوز في ذاتها. إن هذا الأمر الجدلي من التحديد المتعلق بالمتناهي, أريد أن أواصل عرضه بقليل من الكلمات »(11) وتستند هذه العملية على التمييز بين منطق التأمل والجدل ومنطق الاسترياء والتصور.
أهمية الإشارة إلى العلاقة بين المنطقين الأرسطي والهيجلي : مضمونيا الفرق بين القضية التأملية والقضية التحليلية ومن ثم تحول المنطق إلى الميتافيزيقا. وهو يعتقد أن ارسطو لم يعمل بمنطقه بل بالمنطق الهيجلي في بحوث علم الإحياء والطبيعة وما بعد الطبيعة.

والمعلوم لمن له دراية بتاريخ الميتافيزيقا أن أول من جعل الميتافيزيقا منطقا بعد أن كانت مركومة المحاولات أو من المقالات ذات الوحدة الرخوة والمترددة بين مباحث في نظرية المعرفة والوجود وفي علوم الطبيعة هو ابن سينا الذي حولها إلى بناء منطقي متكامل أهم ما فيه هو التحليل المفهومي للمعاني الكلية وما بينها من صلات ثم ما يترتب عليها في العلوم النظرية الثلاثة في عصره أي في الطبيعيات والرياضيات والإلهيات. فيكون المنطق لأول مرة قد تحول إلى العلم الأسمى المنظم لمجالات هذه البحوث وكأنه ما بعد لها. لكن أو من اعتبر هذه العلاقة بين المنطقي والميتافيزيقي أصل الخلط بين المعرفي الصوري والمعرفي المادي الذي يفرض على المنطق تصورا وجوديا معينا أهم ما فيه رد الوجودي إلى العقلي وجعل الإنسان معيار الوجود أو بلغة ابن خلدون رد الوجود إلى الإدراك.

وذلك تقريبا ما انتهي إليه هيجل إذ هو قد أزال الفرق المطلق بمعناه التيمي والكنطي والذي يجعل الوجود على ما هو عليه غير شفاف وليس في متناول المعرفة الإنسانية رغم أنها تفكر فيه لكنها لا تعلمه من جنس طور ما وراء العقل عند الغزالي أو مفهوم الغيب في الدين أو مفهوم النومان عند كنط. وهو من ثم قد أسس لوحدة الوجود الذاتية بصورة صريحة معتبرا ذلك إصلاحا لوحدة الوجود السبينوزية التي هي وحدة وجود للمدد القيامي ما يبقي على الثنائية بين نوعي المدد متخارجين أي بلغة ديكارت الامتداد والفكر. ووحدة الوجود الذاتية حيث يكون المدد الوجودي روحا تلغي التعالي فترد كل شيء للدنيوي والتاريخي وتنفي ما يتجاوزهما فيصبح الإنسان بخلاف ما يظن هيجل ضحية اللامتناهي الزائف : وهو جوهر العولمة الحالية ولعله أهم العناصر التي تعلل ثورة هيدجر على عالم العدة والكم البديل من عالم الغاية والكيف.

2-أما النظرية الثانية فتتعلق بنظرية دينية أو بصورة أدق بتطبيق هذه النظرية لتأسيس عقيدة التثليث. فالتأسيس الهيجلي للتثليث هو الذي اقتضى تغيير نظرية القضية المنطقية التأملية التي يكون فيها الموضوع سائلا في محمولاته ولا يحتوي شيئا آخر غير صفاته التي تعبر عنها محمولاته. وذلك هو الشرط الضروري والكافي في نظرية هيجل لتحقيق التوحيد بين الموضوعي والذاتي وتجاز المثنوية بفضل وحدة التثليث المحررة من المقابلة بينهما. وهذا التثليث الفلسفي والديني والذي لا ينفي الوحدة في ثلاثة يجده هيجل في ميتافيزيقا أرسطو (مقالة اللام أو الإله بما هو عقل يعقل ذاته) وفي جدل أفلاطون.
وعندما نقيس ذلك على العقل الإنساني فإننا نكتشف أمرا جديرا بالاعتبار يدحض التثليث حتى في حالة إله أرسطو وأفلاطون. فلو تكلمنا على العقل الذي يعقل ذاته فإننا لن نستيطع التوقف عند الثلاثة ولن نجدد ما يعلل بقاء الوجوه الثلاثة وحدة. وإذا دققنا التحليل فإننا سنجد خمسة عناصر بحسبان الوحدة. فالذات بما هي مدركة لذاتها تدرك في آن أن ذاتها ليست بالشفيف الذي تقتضيه وحدتها بما هي فاعلة ومنفعلة : فهي تدرك في إدراكها لذاتها توجد أمرا غير شفاف بين وجهيها الفاعل والمنفعل وبين كونها منطلق الفعل ومنطلق الانفعال. وقد يقال إن بقاء ما ليس بشفاف في إدراك الإنسان لذاته وعدم التطابق بين الفاعل والمنفعل لا يمكن أن يطبق على الإله للطابع المطلق لإدراكه بحيث إن إدراكه يحيط بذاته المدرِكة والمدرَكة وبفعله الإدراكي. لكن إذا زال الفرق بإطلاق لم يبق للتثليث معنى إذ تزول المقابلة بين الفعل والانفعال.
ولما كان المقيس عليه في هذه الحالة هو الإنسان فإن التحليل الدقيق يبين أنه لا يصح عليه هذا التثليث لأن انعدام الإدراك المطلق الملغي للفرق بين الفعل والانفعال يبقي على الفضالة بين المدرِك والمدرَك أي على ما ليس بتام الشفيف أو على ما لا تدركه الذات من ذاتها. ومن ثم فثالوث الإدراك والمدرك والمدرك على الأقل بالنسبة إلى العقل الإنساني لا يكفي بل يوجد الفرق بينهما وذلك هو ما ليس بشفاف في عملية التعقل والوعي. وإذا سلمنا بالقياس على الوعي الإنساني فينبغي أن يصبح تخميسا لا تثليثا أو أن ينفي تماما بمجرد التسليم بأن الإدراك الإلهي بإطلاقه يلغي الفصل بين الفعل والانفعال :
حدا عملية الإدراك أو التعقل أو الوعي (الذات المدرِكة والذات المدرَكة)
واتجاها علاقة الإدراك (من المدرٍك إلى المدرُك ثم العكس)
وحدة هذه العناصر الأربعة التي قد تكون هذا الذي يبقى غير شفاف في عملية الإدراك بحيث لا يتطابق المدرك والمدرك فيها.
فالتوحيد بين الذات والموضوع وفعل التذوت أو الوعي بالذات لا يتأسس عقلا رغم تأسيسه القديم (مقالة اللام من الميتافيزيقا: العقل والعاقل والمعقول) وتأسيسه اللاحق (نظرية بيرس في الوسميات). ذلك أن تأسيس التثليث منطقيا واعتباره اساسا وجوديا ودينيا يشترك فيه بيرس مع هيجل ويرد إلى نظرية أرسطو في تعريف الإله بوصفه العقل الذي يعقل ذاته. فدحض هذه الحجة كما بينا يسير لأنها تننبى على مغالة مضاعف. فمجرد تشبيه الإله بالإنسان انطلاقا من نظرية أرسطو في العقل يتجاهل أن هذه العلاقة ذات اتجاهين وأنها وتقتضي فرقا جوهريا بين حديها فرقا إذا سلمنا بعدم تأثيره نكون قد صادرنا على المطلوب أي على اعتبار الثلاثة واحدا. وهيجل يحاول اعتماد مفهوم الحب دليلا على صحة التثليث الذي يكون ثلاثة في واحد: فـ “أ” يحب “ب” تقتضي اختلاف أ عن ب جوهريا ومن ثم فعلاقة الحب ذات اتجاهين. وبخلاف ذلك نكون قد سلمنا بمصادرة على المطلوب بأن ب هو عين أ فاعتبرنا حدي العلاقة واحد دون أن نثبت أن من يحبه أ من ذاته هو عين ذاته وليس صورة عنها مثلا.. فـ ” أ” بما هو فاعل الحب غير “أ” بما هو منفعل به ولهذا كان” ب” غير” أ . ولا الغيرية بين الفعل والانفعال ممكنة إذا لم يكن الحدان مختلفين بالجوهر وإلا فإننا قد افترضنا التعدد في الواحد من البداية فصادرنا على المطلوب. وكان الأفضل أن نسلم بأنه عقيدة لا تحتاج إلى دليل لأن هذا الدليل مغالطي(12).
ولو طبقنا مفهوم الحب هذا على العلاقة بين الجنسين لكان مفادها في حالة التوقف عند التثليث أن يكون الرجل يحب في المرأة ذاته أي الرجل فيها وكانت المرأة تحب من الرجل ذاتها أي المرأة فيه فلا يكون الحب تجاوزا يصل بين المختلفين بل هو لا يصل إلا بين الذات وذاتها ويزول الفرق الذي يجعل العلاقة ذات اتجاهين بحسب مطلوبها وذات بعدين بحسب الفاعلية والمفعولية في كلتا الحالتين. ولا عجب عندئذ أن تجد مثل هذه الفلسفات تنكر الفرق الجنسي متعتبرة إياه فرقا ماديا ولا يتعلق بصورة الإنسان الذي يعرف بمعزل عن الجنس بخلاف التصورات الدينية التي تولي لهذا الفرق كبير الأهمية حتى وإن أسيء استعماله ليصبح فرق مفاضلة وليس فرق مواصلة بين مدخلين للعلاقة التي يتعين فيها الروحي مطلق التجلي في العضوي والعضوي مطلق الترجمة في الروحي. وما كان ذلك يكون ممكنا لولا بقاء الفرق وحقيقته الفعلية وليس مجرد تجريد للإبقاء على التثليث في العلاقة بالوحدة.

 

المسالة الرابعة

تكوينية الأشكال الدينية
قسم هيجل مجموعات الأشكال المثلثة الثلاثة تحت عناوين ذات دلالة على تطرو الروح صعودا نحو الوعي بذاته وبحريته من “الدين المباشر” على حرف البداية ممثلا بالسحر ننتقل إلى المجموعة الأولى بعنوان “انفصام الوعي في ذاته” ممثلة بالدين الصيني (الاعتدال) والديني الهندي (الخيال) والدين اللامائي (الوجود الجواني) إلى المجموعة الثانية بعنوان الجواز نحو الذاتية ممثلة بالدين الفارسي (دين الخير أو النور) والدين السوري (دين الألم) والدين المصري (دين الرمز) إلى المجموعة الأخيرة بعنوان أديان الفردية الروحانية ممثلة بالدين العبري (دين الجلال أو الوحدة) والدين اليوناني (دين الجمال أو الضرورة) والدين الروماني (دين الغائية أو العقل) لينتهي إلى حد الغاية ممثلا بالمسيحية أو الدين المطلق والمتجلي.

وهكذا إذن فإن البنية العامة لعرض أشكال الدين في التكوينية التي يقدمها هيجل تتمثل في ثلاث مجموعات دينية كل واحدة منها مؤلفة من ثلاثة أديان. لكن هذه المجموعات الثلاث المثلثة يحيط بهذه بداية تمثل الشعوب البدائية هي دين السحر منطلقا للدين الطبيعي وغاية تمثل الشعوب المتحضرة هي الدين المطلق أو المتجلي أو المسيحية دون مزيد تحديد يعين نوع المسيحية المقصودة. وهو لا يقبل بتسمية دين السحر دينيا إلا تماشيا مع توسيع مفهوم الدين في الفكر الحديث لأنه يفضل أن يعتبره ما قبل الدين أو هو الدين المباشر الذي يخلو بعد من الوعي بالذات.

وما كانت هذه البنية تتضمن بعدا آخر يلازمها من البداية إلى الغاية هو حضور الإسلام في كل هذه المراحل وغيابه بما هو واحدة منها وخاصة حضوره حضور الند المضاد في غاية الكلام على الشكل الديني الأتم يجعلنا نتساءل عن حقيقة هذا التقابل بين الإسلام والمسيحية ليس في فلسفة الدين وحدها بل وكذلك في فلسفة التاريخ (المرحلة الرابعة أو المرحلة الجرمانية من تاريخ البشرية) وكذلك في التاريخ الفعلي لأن كل التاريخ الوسيط إلى بدايات الحديث كان صراعا بين الحضارتين العربية الإسلامية والجرمانية المسيحية (الجرمانية يعني الشعبو البدائية التي قضت على روما وورثت أرضها وتراثها).
وهذا التلازم المثلث في فلسفة الدين وفي فلسفة التاريخ وفي التاريخ ذاته يقتضي طرح السؤال التالي إذا واصلنا الكلام عليه من منطلق الوضع الراهن للعلاقة بين الحضارتين : هل جعل المسيحية غاية قابل للفصل عن إيصال البشرية إلى الوجه الثاني من العقلية السحرية إذ تتحقق بالفعل؟ ذلك اننا إذا واصلنا فكر هيجل في عرضه للتكوينيه فإننا لا يمكن أن نعتبر الدين المسيحي غاية لهذه التكوينية إلا إذا انقلب بمعيار السلطان الطبيعة وبمنطق هيجل نفسه إلى النفي المطلق للدين بتحقيق حلم السحرة أي السلطان المطلق على الطبيعة. وبذلك يكون مآل هذه الغاية تأليها للإنسان متعينا في عصر التكنولوجيا الشاملة التي يكون فيها الإنسان ذا سلطان حقيقي على الطبائع وليس مجرد ساحر.

وهذا نفي تام للدين أو هو اللادين المباشر أو التقنية أعني ما يكاد يطابق أزمة الإنسانية الحالية إنسانية العولمة التي تجعل الجميع عبيدا ما يجعل التضاد مع الإسلام ذا معنى لأنه هو الوحيد الذي يمكن أن يمثل الحائل دون هذا المآل الحزين للبشرية : « وهذا السلطان سلطان مباشر على الطبيعة عامة (سلطان السحرة). وهو لا يقبل المقارنة بالسلطان غير المباشر الذي نقوم به نحن الآن بالآلات الصناعية على الموضوعات الطبيعية في جزئيتها. فمثل هذا السلطان الذي يستعمله الإنسان المتحضر على الأشياء الطبيعية الجزئية, و يفترض أنه قد انسحب من العالم, وأنه حافظ عليه باعتباره أمرا خارجيا بالنسبة إليه, العالم الذي له قيام ذاتي وخصائص كيفية ذاتية له, وهو قد وضع له قوانين, بحيث تكون هذه الأشياء بما لها من خصائص كيفية متضايفة فيما بينها, وبما يقوم في ما بينها من علاقات ترابط متنوعة. وهذا السلطان الذي يترك العالم حرا في كيفيته, يستعمله الإنسان المثقف بفضل معرفته لكيفيات الأشياء, أعني معرفته بالأشياء كما هي في علاقتها بعضها بالبعض. ومن ثم فالإنسان يجعل نفسه ذا أهلية بما هو غير فتتبين نقاط ضعف الأشياء. ومن نقاط ضعف الأشياء هذه, يتعلم الإنسان معرفتها, ويؤثر فيها بفضل كونه قد تسلح حتى يهجم عليها من نقاط ضعفها فتخضع له راغمة »(13)؟

ذلك ان هذا الخضوع الراغم للأشياء لا يقتصر عليها بل هو يتعداها للإنسان الذي سيعتبر هو بدوره شيئا يرغم مرتين بأن يستغل هو ذاته وتسحب منه حقوقه وبأن يستغل خلال ذلك ما يمكن أن يكون في ملكيته فتصبح الأمم الأقوى بفضل هذا التقدم دولا فاشية تفرض بتقدمها على غيرها من الأمم إرادتها ويصبح الفرد أزاء الدولة التي بيدها هذا السلطان مجرد قشة في مهب الريح فضلا عما يمكن منه التقدم التكنولوجي من سلطان على خصوصيته وحياته. فنعود من ثم إلى سلطان سحري أكثر فاعلية لأنه لا يكتفي بالتأثير النفسي على المعتقد في فاعليته بل هو ذو تأثير فعلي على الجميع.

 

المسالة الأخيرة

منزلة الإسلام في فلسفة الدين الهيجلية
سبق فأشرنا إلى المفتاحين اللذين يتعلقان بأحكام هيجل التاريخية من منطلق فلسفة الدين وهي في الغالب أحكام مسبقة ضد الشرق خاصة وضد كل من ليس بغربي خاصة. فهذان المفتاحان يساعدان على فهم آثار فكره في قراءتيه اليمينية واليسارية من خلال موقفه من رد الماوراء الديني أو المتجاوز للدنيوي إلى الدنيوي والتاريخي ومن خلال فاعلية أحكامه المسبقة إزاء الحضارات الأخرى عامة وإزاء الدين الإسلامي خاصة.
إنهما مفتاحان يبينان حدود فكره وانحيازاته الإيديولوجية التي تجعله يوظف كل شيء فيحول الفلسفة إلى علم كلام دفاعي إما على الدولة الكليانية ذات المهمة التحضيرية (من هنا تبريره للاستعمار مثلا) وإن آمن بالحرية والديموقراطية أو على ما يطلق عليه اسم الأسرار المسيحية والتي تمثل أخطر موقف يمكن أن يفهمنا انزلاقات الحضارة الغربية الحديثة كلها ومعها وهم مركزية الإنسان الغربي وما يقرب من نفي الإنسانية عن كل من لم يصبح إنسان عن طريق المسيح.
فأما المفتاح الأول فهو التوظيف الإيديولوجي والعقدي لتأويل فكرته الأساسية التي يمكن أن نعتبرها أهم تقدم فلسفي ينسب إليه أعني نظرية القضية التأملية التي تحل أغلب إشكالات الوصل بين حركية الوجودي وجمود المنطقي من خلال المقابلة بين منطق الحصاة الاستريائي الذي يجمد الوجود ليطابق جمود المنطق التحليلي منطق عدم التناقض في مقابل منطق العقل المفهومي الذي يحرك المنطق ليجعله منطق الجدل حتى يحقق التطابق بينه وبين حركية الوجود.
وقد ربط هيجل هذه الثورة المنطقية برد المدد القيامي المطلق إلى ذاتية مجانسة للذاتية الإنسانية فأنس الإله وأله الإنسان عندما يتطور ليبلغ المرحلة التي تجعل هذه الخاصية حاصلة فيه. وبذلك تحول هذا الاكتشاف الفلسفي الثمين إلى مجرد تأسيس لحكم عقدي مسبق يعتبر ذروة الدين هي في الحقيقة غاية ما يصل إليه التشبيه أو غاية تعينات التصور الإنساني للإلهي (أشكال الدين أو مراحل الوعي الديني). وهذا الرد الذي يجعل المدد القيامي يتحول إلى ذاتية مطلقة تتحد فيها طبيعة الإله وطبيعة الإنسان فيتم التطابق المطلق بينهم هو ما يعتبره هيجل الشكل الأخير للدين أو الدين المطلق : الإنسان الذي حل فيه الإله والإله الذي يشبه به الإله هو الإنسان المسيحي.
ومعنى ذلك أن الحل الهيجلي هو بالذات ما يعتبره الإسلام المأزق الكلامي والصوفي الأساسي وما يؤسس لوحدانية الروحانية التي تهمين على كل الحضارات فتحقق العولمة العنيفة التي يتحدد أفقها بالدنيوي الخالص ويكون الإنسان المشرع المطلق الذي لا يعترف بما يتعالى عليه تبعا لنفي الماوراء إذ لا فرق بين وحدة الوجود بمعناه مددا قياميا ووحدته بمعنها ذاتية مطلقة يتطابق فيها الإلهي والإنساني بوحدة طبيعتهما التي تحققت في ابن الله (الطبيعة) وروحه القدس (الإنسان) : حلول الإله في الإنسان وتشبيه الإله بالإنسان :” وإذن فالإله ذاته هو حركة الموضوع انطلاقا من ذاته, وهو عودة إليها: إنه التحديد الذاتي لذاته باعتباره واحدا, بحيث يكون الموضوع والمحمول نفس الأمر, حركة أحدهما في الآخر هذه, وبحيث لا شيء يبقى موجودا بينهما. ولعرض صورة هذا المفهوم بوصفه وساطة يظهر فيها المفهوم بوصفه دليلا على وجود الإله, لا شيء يكون مناسبا, إذ إن ما منه ننطلق لنصل إلى حد الواحد, هو اللامتناهي والنفي المطلق. فالواحد ليس إلا الخاصية التي تحصل, بحيث إنه يكون ما تكونه الذاتية المنعكسة على ذاتها. فالحركة, إن صح التعبير, لا تجري إلا ضمن الوجود في الذات, في اللامتناهي. وإذن فليس الأمر متعلقا بوساطة الشكل كما سبق أن لاحظنا هاهنا. وبوسعنا أن نقول بالفعل إنه تقدم من اللامتناهي إلى الذاتية المتحددة في ذاتها. لكن البداية هي اللامتناهي”(14).

وأما المفتاح الثاني فهو ما يترتب على المفتاح الأول من أحكام مسبقة أهمها فكرة التفاضل بين العقليات والذهنيات أو أرواح الشعوب رغم ما يبدو من تناقض في قول هيجل بها. فهو من جهة يعتبر المقومات الأساسية موجودة في كل الأشكال الدينية على الأقل بالقوة لكنه في آن يقاضي الشرق خاصة وغير الغرب عامة بما قد يعني أنه يستثنيهما من الإنسانية ويصمهم بالدونية وبالعقلية العبودية واللامبالاة بالكرامة الإنسانية : “غير أن المفهوم يوجد فيها (في الأديان) بكيفيات مختلفة. وهي لا تحتوي عليه أولا إلا بما هو في ذاته (لم يصبح بعد لذاته). وهذه الأديان المحددة ليست إلا مراحل من (تعين) المفهوم (وتحققه). ولهذه العلة بالذات فهي لا تطابق المفهوم, إذ ليس هو موجودا فيها بحق. وبهذا المعنى, فالإنسان هو حقا في ذاته إنسان حر لكن الأفارقة والآسياويين ليسوا أحرارا, لأنهم ليس لهم الوعي بكونهم أحرارا, أي ليس لهم الوعي بمفهوم الإنسان ما هو. وحينئذ فينبغي أن ننظر إلى الدين كما هو في خاصيتهم. والأمر الأسمى الذي يمكن أن يتم البلوغ إليه هو كون خاصية المفهوم ذاتها موجودة حيث يكون القيد قد تم تجاوزه وحيث يكون الوعي الديني غير مختلف عن المفهوم-وتلك هي الفكرة المثال أي المفهوم تام التحقق. لكن الكلام على هذا لا يتم إلا في الجزء الأخير من هذه الدروس ( في الدين المطلق المزعوم أي المسيحية)»(15).
لذلك فلا فائدة من العودة إليها إلا للتذكير بأصناف هذه الأحكام المسبقة. فهي جميعها تدور حول مفهوم واحد هي الدونية بمقياس تحقق الإنسانية في الإنسان المسيحي الغربي وذلك على مستوى الوعي الفردي بالقياس إلى ذاته وبالقياس إلى تحمل العبودية السياسية خاصة بسبب عدم الوعي بالذات حرية وكرامة. وهذه الإشكالية لم تعد قضية قول فلسفي فحسب بل إننا إذا ما استثنينا الغرب فإننا نجد أن بقية العالم عامة والعالم الإسلامي خاصة يعيش قضية الحرية والكرامة بوصفها المطلب الأول والأخير تحت عنوان حقوق الإنسان.
فكيف نفهم حضور الإسلام الملازم لجل فصول دروس هيجل في فلسفة الدين وغيابه بوصفه أحد أشكال تطور الوعي الديني رغم أن هيجل يعترف بأن الإسلام -في عصره- أكثر انتشارا من المسيحية وبأنه الثاني بعد بالبوذية. كيف نفهم هذا الحضور شبه الملازم لكل أشكال الدين والغياب القصدي في عدم تصنيفه شكلا من أشكال الدين؟ وسنختم هذه المسألة الأخيرة بعد تقديم جواب موجز لهذا السؤال بإيراد تبث يتضمن وجهين :
الوجه الأول هو الأحكام المسبقة حول من ليس بأوروبي عامة وضمنه الإسلام والمسلمين طبعا وكلها تدور كما أسلفنا حول درجة الوعي بالذات والشعور بالحرية والكرامة ومن ثم درجة تحقق الإنسانية عند هذه الشعوب البدائية التي يراها هيجل بحاجة إلى المهمة التحضيرية للغرب وماركس كان من تلاميذه المخلصين في هذا الموقف.
والوجه الثاني يتضمن الإشارات إلى الإسلام خاصة إما بمناسبة الكلام على هذه الأحكام المسبقة أو بمناسبة الكلام على خصوصياته بالمقارنة مع الأشكال التي وردت فيها مقارنة بين خصائصها وخصائص الإسلام مقدمين عليها تحليل أهم العناصر التي خص بها هيجل الإسلام في علاقته بالمسيحية وبالعصر الحديث.
والمعلوم أن أهم إشارة إلى الإسلام كانت في غاية الدروس وفي خاتمتها المتعلقة بالمقارنة بين خمس ظاهرات ذات دلالة روحية في العصر الحديث : الإسلام والمسيحية التي يقول بها هيجل واليهودية والمذهب التقووي (البوريتانيسموس) وفلسفة التنوير. وسأكتفي بالمقارنة بين الإسلام والمسيحية وطبيعة انفصالهما عن اليهودية وعلاقتها بالتنوير لنصل إلى بيان المميز المسيحي كما حدده هيجل وخطره على الإنسانية والمميز الإسلامي كما حدده هيجل وفائدته للبشرية لننهي بالإشارة إلى طبيعة المعركة الجارية في العصر ما بعد الحديث من منظور العلاقة بين الحرية والكرامة والتنوير ودور الاستئناف الإسلامي فيها.
وبذلك تتضح علاقة الإشكالية التي مثلت الدافع الثاني لإقدامنا على نقل هذا الكتاب إلى العربية بالأزمة الراهنة بين الحضارتين الإسلامية والغربية.فهذا الدافع ذو صلة متينة بوضع الإسلام الراهن وبعلاقة الحضارة العربية الإسلامية بالعالم الحديث. وليس القصد بهذا الدافع الدفاع عن الإسلام ضد موقف سلبي منه خاصة أو عن علاقة الحضارية العربية الإسلامية بالعالم الحديث وهما غرضان مهمان لكنهما ليسا من مطالب بحثنا. إنما القصد فهم الموقف الهيجلي من الإسلام ومدى مطابقته لبعض خصائص الإسلام. فموقف هيجل على ما فيه ليس مطلق السلبية بل فيه الكثير من الاعتراف بقيمة الإسلام الروحية والإدراك البين لخصائصه الحقيقية كجل مفكري الألمان في عصره وإن اختلف معهم في تقويم منزلة الإسلام فليس ذلك خاصا به بل بالموقف من التنوير خاصة.

وإذن فهذه المسألة رغم طابعها العرضي في بحثنا تبقى مهمة لأن القصدا منها هو وصل هذا الخلاف بين هيجل ومفكري عصره حول التنوير والإسلام لوضع الحضارة العربية الإسلامية الراهن الوضع الذي لم يكن بوسع هيجل أن يتوقعه ولا خاصة أن يتوقع النتائج الوخيمة التي يؤدي إليها إطلاقه للأنسنة التي تحولت إلى أحكام ثقافوية مسبقة تستثني التنوع الحضاري فلا تكاد تسمي إنسانا إلا من توفرت فيه هذه الصورة التأليهية لعقائد الإنسان الغربي بل والمسيح الغربي دون سواه. والمعلوم أن التنوير بمعناه الكنطي كان يمكن أن يغني الإنسانية عن الكليانيات التي نتجت عن التصور الهيجلي بقرائتيه اليمينية واليسارية بمقتضى التحرر من الإطلاق الدغمائي الذي تولد عن نفي محدودية العلم والعمل الإنسانيين. ويمكن بإيجاز أن نلخص ابعاد الإشكالية في العناصر التالية:
أولا طبيعة الانفصال بين الدينين الإسلامي والمسيحي كما يصورهما هيجل:
الكلية العينية (في المسيحية) والكلية المجردة (في الإسلام) تسلميا بصحة المقابلة. فالكلية المجردة تتجاوز الكلية العينية بما تبقى عليه من عدم التعين المطلق فتفيد عند ربطها بالوضع الحالي الذي تمر به الإنسانية أن الإسلام يحافظ على التعددية الدينية بوصفها شرط التسابق في الخيرات لكون الوحدة تقتضي استئصال كل ما عداها أو اعتباره مرحلة دونية من الإنسانية.
أما الكلية العينيةفلا تبقي على الفرق بين الكلي والعيني مدعية المطلق متحققا في التمسح. ومن ثم فهي تجعل جزئيا ما بإطلاقه كليا فتستثني كل الذين تتصورهم دون هذه المنزلة. من هنا كان للإسلام معنيان : فهو الإسلام التاريخي الذي يعترف بما يتعالى عليه والإسلام المفهومي الذي هو فطرة الإنسان بما هو إنسان و الذي يعتبر ذلك المتعالي هو المشترك بين كل الأديان أو طبيعة الرسالة التي تحددها قيم القرآن سواء حققها الإسلام التاريخي أو الإسلامي المفهومي.

ثانيا طبيعة العلاقة بالتنوير :
التنوير لا ينفي المطلق بل ينفي أن يكون علم الإنسان محيطا به. وفيه إذن إبقاء على ما يوازي مفهوم الغيب القرآني. والمقارنة بين الإسلام والتنوير علتها نسبة فكريهما إلى ما يسميه باسترياء الحصاة المانع من فهم سر الأسرار المسيحي عامة وخاصة الوقوع في شباك المجردات وعدم النزول إلى الكليات المتعينة التي تمكن من المطابقة بين المنطقي الجدلي الموحد بين المماثل واللامماثل والممكن من إدراك تعقيدات المفهوم الموجود في الأعيان المتجاوز للمهفوم المقصور على الوجود في الأذهان.
ثالثا خطر المميز المسيحي :
الميز المسيحي يجعل الكلي المتعين في حضارة تحققا للمطلق ومن ثم نفيا لكل ما عداه في الواقع الفعلي فلا يكون إنسانا إلا من كان مسيحيا غربيا. (التذكير بمحاضرة البابا وكيف أنه لا يعترف إلا بالكاثوليكية الأوروبية). ولهذا التصور توابع أهمها فرض القيم الغربية التي تظن مطابقة لهذا التصور المسيحي (هيدجر).
رابعا فائدة المميز الإسلامي :
ما يعتبره هيجل عيوبا هو عين ما يمثل قيمة الإسلام الذي يحقق الأخوة البشرية فيتعالى على الفروق الطبقية والعنصرية والدينية ويبقى على معيار وحيد هو التقوى أيا كان مصدرها. وبهذا المعنى يصبح الإسلام كما يعرف نفسه الدين الخاتم بحق والمناسب للمساواة الفعلية بين البشر وخاصة لمعركة القرن التي تخرج البشرية مما أدى إليه المميز المسيحي الذي وصفنا: معركة المساواة بين الشعوب والحضارات وتحقيق العدالة الاجتماعية بمقتضى الأخوة البشرية والتقوى أي الإيمان برب الجميع.

 

ثبت في أحكام هيجل المسبقة وفي إشاراته للإسلام

ج.1 ص.317-318
وحدة الوجود الصوفية: “وعندما يقول الواحد : الإله وجود في كل موجود, فإن ذلك وحدة وجود عند المسلمين المحدثين وعند جلال الدين الرومي خاصة. فهنا يكون هذا الكل كما هو جملة تامة, وهو الإله. ويكون المتناهي في هذا الوجود المتعين تناهيا كليا. ووحدة الوجود هذه هي بنت الاسترياء المفكر الذي يعمم الأشياء الطبيعية على كل شيء, ويوسع كل واحد منها. وبسبب ذلك فإن وجود الإله ليس كليا حقيقا بالنسب إلى الفكر بل هو كل أعني أنه يُتصور (موجودا) في كل كائن طبيعي فردي”.

ج.1.ص.377
عدد المسلمين: “إن هذا الدين يوجد تاريخيا بوصفه دين الفو. إنه دين المغوليين, وأهل التبت في شمال الصين وغربها. ثم هو دين البرمانيين والسيلانيين. إلا أن ما يسمى عادة فو يسمى هناك بوذا. إنه خاصة الدين الذي نعرفه باسم اللامائية. وهو الدين الأوسع انتشارا. وتابعوه هم الأغلبية. فعدد معنتقيه يفوق عدد المسلمين الذين هم بدورهم أكثر من معتنقي الدين المسيحي. وبالتالي فكما في الدين الإسلامي, تمثل فيه قوة بسيطة سرمدية, الحدس الرئيس. وخاصية الباطن وبساطة المبدأ هذه قادرة بذاتها أن تخضع قوميات مختلفة”.

ج.1. ص.436
الإسلام والأوثان: “ولما كانت كيفية الوجود تتحدد بالباطن ذاته, فإن الشكل الطبيعي لم يعد كافيا ولا كذلك محاكاته. فكل الشعوب باستثناء اليهود والمسلمين لهم أوثان. لكن هذه الأوثان لا تنتسب إلى الفن الجميل, بل هي مجرد تشخيص للتصور ورموز لما للذاتية المتصورة والمتخيلة حيث تكون الذاتية ما تزال خاصية محايثة للجوهر نفسه. فالتصور له في الدين صورة خارجية, ومن الجوهري أن نميز هنا بين ما يدرك بوصفه منتسبا إلى جوهر الإله. فالإنسان في الدين الهندي أصبح إنسانا, والكل هو ما يكون الروح دائما فيه موجودا لكن هل إن المراحل تعتبر منتسبة إلى الجوهر أم لا, ذلك هو الفرق”.

ج.2. ص. 30:
مفهوم الضرورة عند اليوناني والمسلمين : “فالضرورة هي الأمر الأكثر حرية. ولاشيء يحددها أو يقيدها. وكل التوسطات يتم تجاوزها هنا مرة أخرى. والضرورة هي الوساطة التي تتخلى عن ذاتها- إنها في ذاتها حرية. ولا غرو فإن التدبر الساعي إلى الخضوع إلى الضرورة كالحال عند اليونان وعند المسلمين كذلك يحتوي في ذاته الحرية, لكنها حرية موجودة في ذاتها (=بالقوة) حرية صورية. فأمام الضرورة لا قيمة لأي مضمون ولا لأي مشروع أو خاصية. وفي ذلك كذلك يمكن نقصها ».

الجزء الثاني ص.73 :
السمو إلى الكلية في الإسلام : “إن هذه الغاية الحقيقية لم تحصل إلا في الإسلام المحمدي, حيث سمت هذا الغاية إلى الكلية, فاصبحت من ثم غاية متعصبة. ولا غرو فالتعصب موجود كذلك عند اليهود. لكنه لا يحصل إلا عند العدوان على ملكهم وعلى دينهم. ثم هم يحصل, لأن هذه الغاية من طبعها الاستثناء ولا تسمح بأي تواصل أو مشاركة أومسايرة مع أي شيء آخر ».

ج.2 ص.82-83.
استثناء الإسلام من خاصية شرقية : “قد لا نعجب من كون الأمة الشرقية تبدو قاصرة الدين على نفسها, وكونها تجعله مقترنا اقترانا تاما بأمتها, ذلك أننا رأينا هذا الأمر في الأوطان الشرقية عامة. وأول الأمم التي عبدت آلهة أجنبية هي اليونان والرومان. وعند الرومان دخلت كل الأديان ولم تعد تعتبر أديانا قومية. لكن الشرقيين يعتبرون الأديان عندهم مقترنة بالقومية اقترانا مطلقا. فالصينيون والفرس لهم دين دولتهم الذي يقتصر عليهم ».

ج.2 ص.86.
التعصب للكلي : “ويوجد ترابط بين تصور الأله ربا وتمحض الشعب اليهودي لخدمته تمحضا تاما. وإنطلاقا من هذه الترابط يتضح الثبات الجدير بالإعجاب الذي لم يكن تعصبا إيمانيا, كالحال في الإسلام المحمدي الذي تخلص من القومية ولا يعترف إلا بالمؤمنين, بل هو تعصب العناد وهو تعصب يستند حصرا على تجريد الرب الواحد. ولا يحصل تردد في الروح إلا عندما تتساوق مصالح ووجهات نظر مختلفة. ففي هذه الحالة يتصدى المرء لهذه المعركة أو تلك. ولكن خلال تركيز هذا الرب الواحد, يكون الروح ثابتا تمام الثبات. فينتج من ثم أنه لا يوجد قبالة هذه الرابطة الثابتة أي حرية, وتكون الفكرة مطلقة الارتباط بهذه الوحدة التي هي السلطة المطلقة. ويرتبط بذلك أمور أخرى كثيرة »(16).

ج.2.ص.162.
مقارنة الإسلام بالرومان واليونان : “فمثلما أن خاصية الغائية الخارجية للمدد القيامي الخلقي الذي للحياة اليونانية ووحدة القوة الإلهية ووجودها الخارجي مختلفتان عنهما في الإسلام, فكذلك ينبغي أن يكون هذا السلطان, هذه الملكية الكونية, وهذه الغاية مختلفة عن التي للدين الإسلامي؟ ففي هذا الدين كذلك يعتبر السلطان على العالم غاية, لكن ما ينبغي أن يسود هو واحد الفكر الصادر عن الدين اليهودي. أو عندما يقال في الدين المسيحي بأن الإله يريد أن كل البشر ينبغي أن يصلوا إلى الحقيقة, فإن الغاية تكون من طبيعة روحية, وكل فرد يكون فيها مفكرا وروحيا وحرا وموجودا في الغاية, وله فيه مركزه وليس غاية خارجية, وأن الذات بذلك تتلقى كل محتوى الغاية في ذاته. لكنه هنا, على العكس من ذلك, ما يزال حسيا ومحيطا إحاطة خارجية, سلطانا على العالم”.

ج.2.ص.278-279
موقف المسلمين من المسيح عليه السلام: “فمن خلال الإيمان يعلم هذا الفرد بوصفه ذا طبيعة إلهية, أي ما بفضله تم نسخ الإله الماورائي. فعندما ننظر إلى المسيح كما ننظر إلى سقراط, فإننا نعتبره إنسانا عاديا كما ينظر المسلمون للمسيح باعتباره رسول الله مثله مثل كل البشر العظام المبعوثين رسل الله بالمعنى المعتاد. ولكن إذا توقف الواحد عند القول عن المسيح بأنه معلم البشرية وشهيد الحقيقة, فإن موقفه يفقد دلالة موقف المسيحية, موقف الدين الحقيقي”.

ج.2.ص.285.
دلالة ابن الله: “يسمي المسيح نفسه ابن الإله وابن الإنسان. وهذا الكلام ينبغي أخذه بمعناه الحقيقي. والعرب يسمون بعضهم البعض أبناء قبيلة معينة والمسيح ينتسب إلى الجنس البشري والجنس البشري هو قبيلته. والمسيح هو كذلك ابن الإله, والمعنى الحقيقي لهذه العبارة وحقيقة الفكرة وما كان المسيح بالنسبة إلى أمته والفكرة السامية للحقيقة التي فيه وفي أمته, يمكن إن نقول كذلك إنها بحاجة إلى التأويل: فكل أبناء الإنسان هم أبناء الإله, أو ينبغي أن يجعلوا أنفسهم أبناء الإله وما ماثل”.

ج.2.ص.300
الشرقي والحرية:”وحينئذ فقد وُضع المطلوب بأن الفرد في الأمة عليه أن يجل الفكرة الإلهية على نحو العين الفردية, وأن يتملكها. وبالنسبة إلى الوجدان اللطيف والمحب, المرأة, فإن ذلك أمر يسير. لكن الجانب الأخر, الرجل, هو بالذات أن الذات يحصل لها فرض المحبة هذا, وهي في حال الحرية اللامتناهية وقد أحاطت بالمدد القيامي لوعيها بالذات بالنسبة إلى المفهوم القائم بذاته, وبالتالي فإن هذه الدعوى شديدة بما لا يتناهي بالنسبة إليه. فضد هذا التوحيد, إجلال شخص حسي بوصفه إلها تثير حرية الذات لديه. والشرقي لا يمانع في ذلك, إذ إن ذلك ليس بشيء بالنسبة إلى من هو مهين في ذاته أن يهين نفسه, أعني دون وعي بالحرية اللامتناهية فيه. لكن هذا الحب هنا, وهذا الاعتراف هو بالذات النقيض. وتلك هي المعجزة التي هي حينئذ وبالذات الروح نفسه”.

ج.2.ص.326
العلاقة الشرقية الاستبدادية بالفكر والإرادة الذاتيين:”المفهوم الأول هو النظرة الخلقية التي يكون تناقضها موجودا في علاقة خارجية تماما بالنسبة إلى الوعي بالذات, في علاقة تؤخذ لذاتها بوصفها من المفروض أن ترتب في منزلة رابعة أو أولى, وعلى التعيين في علاقة شرقية واستبدادية لإلغاء الفكر  والإرادة الذاتيين(17). وهذه النظرة الخلقية تضع الغاية المطلقة جوهر الروح في غاية المرغوب فيه, وفي الحقيقة غاية الرغبة بما هي رغبتي, بحيث إن هذا الجانب الذاتي يكون هو الأمر الأساس. والقانون والكلي والعقلي هو عقلانيتي الموجودة في, وكذلك الرغبة والتحقيق الفعلي الذي يمكنني منها ويجعلها غايتي الذاتية هو كذلك مالي وفي حدود بروز تصور لتدخل أمر سام وأسمى صادر عن الإله ضمن هذه النظرة, فإن ذلك نفسه ليس إلا مسلمة من مسلمات عقلي, مسلمة أنا واضعها”.

ج.2 ص.335-338
النص الحاسم:”والتطور الآخر لهذا الموقف هو من ثم التطور المتمثل في أن الذات بإزاء الوحدة التي فرغ ذاته لأجلها, ليست لذاتها, بل العكس فهو لا يحفظ خصوصيته, بل هو لا يمد نفسه إلا بخاصية الغوص في وحدة الإله. وبذلك فالذات ليس لها أي أمر خاص بها ولا أي غاية موضوعية إلا غاية إجلال الإله الواحد. وهذا الشكل دين. وفيه علاقة إيجابية بجوهره الذي هو هذا الواحد. وفيه تتخلى الذات عن ذاتها.
وهذا الدين له نفس مضمون الدين اليهودي. لكن علاقة الإنسان فيه توسعت, فلم يبق له أي خصوصية. فالقيمة الوطنية اليهودية التي وضعت هذه العلاقة بالواحد أصبحت مفقودة هنا. ولا وجود هنا لأي قيد, بل الإنسان يتعلق بهذا الواحد بوصفه إنسانا, وعيا بالذات خالص التجريد. تلك هي خاصية الدين الإسلامي.
وفيه تجد المسيحية نقيضها, وذلك لأنه يوجد في الدائرة المماثلة لدائرة المسيحية. فهو مثل الدين الروحي اليهودي, إلا أن إلهه في الروح العارف والمجرد, يوجد بالنسبة إلى الوعي بالذات مع الإله المسيحي, ما كانا في نفس الدائرة المتمثلة, في أنه لم يبق على أي خصوصية. فمن يخشى الإله مرضٍ لديه, وليس للإنسان من قيمة إلا بقدر وضعه حقيقته في العلم بأن الإله هو الواحد وهو الجوهر. لا وجود لاعتراف بفاصل من أي نوع بين المؤمنين, وبينهم وبين الإله. وأمام الإله تنسخ خاصية الذات المتأتية من الطبقة والمنزلة. وقد يكون الناس أصحاب منزلة وقد يكونوا عبيدا لكن ذلك ليس إلا أمرا عرضيا.
والتناقض بين المسحية والإسلام يتمثل في أن الروحانية تطورت في المسيح بوصفه تثليثا, أي بوصفه روحا عالما بذاته, ويتمثل ذلك في أن تاريخ الإنسان وعلاقته بالواحد تاريخ عيني, وله بداية من الإرادة الطبيعية (التي هي كما لا ينبغي أن يكون) والتخلي عنها وصيروته جوهره هذا بواسطة هذا النفي لذاته. فالمسلمون يكرهون كل ما هو عيني, ويمنعونه, والإله عندهم واحد بإطلاق وبالمقابل فلا يتضمن الإنسان غاية ولا خصوصية ولا أي أمر يخصه بالذات(18).
لكن الإنسان الموجود يضفي على نفسه الخصوصية في ميوله ومصالحه- فتكون هذه على قدر كبير من الوحشية وفقدان الزمام لعدم التفكير لديهم. لكن النقيض التام من ثم موجود لديهم كذلك, أعني ترك كل شيء واللامبالاة إزاء أي هدف, ومطلق الاستسلام لحتمية الأقدار, واللا مبالاة إزاء الحياة. وليس لاي غاية عملية قيمة جوهرية. لكن لما كان الإنسان كذلك عمليا وفاعلا, فإن الغاية يمكن حينئذ أن تكون حتى تحقيق إجلال الواحد لدى كل البشر, ومن ثم فالإسلام دين متعصب (19) بالجوهر.
إن التفكر الذي رأينا يشغل نفس الدرجة مع الإسلام, الدرجة المتمثلة في أن الإله ليس له مضمون وليس كائنا عينيا. وبالتالي فظهور الإله في جسد حي, والسمو بالمسيح إلى منزلة ابن الإله, وتصعيد متناهي العالم, وتناهي الوعي بالذات إلى درجة التحديد الذاتي اللامتناهي للإله, ليست أمورا موجودة هنا. فالمسيحية لا تتعدى قيمتها عند المسلمين كونها عقيدة. والمسيح ليس إلا رسول الإله, ومعلما إلهي. ومن ثم فهو عندهم معلم مثله مثل سقراط مع تفضيل المسيح عليه, لكونه حسب رأيهم كان من دون خطيئة. لكن ذلك ليس إلا نصف الحقيقية. فإما أن المسيح لم يكن إلا إنسانا أو هو” الإنسان الابن”.
ومن ثم فإنه لم يبق شيء من قصة المسيح (حسب العقيدة المسيحية) في ما قيل عنه في القرآن. والفرق بين هذه الدرجة والإسلام لا يتمثل إلا في كون الإسلام يسبح حدسه في أثير اللامحدود بوصفه هذا التحرر اللامتناهي المتخلص بإطلاق من كل خاص, ومن كل استمتاع ومن كل طبقة ومن كل علم ومن كل كبرياء ذاتية. وبالمقابل مع ذلك ففي موقف تنوير الحصاة يكون الإله بالنسبة إلي اصحاب التنوير ماوراء, وليس له علاقة إيجابية مع الذات. والتنوير يضع الإنسان بالنسبة إلى ذاته بصورة مجردة, بحيث إنه لا يعترف إلا بالكلي الإيجابي, ما كان موجودا فيه, لكنه لا يوجد فيه إلا على نحو مجرد. ومن ثم فتحقيقه لا يُـؤخذ إلا من خلال العرضية والتحكم.

إلا أنه مع ذلك ينبغي أن نعلم أنه توجد كذلك في هذا الشكل الأخير(التنوير) مصالحة. فهذا الظهور الأخير هو من ثم تحقيق للإيمان كذلك. ولما كان كل مضمون وكل حقيقة بالذات قد انحطت في هذه الذاتية الخاصة العالمة بذاتها في ذاتها بلا نهاية, فإن مبدأ الحرية الذاتية قد بلغ إلى الوعي في هذا الشكل. فما يسمى باطنا في الأمة, هو الآن متطور في ذاته, وهو ليس مقصورا على الباطن والضمير, بل هو الذاتية التي تقضي في نفسها, وتميز, وهي عينية الذاتية التي هي عين موضوعيتها, والتي تعلم الكلية في ذاتها, أي ما تنتجه انطلاقا من ذاتها الذاتية التي هي لذاتها والتي تتحدد بذاتها في ذاتها.
ومن ثم الذاتية التي هي تمام الحد الاقصى الذاتي سعيا للفكرة القائمة فيها. والنقص هاهنا يتمثل في أن ذلك ليس محروما إلا شكليا من الموضوعية الحقيقية. إنها القمة الأخيرة للتربية الشكلية الخالية من الضرورة القائمة فيها. فمن تمام الفكرة الحقيقي أن تُحرر الموضوعية وأن تكون جملة الموضوعية قائمة في ذاتها. ونتيجة هذه الموضوعية خالية من الخاصية المتينة ومن تطور الإله. إن هذه القمة الأخيرة من التربية الشكلية لعصرنا هي في آن الطابع الخام الختامي الأعلى لأنها لا تملك من التربية إلا الصورة. عرفنا إلى حد الآن هذين الحدين الأقصيين المتقابلين في تقدم الأمة. أولهما كان حد لاحرية الروح وعبوديته في منطقة الحرية المطلقة. والثاني الذاتية المجردة الحرية الذاتية عديمة المضمون”.

 

 


الهوامش:

(1) كل الإحالات ترجع القارئ إلى ترقيم النص الأصلي في طبعةswt بجزئيها 16 و 17 من أعمال هيجل الكاملة في عشرين جزء
(2) هيجل فلسفة التاريخ المرحلة الرابعة العالم الجرماني الفصل الثاني المحمدية (الإسلام) ص.428-434 من العدد 12 من الأعمال الكاملة نشرة stw عدد 612
(3) ج.2.ص.341.
(4) وإذا بشعار فكر هيجل كله هو فلسفة الحرية أو تحقق الإنسان تحققا يطابق بين ما هو وما ينبغي أن يكون فتصبح الحرية حقيقة ذاتية للفرد ومناخا روحيا لعلاقة الأفراد بعضهم بالبعض في المصالحة الوجودية الكبرى بين الإله والعالم والإنسان ولكن بشرط القول بالدين المطلق أو بالمسيحية التي تعد في فكره العلم المطلق. ويمكن القول إن هذه العقيدة الدغمائية هي التي تطبقها الحضارة الغربية سواء بمسيحية صريحة أو ضمنية : الحرية هي الانتساب للقيم التي تجعل الإنسان إلها والإنسان إنسانا وتنفي الفرق بين المطلق الإلهي والنسبي الإنساني باسم تحقيق مدينة الله في الأرض سواء كان ذلك بالمنطق الماركسي أو بالمنطق الرأسمالي.
(5) إذ كما سنرى فإن أهم نص وأطوله كتبه هيجل في تحديد تصوره للإسلام تضمن المقارنة بينه وبين المسيحية والتنوير والتقووية واليهودية أي بأهم محددات الجدل الفكري في عصره الجدل المتعلق بمنزلة القيم ليس في الأذهان فسحب بل في تحقيقها الفعلي خاصة ونحن في قرن الثورات الغربية التي تلت الثورة الفرنسية وبدايات الثورات المطالبة بالحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية في أوروبا كلها وهي لحظة تشبهها لحظتنا العربية الإسلامية الحالية في الكثير من الخصائص والمحددات.
(6) وضعنا هذا المصطلح لأداء المعنى الذي حدده هيجل لما يسمى بالرفلاكسيون أي الفكر التحليلي المنطقي العادي. وهو يفيد به معنى رؤية العقل لذاته مشرعا للوجود في حدود ظاهره كا يتجلى في المقولات المجمدة والفاقدة للقدرة على متابعة سيلان الوجود وينسبه إلى كبر العقل بما هو حصاة وفيه معنى الرأي المذموم بمصطلح الفكر الديني الإسلامي بمعنى الهوى في مقابل حكمة العقل العالم وريائه وترائيه في مرآة ذاته إذ المعنى اللغوي للكلمة هو الانعكاس على سطح مرآة.
(7) ج.2 ص.341 من النص الأصلي

(8) وكل هذه التكوينيات التاريخية تخضع لنفس المنطق الغائي الذي نجده في مقالة الألف من ميتافيزيقا أرسطو : حيث يعرض المراحل المتقدمة عليه بوصفها مراحل معدة لفلسفته التي هي الغاية من التكوينية. نفس هذا العرض الغائي نجده في هذه الأعمال الأربعة : في الظاهرياتية وفي فلسفة الدين وفي فلسفة التاريخ وفي تاريخ الفلسفة. ففلسفة هيجل غاية تاريخ الفلسفة والفينومينولوجيا والمسيحية غاية فلسفة الدين والحضارة الغربية وبصورة أدق المرحلة الجرمانية غاية فلسفة التاريخ وضمنها يتم الكلام على ضرورة أن يكون الإسلام الوجه السلبي من هذه الغاية. وتلك هي العلة في التلازم بين هذا المخمس : فلسفة الدين وفلسفة التاريخ والحضارة المسيحية الجرمانية والحضارية الإسلامية العربية كلها في حبكة فلسفة هيجل التي لا تزال مؤثرة في راهن التاريخ.
(9) ج.1. ص.334
(10) . ج.2. ص.341
(11) هيجل ج.1.ص.310.
(12) ونفس هذه المغالطات في تكوينية الفكر لها ما يناظرها في منطق التوالي بالنسبة إلى أشكال الدين : ففي المعرفي والوجودي يكون الانتقال من المدد القيامي إلى الذاتية. وفي التاريخيو الجغرافي تحصل المراحل بدايتها من الشرق وغايتها فى الغرب. وكل التعليل يتبين في الغاية مجرد أحكام مسبقة وأفكار عامة حول المقابلة شرق غرب وظاهر باطن وممد قيامي ذاتية إلخ…وهي افكار تصلح ربما لتنظيم المضمون لكنها لا تفسر شيئا خاصة إذا أيدها صاحبها باستعارات عضوانية من النبات والحيوان والمقابلة بين القوة والفعل أو ما في الذات وما للذات.
(13) ج1. ص.278
(14) ج.2. ص 23
(15) ج.1. ص.252.
(16) نجد مثل هذه الإشارة عند ابن خلدون عندما قارن بين المسيحية واليهودية من جهة وبين الإسلام من جهة ثانية في ما يخص بنشر الدين بالجهاد. لكن ابن خلدون لم يصف ذلك بالتعصب. وهيجل لا يقصد به معنى آخر غير الحماسة للكلي وبهذا المعنى يطبق المفهوم على الثورة الفرنسية.
(17) تعليق المترجم: كلما تحدث هيجل عن الاستبداد ربطه بالشرق والعكس بالعكس. وطبعا فهذا حكم مسبق لأنه كان يعلم أن أوروبا والغرب بصورة عامة مليء بالاستبداد. ولعل ألمانيا كانت آخر بلاد أوروبا تخلصا منه, بل هي أكثرها عودة إليه في شكل النازي. ومع ذلك فهو قد رسخ فكرة الاستبداد الشرقي الذي يردده أصحاب الكليشيهات الماركسية في ما يطلقون عليه النمط الشرقي. فالاستبداد لا علاقة له بالمكان ولا بالحضارات بل هو مرحلة من مراحل النضوج الحضاري والتنظيم السياسي تتحرر منه الأمم بالتدريج وبالذات بالصراع بين الاستبدادات التي تنتهي في الأخير إلى حلول وسطى هي جوهر الاحترام المتبادل بين الأقوياء بعد تجريب منهج الغلبة الذي يؤدي إلى الاقتتال الدائم.
(18) تعليق المترجم: كل ما يقوله هيجل عن الإسلام فيه شيء من الصحة لكنه مقصور على مدرسين كلامتيتين لا غير: المعتزلة والاشاعرة. وسنبين ذلك بالتدقيق في تقديم هذا الجزء الثاني من دروسه في فلسفة الدين.
(19) تعليق المترجم: ينبغي أن تفهم هذه الكلمة بمعناها عنده: فهو يطلقها على الإسلام وعلى الثورة الفرنسية بنفس المعنى بل ويعتبرها من أخص خصائص التنوير في عصره. ويقصد الحماسة المبالغ فيها لفرض النظرة التجريدية أي المثل المطلقة على الواقع الذي يتأبى قبولها لأنها عيني بالجوهر.

 

error: المحتوى محمي