جاليليو جاليلي – موسوعة ستانفورد للفلسفة

جاليليو جاليلي – موسوعة ستانفورد للفلسفة


حول حياة جاليليو جاليلي وأعماله، وقصته مع العلم والكنيسة؛ نص مترجم لد. بيتر ماكمر، وترجمة: محمد صديق أمون، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة. نسخة PDF


 

لطالما كان جاليليو جاليلي (1564–1642) شخصية محورية في تاريخ العلم. كما اعتُبِرَ في كثير من تواريخ الفلسفة، أحدَ أهم شخوص الثورة العلمية في القرن السابع عشر إن لم يكن الأهمَّ بإطلاق. حيث لا تزال أعمالُه في الفيزياء (أو الفلسفة الطبيعية)، وعلمِ الفلكِ، ومنهجية العلم مثاراً للجدل بعد أكثر من 400 عام. إنَّ دور جاليليو في نشر نظرية كوبرنيكوس، وما لاقاه بعدُ من متاعبَ ومحاكماتٍ من قبل الكنيسة الكاثوليكية، هي حوادثُ تستدعي أن تعادَ روايتُها من جديد. تهدفُ هذه المقالة إلى تزويد القارئ بنظرة شاملة على هذه الجوانب من حياة جاليليو وأعماله، من خلال تركيز النظر على حُججه فيما يخصُّ طبيعة المادة.

 

  • 1) ترجمةُ موجَزةٌ.

  • 2) تمهيد ونبذة عامة.

  • 3) قصة جاليليو العلمية.

  • 4) جاليليو والكنيسة.

  • قائمة المراجع.

  • أدوات أكاديمية.

  • مصادر أخرى على الإنترنت.

  • مواضيع ذات صلة.


 

 

 

 

1) ترجمةٌ موجزة

 ولِدَ جاليليو في الخامس عشر من الشهر الثاني (فبراير) من عام 1564 في مدينة بيزا الإيطالية. وحين توفي في الثامن من شهر يناير سنة 1642(ولكن انظر الخلاف في التاريخ في Machamer 1998، ص24-25)، كانت شهرتُه تملأ الآفاق. فقبل جاليليو لم يكن للعلم كما نعرفُه اليومَ أي وجودٍ، لكن عند وفاته كان العلم قد أخذ يصبح شيئاً فشيئاً تخصصاً مستقلاً ونظاماً فلسفياً له مصطلحاتُه ومنهجُهُ.

انتقل جاليليو مع أسرته في عام 1572 إلى مدينة فلورنسا، وقتئذٍ أراد أن يكون قسيساً فبدأ الدراسة اللازمة لذلك لكنَّه سرعان ما تركها، ليلتحق بجامعة بيزا لدراسة الطب. لم يكمل دراسته للطب أيضاً، ولكنَّه بدلاً من ذلك تتلمذ على أوستيليو ريتشي[2] عالم الرياضيات الخاص ببلاط إقليم توسكاني. بعد ذلك زار جاليليو روما ليلتقي عالمَ الرياضيات كريستوفر كالفوس[3]، كما بدأ بمراسلة جويدوبالدو دال مونتي[4]. في تلك الفترة، التمسَ جاليليو وظيفةً في مدينة بولونيا، لكنّ طلبَه رُفضَ. ثُمَّ بعد بضع سنين وتحديداً في 1589، عُيِّن جاليليو- بمساعدة كلٍ من (كالفوس و دال مونتي) – أستاذاً للرياضيات في جامعة بيزا. وفي عام 1592 عُيِّن جاليليو- بأجر أعلى هذه المرة- أستاذاً للرياضيات في جامعة بادوفا. هناك التقى مارينا جامبا [5]، التي أنجبت له ثلاثة أبناء، وهم فرجينيا في عام 1600، وليفيا في سنة 1601، و فينسينزو في سنة (1606).

إبّان إقامته في بادوفا اشتغل جاليليو على التلسكوب، كذلك أنجز معظم إنتاجه في الميكانيكا. وفي سنة 1610 نشر رسالته «رسول النجوم» -انظر في (Hessler and DeSimone 2013) النسخةَ طبق الأصل لمخطوطة «رسول النجوم» الموجودة في مكتبة الكونغرس، والندوة التي عُقِدَتْ لمناقشة تفاصيلها-. في تلك الفترة عمل جاليليو جاهداً في سبيل نيل منصب في قصر دوق إقليم توسكاني، دي مديتشي، حتى أنّه أطلق اسم مديتشي على أقمار كوكب المشتري التي اكتشفها. سرعان ما تكللت مساعي جاليليو بالنجاح حيث عُيّن فيلسوفاً وعالم رياضيات خاصاً بقصر الدوق، كما أضيف إليه منصبٌ – بلا مهامٍ تدريسيةٍ – في جامعة بيزا. كان لدى جاليليو أسبابٌ كثيرةٌ تدفعه لمغادرة بادوفا، ذكر منها أنه لم يعد يُطِق تدريس هذا العدد الكبير من الطلاب، وأنَّ مذاقَ الخمرِ في منطقة فينيسا عموماً لم يَرقْ له. في أواخر سنة 1610 أقرّت الكليّة الرومانية في روما- التي كان يدرّسُ فيها كالفوس – ما توصل إليه جاليليو باستخدام التلسكوب من ملاحظات. تلا ذلك انضمام جاليليو في سنة 1611 لجماعة علميةٍ – لعلّها الأولى من نوعها – تحت اسم (أكاديمية لينسيان.

         في عام 1612 نشر جاليليو «مقال عن الأجسام الطافية» ثم أتبعه في عام 1613 بـكُتيّبٍ عَنونَهُ بـ «خطابات عن البقع الشمسية» أظهر في لأول مرة ميلَه لنظرية كوبرنيكوس. وفي عام 1614 ألحق جاليليو ابنتيه بدير سان ماثيو للرهبان الفرنسيسكان، قرب فلورنسا. ومنذ ذاك الوقت عُرفت ابنته فرجينيا بـ (الأخت ماريا شيليتي)، وابنته ليفيا بـ (الأخت أركانجيلا). أمّا أمهما، مارينا غامبا، فقد ظلّتْ في بادوفا بعد أن غادرها جاليليو إلى فلورنسا.

بين عامي 1613-1614 دخل جاليليو ساحَ الجدال حول نظرية كوبرنيكوس من طريق أحد طلّابه ويدعى بِنديتو كاستيلي[6] حيث كَتبَ جاليليو «خطابات إلى كاستيلي»، ليحولَها بعد تعديلها إلى «خطابات إلى الغَرندوقة كريستينا» في عام 1616. وفي الشهر الثاني من نفس العام، وضَعَ المجمعُ المقدّسُ كتابَ كوبرنيكوس «عن دورات الأجرام السماوية» في قائمة المؤلفات المحظورة وأمر بمنع تداوله حتى يُصَحح. بُعيد ذلك، استدعى الكاردينالُ روبرت بيلارميني [7] جاليليو وأمرَه بعدم الدفاع عن نظرية كوبرنيكوس وبعدم تدريسها.

 في سنة 1623 نشرَ جاليليو مؤلَّفاً عَنْونَهُ بـ «المحلل»، يتناول فيه المذنباتِ، حيث زعم أنّها ظواهر أرضيّة. وفي كتابه هذا الكثير من الإشارات المنهجيّة المشهورة: كتلك التي يقول فيها جاليليو أنَّ كتاب الطبيعةِ مكتوبٌ بلغة رياضيّة.

وفي العام ذاتهِ، اعتلى صديقُ جاليليو ومناصرُه مافيو باربيريني[8] كرسي البابا، وعُرف باسم (إيربان الثامن). شدَّ ذلك من عزيمة جاليليو ودفعه لبدأ العمل على كتابه «حوار حول النظامين الرئيسيين للكون»، الذي نُشر بتصريح من فلورنسا – وليس من روما- في سنة 1632. لكن بعد ذلك بفترة وجيزةٍ، حظرتْ مَحكمةُ التفتيش تداول كتاب جاليليو هذا، واستدُعي جاليليو فوراً إلى روما، للمثول أمام المحكمة، ليدانَ لاحقاً في سنة 1633. وفي القسم الأخير من هذه المقالة، جاليليو والكنيسة، مزيدُ تفصيل لهذه الحوادث وما نتج عنها.

في الوقت الذي كان فيه جاليليو رهن الإقامة الجبرية في سنة 1634، توفيت ابنتُه ماريا شيلستي (انظر Sobel 1999). بعدئذٍ بدأ جاليليو العملَ على آخر مؤلفاتهِ «مقالات عن علمين جديدين»، الذي نُشرَ في هولندا بعد أن هُرّبَ من إيطاليا. مات جاليليو في أوائل سنة 1642، ونظراً لإدانته، ظّلَّ مكانُ دفنهِ سِرّاً حتى سنة 1737.

لترجمة أوفى يُرجَع إلى كتاب (ستيلمان دريك) المُعَنون بـ «جاليليو في العمل» 1978، وهو أفضل الكلاسيكيات التي تناولتْ حياةَ جاليليو وإنجازاتهِ العلمية. أو إلى مؤلفاتٍ أحدث مثل كتاب «جاليليو» (2010) لمؤلِّفه (جون إل هيلبرون)، وهو كتابٌ يغطي مختلفَ جوانب حياة صاحب الترجمة. ولعلَّ (آدم غوبنيك) قد اعتمدَ على هذا الكتاب في كتابة مقالته المُبسّطة الغريبة المنشورة عام 2013 في مجلة (The New Yorker).

 

2) تمهيدٌ ونُبذَةٌ عامة

عَدَّ كثيرون، منذ القرن السابعَ عشر حتى اليوم، جاليليو بَطَلَ العلم الحديث. فاكتشافاتُه عديدةٌ، وهو أول من رأى جبال القمر، وأقمار المشتري باستخدام التلسكوب. كما حددَ شكل مسار الأجسام المقذوفةِ، ووضعَ قانونَ السقوط الحر استناداً إلى عدة تجارب. كذلك عُرِف بدفاعه عن نظرية كوبرنيكوس، وبترويجه لها، وباستخدامه التلسكوب للتَّمَعُن في السماء، وباختراعه الميكروسكوب، وبإلقائه الحجارة من الأبراج والصواري. وبمعالجتهِ للبندول والساعات. وأيضاً بدفاعه عن نسبية الحركة، وبابتداعه للفيزياء الرياضيّة. وأيضاً بكونه أوَّلَ عالم تجريبي “حقيقي”. ولعلَّ محاكمةَ الكنيسة الكاثوليكية لجاليليو وما تلا ذلك من تقديمه بصورة الرجل العصري صاحب الدور البطولي في تاريخ “الصراع” بين العلم والدين، كانت أهم العوامل في شهرته. هذه إنجازاتُ رجل إيطاليٍ من القرن السابع عشر، رَجلٍ كان ابناً لأحد موسيقيي البلاط، وترك جامعة بيزا من غير أن ينال شهادة التخرج. وهي ليستْ بالإنجازات الهيّنة البتَّة.

أحد الأمور الحسنة التي تميّزُ الأزمنةَ الهامة والمثيرة كالتي عاش فيها جاليليو، هي الوفرة التأويلية، وتعددُ التفسيرات. حيث أنّه منذ موت جاليليو في سنة 1642، وأعمالُه عرضةً لتأويلات شتى، ومثاراً لنزاع لا ينتهي. وإن التوسُّلَ باسم جاليليو وبأعماله لحقيقٌ بأن يكوّن قصةً تاريخية مدهشة (Segre 1991, Palmerino و  Thijssen 2004,  Finocchiaro 2005)، ولكن هذا ليس الغرض هنا.

على الجانب الفلسفي، استخدمَ كثيرٌ من الكتاب جاليليو لتجسيد موضوعاتهم المختلفة، عادةً عند الحديث عن الثورة العلمية أو طبيعة العلم النافع. وأياً ما كان وصف العلم الحديث أو العلم بشكل عامٍ، فإنَّ انطلاقَه كان مع جاليليو. عَرفَ تراثُ أوائل القرن العشرين حول جاليليو تقسيمَ أعماله إلى ثلاثة أقسامٍ أو أربعة. أعمالُه (1) في الفيزياء، (2) في علم الفلك، (3) في المنهج، ويمكن أن يُلحق بهذا القسم الأخير منهج جاليليو في تأويل الإنجيل، وآراءهُ حولَ طبيعة الدليل أو البَرهنة. كما نجد في هذا التراث معالجاتٍ تقليديةٍ لاكتشافات جاليليو الفيزيائية والفلكية وعلاقتها بآراء من سَبقوه. في حين أنَّ الكثيرين قد يطرحون أسئلةً أهمَّ فلسفياً، من قبيل: كيف ترتبط رياضيات جاليليو بفلسفته الطبيعية؟ وكيف قام بصنعِ التلسكوب ومن ثمَّ باستخدام ما تحصّل عليه من نتائجَ في التدليل على نظرية كوبرنيكوس؟ (Reeves 2008). هل كان جاليليو تجريبياً؟ (Settle 1961, 196, 1983, 1992; Palmieri 2008) هل كان أفلاطونيّاً فيما يخص الرياضيات؟ (Koyré 1939). هل كان أرسطيّاً يشدد على الخِبرة؟ (Geymonat 1954). هل كان َالبشير بالعلم الوضعيّ الحديث؟ (Drake 1978) أم لعلَّه كان أرخميدياً؟ (Machamer 1998). هل استخدم حقاً منهجاً سكولاستيّاً مُنقحاً في التدليل؟ (Wallace 1992). أم أنّه كان بلا منهجٍ، بل عُقاباً محلقاً في جوِّ السماء كما يحلِّقُ العباقرةُ؟ (Feyerabend 1975). خلفَ كل هذه الادعاءات يكمنُ سعيٌّ ما لوضع جاليليو في سياقٍ فكريٍّ، يلق الضوء على إنجازاته. حيث يُركِّزُ البعضُ على استفادة جاليليو من التقليد العملي، الحِرَفي/ والهندسي (Rossi 1962). والبعضُ على إنتاجه الرياضيّ (Giusti1993, Peterson 2011,, Feldhay 1998, Palmieri 2001, 2003, Renn 2002, Palmerino 2015,). وآخرون على رياضياته المختلطة (أو التابعة)(Machamer 1978, 1998, Lennox 1986, Wallace 1992). كذلك يركِّز البعضُ على استفادة جاليليو من الفلسفة الذريّة (Shea 1972, Redondi 1983)، وعلى استخدامه لنظرية القوة الدافعة التي ترجع إلى الفترة الهلّينيّة وإلى القرون الوسطى (Duhem 1954, Claggett 1966, Shapere 1974). كذلك على فكرة كون الاكتشافات تجلب معطياتٍ جديدة للعلم (Wootton 2015).

ولكن يبدو أن الجميع تقريباً في هذا التراث قد نظر إلى كل تخصص من التخصصات التي عمِلَ فيها جاليليو، أي الفيزياء، وعلم الفلك، والمنهج، وكأنّه بطريقة ما مستقلٌ بذاته، ويجسد توجهات مختلفة لجاليليو. أمّا الأبحاث التاريخية المعاصرة فتتبعُ أحدثَ الصيحات الفكريّة وتركز النظرَ على دراسات تضيف أبعاداً جديدة لفهمنا لجاليليو. وذلك عن طريق دراسة بلاغته (Moss 1993, Feldhay 1998, Spranzi 2004)، وبِنى السلطة في الوسط الاجتماعي الذي عاش فيه (Biagioli 1993, 2006)، إلى جانب سعيه الشخصي الحثيث لنيل الاعتراف والتقدير (Shea and Artigas 2003). وبشكل عام تولي هذه الدراسات عنايةً لمختلف جوانب التاريخ الاجتماعي والثقافي، وتحديداً الثقافة الملكيّة والبابويّة، للفترة التي كان فاعلاً فيها جاليليو (Redondi 1983, Biagioli 1993, 2006, Heilbron 2010).

بطريقة قد تبدو انتكاسةً فكرية، سنلخص فيما يلي أبحاث جاليليو في الفيزياء وعلم الفلك. كذلك سنوضح بشكل مبتكر كيف التحمت كلُّ تلك الأبحاث بمبحثٍ موّحد. وخلال سيرنا سنبيّن سبب شعور جاليليو في آخر حياته بضرورة تأليف كتابه «مقالات عن علمين جديدين»، والذي يُعدُّ حقاً تكملة لمشروعه الكليّ وليس مجرد أبحاث قديمةٍ عاد إليها بعد أن فقد بصره، وغدا حبيسَ منزله، بعد محاكمته. وعلى وجه الخصوص سنحاول أن نوّضحَ لماذا كان هذان العلمان، لا سيّما الأوّل، على درجة كبيرةٍ من الأهمية (وهو موضوع لم يُطرَق من قبل إلا مؤخراً مثل:  Biener 2004 و Raphael 2011). وسنعرّجُ أيضاً على منهج جاليليو، ورياضياته (ونحيل القارئ هنا إلى بعض الأعمال الحديثة حول ذلك مثل: Palmieri 2001, 2003). وفي الختام، سنتناول باختصار جاليليو، والكنيسة الكاثوليكيّة، وما جرى من محاكمته.

 

3) قصة جاليليو العلمية

إن السلكَ الفلسفي الناظم لحياة جاليليو الفكرية هو رغبته الجارفة والمتزايدة في تجديد مفاهيم الفلسفة الطبيعية، ومنهج ممارستها. ومصداقُ ذلك ما جرى بعد مغادرته بادوفا سنة 1611، وانتقاله لقصر مديتشي في فلورنسا، من طلبه من الدوق أن يلقّبَهُ بالـ “فيلسوف” إلى جانب الرّياضيّ. ولم يكنْ طلبُه هذا تعبيراً عن رغبته في تعزيز مكانته في القصر فحسب، ولكن عن أهدافه بعيدة المدى أيضاً. إن ما أنجزه جاليليو في حياته كان استبدال مجموعة المفاهيم التحليلية التقليدية المرتبطة بالتراث الأرسطي حول الفلسفة الطبيعية، (المقالات الأرسطيّة)، استبدالا مُحكما، وتقديمَ مفاهيم ميكانيكية بديلةٍ، تلقاها بالقَبول أغلبُ من عَمِلَ لاحقاً على تطوير “العلم الجديد”، والتي صارت بشكل أو بآخر، سِمة “الفلسفة الجديدة”. في الواقع، كان منهج تفكير جاليليو هو منهجُ “الثورة العلميّة”. (أجل حدثت “ثورة” من هذا النوع، مع كامل الاحترام لـ Shapin 1996 والآخرين، انظر بعض المختارات في Lindberg 1990, Osler 2000)

استخدمَ عددٌ من العلماء، في وصف ما أنجزه جاليليو، بعضَ المصطلحات السيكولوجية. مثل: ” فاتحة نماذج عقلية جديدة” (Palmieri 2003)، أو “نموذج جديد للفهم” (Machamer 1998, Adams et al. 2017). وأيّاً ما كان ذلك، كان هدفُ جاليليو الرئيس هو زعزعة مكانة المقالات الفيزيائية الأرسطية عن العنصر السماوي (الأثير أو العنصر الخامس)، وعن العناصر الأرضية الأربعة (التراب، النار، الماء، الهواء)، وعن اتجاهات حركتهم المتباينة (الدائرية، والمستقيمة للأعلى وللأسفل). واستبدال ذلك كُلِّه- عدا المادة المُدرَكة- بطرق جديدةٍ لوصف خصائص المادة وحركتها باستخدام رياضيات الاتزان والتناسب (Palmieri 200) -المتمثلة في آلات أرخميدس البسيطة وهي الميزان، السطح المائل، والرّافعة، والتي أضاف إليها جاليليو البندول (Machamer 1998, Machamer and Hepburn 2004, Palmieri 2008). غَيَّر جاليليو بفعله هذا الطريقةَ المعتادة للحديث عن المادة وحركتها، ولذا آذن بالتقليد الميكانيكي، الذي سيحَدد خصائص العلم الحديث فيما بعد حتى يومنا هذا، ولكن هذا موضوع يطولُ شَرْحُه ( Dijksterhuis 1950, Machamer et al. 2000, Gaukroger 2009).

من المفيد في سياق الحديث عن إنجازات جاليليو، أن نلاحظ اهتمامَه بتكوين نظرية رياضيّةٍ موّحدةٍ للمادة التي تشكل الكون بأكمله. ولعّله لم يدركْ أن فعل هذا هو هَدفُه الأسمى حتى بدأ فعلياً العملَ على كتابه «مقالات عن علمين جديدين» في سنة 1638. ومع أنَّه بدأ منذ 1590 الاشتغال على بعض مشكلات طبيعة المادة، لكنّه لم يكن بوسعه إنجاز مؤلَّفِه سابق الذكر قبل  1638. بالأخص ليس قبل نشر «رسول النجوم» في سنة 1610، ولا قبل سنة 1632 حين نشرَ «حوار حول النظامين الرئيسيين للكون». حيث أنّه قبل سنة 1632 لم يكن لديه لا النظرية، ولا الأدلة الكافية لدعم مزاعمه حول المادة المفردة الموّحدة. ومع أنّه فكّر طويلاً في طبيعة المادة وحاول أن يجدَ أفضل طريقة لوصفها قبل سنة 1610، ولكنَّ فكرةَ نظرية المادة المّوحدة كان ينبغي لها أن تنتظر حتى يَفرغ صاحبُها من إتمام مبادئ حركة المادة، وذلك لم يحدث قبل نشر كتاب «حوار حول النظامين الرئيسيين للكون».

بدأ جاليليو نَقدَ أرسطو في عام 1590، وذلك في مخطوط «في الحركة». حيث وجَّهَ جاليليو في الجزء الأول من هذا المخطوط سِهامَ نَقْدِه لنظرية أرسطو حول المادة الأرضيّة. فبينما يرى أرسطو أنَّ المادة الأرضيّة تشكُّلها أربعةُ عناصر (التراب، والهواء، والماء، والنار) منها الثقيل، ومنها الخفيف. وتختلف حركتها للأعلى وللأسفل تبعاً لدرجة ثقلها أو خفتها. زعم جاليليو استناداً إلى مبادئ أرخميدس حول الأجسام الطافية والميزان أنَّه يوجد مبدأٌ واحد للحركة، حيث يرى أن الثِقل (أو الجاذبية) هي سبب جميع الحركات الأرضيّة الطبيعيّة. فالخِفةُ (أو levitas) يمكن أن تُفَسّرَ بكون الأجسام الثقيلة تتحرك لتزيحَ أجزاء المادة الأخرى باتجاه يفسر سببَ ارتفاع الأجزاء الأخرى. واجه جاليليو مشكلة تفسير طبيعة الثقل (أو gravitas) لكنَّه زعم في مخطوط «في الحركة» أنّه يمكن استخدامُ نموذج ذراع الميزان المتحركة لحل جميع مشكلات الحركة. فالثِقل في هذا النموذج يشبهُ التناسب بين وزن جسمٍ موضوع على إحدى كفتي ميزان، ووزن جسم آخر موضوع على الكفة الأخرى. وعند الحديث عن الأجسام الطافية يكون الوزن هو وزن الجسم مطروحاً منه وزنُ الوسط.

سرعان ما لاحظَ جاليليو أنَّ ما اقترحه ليس كافياً، ما دفَعَهُ لبدء البحث في كون الثقل يختلف باختلاف الجاذبية النّوعيّة للأجسام ذات الحجم نفسه. حاول جاليليو التّوصّلَ إلى مفهوم للثقل يكون خاصّاً بجميع المواد. لكنَّه لم ينجح في فِعل ذلك، ولعلَّ هذا سببَ عدم نشره مؤلَّفَ «في الحركة». لقد بدا أنَّه لا طريقةَ لإيجاد مقاييسَ معياريةٍ للثِقَل تكون مشتركةً بين مختلف المواد. وإذن حتى هذه المرحلة لم يكن لدى جاليليو بدائل أفضل.

بعد ذلك بفترة، في عام 1600، قدَّم جاليليو في مخطوط «الميكانيكا»(Galileo 1600/1960) مفهومَ الـ(momento)، وهو مفهوم شبيه بمفهوم القوّة، يُؤثّرُ على الجسم لحظيّاً، ومتناسب بطريقةٍ ما مع الوزن أو مع الجاذبية النوعيّة (Galluzzi 1979). لكن مع هذا لم يكن لدى جاليليو أيُّ طريقةٍ لقياس أو مقارنة قيم الجاذبيّة النّوعيّة للأجسام المختلفة، ونجد في كرّاساته التي عمل عليها في هذه الفترة المبكرة من القرن السابع عشر محاولاتِه العديدة لإيجاد طريقةٍ لإخضاع جميع المواد لمقياسٍ تناسبيّ واحد. حاولَ جاليليو دراسةَ التسارع على السطح المنحدر، وفهمَ تبعات تغيُّره. وفي هذا الصدد حاول جاليليو في نفس تلك الفترة الكشفَ عن تأثيرات صدم الأجسام ذات الجاذبية النّوعيّة المختلفة، أو سبب كونها تتعرض لتأثيراتٍ متباينة. ولكن بقيَ حلُ مشكلة الوزن والحركة بعيداً عن متناوله.

إحدى المشكلات التي نتجتْ عن الآلات الأرخميدية البسيطة، وبخاصّة الميزان، التي استخدمها جاليليو نموذجاً لإيضاح أفكاره، أنَّه يَصعُب تصوّر عملها بطريقة ديناميكيّة (ولكن انظر Machamer و Woody 1994). ففي جميع هذه الآلات البسيطة، ما عدا السطح المنحدر، لا يكون الزمنُ عادة موضعَ الاهتمام الرئيسيّ. فعندما نراقب ميزاناً، لا نهتمُّ عادةً بمعدَّل سُرعة انخفاض إحدى كفتيه أو ارتفاع الجسم الموضوع على الكفّة الأخرى (ولكن جاليليو يفعل ذلك في «تعليقات إلى روكو» 1634-1645 تقريباً، انظر Palmieri 2005). والعكس صحيح أيضاً، من الصعب توضيح ظاهرة ديناميكيّة مثل معدل تغيُّر سرعة أجسام مختلفة باستخدام نموذج الميزان الذي ترتفع إحدى كفتيه وتنخفض الأخرى جرّاء اختلاف الأثقال الموضوعة عليهما. وهكذا ظَلَّتْ معضلة كيفية وصف الزمن وقّوة صدم الأجسام، التي لطالما حَيّرت جاليليو، بلا حل. لم يستطع جاليليو خلال حياته إيجاد علاقات مُنَظّمة بين الجاذبيّة النّوعيّة، وارتفاع السقوط، وقوة الصَّدم. لكنَّه بَصِرَ في اليوم الخامس من «الحوارات» بمفهوم قوة الصدم، الذي سيصبح بعد جاليليو أحد أنجع طرق التفكير في المادة.

عمل جاليليو طويلاً فيما بين 1603-1609 على تجارب عديدة على السطح المنحدر، والأهم من ذلك على البندول. فمن خلاله عمله على البندول، رأى جاليليو مرةً أخرى مقدار أهمية متغيرات مثل: التسارع، وبطبيعة الحال الزمن. كذلك رأى من ظاهرة التزامن -تساوي الزمن عند تساوي طول الحبل حتى مع اختلاف الأوزان- إمكانيةَ استخدام الزمن في وصف التوازن (أو النسبة) الواجب إبرازها عند تمثيل الحركة. وأيضاً إمكانيةَ اتخاذ الزمن متغيّراً رئيسيّاً عوضاً عن الوزن. كما ازداد يقينُه بأهمية التسارع والزمن بعد اشتغاله على قوة الصّدم، والأسطح المنحدرة، فوضع في عام 1608 تقريباً بحثاً صغيراً حول التّسارع، ولكنَّه لم يُنشر أبداً.

نستنتج ممّا سبقَ أن جاليليو لم يتوصّل لقانون السقوط الحر إلّا بعد معاناةٍ طويلةٍ لإيجاد المقولات المناسبة لعلم المادة والحركة الجديد. يُسلّم جاليليو، ربّما منذ وضعه مسودة كتاب «الميكانيكا» في 1594، بأنَّه يمكن للحركة الطبيعية أن تتسارع. ولكنَّ فكرةَ مقارنة الحركة المتسارعة بالزمن لم تخطر على باله إلا لاحقا، خصوصا بعد فشله في إيجاد أي ارتباط بينها وبين المكان أو الجاذبيّة النوّعيّة. ولعلَّه لاحظ أن سرعة الأجسام تزداد، بحكم الطبيعة، عند تحركها إلى الأسفل. خصوصاً في البندول، وفي السقوط الحر على الأسطح المنحدرة، وخلال حركة المقذوف. أيضاً في تلك الفترة بدأ جاليليو البحثَ في قوّة الصدم، القوة التي يكتسبها الجسمُ خلال حركته الناتجة عن تعرّضه للصدم. اعتقد جاليليو لفترة طويلةٍ أنَّ النظرية الصحيحة حول هذه التغيرات يجب أن تصفَ تغيُّر الأجسام حسب مواقعها على مساراتها، وتحديداً بدا له أن الارتفاعَ شديدُ الأهميّة. حيث أنَّ قوةَ الصدم ترتبط مباشرةً بالارتفاع، كذلك يظهرُ أنَّ حركة البندول تنطوي بشكل أساسيّ على اتزانٍ حول ارتفاع الثقل (والزمن وأيضاً، وإن كان التزامنُ قد حَجَبَ أهميّتَه بعضَ الشيء).

اكتشف جاليليو قانونَ السقوط الحر، المعبَّر عنه بمربع الزمن، خلال تجاربه على الأسطح المنحدرة(Drake 1999, v. 2). لكنَّه حاول تفسير هذه العلاقة، وعلاقة الوسط المتناسب، بواسطة العلاقة بين السرعة والمسافة. ولقد جاء تعريف جاليليو اللاحق والصائب للتسارع الطبيعي بكونه معتمداً على الزمن، بعد إدراكه الأهميّة الفيزيائيّة لعلاقة الوسط المتناسب (Machamer and Hepburn 2004، للاطّلاع على تحليل مختلف لاكتشاف جاليليو لقانون السقوط الحر، انظر.Renn et al. 2004). مع هذا لم ينشر جاليليو أيّاً من أفكاره حول أهميّة الزمن في عمليّة الحركة حتى عام 1638، حين نشر كتابه «مقالات عن علمين جديدين» (Galileo 1638/1954). ولكن دعنا نعود إلى موضوعنا الأصليّ.

بدأ جاليليو اشتغاله على التلسكوب في عام 1609، ثُمَّ نشر في العام التالي كتابَه «رسول النجوم»، الذي حوى باكورةَ اكتشافاته التلسكوبيّة. يرى الكثيرون فترة اشتغال جاليليو على التلسكوب على أنّها فترة استجمام بعيداً عن عمله في الفيزياء. بطبيعة الحال يمكنُ وصف النتائج التي توصّل إليها جاليليو بطرق عديدة، ولكن التزاماً بغرضنا هنا نقول أنّ نتائجَه مثيرةٌ حقاً، لأنها مثّلت بداية الخروج عن إطار الفصل بين المادة السماويّة والأرضيّة (Feyerabend 1975). ولعلَّ أوضح شاهدٍ لذلك ما فعله جاليليو من مضاهاة جبال القمر بجبال بوهيميا. كان هجرُ هذه التفرقة الثنائية بين السماء والأرض يعني ضمنيّاً أنَّ المادة واحدةٌ سواء كانت أرضية أم سماويّة. فإن كان ذلك كذلك لزمَ منه أن تكون هناك حركةٌ طبيعية واحدةٌ أيضاً. وهكذا نَخلص مما سبق إلى وجوب أن يكون هناك قانون واحد للحركة يسري على الأرض، والسماء، وحتى الجحيم. وهذه دعوى أعظم بكثير مما زعمه جاليليو من قبلُ في 1590. بالإضافة إلى ذلك، فإنّه يصف اكتشاف الأقمار الأربعة المحيطة بكوكب الزهرة، والتي أطلق عليها- لأغراض سياسيّةٍ- اسمَ النجوم الميدتشيّة (على اسم رعاته آل ميدتشي، العائلة الحاكمة في فلورنسا آنذاك). كانت إحدى مشكلات نظرية كوبرنيكوس تكمن في امتلاك الأرض قمراً يدور حولها، الأمر الذي يجعلها فريدة. ولكن مع اكتشاف أقمار كوكب المشتري، فإنَّ تلك المشكلة قد حُلّت، وعُدَّت الأرض مرة أخرى كباقي الكواكب. لتناول مدهش، ومعلومات أوفى حول هذه الفترة من حياة جاليليو، ودوافعه يُنظر ما نُشر مؤخراً (Biagoli 2006, Reeves 2008, والمقالات في  Hessler and De Simone 2013).

في عام 1611 أقرَّ أساتذةُ الكليّة الرومانيّة اكتشافات جاليليو التلسكوبيّة، وذلك بطلبٍ من الكاردينال روبيرت بيلارميني. وإن كان الأب كالفوس قد عارض إقرارها، لأنه ظنَّ أن سطح القمر ليس متبايناً. لكنَّه غيّر رأيه بعد فترة وجيزة.

بعد ذلك بأعوامٍ قلائل، عَدَّ جاليليو في 1612 في «خطابات عن البقع الشمسيّة» أسباباً أخرى لإنهاء الفصل القائم بين المادة السماويّة والأرضيّة. وتلخيصاً لذلك نقول أنَّه ظهر أنَّ للشمس بقعاً(maculae)، وأنّها تتحرك حركة دائريّة، والأهم من هذا أنّ لكوكب الزُّهرة أطواراً كالقمر. وهذا الاكتشاف الأخير ساعد كثيراً في التوصّل إلى تحديد موقع الزُّهرة الفيزيائي بين الشمس والأرض، كذلك إلى كون كوكب الزُّهرة يدورُ حولَ الشمس. وزعم جاليليو في هذه الخطابات أيضاً أنَّ الأدلة التلسكوبيّة الجديدة تؤيد نظرية كوبرنيكوس، حيث أنَّ وجود أطوارٍ للزُّهرة يعارض بشدة الترتيب البطليموسي للكواكب.

لاحقاً في عام 1623 قدّم جاليليو في كتابه «المحلل» أطروحةً خاطئةً تماماً حول المادة. حيث حاول أن يُثبتَ أنَّ المذنباتِ ظواهرُ أرضيّة، ولذلك يمكن تفسيرُ خصائصها باستخدام الانكسار الضوئيّ. وفي حين أنَّ كتابه هذا يُعتبر آيةً في الكتابة العلميّة، إلا أنَّه من الغريب جداً أن يجادل جاليليو ضد الطبيعة الفوق-قمرية للمذنبات. وهي النظرية التي قدّمها في وقت سابق عالمُ الفلك الدنماركي الكبير تيخو براهي.

حتى مع كل هذه التغيُّرات، تحتّمَ على جاليليو أن يعملَ على أمرين. أمّا أوّلهما فإيجاد بعض المبادئ العامة حول طبيعة الحركة حسب نظريّته عن المادة الموّحدة. وتحديداً وجب عليه، نظراً لميله إلى نظرية كوبرنيكوس، إيجاد طريقة للتفكير في حركة المادة على الأرض المتحركة. حيث أنَّه بالنسبة لجاليليو لم يكن الأمر مجرد انتقال من نموذج مركزية الأرض عند بطليموس إلى نموذج مركزية الشمس كما عند كوبرنيكوس، بل كان أيضاً انتقالاً من نموذج رياضيّ للكواكب إلى وصف فيزيائي متعيّن للكون. كذلك اضطُّرَ جاليليو إلى أن يصفَ الكواكب والأرضَ بأنّها أجسام ماديّة حقيقيّة. وفي هذا اختلف جاليليو كثيراً عن بطليموس، وكوبرنيكوس، وتيخو براهي الّذي خرج عن هذا الصف بنظريّته عن الطبيعة السماويّة للمذنبات، وبمغازلته النموذج الفيزيائي (Westman 1976). إذن في رؤية جاليليو الجديدة هناك نوعٌ واحدٌ من المادة فقط، وهذه المادة لها نوعٌ واحد من الحركة الطبيعية أيضاً. لذلك كان على جاليليو أن يبتكر (أو يكتشف) مبادئ الحركة المكانيّة المناسبة لشمس مركزيّة، تدور حولها الكواكبُ، ولأرض تدور كُل يوم.

فعل جاليليو ذلك بعرضه مبدأين جديدين. حيث أنَّه في اليوم الأول من «حوار حول النظامين الرئيسيين للكون» زعم جاليليو أن جميع الحركات الطبيعية دائريةٌ. وفي اليوم الثاني من الحوارات قدَّم نسخته من مبدأ نسبية الحركة المدركة الشهير. وهذا الأخير يحمل في طيّاته أنَّ الحركات المشتركة لا يُمكن أن تُدْركَ، ولكن يمكنُ إدراك الحركات المختلفة فقط. جمع هذين المبدأين سوياً يعني أنَّ المادة تشترك في نوع من الحركة، وهي الحركة الدائرية، وأن أيَّ حركة سوى هذه الحركة المشتركة، الحركة للأعلى أو للأسفل مثلاً، يمكن أن تُدركَ مباشرةً. بالتأكيد لم يكن جاليليو أوّلَ من جاء بهاذين المبدأين، فقد سُبق إليهما. ولكنَّ الاختلاف هنا أنَّ أحداً لم يعتبر هذين المبدأين ضروريين للأسباب التي كانت لدى جاليليو، خصوصاً فيما يخصُّ نظرية المادة الكونيّة الموّحدة التي جاء بها.

في اليوم الثالث من الحوارات قَدَّم جاليليو بشكل مثيرٍ دعمه لنظرية كوبرنيكوس. حيث أنّه جعلَ سالفياتي، شخصيّة جاليليو، يلفت نظرَ سيمبليسيو، الشخصية الأرسطيّة المحتارة، إلى جديد الاستطلاعات التلسكوبيّة وبخاصّة تلك التي تُظهِرُ أنَّ للمشتري أطواراً، وتلك التي تبيّن أن كوكبا المشتري وعطارد ليسا بعيدين عن الشمس. وذلك لإقناعه بمخططٍ عن مواقع الكواكب لا يختلف أبداً عن النموذج الكوبرنيكي. كان جاليليو في اليوم الأول من تلك الحوارات قد أعاد مزاعمه الواردة في كتابه «رسول النجوم» عن أنَّ الأرض يجبُ أن تكونَ مثل القمر، أي: كرويّة، وكثيفة، وصلبة، وتحتوي جبالاً وعرة. ومن المؤكد أنَّه يمتنع أن يكونَ القمر مجالاً سماويّاً كما اعتقد بعضُ الأرسطيّين.

على أيّة حال فإنَّ مواضيعَ الحوارات أكثرُ تعقيداً ممّا ألمحنا إليه هنا. فصحيح أن جاليليو – مثلما ذكرنا- قد تبنّى نظرية الحركة الطبيعة الدائرية، والتي تنطوي على كون جميع الأشياء في الأرض، وفي الغلاف الجويّ تدور في حركة مشتركة مع الأرض، ولهذا السبب فإن مبدأ نسبية الحركة المدركة يُطبَّق على ظواهر من قبيل إسقاط كرة من صوارِ السُفنِ المتحركة، لكنّه في المقابل يقدم في مواضع أخرى حركة طبيعية مستقيمةً. فعلى سبيل المثال يقدّمُ جاليليو في اليوم الثالث من حواراته تفسيراً جزئياً لتأثيرٍ من نوع كوريوليس على الرياح المحيطة بالأرض، باستخدام الحركة المستقيمة (Hooper 1998). وأيضاً عندما كان يقدِّم دليله على نظرية كوبرنيكوس بتوضيح كيف أن الأرض المتحركة بثلاث طُرُقٍ تؤثر ميكانيكيّاً على حركة المد والجزر، فإنّّه ميّز نظريّته عن المادة بنِسبَته إلى الماء القدرة على الاحتفاظ بقوّة الدَّفع الناتجة عن الحركة العنيفة للأحواض، وذلك لتوليد حركة عكسيّة. لم يكن هذا بالطبع أوّلَ مرة تناول فيها جاليليو الماء، فقد سبق الحديثُ عن بحثه الأجسامَ المغمورة في كتابه «في الحركة» عام 1590، ولكن الأهم من ذلك أنّه تطوّر كثيراً خلال جداله السابق حول الأجسام الطافية («مقال عن الأجسام الطافية»، 1612). في الواقع أثارَ جزءٌ كبيرٌ من هذا الجدالِ البحث في الطبيعة الدقيقة للماء بكونه مادةً، ونوع التناسب الرياضيّ المناسب لوصف الماء والأجسام المتحركة عليه (انظر  Palmieri, 1998, 2004a).

الفصل الأخير من قصة جاليليو العلمية يبدأ مع نشر جاليليو كتاب «مقالات عن علمين جديدين» في 1638. العلم الثاني، الذي نوقِشَ (كما يُقال) في اليومين الأخيرين، يتناولُ مبادئ الحركة المكانيّة والتي تلقت الكثير من العناية في التراث المتعلق بجاليليو. فهاهنا نجد إفصاحَ جاليليو عن قانون السقوط الحر، ومسار المقذوف الذي يأخذ شكل القطع المكافئ، بالإضافة إلى “اكتشافاته” الفيزيائيّة (Drake 1999, v. 2). ولكن كثيراً ما أُسيءَ فَهمُ العلم الأول الذي عُرض في أول يومين، كما أنّّه لم يُناقش إلا قليلاً. حيث جرت العادةُ على تسمية هذا العلم، بشكل خاطئ ومضللٍ، بعلمِ ميكانيكا المواد. مما جعله يبدو مناسباً لإلحاقه بتاريخ الهندسة، حيث أنّ هذا العلم لا يزالُ يُدَّرسُ حتى اليوم. ولكن لم يكن العلمُ الأوّلُ علمَ ميكانيكا المواد فعلاً، بل كان محاولةً من جاليليو لتقديم علمٍ رياضيّ لنظريّته حول المادة الموّحدة (انظر Machamer 1998, Machamer and Hepburn 2004، وانظر Biener 2004 لتناول مفصّل ومستفيض). لاحظَ جاليليو أنَّه يجب عليه، قبل أن يتمكن من صياغة علمٍ حول حركة المادة، أن يحاول توضيحَ إمكانيةِ وصف طبيعة المادة ريّاضيّاً. حيث اعتقد أنَّ الطبيعة الريّاضيّة للمادة، والمبادئ الرياضيّة للحركة تنتميان إلى علم الميكانيكا. وهو الاسم الذي أطلقه جاليليو على الطريقة الجديدة في التفلسف. ولكن فلنذكر أن الجاذبية النّوعيّة لم تلقَ نجاحاً.

فإذن في اليوم الأول، يبدأ جاليليو مناقشة كيف يُمكن أن تُوصفَ ريّاضيّاً (أو هندسيّاً) أسبابُ انهيار الدّعامات. حيث يُفتّش عن وصف ريّاضيّ للطبيعة الأساسيّة للمادة. كما يواصل العمل على تعليلَ خصائصها المختلفة، لكنّه يتجنب البحث في بعض المسائل التي قد تنبني على العدد اللانهائيّ للذرات. من قبيل مسألة بنية المادة، وخصائصها تبعاً لثقلها، وخصائص الوسط الذي تتحرك فيه الأجسامُ، وسبب بقاء الجسم وحدةً ماديّة مترابطةً. ولكن تبقى أشهر هذه النقاشات تلك التي تناول فيها جاليليو تسارعَ الأجسام الساقطة وكيف أنّها ستسقط جميعاً بنفس السرعة في الفراغ حتى مع اختلاف أوزانها. ثُمَّ في اليوم الثاني يعرضُ جاليليو الأسس الرياضيّة لتكسُّر الاجسام، وذلك بتناول مشكلات المادة على أنّها شبيهةٌ بطريقة عَمَلِ الميزان والرّافعة. وهو ما بدأه منذ 1590- وإن كان يعتقد هنا أنّه قد أفلح في مسعاه هذه المرّة-، بالإضافة إلى توضيح كيفيّة تجمُّع أجزاء المادة معاً وتصلبها، ويفعل ذلك كلّه بشرح كيفية انفصالها إلى أجزاء. ومع هذا لم ينجح جاليليو في التوصّل لتفسير نهائي لتجمّع أجزاء المادة، رُبَّما لأنه شَعَرَ بأنَّ عليه التعامل مع الكميّات متناهية الصِّغَر في سبيل حل المشكلة حقاً.

يتناول العلم الثاني، الذي يغطي اليومين الثالث والرّابع من الحوارات Discorsi، المبادئ المناسبة للحركة المكانيّة. ولكن حركةَ المادة كلّها هذه المرة، وليس فقط حركة الأشياء الأرضيّة، كذلك من الأشياء المميزة هنا وضع مقولات الزمن، والتسارع أساساً للعمل. والجدير بالملاحظة هنا أنَّ جاليليو عاد إلى، أو أحسَّ بضرورة، إدراج بعض الآراء اللاأرسيطة حول الحركة، والتي عمل عليها سابقا في 1590. والمثال الأشهر حول ذلك هو هذه “التجربة الفكريّة البهيّة”، والتي يقارن فيها جسمين من نفس المادة ولكن بأحجام مختلفة، ويشير إلى أنَّه حسب أرسطو سيسقطُ هذان الجسمان بسرعات مختلفة، والأثقل سيسقط بسرعة أكبر. وإذن عند ضَمِّ الجسمين معاً، ستقلل خفة الجسم الأصغر من سرعة الجسم الأكبر وبالتالي سيسقط الجسمان مجتمعين بسرعة أقلَّ من سرعة سقوط الجسم الأثقل وحده،كما في الحالة الأولى. ولكن، وهنا الشاهد، من الممكن أن يُقال أيضاً أنّه عند ضم الجسمين معاً، وعدُّهما جسماً ضخماً واحداً، ستكونُ سرعة سقوط هذا الجسم أكبر. وهكذا يخلص إلى إظهار أنّ هناك تناقض جليّ في الرؤية الأرسطيّة (Palmieri 2005). ثُمَّ إنَّه يخصص اليوم الخامس لتناول مبدأه الكُليّ حول قوّة المادة أثناء حركتها الناتجة عن تعرّضها للصّدم. حيث يتناول هذا المبدأُ الذي أطلق عليه جاليليو قوّة الصّدم، جسمين يؤثرُ كُلٌ منهما على الآخر. ولا يقدم جاليليو هنا أي حَل للمشكلة، التي لن تُحَلَّ إلا لاحقاً مع رينيه ديكارت، الذي ربّما تبعاً لإسحاق بيكمان قد حوّلها إلى مشكلة إيجاد نقاط اتزان الأجسام المتصادمة.

إنَّ هذه الجولة الخاطفة على أعمال جاليليو، تصلحُ مقدمة لفهم التغيير الذي حققه. حيث أنّه عمل على إنجاز علم جديد للمادة، ووصف فيزيائي جديد للكون، وعلم جديد للحركة المكانيّة. وكل ذلك باستخدام أسلوب رياضيّ مبنيّ، وإن كان مختلفاً بعض الشيء، على الهندسة التناسبيّة الإقليدية، الكتاب السادس، وعلى أعمال أرخميدس.

بهذه الطريقة إذن رفع جاليليو بُنيان العلم الميكانيكي الجديد، علمِ المادة والحركة، وجدد مقولاته. مستفيداً من بعض أساسيات التراث الميكانيكي، ومضيفاً عليها مقولةَ الزمن، ومشدداً على أهميّة التسارع. ولكن خلال ذلك كله لم يَفتُه بحث تفاصيل طبيعة المادة، وذلك في سبيل التوصّل إلى إظهار أنّها موحدة، وإلى تناولها بطريقة تجعل المناقشة المترابطةَ لمبادئ الحركة أمراً ممكناً. وهكذا بفضل جاليليو صارت نظرية وحدة المادة أمراً مقبولا، وأصبح البحث في طبيعة المادة أحدَّ أهم مشكلات العلم الجديد التالي لزمنه. ومن ثمَّ فقد كانت المادةُ حقاً ذات شأن.

 

4) جاليليو والكنيسة

إنَّ كُلَّ حَديثٍ عن أهمية جاليليو للفلسفة سيظلُّ قاصراً ما لم يتناول قضية جاليليو (Finocchiaro 1989) ومحاكمتَه. وموجزُ ما آلت إليه تلك الحوادث، أنٌّه في أواخر سنة 1632، بعد نشره لكتاب «حوار حول النظامين الرئيسيين للكون»، أُمِرَ جاليليو أن يَقدمَ روما، ليَمثُل أمام المكتب المقدس التابع لمحكمة التفتيش بغرض التحقيق. بعد رحلة شاقّةٍ، وصل جاليليو إلى روما في شهر يناير/كانون الثاني من عام 1633، وقد أنهكه المرضُ. وفي شهر أبريل/ نيسان من نفس العام، مَثُلَ جاليليو أمام المكتب المقدس، وأدينَ بتدريسه وبدفاعه عن مذهب كوبرنيكوس، الذي يعتقد أنَّ الأرضَ متحركةٌ وأن الشمسَ هي مركزُ الكون، والذي عُدَّت تعاليمُه هرطقةً في 1616، وأضيفَ كِتابُه منذئذٍ إلى قائمة محكمة التفتيش للكتب المحظورة حتى يُصَحح. كان هذا يعني إدانةَ جاليليو بالهرطقة، فنُصحَ بأن يسارعَ في التوبة (Shea and Artigas, 183f). لاحقاً، دُعي جاليليو إلى أربعِ جَلَسات استماعٍ، آخرُها كان في الحادي والعشرين من شهر يونيو/حزيران من عام 1633. وفي اليوم التالي، سِيقَ جاليليو إلى كَنيسةِ “سانتا ماريا سوبرا مينرفا”، وأُمِرَ أن يجثوَ أثناء تلاوة الحكم، حيث حُكِمَ عليه أنّه “مُتَّهم بالهرطقة بشدة”، وأُمِرَ أن يتلو هذا التراجعَ الرسميَّ، بعد توقيعه:

«لقد حُكِمَ عليَّ بأنني “مُتَّهم بالهرطقة بشدة”، وذلك لما بدر منّي من اعتقادٍ بأنَّ الشمسَ ثابتةٌ، وبأنّها مركز الكون، وبأنَّ الأرضَ ليست كذلك. وإنّي أرجو أن أمحو كُلَّ شَكٍ أُثير حولي من عقول حضراتكم، وجميعِ المسيحيين المخلصين، إذ أتراجع بقلب مخلص، وإيمان صادق عن كل ما نُسِبَ إليّ، وإذ أُبْغِضُ وألعنُ كُلَّ ما ذُكِرَ من إثمٍ وهَرطقةٍ، وجميع الآثام والهرطقات، وكُلَّ فِرقةٍ معاديةٍ للكنيسةِ الكاثوليكيّة المقدسة» (مذكورٌ في  Shea and Artigas 194).

لمْ يُسجنْ جاليليو، بل خُفّفَ حُكْمُهُ إلى الإقامة الجبرية. وفي ديسمبر/ كانون الأول من عام  1633، سُمح له بالعودة إلى داره في أرسيتري، في ضواحي فلورنسا. هناك، في تلك الفترة، أنهى جاليليو كِتابَه الأخير«مقالات عن علمين جديدين»، والذي نشرَه (Louis Elzivier) في هولندا سَنةَ 1638.  أبدى جاليليو عجبَه الشديد من التمكُّنِ من نشر هذا الكتاب. وهو كتابٌ لا يردُ فيه أيُّ ذِكرٍ لأفكار كوبرنيكوس. ماتَ جاليليو في الثامن من شهر يناير/ كانون الثاني من عام 1642.

دارَ الكثيرُ من الجدل حولَ الحوادث التي أدّتْ إلى محاكمة جاليليو، ويبدو أننا في كل عامٍ نعرفُ المزيد عمّا حدثَ حقاً. كذلك لا يزال النزاعُ قائماً حولَ مشروعية الأحكام الصادرة بحقِّ جاليليو، سواءٌ في ذلك فحواها وأبعادُها الإجرائية. ويظهرُ من حاصل النَظَرِ في هذا الأمر الأخير، أنَّ الكنيسةَ قد تصرَّفتْ بموجب سلطته، واستناداً إلى مبرراتٍ قوية. فقد أعلنتْ تجريمَ نظرية كوبرنيكوس من قبل، وأيضاً- كما سيأتي- حَذَّر الكاردينالُ بيلارميني جاليليو منذ 1616 من تبنّي وتدريس نظريةِ كوبرنيكوس. كذلك حَفّزتْ إدانةَ جاليليو بعضُ العوامل السياسيّة من ظهور حركة الإصلاح الكاثوليكي المضاد، وحرب “الثلاثين عام” (Miller 2008)، بالإضافة إلى مشاكل البابا إيربان الثامن (McMullin, ed. 2005). يرى البعضُ أيضاً، أنَّ الأحكام الصادرة بحقِّ جاليليو جاءتْ بعد تسويةٍ لتجنيبه أحكاماً أشدَّ بتهمة تبنّي الفلسفة الذَّريّة (Redondi 1983). ولكن لم تلقَ هذه النظريّةُ الأخيرةُ الكثيرَ من القبول.

أمّا مشروعيّةُ فحوى تلك الأحكام، أيّ تَجريم نظريّة كوبرنيكوس، فأكثر إشكالاً. تناولَ جاليليو عام 1615 هذه الإشكاليةَ في كتابه «خطابات إلى كاستيلي »-(والذي حَوّلَه فيما بعدُ إلى «خطابات إلى الغرندوقة كريستينا»)-، ففي تلك الخطابات، زَعَمَ جاليليو أنَّه لا جدال في كون الإنجيل نَصُّ مُنزَل. وبما أنّه يستحيل أن تتعارض حقيقتان، وبما أنَّ ما توصّل إليه العلمُ الطبيعيُّ حقيقةٌ. وَجبَ إعادةُ تأويل نَصِّ الإنجيل ليوافقَ المستجدَّ من الحقائق. فالإنجيل حسب جاليليو وثيقةٌ تاريخيّة، كُتِبَتْ لأناس عاشوا في زمانٍ مضى، وكان لِزاماً أن تُكتبَ بلغةٍ تَقبَلُها أفهامُهم وترشدهم إلى الدين الصحيح.

جُلُّ النزاعِ الفلسفيِّ الدائر قبل زَمن جاليليو وبعده دندنةٌ حول عَقيدةِ الحقيقتين، وتعارضهما الظاهريّ. الأمر الذي يدفعنا لطرح أسئلةٍ من قبيل “ماهي الحقيقة؟”، “وكيف السبيل إلى معرفتها أو إظهارها؟”.

عَبَّر الكاردينالُ بيلارميني عن رَغبته في دعم الحقيقة العلمية، إذا كان من الممكن إثباتها (McMullin 1998). لكنّه اعتقدَ أنَّ النظرياتِ الفلكية كنظرية بطليموس، ونظرية كوبرنيكوس (وربما نظرية تيخو براهي أيضاً)، مجردُ فرضيّات. وأنَّ هذه النظريات غيرُ قابلةٍ للإثبات الفيزيائي، نظراً لطبيعتها الرياضية الخالصة. إنَّ هذا القول يُعَدُّ ضَرباً من الذرائعيّة واللاواقعيّة (Duhem 1985, Machamer 1976). بالطبع يمكن المحاجّة للذرائعيّة بطرق عديدة، فـ”دويم”(1985) نَفْسُه جادلَ أنَّ العلمَ ليس ميتافيزيقيا، وأنَّه بالتالي لا يتناولُ سوى التخمينات النافعةِ التي تُمكننا من تنظيم الظواهر. كذلك نجد محاجّة لاحقةً أبرعَ وأكملَ- وبلا تحيّزٍ للميتافيزيقيا الأكوينيّة- عند  (1996 van Fraassen) وآخرين. وأيضاً يمكن القولُ ببساطةٍ أنَّ نظريّاتِ بطليموس، و كوبرنيكوس نظرياتٌ رياضيّةٌ في المقام الأول، ولكن جاليليو لم يكن يدافع عن نظرية كوبرنيكوس نفسها، بل عمّا شيَّدَهُ من تطبيق فيزيائي لبعض أجزائها، والذي بالمناسبة تَخَلَّص فيه من جميع الزخارف الرياضية: كـ (اللاتراكزية، وفلك التدوير، ومُزدَوجة الطوسيّ) وأمثالها. ولعلَّ ما قاد جاليليو لآراءٍ كهذه هو اهتمامُه بنظرية طبيعة المادة. بالطبع إذا قلنا بالقول السابق سنواجَه بالسؤال التالي: ما هي الشروط التي تُشكِّل هويةَ نظرية ما؟ من الواضح أنَّ هناك جانباً ما يجعلُ ما كان يدافع عنه جاليليو مختلفاً عن نظرية كوبرنيكوس الأصليّة، وبطبيعة الحال عن نظرية كيبلر.

الجانب الآخر من هذا كُلِّه والذي لطالما كان مثاراً للجدل هو: ما الذي يشكّلُ خصائص البرهان على الادّعاءات العلميّة؟ في عام 1616، نفس العام الذي وضِعَ فيه كِتابُ كوبرنيكوس في قائمة الكتب المحظرة، دعا رئيس المكتب المقدس التابع لمحكمة التفتيش الكاردينالُ روبرت بيلارميني جاليليو للمثول أمامَه. وحَذَّره من الدفاع عن تعاليم كوبرنيكوس ومن تدريسها. في ذلك العام أيضاً، وضع جاليليو مخطوطَ «في المَدِّ والجَزْر». استخدمَ جاليليو نفسَ الحُججَ الواردة في هذا المخطوط بعد ذلك بسبعة عشرَ عاما، وذلك في اليوم الرابع من حواراته الواردة في كتاب «حوار حول النظامين الرئيسيين للكون». آمن جاليليو أنَّ حُججَه هذه حول المد والجزر كفيلةٌ بإثبات نظرية كوبرنيكوس. ولكن إن كانت كذلك حقاً، فإنّها في ذات الوقت تؤكد وجاهة النسخة الجاليلية من نظرية كوبرنيكوس. لنتأملَ أكثرَ في هذه الحجج.

جادلَ جاليليو أنَّ حركةَ الأرض (اليوميّة والسنويّة) هي السبب الفيزيائي الوحيد المُحَتمل (أو ربما المعقول) لظاهرة المدِّ والجَزر. وحيث أنَّ جاليليو حَصَرَ الأسباب المُحتملة بالحركة الميكانيكية، فقد استبعد بذلك ما اقترحه كيبلر من كون القمر سبباً. كيف يُمكن للقمر بلا أي اتصالٍ بالبحر أن يُسبب المدَّ والجزر؟ إن قولاً كهذا سيكون دون رَيبٍ توسّلاً بالسّحر والقوى الباطنيّة. إذن فحركة الأرض هي ما يجعلُ ماءَ البحر يتدفقُ جيئةً وذهاباً. وبما أنَّ دوران الأرض (حول الشمس وحول نفسها) يحدث بانتظام، كذلك فترات المدِّ والجَزر تحدث بشكل دوريّ. وهكذا فإنَّ الزَّخم المتولِّد جرّاء التدفق العنيف للماء يسببُ حركتها إلى الخلف. أما اختلاف تدفقات الماء في المد والجزر فمرجعُهُ إلى اختلاف البنى الفيزيائية للأحواض التي يتدفقُ فيها الماء. (انظر Palmieri 1998 لتفاصيل ومعلومات أوفى)

مع أنّ جاليليو كان على خطأ، لكنَّ إرجاعَه سببَ المد والجزر إلى سبب ميكانيكي ظاهر يجعلَ حُجتَه هذه ذاتَ قيمةٍ. بإمكان المرء أن يُدركَ لماذا ظَنَّ جاليليو أنَّه يمتلك إثباتاً لحركة والأرض، ومن ثمَّ لنظرية كوبرنيكوس. ولكن بإمكان المرء أيضاً أن يُدرك لماذا لم يكن ليقبل الكاردينالُ بيلارميني، ولا الفلاسفةُ الذرائعيون بهذه الحجة. أولاً، لأنهم يرفصون حَصرَ جاليليو الأسباب المحتملة بالأسباب الميكانيكية الظاهرة فحسب. ثانياً، لا تتناول حُجةُ المد والجزر هذه الحركةَ السنوية للأرض حول الشمس بشكل مباشر. وأخيراً، فإنَّ هذه الحجةَ لا تقول شيئاً عن مركزيّة الشمس أو عن الفترات المدارية كما حَسَبها كيبلر. وهكذا ففي أحسن الأحوال، تكون هذه الحجةُ مُجرَّدَ قرينة لتفسير جزئي لإحدى نقاط نظرية كوبرنيكوس. ولكن مع إضافة هذه الحُجة إلى الاستطلاعات التلسكوبية السابقة-التي أظهرتْ أطواراً لكوكب الزُّهرة كأطوار القمر وبالتالي وجوب دورانه حول الشمس-، وإلى مبدأ نسبية الحركة المُدركة الذي يحيّدُ حُججَ الحَركةِ الفيزيائية التي استُخدِمتْ ضدَّ نظرية حركة الأرض، كان ذلك كافياً ليظنَّ جاليليو أن بحوزته الإثبات الضروري لإقناع رافضي نظرية كوبرنيكوس. للأسف، لم يتحقق ذلك إلّا بعد موت جاليليو والاتفاق على علم كونيّات ماديّ موّحد، يستفيدُ من فرضيات جاليليو حول المادة والحركة الواردة في «مقالات عن علمين جديدين». على أيّ حالٍ، لم يكن حدوثُ ذلك ممكناً إلّا بعد تغيير جاليليو المعايير المعهودة لِفَهم وتفسير العالم.

للاطلاع على كثيرٍ من وثائق محاكمة جاليليو، انظر: (Finocchiaro 1989) و (Mayer 2012). ولمعرفة المزيد عن التداعيات الطويلة والمشوّقة حول قضية جاليليو، انظر(Finocchiaro 2005). وحول مساعي البابا (يوحنا بولس الثاني)، انظر مقالةَ (George Coyne) في (McMullin 2005).

 

 

 

 

 


قائمةُ المراجع

مصادر رئيسية: أعمال جاليليو

    الجزء الأساسيّ من أعمال جاليليو مُجَمَّعٌ في:

Le Opere di Galileo Galilei, Edizione Nazionale, 20 vols., edited by Antonio Favaro, Florence: Barbera, 1890-1909; reprinted 1929-1939 and 1964–1966.

 

  • 1590, On Motion, translated I.E. Drabkin, Madison: University of Wisconsin Press, 1960.
  • 1600, On Mechanics, S. Drake (trans.), Madison: University of Wisconsin Press, 1960.
  • 1610, The Starry Messenger, A. van Helden (ed.), Chicago: University of Chicago Press, 1989.
  • 1613, Letters on the Sunspots, selections in S. Drake, (ed.), The Discoveries and Opinions of Galileo, New York: Anchor, 1957.
  • 1623, Il Saggiatore, The Assayer, translated by Stillman Drake, in The Controversy of the Comets of 1618, Philadelphia: The University of Pennsylvania Press 1960.
  • 1632, Dialogue Concerning the Two Chief World Systems, S. Drake (trans.), Berkeley: University of California Press, 1967.
  • 1638, Dialogues Concerning Two New Sciences, H. Crew and A. de Salvio (trans.), Dover Publications, , New York, 1954, 1974. A better translation is: Galilei, Galileo. [Discourses on the] Two New Sciences, S. Drake (trans.), Madison: University of Wisconsin Press, 1974; 2nd edition, 1989 & 2000 Toronto: Wall and Emerson.

 

مصادر ثانوية:

  • Adams, Marcus P., Zvi Biener, Uljana Feest, and Jacqueline A. Sullivan (eds.), 2017, Eppur si Muove: Doing History and Philosophy of Science with Peter Machamer, Dordrecht: Springer.
  • Bedini, Silvio A., 1991, The Pulse of Time: Galileo Galilei, the Determination of Longitude, and the Pendulum Clock, Florence: Olschki.
  • –––, 1967, Galileo and the Measure of Time, Florence: Olschki.
  • Biagioli, Mario, 1993, Galileo Courtier, Chicago: University of Chicago Press.
  • –––, 1990, “Galileo’s System of Patronage,” History of Science, 28: 1–61.
  • –––, 2006, Galileo’s Instruments of Credit :Tekescopes, Images, Secrecy, Chicago: University of Chicago Press.
  • Biener, Zvi, 2004, “Galileo’s First New Science: the Science of Matter,” Perspectives on Science, 12(3): 262–287.
  • Carugo, Adriano and Crombie, A. , 1983, “The Jesuits and Galileo’s Ideas of Science and Nature,” Annali dell’Istituto e Museo di Storia della Scienza di Firenze, 8(2): 3–68.
  • Claggett, Marshall, 1966, The Science of Mechanics in the Middle Ages, Madison: University of Wisconsin Press.
  • Crombie, A. , 1975, “Sources of Galileo’s Early Natural Philosophy,” in Reason, Experiment, and Mysticism in the Scientific Revolution, Edited by Maria Luisa Righini Bonelli and William R. Shea, pp. 157–175. New York: Science History Publications.
  • Dijksterhuis, J., 1961 [1950], The Mechanization of the World Picture, translated by C Dikshoorn, Oxford: Oxford University Press.
  • Drake, Stillman, 1957, Discoveries and Opinions of Galileo, Garden City, NY: Doubleday.
  • –––, 1978, Galileo at Work: His Scientific Biography, Chicago: University of Chicago Press.
  • –––, 1999, Essays on Galileo and the history and philosophy of science, M. Swerdlow and T.H. Levere, eds., 3 volumes, Toronto: University of Toronto Press.
  • Duhem, Pierre, 1954, LeSysteme du monde, 6 volumes, Paris: Hermann.
  • –––, 1985, To Save the Phenomena: An Essay on the Idea of Physical Theory from Plato to Galileo, translated Roger Ariew, Chicago: University of Chicago Press.
  • Feldhay, Rivka, 1995, Galileo and the Church: Political Inquisition or Critical Dialogue, New York, NY: Cambridge University Press.
  • –––, 1998, “The use and abuse of mathematical entities: Galileo and the Jesuits revisited,” in Machamer 1998.
  • Feyerabend, Paul, 1975, Against Method, London: Verso, and New York: Humanities Press.
  • Finocchiaro, Maurice A., 2005, Retrying Galileo, 1633–1992, Berkeley: University of California Press
  • –––, 1989, The Galileo Affair, Berkeley and Los Angeles: University of California Press,
  • –––, 1980, Galileo and the Art of Reasoning, Dordrecht: Reidel.
  • Galluzzi, Paolo, 1979, Momento: Studi Galileiani, Rome: Ateno e Bizzarri.
  • Gaukroger, Stephen, 2009, The Emergence of a Scientific Culture: Science and the Shaping of Modernity 1210–1685, Oxford: Oxford University Press.
  • Geymonat, Ludovico, 1954, Galileo: A Biography and Inquiry into his Philosophy of Science, translated S. Drake, New York: McGraw Hill.
  • Giusti, Enrico, 1993, Euclides Reformatus. La Teoria delle Proporzioni nella Scuola Galileiana, Torino: Bottati-Boringhieri.
  • Heilbron, L., 2010, Galileo, Oxford: Oxford University Press.
  • Hessler, John W. and Daniel De Simone (eds.), 2013, Galileo Galilei, The Starry Messenger, From Doubt to Astonishment, with the symposium proceedings Library of Congress, Levenger Press
  • Hooper, Wallace, 1998, “Inertial problems in Galileo’s preinertial framework,” in Machamer 1998.
  • Koyré, Alexander, 1939, Etudes Galileennes, Paris Hermann; translated John Mepham, Galileo Studies, Atlantic Highlands, J.: Humanities Press, 1978
  • Lennox, James G., 1986, “Aristotle, Galileo and the ‘Mixed Sciences’ in William Wallace, ed. Reinterpreting Galileo, Washington, C.: The Catholic University of America Press.
  • Lindberg, David C. and Robert S. Westman (eds.), 1990, Reappraisals of the Scientific Revolution, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Machamer, Peter, 1976, “Fictionalism and Realism in 16th Century Astronomy,” in R.S. Westman (ed.), The Copernican Achievement, Berkeley: University of California Press, 346–353.
  • –––, 1978, “Galileo and the Causes,” in Robert Butts and Joseph Pitt (eds.), New Perspectives on Galileo, Dordrecht: Kleuwer.
  • –––, 1991, “The Person Centered Rhetoric of the 17th Century,” in M. Pera and W. Shea (eds.), Persuading Science: The Art of Scientific Rhetoric, Canton, MA: Science History Publications.
  • –––, and Andrea Woody, 1994, “A Model of intelligibility in Science: Using Galileo’s Balance as a Model for Understanding the Motion of Bodies,” Science and Education, 3: 215–244.
  • ––– (ed.), 1998, “Introduction,” and “Galileo, Mathematics and Mechanism,” Cambridge Companion to Galileo, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 1999, “Galileo’s Rhetoric of Relativity,” Science and Education, 8(2): 111–120; reprinted in Enrico Gianetto, Fabio Bevilacqua and Michael Matthews, eds. Science Education and Culture: The Role of History and Philosophy of Science, Dordrecht: Kluwer, 2001.
  • Machamer, , Lindley Darden, and Carl Craver, 2000, “Thinking about Mechanisms,” Philosophy of Science, 67: 1–25.
  • Machamer, , and Brian Hepburn, 2004, “Galileo and the Pendulum; Latching on to Time,” Science and Education, 13: 333–347; also in Michael R. Matthews (ed.), Proceedings of the International Pendulum Project(Volume 2), Sydney, Australia: The University of South Wales, 2002, 75–83.
  • McMullin, Ernan (ed.), 1964, Galileo Man of Science, New York: Basic Books.
  • –––, 1998, “Galileo on Science and Scripture,” in Machamer 1998.
  • ––– (ed.), 2005, The Church and Galileo: Religion and Science, Notre Dame: University of Notre Dame Press.
  • Mayer, Thomas F. (ed.), 2012, The Trial of Galileo 1612-1633, North York, Ontario: The University of Toronto Press.
  • Miller, David Marshall, 2008, “The Thirty Years War and the Galileo Affair,” History of Science, 46: 49-74.
  • Moss, Jean Dietz, 1993, Novelties in the Heavens, Chicago, University of Chicago Press.
  • Osler, Margaret, , 2000, Rethinking the Scientific Revolution, Cambridge: Cambridge University Press
  • Palmerino, Carla Rita, 2016, “Reading the Book of Nature: The Ontological and Epistemological Underpinnings of Galileo’s Mathematical Realism,” in G. Gorham, B. Hill, E. Slowik and K. Watters (eds.), The Language of Nature: Reassessing the Mathematization of Natural Philosophy the Seventeenth Century, Minneapolis: University of Minnesota Press, pp. 29-50.
  • Palmerino, Carla Rita and J.M.M.H. Thijssen, 2004, The Reception of the Galilean Science of Motion in Seventeenth-Century Europe, Dordrecht: Kluwer.
  • Palmieri, Paolo, 2008, Reenacting Galileo’s Experiments: Rediscovering the Techniques of Seventeenth-Century Science, Lewiston, NY: Edwin Mellen Press
  • –––, 1998, “Re-examining Galileo’s Theory of Tides,” Archive for History of Exact Sciences, 53: 223–375.
  • –––, 2001, “The Obscurity of the Equimultiples: Clavius’ and Galileo’s Foundational Studies of Euclid’s Theory of Proportions,” Archive for the History of the Exact Sciences, 55(6): 555–597.
  • –––, 2003, “Mental Models in Galileo’s Early Mathematization of Nature,” Studies in History and Philosophy of Science, 34: 229–264.
  • –––, 2004a, “The Cognitive Development of Galileo’s Theory of Buoyancy,” Archive for the History of the Exact Sciences, 59: 189–222.
  • –––, 2005, “‘Spuntar lo scoglio piu duro’: did Galileo ever think the most beautiful thought experiment in the history of science?” Studies in History and Philosophy of Science, 36(2): 223–240.
  • Peterson Mark A., 2011, Galileo’s Muse: Renaissance Mathematics and the Arts, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Redondi, Pietro, 1983,Galileo eretico, Torino: Einaudi; translated by Raymond Rosenthal, Galileo Heretic, Princeton: Princeton University Press, 1987.
  • Raphael, Renee Jennifer, 2011, “Making sense of Day 1 of the Two New Sciences: Galileo’s Aristotelian-inspired agenda and his Jesuit readers,” Studies in History and Philosophy of Science, 42: 479-491.
  • Renn, J. & Damerow, P. & Rieger, , 2002, ‘Hunting the White Elephant: When and How did Galileo Discover the Law of Fall?’, in J. Renn (ed.), Galileo in Context, Cambridge University Press, Cambridge, 29–149.
  • Reeves, Eileen, 2008, Galileo’s Glass Works: The telescope and the mirror, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Rossi, Paolo, 1962, I Filosofi e le Macchine, Milan: Feltrinelli; 1970, translated by S. Attanasio, Philosophy, Technology and the Arts in the Early Modern Era, New York: Harper.
  • Segré, Michael, 1998, “The Neverending Galileo Story” in Machamer 1998.
  • –––, 1991, In the Wake of Galileo, New Brunswick: Rutgers University Press.
  • Settle, Thomas B., 1967, “Galileo’s Use of Experiment as a Tool of Investigation,” in McMullin 1967.
  • –––, 1983, “Galileo and Early Experimentation,” in Springs of Scientific Creativity: Essays on Founders of Modern Science, Rutherford Aris, H. Ted Davis, and Roger H. Stuewer (eds.), Minneapolis: University of Minnesota Press, pp. 3–20.
  • –––, 1992, “Experimental Research and Galilean Mechanics,” in Galileo Scientist: His Years at Padua and Venice, Milla Baldo Ceolin (ed.), Padua: Istituto Nazionale di Fisica Nucleare; Venice: Istituto Venet o di Scienze, Lettere ed Arti; Padua: Dipartimento di Fisica, pp. 39–57.
  • Shapere, Dudley, 1974, Galileo: A Philosophical Study, Chicago: University of Chicago Press.
  • Shapin, Steve, 1996, The Scientific Revolution, Chicago: University of Chicago Press.
  • Shea, William, 1972, Galileo’s Intellectual Revolution: Middle Period (1610–1632), New York: Science History Publications.
  • Shea, William & Marinao Artigas, 2003, Galileo in Rome: The Rise and fall of a Troublesome Genius, Oxford: Oxford University Press.
  • Sobel, Dava, 1999, Galileo’s Daughter, New York: Walker and company
  • Spranzi, Marta, 2004, Galilee: “Le Dialogues sur les deux grands systemes du monde”: rhetorique, dialectique et demenstration, Paris: PUF.
  • Van Fraassen, Bas C., 1996, The Scientific Image, Oxford: Oxford University Press.
  • Wallace, William A., 1984, Galileo and his Sources: The Heritage of the Collegio Romano in Galileo’s Science, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 1992, Galileo’s Logic of Discovery and Proof: The Background, Content and Use of His Appropriated Treatises on Aristotle’s Posterior Analytics, Dordrecht; Boston: Kluwer Academic.
  • Westman, Robert (ed.), 1976, The Copernican Achievement, University of California Press.
  • Wisan, W. , 1974, “The New Science of Motion: A Study of Galileo’s De motu locali,” Archive for History of Exact Sciences, 13(2/3): 103–306.
  • Woottron, David, 2015, The Invention of Science, New York: Harper.

 

أدوات أكاديمية

How to cite this entry.
Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project(InPhO).
Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

 

مصادر أخرى على الإنترنت

  • Galileo Galilei’s Notes on Motion, Joint Project of Biblioteca Nazionale Centrale, Florence Istituto e Museo di Storia della Scienza, Florence Max Planck Institute for the History of Science, Berlin.
  • The Galileo Project, contains Dava Sobel’s translations of all 124 letters from Suor Maria Celeste to Galileo in the sequence in which they were written, maintained by Albert Van Helden.
  • Galileo Galilei, The Institute and Museum of the History of Science of Florence, Italy.

مواضيع ذات صِلة

Copernicus, Nicolaus | matter | natural philosophy: in the Renaissance | religion: and science

 

 

[1] Machamer, Peter, “Galileo Galilei”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2017/entries/galileo/>.

 

[2] (Ostilio Ricci)

[3] (Christopher Clavius)

[4] (Guildobaldo del Monte)

[5] (Marina Gamba)

[6] (Benedetto Castelli)

[7] (Robert Bellarmine)

[8] (Maffeo Barberin)

error: المحتوى محمي