جاك دريدا: أنا في حرب على نفسي – مجلة لوموند / ترجمة: مصطفى السبلاني

جاك دريدا: أنا في حرب على نفسي – مجلة لوموند / ترجمة: مصطفى السبلاني

مقابلة مجلة لوموند الفرنسية عام 2004 مع الفيلسوف جاك دريدا – حوار: جان بيرنبوم


  • منذ صيف عام 2003، وأنت أكثر حضورًا من كلّ الفترات الماضية. إذ، علاوة على إصدارك العديد من الكتب الجديدة، فقد طفت العالم مشاركًا في عدّة مؤتمرات عالميّة عُقدت حول نتاجك وأعمالك. من لندن إلى قلمرية، مرورًا بباريس، ثمّ ريو دي جينيرو في هذه الأيّام.. وبالتّوازي مع ذلك تمّ إنجاز فيلم ثان عنك (تحت عنوان “دريدا”، من إخراج آمي كوفمان وكيربي ديك، بعد الفيلم الأول الجميل جدًا تحت عنوان “دريدا في مكان آخر” من إخراج صفاء فتحي عام 2000). هذا والعديد من المجلات قد أصدرت عنك أعدادًا خاصّة، لا سيّما المجلّة الأدبيّة ومجلّة أوروبا. إضافة إلى مجلّد كامل عنك من مجموعة “cahiers de l’herne” غني بأفكار جديدة، نرتقب إصداره في الخريف.. هذا كلّه كثير نسبة لعام واحد، ومع ذلك أنت لا تخفي أنّك …

  • قولوها إذًا كما هي، أنا مصاب بمرض خطير، هذا صحيح، وتحت علاج صعب وكريه.. ولكن دعنا من كلّ ذلك، إذا شئت، فنحن لسنا هنا من أجل نشرة صحيّة، خاصّة أو علنيّة..

 

  • فليكن.. لنعد قليلاً في مستهلّ هذه المقابلة إلى كتاب أطياف ماركس (غاليليه، 1993)، الكتاب الأساسيّ، والذي يمثل مرحلة تفكير جديدة، وهو بمجمله مكرّس لمسألة العدالة المستقبليّة الآتية، ويبتدئ بهذا التصدير الملغز: “أحد ما، أنت أو أنا، يتقدم ويقول: أخيرًا، أريد أن أتعلم كيف أحيا”. اليوم، وبعد أكثر من عشر سنوات على ذلك، أين تجد نفسك أمام هذه الرغبة بمعرفة الحياة ؟

  • القضيّة بشكل خاص تتعلّق بالسّؤال عن “أمميّة جديدة”، وهو سؤال يشكّل عنوانًا داخليًا ومحركًا رئيسيًا للكتاب. حول الكوسموبوليتيّة، وحول المواطن الّذي ينتمي للعالم أجمع بصفته دولة أممية واحدة.. هذا الكتاب يستبق كلّ المطالب المستعجلة لحركات الوحدة العالميّة المضادّة للنيوليبراليّة، وهي مطالب أؤمن بها، وأرى أنّها تظهر في هذه الأيّام أفضل من ذي قبل.. ما أدعوه إذًا أمميّة عالميّة جديدة، يفرض علينا، كما سبق وقلتُ منذ العام 1993، عددًا كبيرًا من التغييرات والتّحوّلات في القانون الدولي، وفي المنظمات التي تدير الشأن العالميّ (صندوق النقد الدولي، منظمة التجارة العالمية، مجموعة الدول الصناعية الثمانية، إلخ.. وبالأخصّ الأمم المتحدة، التي يجب على الأقل تغيير ميثاقها، وتشكيلتها، والأهم من ذلك كله أن يتم عقد اجتماعاتها في مكان أبعد ما يكون عن نيويورك..).

على كلّ حال، بخصوص للعبارة التي أوردتها أنت في السّؤال (أن نتعلم في النهاية كيف نحيا) فقد خطرت لي بعد أن كان الكتاب قد انتهى.. في البداية، دارت العبارة بشكل جدّي حول معناها العرفي والمتداول. فتعلم الحياة، يعني النضوج، ويعني تنمية الثقافة أيضًا.. وربّما، أن تتوجه لأحد كي تقول له: أريد أن أعلمك الحياة، هذا يعني، إن كان بنبرة تهديدية، أريد أن أنشئك، أو حتى أن أدرّبك وأروّضك.. ولكن بعد ذلك، مثّل لي غموض المعنى وتعدد دلالات المضمون جانبًا إيجابيًا، فهذه العبارة تنفتح على سؤال أكثر صعوبة: أن نعيش، هل هذا فعل يمكن أن يتم تعلمه وتعليمه ؟ هل يمكننا أن نتعلم، من خلال نظام معرفي أو من خلال فعل تلقٍ عادي، من خلال تجربة حياتيّة أو تجارب مخبريّة، هل يمكننا أن نتعلم تقبل الحياة بنحو أفضل ؟ نتعلم أن نؤكد الحياة ولا ننفيها ؟ وهكذا، على مدى كل الكتاب، يدوي هذا القلق، قلق الإرث والموت..  هذا الأمر يثقل في آن واحد كاهل الآباء حين يسائلون أبناءهم: متى ستصبح مسؤولاً ؟ كيف ستجيب في النهاية عن معنى حياتك، وكيف ستقدم اسمك للآخرين ؟

حسنًا إذًا، كي أجيب على سؤالك مباشرة ودون التفاف، فأنا، لم أتعلم بعدُ كيف أحيا. أبدًا لم أتعلم ذلك.. فأن يتعلم الواحد كيف يحيا، يعني أن يتعلم كيف يموت، أن يأخذ في حسبانه الموت الحتمي، وبرضى به، (بلا خلاص ولا قيامة، ولا فداء) لا لنفسه ولا لغيره.. منذ أفلاطون، هذا هو الواجب الفلسفي القديم: أن تتفلسف يعني أن تتعلّم كيف تموت.

أعرف هذه الحقيقة، وأتحاشى مواجهتها دائمًا.. مرة بعد مرة، أبتعد عن الإقتناع بذلك، حقيقة أن أتقبل الموت. فنحن كلنا أحياء، لكن أحياء لمهلة ما، لأجل ما، (ومن وجهة نظر جيوسياسية تجدها في كتابي “أطياف ماركس”، فنحن نعيش في عالم أكثر ظلمًا من أيّ وقت مضى، ظلم يُمارس تجاه المليارات من الأحياء، من البشر ومن غيرهم من الكائنات.. وهؤلاء النّاس، فضلاً عن أنه لا يُسمح لهم بالتّمتع بحقوق الإنسان الأولية، التي صار عمرها أكثر من قرنين وما انفكّت تتطور، لكنهم لا يتمتّعون حتّى بالحدّ الأدنى بحياة قمينة بأن تُعاش).. بيد أنّي، لا زلت إلى الآن عصيًا على تلقّي حكمة أن أعرف كيف أموت. إذ إنني حتّى اليوم لم أتعلم ولم أكتسب جديدًا في هذا الموضوع.. فهذه المهلة المعطاة لنا في الحياة تتقلص بنحو متسارع. ليس فقط لأنني – كما هو حال كثيرين غيري – قد ورثت أشياء كثيرة جميلة أو مريعة: إذ إنّه مع الوقت، باتت تُطلق عليّ تسمية النّاجي من الموت، نظرًا إلى أنّ كثيرًا من المفكرين الذين ارتبطت بهم قد رحلوا عن الدنيا، وبالتّالي أنا الممثل الأخير لجيل، هو بعنوان عريض، جيل الستينات.. وهذا الأمر، مع أنّه ليس صحيحًا على نحو الدّقة، بات يلقي في روعي إعتراضات ومشاعر رفض وتمرد فيها شيء من السوداويّة. ومع بعض المشاكل الصحية التي تثقل كاهلي، أمسى السّؤال المتعلّق بالحياة، أو بالأحرى المهلة المعطاة لنا كي نحيا، وهو السّؤال الذي دائمًا ما طاردني، بكلّ ما للكلمة من معنى، في كل ثانية من حياتي، بات اليوم يتمظهر لي مع المرض بطريقة مختلفة..

لقد كنت دائمًا مهتمًا بهذا المفهوم، مفهوم البقاء حيًا.. والمعنى الذي يحمله ليس مجرد حاشية تُضاف إلى معنى الحياة أو معنى الموت. بل يحمل معنى أصليًا: الحياة هي البقاء على قيد الحياة.. والبقاء على قيد الحياة في المعنى المتداول العرفي هو أن يستمر الواحد في حياته، ولكنّه يعني أيضًا أن يبقى حيًا بعد الموت. وبخصوص الترجمة، يبين ولتر بنيامين الفرق بين لفظ  “überleben”من جهة، أي أن يبقى الواحد حيًا بعد الموت، كحال كتاب يخلد ويبقى حيًا بعد موت كاتبه، أو طفل يبقى حيًا بعد موت أبويه، وبين لفظ “fortleben” أو “living on”، من جهة أخرى، أي أن تستمر على قيد الحياة.. كل المفاهيم التي ساعدتني على العمل، وبشكل خاص مفهوم الطيف ومفهوم الأثر، هي مفاهيم متعلقة بمسألة البقاء على قيد الحياة، كبعد بنيوي. هي تحمل معنى مستقلاً خاصًا بها غير مشتق من مجرّد الحياة أو الموت، تمامًا كما أن ما أدعوه الحداد الأصلي، هو مفهوم غير متعلق بالموت الفعليّ الحقيقيّ، ولا ينتظره كي يتحقّق..

 

  • لقد استخدمت كلمة “جيل”، وهو مصطلح ذو استخدام دقيق وحسّاس، يتكرر غالبًا في كتاباتك، كيف تشير إلى تلك الأشياء الّتي -بالنّسبة لك- تنتقل من جيل إلى جيل ؟

  • هذا المصطلح، أسمح لنفسي هنا باستخدامه بنحو فضفاض قليلاً، إذ يمكن أن نكون معاصرين -حتّى مع فارق الزّمن- لجيل عاش قبلنا سابقًا أو سيأتي بعدنا لاحقًا. أن يكون الواحد مخلصًا لأولئك الذين عادةً ما يتمّ إلحاقهم بالجيل الّذي أنتمي أنا إليه، هو فعل يجعل منه حارسًا لإرث مهم، يبقى رغم اختلافاته، ذا سمة واحدة..

وهذا يعني شيئين: أوّلاً، أن نتمسك أمام الجميع، بمطالب مشتركة من لاكان إلى ألتوسير، مرورًا بليڤيناس، فوكو، بارث، دولوز، بلانشو، ليوتار، سارة كوفمان، إلخ.. دون أن نسمي الكثير من المفكرين، الكتاب، الشعراء، الفلاسفة أو علماء النفس التحليليين، الذين لا زالوا أيضًا في عداد الأحياء لحسن الحظ، وقد أخذت عنهم وورثت منهم أيضًا، إضافة إلى آخرين من خارج بلادنا، أكثر عددًا وربّما أيضًا أكثر قربًا إليّ من هؤلاء.

كذلك، أذكر على سبيل المثال، طابع كتابة وفكر يتصف بالقوة والصلابة، (تطلق هيلين سيكوس علينا لقب المبدئيين)، هذا النمط من الكتابة، لا يمكن لأصحابه أن يقدّموا تنازلات، حتى ولو لصالح الفلسفة نفسها، ولا يشعرون بخوف من الرأي العام ووسائل الإعلام أو جمهور القراء، كل ذلك لا يمكن أن يجبرنا على تبسيط إنتاجنا وتسطيحه أو قمع فكرتنا وكبتها. من هنا نضطرّ أحيانًا إلى اللّجوء إلى التضمين، المفارقة، والأسلوب الصّعب.

هذا الميل يظل دائمًا حاجة، يربط لا فقط هؤلاء الذين ذكرتهم بنحو عرضي الآن ولكن كلّ أولئك الّذين دعموهم. هذه سمة عامّة تصبغ مرحلة بكاملها، وليس فقط هذه الشخصية أو تلك. هذه خصوصيّة يجب اليوم أن نعمل على إنقاذها أو أن نعيد توليدها من جديد، مهما كلّفنا ذلك. وهذه المسؤولية باتت طارئة في أيّامنا، تستدعي حربًا قاسية على الثقافة السائدة، على أولئك الذين لا زلنا نسميهم مثقفي الإعلام، وعلى هذا الخطاب المنتشر الذي تصنعه الوسائل الإعلاميّة.. الّتي هي صنيعة أيادي اللوبيات الاقتصادية السياسية، وغالبًا ما يكون أصحاب هذا الخطاب ناشرين أو أكاديميين أيضًا، معروفين على الصّعيد الأوروبيّ أو العالميّ… إنّ مقاومة هذا النمط لا تعني أننا يجب أن نتجنب الإعلام. لكن يجب، عندما يكون ذلك ممكنًا، أن نطور هؤلاء ونساعدهم على التنوع، وأن نذكرهم بهذه المسؤولية.

ثانيًا، في الوقت ذاته، لا يجب أن ننسى، أن هذه الحقبة الذهبية الماضية، لم تكن مثالية في تواؤمها بالتأكيد. فقد كانت تعتريها الكثير من الخلافات والخصومات، ثم إنها لم تكن تمثل وسطًا متناسقًا، حتى تلك المجموعة التي أطلقنا عليها على سبيل المثال تسمية سطحيّة هي “فكر 68″، وهي تسمية أمست إشارة اتهام منتشرة اليوم في الوسط الصحافيّ والجامعيّ، حتّى تلك المجموعة لم تكن تمثّل وحدة متجانسة.. المهم، حتى لو اتّخذ الإخلاص لتلك المرحلة شكل خصومة وابتعاد في الغالب، يجب مع ذلك أن نكون مخلصين لهذه الاختلافات، من خلال الاستمرار في عمليّة الحوار الفكريّ.. أنا مثلاً مستمر بمناقشة بورديو ومحاورته، أو حتى لاكان، دولوز، فوكو، على سبيل المثال، فهؤلاء يستمرون في إسثارة اهتماماتي الفكريّة أكثر من أولئك الذين تتجمهر حولهم الصحف اليوم (مع بعض الاستثناءات بالتأكيد). أنا أحافظ على هذا النقاش والحوار، كي لا يتسطح الخلاف في الفكر، فينقلب شكلاً من أشكال التشهير والذم.

ما قلته عن جيلي ينطبق أيضًا على الأجيال السابقة، منذ الكتاب المقدّس إلى أفلاطون، كانط، ماركس، فرويد، هايدغر.. لا أريد أن أتنازل عن أي فكرة، فأنا أعجز عن فعل ذلك. وتعلم الحياة، كما تعلمون، هو دائمًا فعل نرجسي. نريد أن نحيا بقدر ما نستطيع، أن نحافظ على أنفسنا ونصونها من كل سوء، ونسعى لتنمية كل هذه الأشياء والأفكار التي، بنحو لا نهائيّ، أكبر وأقوى من ذواتنا، وهي رغم ذلك تشكّل جزءًا من هذا الأنا الصغير، تملؤه وتفيض عنه من كل جانب… أن يُطلب مني أن أتنازل وأتخلّى عن ما ساهم في تكويني الثّقافيّ، عن الذي دائمًا ما شعرت نحوه بالحبّ الجمّ، هو أن يُطلب مني أن أموت.. هناك نوع مميّز من البقاء في هذا الإخلاص.. أن نتنازل مثلاً عن صياغة صعبة، تضمين، مفارقة، أو تناقض يكمّل المعنى، لأنّ النّصّ لن يعود مفهومًا، أو أحيانًا لأن صحافيًا ما لا يمكنه قراءة النص، أو لا يمكنه حتى أن يقرأ عنوان الكتاب، فيظنّ أن القارئ أو المستمع لن يفهم أكثر ممّا فهم هو منه، وأنّ مشاهديه التّلفزيونيين لن يحتملونه، ومعدل المشاهدة سيتضائل وينخفض. هذا التّنازل بالنسبة لي هو خطيئة لا تُغتفر. هو نحو من الانحناء والتّذلّل، أو الموت من التّفاهة.

 

  • لقد ابتكرتم أسلوبًا للكتابة في خصوص البقاء والاستمرار، أسلوبًا يتناغم مع السّعي للإخلاص، أسلوبًا في الكتابة عن الإلتزام الموروث، والأثر المحفوظ، والمسؤولية المؤتمنة.

  • لو كان لي أن ابتكر طريقة كتابتي، لكنتُ جعلت منها ثورة مستمرة لا نهاية لها. ففي كل حالة وظرف، يجب أن نخلق مزاجًا جديدًا وأسلوب صياغة يلائم الأفكار، أن نبتكر طريقة خاصة تناسب فرادة الحدث، وأن نأخذ بعين الاعتبار المتلقي الذي نتوجه إليه ونبتغيه. وفي الوقت نفسه علينا الإلتفات إلى كون هذه الكتابة هي نفسها الّتي ستحدد نوع متلقيها، الذي يسعى أن يقرأها (أو أن يحياها)، وهو غير معتاد على تلقّيها من الغير. نأمل أن يجد القارئ في هذه الكتابة محلاً كي يولد من جديد، بنحو مختلف: على سبيل المثل، أن يدمج الكاتب دونما التباس أسلوبًا شعريًا بأسلوب آخر فلسفيّ، أو بعض طرق استخدام الجناس والمشتركات اللّفظيّة، والعبارات الّتي تنفتح على أكثر من معنى، أو حيل اللغة – التي يقرأها الجميع في ارتباك وغموض متجاهلين ما فيها من ضرورة منطقية.

كل كتاب يجب أن يكون منهجًا في التّعليم يهدف إلى تثقيف قارئه، أمّا تلك الإصدارات المحشوّة الّتي تغدق على الصّحف والمطابع، فهي لا تصنع قارئًا، إنّما تفترض بطريقة موهومة قارئًا قد أطّرته سلفًا كما تشاء وتشتهي. ثمّ تنتهي بقولبة هذا المتلقي العادي والبسيط. لكننّي، مدفوعًا بهاجس الإخلاص والوفاء -كما تفضلتم- عندما أذر خلفي أثرًا ما، لا أراني إلّا مضطرًا أن أوجّهه لكل شخص يريد أن يتلقّاه، فأنا لا أستطيع أن أوجّه عملي لقارئ وحيد وفريد..

لكننا في كل مرة نكون فيها مخلصين في كتابتنا كما نتمنّى، نكون في خضم خيانة فرادة القارئ الذي نتوجه له. ثمّ إنّنا عندما نؤلّف نصوصًا تتّسم بعمومية مبالغ بها، فنسنصل إلى مرحلة لا نعود نعلم فيها مع من نتحدث، بل نصير نخترع ونخلق أشكالاً وأشباحًا لا وجود لها، وفي الحقيقة فإنّ ما قد أنتجناه لا يعود ينتمي إلينا في شيء..

كلّ أعمالنا الّتي ننتجها، شفهية كانت أو مكتوبة، ستتركنا، وتبدأ بالتأثير في الآخرين بمعزل عنا. تمامًا كحال الآلات، أو الدّمى بتعبير أدقّ، وهذا المقصد يتوضّح بشكل جليّ في كتابي “papier machine” (غاليليه، 2001).. إذ إنّني، في الوقت الذي أنفصل فيه عن كتاب ألّفته، أي في الوقت الذي أنشره للقرّاء، (علمًا أن ليس هناك من يجبرني على ذلك)، في هذا الوقت أصبح، متواريًا وظاهرًا في آن، تمامًا كطيف لم يتعلم أبدًا كيف يحيا. الأثر الذي أتركه يدل على موتي، موتي الّذي حدث أو سيحدث في قابل الأيّام، ويدلّ من جهة ثانية على الأمل في أن يبقيني هذا الأثرُ حيًا. هذا ليس طموحًا للخلود، بل هذا أمر بنيوي، أترك هنا قطعة من الورق، ثمّ أتوارى وأموت: من المستحيل أن أخرج بعدُ من هذه البنية، فهذه هي الصورة المستقرة لحياتي.

في كل مرة أخلّف فيها شيئًا ورائي، أرى موتي في فعل الكتابة.. هذه تجربة فريدة، نحن نتخلّى عن شيء ينتمي إلينا دون أن نعرف لمن سيؤول، ومن سيرثه وكيف ؟ هل هنالك أصلاً من ورثة تتعهّده ؟ هذا سؤال يجب أن نطرحه الآن أكثر من أي وقت مضى. هذا سؤال يشغلني دائمًا.

مرحلة التكنولوجيا الثقافية التي نعيشها الآن، أحدثت تغييرًا جذريًا في هذا الخصوص. إذ إنّ أبناء الجيل الّذي أنتمي إليه، وبوجه خاص أولئك الأكبر سنًا من بينهم، كانوا قد اعتادوا على نمط تاريخي معين: فقد كان بالإمكان أن نتوقع أن كتابًا ما يمكن أن يحقّق استمرارًا أو لا، تبعًا لصفاته وسماته.. إن كان يمكن أن يبقى لسنة واحدة، لسنتين، ثلاثة، أو حتى خمس وعشرين قرنًا كما هو حال كتب أفلاطون. أمّا اليوم، فبفعل تطور طرق الأرشفة من جهة، ثمّ الدّمار والاستنزاف من جهة أخرى، كلّ ذلك غيّر بنية التوريث وآليّته الزّمنيّة. وبما يخصّ الفكر، أمسى من الآن فصاعدًا من الصّعب توقّع أمد حياة الأثر الفكريّ..

وفي خصوص هذا الموضوع بالذّات، وأنا في مثل هذا العمر، بتّ مستعدًا للفرضيات الأكثر تناقضًا: أقول -وأرجو أن تصدقوني- لديّ في آن واحد شعورًا مزدوجًا.. لديّ شعور أنه، من جهة -وأعلن ذلك مبتسمًا ودون تواضع- أن قراءة أعمالي لم تبدأ بعد، رغم وجود الكثير من القراء ذوي المستوى الجيّد (بضع عشرات في العالم، ربّما)، وفي الواقع هنالك فرصة لقراءتي وفهمي بعد حين.. ولكن، أشعر من جهة ثانية، أنّه بعد خمسة عشر يومًا أو بعد شهرٍ من موتي، لن يبقى هنالك من شيء.. عدا تلك النّسخ الّتي ستبقى محفوظة في مستودع المكتبة القانونيّ… أصدقكم القول، فأنا أؤمن بصدق -في آن معًا- بهاتين الفرضيتين !

 

  • في قلب هذا الأمل، تكمن اللغة، اللغة الفرنسية تحديدًا.. عندما نقرؤك، نشعر في كل سطر قوة شغفك بها.. مثلاً في كتاب “أحادية الآخر اللغوية” (غاليلييه، 1996)، تعمد إلى تقديم نفسك، ساخرًا، كآخر مدافع عن اللّغة الفرنسيّة وشارح لها..

  • هاك ما هو ليس لي، رغم أنّه الشيء الوحيد الذي في في طوع يميني.. تجربة اللغة، بالتأكيد، تجربة مفعمة بالحياة. وهي إذًا صائرة إلى الموت والفناء، كحال كلّ حيّ. الظروف جعلت منّي يهوديًا فرنسيًا من أصل جزائري من الجيل الذي ولد قبل حرب الاستقلال. هذا ما حباني كثيرًا من الفرادة، حتى بين اليهود، وبين يهود الجزائر تحديدًا. لقد شاركت في مسيرة تحوّل غير عاديّة لليهودية الفرنسية ذات الأصول الجزائريّة: إذ كان أجداد والديّ قريبين جدًا من العرب، في لغتهم وفي عاداتهم..

بعد مرسوم كريميو (1870)، في نهاية القرن التاسع عشر، تحوّل الجيل الّذي تلا هؤلاء إلى جيل ذي طابع برجوازي: جدّتي، رغم أنّ زواجها كان سريًا في الباحة الخلفيّة لإحدى بلديّات الجزائر، بسبب التّشديد على اليهود (أيام دريفوس)، فقد عملت على تربية بناتها كأنّهنّ برجوازيات فرنسيات (كحال تربية المنطقة السادسة عشر في باريس، دروس في البيانو..). ثم جاء بعد ذلك جيل والديّ: قلّة منهم كانوا مثقّفين، والأغلبيّة كانوا تجّارًا، بعضهم كانوا تجارًا صغارًا، وبعضهم استغل حالة الاستعمار وتبوّأ مناصب التّمثيل الحصريّ لماركات كبيرة في البلاد: يومها، من مكتب صغير بمساحة عشرة أمتار مربعة وبدون الحاجة إلى أمين سر، كان يمكن للواحد منهم أن يمثّل وكالة صابون مرسيليا في شمال أفريقيا كلّها، – أضرب هذا المثل لتوضيح الصّورة وتبسيطها.

ثم جاء زمن الجيل الّذي أنتمي إليه (الأغلبية كانوا مثقفين، أصحاب مهن حرة: تعليم، طب، محاماة، إلخ..). وتقريبًا كل هؤلاء جاؤوا إلى فرنسا عام 1962. أمّا أنا، فقد كان مجيئي أبكر قليلاً (أي عام 1949). وفي أيّامي، أقول ذلك مع شيء من المبالغة، كان الزواج المختلط قد ابتدأ، ولكن بطريقة شبه مأساويّة، ثورية، نادرة، ولا تخلو من التّبعات الخطيرة.. وبالنظر إلى كوني أحب الحياة، وحياتي أنا بالخصوص، فإنني أحب العوامل الّتي ساهمت في نشأتي، واللّغة هي إحدى تلك العوامل.. هذه اللغة التي كانت اللّغة الوحيدة التي علموني أن أرعاها، واللّغة الوحيدة الّتي يمكنني أن أقول إنّني مؤتمن عليها ومسؤول عنها بنحو أو بآخر..

ولهذا فإنّ في كتابتي أسلوبًا في معالجة اللّغة، لا أقول شاذًا، إنّما عنيفًا نوعًا ما. كشكل من أشكال الحبّ. والحبّ عمومًا يشمل حبّ اللّغة، وهو ليس حبًا قوميًا أو محافظًا، ولكنّه يتطلّب إثباتات، وخبرات وصعوبات.. تعاملنا مع اللّغة ليس عشوائيًا، فوجود اللّغة سابق على وجودنا، وهي ستستمرّ بعدنا في الحياة.. وفي حال أردنا أن نترك أثرًا ما في اللّغة، ينبغي أن نقوم بذلك بنحو رائق، وينبغي أن نحترم قانونها وخصوصيّاتها، ولكن دونما تقديس وجمود. وهذه هي المفارقة في جمع الإخلاص واللاإخلاص: فأنا، عندما أقسر اللّغة الفرنسيّة، إنّما أقوم بذلك محترمًا بصورة رائقة ما يحكم هذه اللّغة، في واقعها وحياتها وتطوّرها.. دائمًا ما أطالع مبتسمًا، وأحيانًا مع شيء من الازدراء، أولئك الّذين يظنون أنهم يقسرون اللّغة الفرنسيّة ويطوّعون قواعدها وتراكيبها الكلاسيكيّة لكن يقومون بذلك دون حبّ. هم أشبه بصبيّ يعاني من قذف مبكر، في حين أنّ اللّغة الفرنسيّة العظيمة، الّتي لا يمكن مسّها وإفسادها، تنظر إليهم وهم يقومون بذلك مرتقبةً الآتي والمستقبل… هذا المشهد الهزليّ، أصفه بطريقة قاسية قليلاً في كتابي البطاقة البريديّة (دار فلاماريون، 1980).

أن أترك أثرًا في تاريخ اللّغة الفرنسيّة، هذا هو الهدف الّذي يشغلني. أعيش على هذا الشّغف، إن لم يكن من أجل فرنسا نفسها، فمن أجل شيء ما احتوته اللّغة الفرنسيّة منذ قرون. أفترض أنّني إذا ما كنت أحبّ هذه اللّغة، كما أحبّ حياتي نفسها، وأحيانًا أكثر ممّا يحبّها هذا أو ذاك من الفرنسيين الأصليين، فإنّني بذلك أحبّها حبّ غريب تمّ استقباله، فتلاءم معها بصفتها السّبيل الوحيد الّذي بقي له.. هذا نوع من الشغف، وشيء من المزايدة في الحبّ..

كلّ الفرنسيين ذوي الأصل الجزائريّ يشاركونني هذه الرؤية، سواء كانوًا يهودًا أو لا. في حين أنّ أولئك الّذين جاءوا من فرنسا إلى الجزائر كانوا غرباء: فقد كانوا يتّسمون بالاستبداد، وفيهم نزعة لتققيم الأشياء وفق معاييرهم، يعملون على وضع المبادئ والتّشريعات. كان ذلك طبعًا وعادةً فيهم وكان يجب أن يتم تخطّيه.. أذكر أنّه، عندما كان يأتينا أحد المعلمين من فرنسا بلهجته الفرنسيّة، كنا نراه مضحكًا !.. من هنا تظهر مزايدتي: لدي لغة واحدة، وفي الوقت ذاته هذه اللّغة لا تنتمي إليّ. هذه التجربة التّاريخيّة الفريدة قد أثارت فيّ هذا القانون الكليّ: اللّغة لا يمكن أن يتم امتلاكها بالانتماء الطبيعي أو الهويّة. والفهم الخاطئ لذلك هو الّذي يؤدي إلى ارهاب الاحتكار، والتملك، والاخضاع الاستعماري.

 

  • بشكل عام أنت لا تحب استخدام ضمير المتكلّمين “نحن”.. نحن الفلاسفة، أو نحن اليهود، على سبيل المثال.. ولكن مع ازدياد الفوضى العالمية الجديدة، تبدو أقل تحفظًا لقول “نحن الأوروبيّون”. وقد سبق، في كتابك “L’autre Cap” (غاليلييه، ١٩٩١)، وهو كتاب كتبته زمن حرب الخليج الأولى، أن قدمت نفسك كأوروبي قديم، أو كأوروبي هجين.

  • هناك مسألتان، لدي في الواقع انطباع سلبي لقول “نحن”، ولكن أحيانًا يبدو لي أن أستخدم هذا التّعبير. رغم كل المشاكل التي تعذبني في هذا الموضوع، والتي تبدأ بالسياسة التدميرية والانتحارية لإسرائيل، وبعض الصهياينة (لأن إسرائيل لا تمثل برأيي اليهودية ولا شتات اليهود في العالم أو اليهود الأصليين، أو حتّى الصّهيونيّة نفسها التي كانت ذات اتّجاهات متعدّدة.. ومن ناحية أخرى هناك الأصوليون المسيحيون الذين يُدعون صهاينة حقيقيون في الولايات المتحدة. مقدرة اللوبي الخاص بهم تضاهي المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة، هذا دون أن نذكر أيضًا الاتجاه السعودي في خصوص التأثير المتبادل للسياسة الأميركية-الإسرائيلية). ورغم هذا كله، وغيره من المشاكل التي أعاني منها مع يهوديتي فأنا لم أتنكّر لها أبدًا.

أقول دائمًا، في بعض الحالات، “نحن اليهود”. هذه الـ”نحن” المعذبة، حاضرة في قلب ما هو أكثر قلقًا في فكري، أقصد ذلك الذي سميته مرّة: اليوم الآخير لليهود.. اتّخذ ضمير المتكلمين هذا في فكري المكانة الّتي تشبه ما عبّر عنه أرسطو بشكل عميق عندما تحدث عن الصلاة (eukhè): إذ قال هي ليست صحيحة ولا خاطئة. هي صلاة بكلّ بساطة. وهكذا في بعض الحالات إذًا، لا أتحاشى قول “نحن اليهود”، أو أيضًا “نحن الفرنسيون”.

وبالتالي، منذ بداية عملي في منهج التفكيك، بقيت بشكل كبير منتقدًا للنزعة المركزية الأوروبية، في حداثة تشكيلتها، عند فاليري، هسرل، أو هايدغر على سبيل المثال.. التفكيك بشكل عام هو محطّة قد اعتبرها الكثيرون، بنحو خاص، حركة فقدان ثقة تجاه كل مركزية أوروبية.. وعندما يحين لي، في هذه الأوقات، أن أقول “نحن الأوروبيون”، فإن قولي هذا مختلف كثيرًا: فكل ما يمكن أن يتم تفكيكه من التقاليد الأوروبية لا يمكن أن يمنع، بسبب ما قد حصل في أوروبا من تضييق وانكماش وبسبب عصر الأنوار وهذا الإثم الكبير الذي يثقل من وقتئذ ثقافة هذه القارة (الشمولية، النازية، الإبادات الجماعية، المحرقة، الإستعمار، والتّحرير إلخ).. اليوم، وفي الوضعية الجيوسياسية الّتي نعيش فيها، فإنّ هذا لا يمنع أن تكون أوروبا هي أوروبا أخرى ولكنّها تحمل الذاكرة نفسها، وهي تستطيع (وهذه أمنيتي الشّخصيّة على أيّ حال) أن تتحد في آن ضد سياسة السيطرة الأميركية (نسبة ولفويتز، تشيني، رومزفلد..) وضد ثيوقراطية إسلامية وعربيّة لا أنوار فيها ولا مستقبل سياسي لها (ولكن دون أن نتجاهل التناقضات والاختلافات بين هاتين المجموعتين، وعلينا أيضًا أن نعمل يدًا بيد مع أولئك الذين يناضلون ويقاومون ضدهما من الداخل).

أوروبا موجودة تحت ضرورة أن تحمل مسؤولية جديدة. أنا لا أتحدث عن المجتمع الأوروبي كما هو الآن أو كما يبدو في أغلبيته الحالية (النيوليبرالية) وهو مهدد وهميًا بحروب داخليّة، ولكن أتحدث عن أوروبا مستقبلية، نبحث عنها ونبتغيها. سواء في أوروبا بصفتها مكانًا جغرافيًا أو في مناطق أخرى..

أوروبا لديها مسؤوليات تحملها لمستقبل الإنسانية، من أجل نظام الحقوق العالمي –هذا هو إيماني واعتقادي. وبهذا المعنى لا أعود أخشى أن أقول “نحن الأوروبيون”. ليست المسألة أن نتمنى دستورًا لأوروبا سستصبح من خلاله قوة حربية كبيرة، تحمي سوقها بالتوازن مع القوى الأخرى. ولكن أن نتمنى لأوروبا أن تزرع بذرة لسياسة جديدة مضادة للعولمة النيوليبرالية. وهذا بالنسبة لي الأمل الوحيد المتبقي..

هذه القوة على الطريق، حتى لو أن محفزاتها ودوافعها لا تزال متداخلة، وأظن أن لا شيء يمكن أن يوقفها. عندما أقول أوروبا، يعني هذا، أوروبا المضادة للنيوليبرالية. القادرة على ترجمة وتعديل مفاهيم وتطبيقات السيادة ونظام الحقوق العالمي. بامتلاك قوة عسكرية حقيقية، مستقلة عن الناتو وعن الولايات المتحدة، قدرة عسكرية ليست هجومية، وليست دفاعية، وليست استباقية، بل وجدت لتتدخل دون تأخر في خدمة حلول محترمة لأمم متحدة جديدة (لكل طارئ في العالم وليس في ما يخص إسرائيل فقط بل في كل مكان) وهذا هو الجوّ الذي يمكننا من خلاله أن نفكر بشكل أفضل في مسألة العلمانية، على سبيل المثال، أو بالعدالة الإجتماعية، كموروث أوروبي.

(قلت الآن علمانية، واسمحوا لي أن أفتح قوسين. فالعلمانية لا تتعلق بالحجاب في المدرسة ولكن بحجاب “الزواج”.. لقد وقعت موافقًا على المبادرة المرحب بها لنويل مامير بدون حرج، حتى لو أن الزواج بين المثليين، يشكل جزءًا من هذا التقليد الذي أدخله الأميركيون تحت اسم العصيان المدني، ليس بمعنى أنّه تحدٍ للقانون، بل بمعنى أنه عصيان في قبال موقف تشريعي يبسط يده باسم شريعة مثلى، ستأتي أو سبق وتم تدوينها في روح الدستور أو نصه. وعليه، فقد وقعت على هذا المضمون التشريعي الحالي، وقد بدا لي غير عادل بخصوص المثليين، زائف في محتواه ورسالته).

إذا كنت مشرعًا، لكنت قد اقترحت بكل بساطة الغاء كلمة ومفهوم “الزواج” واستبداله برمز علماني ومدني. فالزواج هو مفهوم يحمل قيمة دينية، مقدسة، بين جنسين، مع رجاء علويّ، ووفاء أبدي، إلخ.. وبالتالي فإن تكريسه يُعدّ تنازلاً من جانب القانون العلماني تجاه الكنيسة المسيحية، وبالتحديد تجاه قانون الزوجة الواحدة، وهو ليس قانونًا يهوديًا بالمناسبة (أجبر به اليهود من قبل الأوروبيين في القرن الماضي ولا يشكل واجبًا منذ بضع أجيال في المغرب اليهودي)، وليس إسلاميًا بالطبع كما نعرف جميعًا. عندما نلغي كلمة ومفهوم “زواج”، هذا النفاق والشكل الزائف الديني والمقدس، الذي ليس له أدنى مكان في الدستور العلماني، نستبدله بعقد مدني مبني على اتفاق، نوع من الدورية المعممة، محسنة، لينة، ومعدلة، دون تحديد عدد أو جنس أصحاب هذا العقد..

أما بالنسبة لأولئك الذين يريدون الارتباط عن طريق الزواج، والذين لهم كلّ الاحترام، فيمكنهم أن يقوموا بذلك أمام السلطة الدينية التي يختارونها.. كما أن هنالك بعض البلدان تشرع زواجًا دينيًا ومقدسًا للمثليين. عقد الارتباط يمكن أن يتم ضمن هذا النظام أو ذاك. أو ضمن النظامين معًا، وهناك آخرون لا يريدون الارتباط لا ضمن الشكل العلماني ولا الديني، وهنا أختم القوسين.. هذه يوتوبيا صحيح، ولكن آخذ بها لحد الآن.

ما أسميه تفكيك، حتى لو كان موجهًا ضد شيء ما في أوروبا، هو أيضًا مفهوم أوروبي. هو منتج، علاقة مع الذات الأوروبية كتجربة تغير جذري.. منذ عهد الأنوار، وأوروبا تنتقد نفسها باستمرار، وفي هذا الموروث الممتاز، هنالك حظ مستقبلي للتفكيك. وعلى الأقل ينبغي لي الأمل به، وهذا ما يطمئنني في قبال تفاقم الخطابات التي تحكم على أوروبا بشكل نهائي، كما لو أنها ليست إلا مكان تنبت فيه الجرائم..

 

  • بخصوص أوروبا، ألست في حالة حرب على نفسك ؟ من جهة أنت تشير إلى أن اعتداءات الحادي عشر من أيلول دمرت القواعد الجيوسياسية القديمة للقوى السيادية، مؤكدًا بذلك أزمة مفهوم السياسة كما تعرّفه بمعناه الأوروبيّ. ومن جهة أخرى، تحافظ على ارتباطك بهذه الروح الأوروبية، وبالمثال السياسي الكونيّ لحقوق عالمية تصف اليوم انحدارها وتدهورها..

  • يجب إحياء الكوسموبوليتية، (راجع كتابي ؛Cosmopolites de tous les pays, encore un effort!، غاليليه 1997).. عندما نتحدّث عن السّياسة، فنحن نستخدم كلمة يونانية تحمل مفهومًا أوروبيًا يفترض وجود دولة بشكل مسبق، أي نموذج المدينة-الدّولة المرتبط بالأرض والسكان الأصليين. ومهما تكن التمزقات في هذا تاريخ هذا المفهوم، فإنّ معناه هذا لا زال مهيمنًا، في الوقت الّذي عملت كثير من القوى على زعزعته وإزاحته عن هذا المعنى: فسيادة الدولة عند هؤلاء لم تعد مرتبطة بالأرض، أو بآليات التواصل، ولا حتى الاستراتيجيات العسكرية.. وفي الواقع، فإنّ هذه الإزاحة الدّلاليّة تضع المفهوم الأوروبي القديم للسّياسة في أزمة. إضافة إلى مفهومنا عن الحرب، والفرق بين ما هو مدني وما هو عسكري، وبين الإرهاب العالمي والإقليمي.

ولكن أعتقد أننا يجب أن لا نتحامل على مفهوم السياسة، أو حتّى على مفهوم السيادة، والتي أرى أن لها نواحٍ إيجابيّة في بعض الظّروف، كمحاربة قوى السوق العالمية. هنا أيضًا، المسألة مرتبطة بتراث أوروبي يجب العمل على حفظه والعمل على تحويله في آن واحد. وقد قلت ذلك في كتابي “المارقون” (صادر عن غاليليه 2003)، عن الديموقراطية كفكرة أوروبية.. كفكرة لم تتحقّق بعد بطريقة مرضية، بل يبقى تحققها رهن المستقبل الآتي.. وفي الواقع هذه خاصيّة تلاحظونها في تفكيري دائمًا، وليس عندي تبرير لها، إلا أنّ هذا هو أنا، هكذا أجد نفسي ببساطة.

أنا في حرب على نفسي، هذا صحيح، أنتم لا تستطيعون أن تدركوا لأي درجة، هذا فوق ما تتخيلون.. أنا أقول أشياء متناقضة، وهي -بنحو واقعي- تساهم في تكويني، تجعلني أحيا، ثمّ هي الّتي بعد ذلك تجعلني أموت.. هذه الحرب، أراها أحيانًا كحرب مؤلمة ومرعبة، ولكن في الوقت نفسه أعرف أن هذه هي طبيعة الحياة، فالسلام التام لن أجده إلا في الراحة الأبدية. وفي المحصّلة لست أقول إني آخذ هذا التناقض في طرحي على عاتقي وأتحمّل مسؤوليّته، ولكنني أعرف أيضًا أن هذا هو ما يبقيني حيًا، ويجعلني أطرح تحديدًا السؤال الذي ذكرتموه في البداية: كيف نتعلم الحياة ؟

 

  • في كتابين آخيرين: (كتاب “Chaque fois unique, la fin du monde” وكتاب “Béliers“، غاليلييه 2003)، عدتم إلى السؤال الكبير عن الخلاص، والحداد المستحيل، وعن سؤال البقاء حيًا.. إن كان بالإمكان أن نعرّف الفلسفة كاستباق مهموم بالموت (كما جاء في كتابك Donner la mort، غاليلييه، 1999) هل يمكننا بناء على ذلك أن نفهم التفكيك بصفته قواعد أخلاقيّة لفعل البقاء على قيد الحياة؟ قواعد دائمة التغيّر وغير ناجزة ؟

  • كما قد ذكرت سابقًا منذ البداية.. فأنا، حتى قبل تجاربي الخاصة اليوم في خصوص بقاء الإنسان حيًا، كنت قد بينت أن البقاء على قيد الحياة هو مفهوم أصيل، وهو يشكل بنية ذلك الذي ندعوه الوجود، أو الدازاين إذا أردتم. نحن -بنيويًا- أشخاص ناجون، نعيش حالة بقاء على قيد الحياة.. وتبدو هذه البنية علينا في كلّ أثر نذره خلفنا، وفي وصيّتنا الأخيرة.. ولكنني، بعد هذا الشّرح، أتحاشى أن أترك سبيلاً لأيّ تحليل يكون على ضوئه مفهوم البقاء على قيد الحياة هو من جنس مفاهيم تشبه مفهوم الموت والماضي الّذي انقضى، بل هو من جنس مفاهيم تشبه مفهوم الحياة والمستقبل الآتي.. التّفكيك دائمًا هو فعل إيجاب، وفعل تأكيد للحياة.

كل ما أقوله، منذ مقال “الخطوة – Pas” في كتابي “parages” (غاليليه 1986) وصولاً إلى مفهوم البقاء على قيد الحياة بصفته تعقيدًا لثنائية الحياة / الموت، كلّ ذلك هو عندي وسيلة للتّعبير عن إثبات الحياة، إثبات غير مشروط. فعل البقاء حيًا، هو حياة في ما وراء الحياة، حياة تتجاوز الحياة.. والخطاب الذي أتبنّاه ليس خطاب موت، بل على العكس، هو خطاب كائن حيّ يفضل الحياة -وبالتّالي يفضّل فعل البقاء على قيد الحياة- على الموت.. لأن البقاء على قيد الحياة، ليس مجرّد ما يتبقى للإنسان بعد زوال كلّ شيء، بل هو صورة الحياة بشكلها الأكثر كثافة.. فقط في أوقات السعادة والفرح، تقلقني فكرة الرحيل. أن أتحسّر على الموت الذي يرتقبني وأن أتمتّع به هما بالنّسبة لي فعل واحد. عندما أستذكر حياتي، أميل للشعور بأني امتلكت فرصة أن أحبّ حتى الأوقات العصيبة والمحزنة منها، وأن أباركها. كلّها تقريبًا، عدا بعض الاستثناءات. عندما أستذكر الأوقات السعيدة، أباركها أيضًا.. وفي الوقت ذاته تعود بي تلك اللّحظات نحو التفكير بالموت، نحو الموت، لأنها قد مضت.. انتهت..


المصدر

error: المحتوى محمي