تونس بين تطلّعات الثورة وآمال الإصلاح الديمقراطي – منير الكشو

تونس بين تطلّعات الثورة وآمال الإصلاح الديمقراطي – منير الكشو

منير الكشو

منير الكشو


لقد فاجأ الحدث التونسي العالم والتونسيين أنفسهم. فلم يكن أحد يتوقع أن تنتهي سلسلة المظاهرات الاحتجاجية التي انطلقت من مدينة متاخمة لجنوب البلاد وهي سيدي بوزيد، على إثر إقدام شاب امتهن بيع الخضراوات على قارعة الطريق على إحراق نفسه احتجاجا على سوء معاملة السلطات المحلية في المدينة له وإطنابها في إهانته، إلى هروب الرئيس السابق من البلاد وانهيار السلطة السياسية وانطلاق مسار ثوري لا تزال البلاد والمنطقة العربية عموما تعيش على وقعه إلى اليوم. وسواء اتفقنا أو اختلفنا في توصيف هذا المسار على أنه ثورة أو انتفاضة شعبية  لا يمكن إنكار أن هذا المسار لم تطلقه قيادة سياسية موحّدة ذات إستراتيجية واضحة المعالم والغايات ورؤية أيديولوجية منسجمة وإنما كان مسارا غلبت عليه العفوية والارتجالية وردود الفعل تجاه بطش السلطة وعنفها وتخبطها السياسي. لكنه مسار عرف رغم ذلك ائتلافا في الشعارات المرفوعة والمطالب التي تعبّر عنها إذ كانت هذه المظاهرات السلمية تطالب بالعزة والكرامة الوطنية والحرية والديمقراطية والعدالة والتشغيل والمساواة في الاحترام والاعتبار ولم تكن تطالب باعتماد نموذج مجتمعيّ بعينه سواء كان اشتراكيّا أو ليبراليّا أو دينيّا. كما لا يمكن أيضا إنكار أن تونس دخلت إثر هذا الحدث، أي بعد 14يناير وانهيار السلطة السياسية، في مرحلة تسارعت فيها الأحداث وتحقّقت فيها تطلّعات ومطالب كانت في الأمس القريب تُعدّ من قبيل الحلم: عفو تشريعي عام تمتّع به كل السجناء السياسييّن، وعدد هام من سجناء الحقّ العام، حلّ حزب التجمّع الدستوري الحاكم للبلاد منذ استقلال البلاد عن فرنسا سنة 1956، بمقتضى حكم قضائي، تغيير قانون الأحزاب والجمعيات العامة وإطلاق حرية بعثها، تكوين لجان تحقيق حول الرشوة والفساد وحول الأحداث التي أدت إلى مقتل مواطنين وإقرار مبدأ انتخاب جمعيّة تأسيسيّة لكتابة دستور جديد يُعلن إثر المصادقة عليه عن ميلاد الجمهوريّة الثانية في تونس بعد أن كانت الأولى وُلدت من خلال دستور 1959 الذي صاغته أول جمعيّة تأسيسيّة تشكلت في البلاد إثر الاستقلال، إطلاق الحريات العامة ورفع الحضر عن العمل السياسي والجمعياتي.

 واليوم خطت تونس خطوة هامة على سبيل انجاز مهام الانتقال الديمقراطي وبناء مؤسسات قارة لحكم البلاد بعد انتخاب جمعية تأسيسية في 23 أكتوبر 2011 على طريقة تُعتبر  تعدديّة حقا ويتوفّر فيها الحدّ الأدنى من المعايير المتعارف عليها دوليّا للانتخابات الحرّة والنزيهة، وتشكيل سلطة تنفيذية مؤقّتة تتكون من رئيس مؤقّت للبلاد وحكومة مؤقّتة والاتفاق حول قانون مؤقت لتنظيم السلطات العمومية تُدار وفقه المؤسّسات إلى حين وضع دستور جديد  وانتخاب سلطات قارّة لحكم البلاد والانتقال إلى وضع دائم.

لكن الانتقال الديمقراطي في وضع يلي ثورة عصفت بأركان سلطة سياسيّة وألغت العمل بالدستور والمؤسّسات السياسيّة المستندة إليه التي تعيشها البلاد اليوم تتّسم بطبيعة الحال بالغموض حول ملامح النظام السياسيّ القادم للبلاد وحول طبيعة الدستور الذي سيقع سنّه وحول طبيعة القوى السياسيّة والاجتماعية التي سيؤول إليها حكم البلاد في المرحلة القادمة.

ولا يزال إلى اليوم المشهد السياسي التونسي يعيش على وقع الصراع بين اتجاهين برزا عقب الثورة ومغادرة الرئيس السابق للبلاد على عجل: اتجاه يغلّب الحرص على تواصل الدولة واستمرارها حتى يتسنّى انجاز إصلاحات يتّسع مداها تدريجيّا مع تجنّب إحداث تغييرات جوهريّة في هيكل الدولة من شأنها تعطيل عمل المرافق العموميّة وتعطيل الحياة اليوميّة للمواطنين واتّجاه يغلّب مقتضى تحقيق أهداف الثورة ويعمد إلى تأجيج جذوة الحراك الثوري ودفعه صوب القطع مع الماضي من جميع وجوهه سواء على صعيد الفكر الذي تأسّس عليه أو الممارسات والسياسات التي سادته أو الرموز والأشخاص الفاعلين فيه والذين يتحمّلون المسؤولية جميعا، وفق هذا الرأي، عمّا أصاب البلاد في المرحلة السابقة من ضعف ووهن وعمّا عمّها من استبداد وحيف وظلم  وفساد.

ولئن اتسمت مواقف هذا الاتجاه (الثاني) بالراديكالية ورفض كل مصالحة مع رموز المرحلة السابقة من شأنها أن تفتح الباب لعودتهم إلى العمل السياسي إلا أن تقييم طبيعة المرحلة وضبط المهام المطروحة والعاجلة لأجندة التغيير السياسي وتحديد المظاهر التي يتعيّن القطع معها من الماضي لم يكن موضع اتفاق بين الأطراف المكوّنة له ولا تزال هذه المسائل إلى الآن محلّ خلاف بينها يطفو بين الحين والآخر. فنجد مثلا من يرى أن المهمّة العاجلة هي القطع، بكلّ الأساليب الممكنة، مع المرحلة السابقة وخاصة مع رموزها من كوادر عليا في الدولة وإزاحتهم من مواقع القرار في الوظائف الإداريّة العليا في الدولة حتى ولو كان ذلك من خلال إجراءات غير قانونيّة وغير ديمقراطيّة معتبرا أن المرحلة الحاليّة تفرض أولويّة تحقيق أهداف الثورة على مهام الانتقال الديمقراطي في حين يرى البعض الآخر من نفس هذا الاتجاه أن القطيعة المطلوب إحداثها لا تتمثل أساسا في إقصاء رموز المرحلة السابقة من مواقع القرار والمسؤولية وإنما في القطع مع  الفكر الذي ساد المرحلة الماضية وطبيعة الثقافة التي هيمنت عليها والسياسات المعتمدة فيها. وبطبيعة الحال يتسمّ المعسكر الراديكالي بعدم التجانس الفكري والأيديولوجي للمنتسبين إليه إذ منهم من تقتصر مواقفه الراديكالية على ضرب من التشدّد والصرامة على الصعيد الأخلاقي ويدعو إلى مقاومة الفساد المستشري في مفاصل الدولة وإعادة الاعتبار لمفهوم الأخلاق العامّة ومفهوم المرفق العامّ من خلال تثبيت أركان دولة القانون والمحاسبة والشفافية ويطرح كمهمة عاجلة الشروع في إصلاحات جوهرية لهياكل الدولة حتى قبل وضع الدستور في حين يقبل على الصعيد السياسي بشيء من الليونة تسمح بالتوافقات والتسويات من أجل المصلحة العامة. وهناك من تتميّز راديكاليته بطبيعة عقائدية وفكرية وينقسم المتبنين لهذا الرأي إلى راديكاليين يساريين يدعون إلى إعادة النظر في السياسة الليبرالية على الصعيد الاقتصادي المعتمدة في تونس، على وجه الخصوص منذ منتصف الثمانينات، والتي أدت حسب رأيهم إلى إفقار الدولة والشعب وجعلهما مرتهنين للدوائر المالية العالمية وتقويض أسس الاقتصاد الوطني لصالح عولمة اقتصادية متوحشة تجد تكريسها الفعلي من خلال معاهدة الشراكة التونسية الأوروبية ومعاهدة انخراط تونس ضمن المنظمة العالمية للتجارة، وإلى راديكاليين من اليمين مسكونين بهاجس الهويّة ويدفعون بقوّة نحو القطع مع ما شاب المرحلة السابقة على الصعيد الفكري والثقافي من إبعاد للبلاد عن هويتها العربية والإسلامية ويطرحون بشدّة ضرورة إعادة الاعتبار للعناصر الأساسية في هذه الهوية التي هُمشت منذ الاستقلال وبناء الدولة القطرية. ولئن اجتمع هؤلاء حول هذه المهمة اختلفوا حول أي البعدين العربي أو الإسلامي ينبغي منحه الأولوية. فالتيارات القوميّة والبعثيّة تركّز على البعد العربي أما التيّارات الإسلاميّة فتركّز على البعد الإسلاميّ وانتماء تونس إلى الأمّة الإسلاميّة.

ورغم الاختلافات الفكرية الهامة التي تفصل بين الأطراف المكوّنة للاتجاه الراديكاليّ وانعدام التنسيق والعمل المشترك بينها، إلا في حالات نادرة، كان بينها التقاء حول رفض الدخول إلى الحكومات المؤقتة الانتقالية التي تشكّلت بعد الثورة، لأنها كانت تضمّ وجوها من النظام السابق، وحول ضرورة منع رموز وأتباع ذلك النظام المنهار من الترشّح لانتخابات الجمعيّة التأسيسيّة الجديدة. ويضمّ هذا الاتّجاه في أغلبه أحزاب وجمعيات مدنيّة تشكّلت بعد الثورة وحصلت على تأشيرة العمل القانونيّ بعدها مثل حزب حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب العمال الشيوعي وحزب الوطنيين الديمقراطيين وأحزاب قومية وبعثية.

أما الاتجاه الأوّل،الذي وسمناه بالإصلاحي، فلئن كان هاجس القطيعة حاضرا لديه هو الآخر إلا أنه جعل نصب عينيه دوما انجاز مهام الانتقال الديمقراطي التي يرى فيها الضامن لمستقبل البلاد ومصلحتها العليا. لذلك لن تكون القطيعة مع الماضي من هذه الوجهة شاملة  وراديكالية وإنما فقط مع المظاهر السلبية منه التي أدّت إلى الانحراف بالبلاد نحو الاستبداد والظلم. فالقطيعة، من وجهة نظره، ليست مع الرموز والأشخاص، وإن كان من المعقول في  إبعاد من تورّطوا في نهب المال العام وفي قمع المواطنين، من الممارسة السياسية ومن حقل العمل السياسي عموما لكن عبر مسلك العدالة وعبر تفعيل القضاء وليس من خلال قرار سياسي، بقدر ما هي القطيعة مع  الممارسات والتصوّرات السياسيّة. فالقطيعة مع الاستبداد تقتضي، في رأي هؤلاء، تقويض ثقافة الحزب الحاكم الذي يسيطر على الإدارة وعلى مفاصل الدولة ويعيّن الموظفين فيها على أساس الولاء الشخصي والحزبي ومقاومة الفساد تقتضي حماية الحرّيات، وعلى وجه الخصوص حريّة الصحافة والإعلام وضمان سهولة النفاذ إلى المعلومة ونشرها، وتحصين استقلال القضاء وفق الآليات المعترف بها دوليّا ودور فاعل لمنظمات المجتمع المدنيّ في التصدّي لمظاهر الارتشاء وفضحها وتحقيق العدالة الاجتماعية يقتضي دولة تحتكم إلى القانون تديرها حكومة منتخبة ديمقراطيا تكون قادرة على توفير شروط حوار اجتماعي بين الأطراف والشركاء الاجتماعيين حول التوزيع العادل للموارد الاجتماعية ومنع عودة الاستبداد يكون عبر تحصين حريّة المواطن وعبر بناء أجهزة أمنيّة جمهوريّة، من شرطة وجيش، تخدم المواطن والأمن العام للبلاد لا من يمسك بالسلطة السياسيّة. ومن وجهة نظر الأطراف المكوّنة لهذا الاتجاه تقتضي المرحلة التي دشّنتها الثورة، من الفرقاء والشركاء السياسيّين حكمة وتبصرّا في إدارة عملية الانتقال الديمقراطي حتى لا يقع تبديد ما تحقّق من إيجابيات في تاريخ البلاد سواء كان في العهد البورقيبي أو في عهد الرئيس السابق وإعادة توجيه مسار التنمية والاقتصادية والسياسية في اتجاه يحقق العدالة ويبني دولة القانون ويكرّس قيم المدنيّة ومجتمع المواطنة. ويقتضي كل ذلك في رأيهم دستورا حديثا يفسح المجال لحياة سياسيّة نشطة وقوانين فاعلة يقبل بها الجميع وتكون أساسا للسلم الأهليّ. وقد دفعت هذه الوجهة الواقعيّة والإصلاحية الأطراف المكوّنة لهذا الاتّجاه إلى اعتماد موقف معتدل تجاه الحكومات المؤقتة الثلاث التي تشكّلت بعد الثورة والتعاون معها لانجاز الإصلاحات وحتى المشاركة فيها مثلما هو الأمر بالنسبة للحزب الجمهوري وحزب المسار الاجتماعي وحزب نداء تونس.

ولفهم حقيقة هذا الانقسام في المشهد السياسي التونسي لا بُدّ في رأينا من استجلاء الخلفية التي يستند إليها شعار القطيعة مع الماضي الذي رفع إبان الثورة وظل في المرحلة التي تلتها قاعدة للفرز بين القوى السياسية الفاعلة في المشهد السياسي. ووفق الفهم الذي يُسند له يمكن أن يؤثّـر هذا الشعار وجملة المطالب التي تقترن به في عملية التأسيس الدستوري والمؤسساتي للمرحلة القادمة. لذلك سنعمل في مرحلة أولى من هذا العمل على رصد أهمّ السمات التي ميّزت الماضي لنفهم على نحو أفضل أوّلا خصوصيّة الحالة التونسيّة وهذا التوليف، الذي بدا غريبا للبعض، بين عناصر الحداثة وعناصر التقليد والمحافظة التي جعلت تونس تعيش مرحلة انتقال طويلة نحو الحداثة والديمقراطيّة ولنقف ثانيا على أهمّ ما تحقّق في البلاد من مكاسب على الصعيدين الاجتماعيّ والاقتصاديّ وفي مرحلة ثانية سنحاول رسم الخارطة السياسيّة للقوى الفاعلة اليوم في الساحة السياسيّة والتعرّف على طبيعة المصاعب التي تعوق انجاز مهام التحوّل نحو الديمقراطيّة بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011وفي الأخير سنقدّم بعض الملاحظات لاستشراف مستقبل العمليّة السياسيّة في تونس.

وضع انتقالي طويل  

منذ عقد الستينات من القرن الماضي كانت تونس تصنّف، من قبل الدارسين في العلوم السياسية، في خانة البلدان التي في طور الانتقال إلى الحداثة والتعدديّة السياسية والديمقراطية. ونلمس هذا الموقف حيال تونس، مثلا، في الملاحظات التي أبداها في شأنها ريمون آرون، الفيلسوف وعالم السياسة الفرنسي في ختام كتابه الديمقراطية والكليانية    Démocratie et Totalitarisme  المنشور سنة 1963 وكذلك لدى فريد زكريا عالم السياسة الأمريكي المعروف، في كتاب مستقبل الحرية الذي نشر بالانجليزية سنة 2003. ورغم الأربعين سنة الفاصلة بين موقفي آرون وزكريا واختلاف المعطيات التي تفسر انعقاد الرأي لديهما حول الطبيعة الانتقالية للنظام السياسي في تونس والظروف والملابسات التي جعلت كل منهما يصدر مثل هذا الحكم لا نرى اختلافا جوهريا بينهما. فلئن لم تكن تونس في ظل حكمي الرئيس الأوّل بعد الاستقلال عن فرنسا، أي الحبيب بورقيبة، وخلفه الرئيس الثاني بن علي الذي حكم البلاد من سنة 1987 حتى قيام الثورة في يناير 2011، ديمقراطية دستورية وتعدّدية بالمعنى الصحيح للعبارة إلا أنها توفّرت، مع ذلك طوال هذه المدة على نظام سياسي اهتدى، في نظر هذين العالمين في السياسية، إلى وضع اللبنات الأولى لتطور ممكن في اتجاه الديمقراطية وتوفير الشروط التي تسمح بانتقال نحو تعدّدية فعليّة تكرّس قيم المواطنة وترسي دولة القانون وتحرّر طاقات المجتمع المدني.

ويفسّر ذلك في رأينا ما أبداه آرون في الصفحات الأخيرة من كتابه الديمقراطية واالكليانية من تفهّم وحتى سماحة تجاه النظام السياسي الذي أقيم في تونس إبان الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي والذي اعتمد على نظام الحزب الواحد أي حزب حاكم دون غيره. فقد بدا له هذا النظام السياسي الذي يعتمد دستورا، مع تكريس لمبدإ الحزب الواحد على صعيد الواقع وليس على الصعيد القانوني (دستور 1959 لا ينصّ على احتكار القيادة من طرف حزب ما)، أمرا طبيعيا في مرحلة ما بعد الاستعمار إذ يقول آرون:” إن حزبا واحدا في الواقع في مرحلة تلي آنيا الكفاح من أجل الاستقلال أمر يكاد أن يكون طبيعيا”[1]. ونفس الموقف الإيجابي تجاه تونس ونظامها السياسيّ، بقي قائما في العلوم السياسيّة المعاصرة بعد أربعين سنة تقريبا، وهو ما نستشفّه من المقارنة التي قام بها عالم السياسة المعروف والصحفي البارز فريد زكريا بين المغرب وتونس إذ يكتب ما يلي: ” من ضمن حالات الانتقال الديمقراطي الممكنة المغرب (م.د.ف. 3410 $) وتونس ( م.د.ف.  $6090). تونس  ديكتاتورية أما المغرب فهي ملكيّة. لكنهما أنجزا الخطوات الأولى على طريق الانفتاح على الصعيد الاقتصادي على وجه الخصوص. الرئيس التونسي السيدّ بن علي يفتتح هذه السنة العشرية الثانية على رأس بلده الذي يحكمه بقبضة من حديد ولا يبدي أي إشارة على انفتاح سياسي ولا على القبول بالتوجّه نحو دولة قانون. لكن نسق النمو الاقتصادي كان مثيرا للانتباه وقد استفادت منه أغلبية واسعة. وفق بعض التقديرات تضاعف حجم الطبقة الوسطى في تونس بعشر مرات وهي تمثل أكثر من نصف عدد السكان. ولا بُدّ أن يمتدّ شيئا فشيئا هذا التمشي الإصلاحي، الذي بقي مداه محصورا في مجال الاقتصاد، إلى المجال التشريعي وإلى الحق في حرية انتقال المعلومات”[2].

 ومقابل التفاؤل الذي أبداه زكريا تجاه حظوظ تونس في الانتقال نحو الديمقراطية والحداثة كانت نظرته تجاه تطوّر الأوضاع السياسية في المملكة المغربية في السنوات الأولى من حكم الملك محمد السادس لا تخلو من التشاؤم. فبعد أن ورث عن أبيه الحسن الثاني شكلا قديما وتقليديا من السلطة السياسية وعد الملك محمد السادس بتسريع نسق التحديث والعصرنة لبلاده وذلك بدفع الإصلاحات الاقتصادية قُدما إلى الأمام وبتحسين وضع النظام التعليمي وبإقامة دولة القانون وإعطاء النساء حقوقهن وضمان أكثر حرية ممكنة لرعاياه. ورغم أنه يعدّ متقدما قياسا لبقية بلدان المغرب العربي (قبل 2011) من حيث الإنماء السياسي لوجود تعدّدية حزبية فعلية، لا شكلية كما كان عليه الأمر في تونس، وتداول على السلطة وانتخابات دورية تستجيب للمعايير الدولية وهامش من الحرية لوسائل الإعلام في التعاطي مع الشأن السياسي، مقارنة بما كان عليه الوضع في بقية بلدان المنطقة، وكذلك مجتمع مدني أكثر حركية واستقلالية تجاه السلطة السياسية تظل هناك صعوبات هيكلية تكبح نسق التحديث الاجتماعي في هذا البلد.  فهناك من جهة نسق نمو سكاني منفلت ( بفعل انتشار عادة تعدّد الزوجات خاصة في الأرياف) واختلال التوازن بين الريف والمدينة وعجز النظام التربوي والتعليمي على أن يكون دافعا نحو التغيير وخاصة الترقي الاجتماعي والدور الكبير الذي تضطلع به مراكز النفوذ التقليدية ( المخزن) في مفاصل الدولة علاوة على إخضاع النساء والمنزلة الدنيا التي تعزى لهن داخل المجتمع ( وإن كان هذا الوضع قد أخذ في التغير شيئا ما منذ أن وقع إصدار مجلة جديدة للأحوال الشخصية سميت المدوّنة). كل هذه عوامل أبطأت، في نظر فريد زكريا، عملية التحديث الاجتماعي وأخّرت أيضا سياق الانتقال الديمقراطي في المغرب.

ومن خلال هذه المقارنة الوجيزة بين تطور الأوضاع في المغرب وفي تونس نفهم أسباب التفاؤل المنتشر في أوساط البحث الأكاديمي بمستقبل التحوّل نحو الديمقراطية والحداثة في تونس رغم السكون والعطالة اللذان ميّزا الحياة السياسية في تونس قبل سقوط ديكتاتورية بن علي. وتبدو لنا هذه الأسباب كامنة أساسا في عنصرين اثنين: الأوّل، يتعلق بالتحديث الاجتماعي والثاني بالاستقرار السياسي.

في سجلّ التحديث الاجتماعي والسياسي لا بُدّ من التنويه بأن الإرادة السياسية لقادة مرحلة الاستقلال اتجهت صوب تفضيل الحكم من خلال دستور يحدّ من الطابع التعسّفي للحكم السياسي وليس مثلا من خلال مجلس ثوري يفرض حالة استثنائية للحكم كما كان دارجا في العديد من البلدان في مرحلة ما بعد الاستعمار كما سوّغت لذلك النظريات المستندة لثقافة حركات التحرّر الوطني. ويفسّر هذا، في نظرنا، تفهّم آرون وحتى رحابة صدره تجاه الشكل الذي أخذته السلطة السياسية في تونس إثر جلاء الاستعمار إذ يقول :” عرفت العديد من البلدان غداة الاستقلال، نظاما سياسيا دستوريا، إلى حدّ كبير، غير أنه لم يكن تعدّديا، بمعنى تعدّد الأحزاب، أي نظاما دستوريا مع حزب واحد على صعيد الواقع لا على صعيد القانون. إني أفكر هنا في تونس، التي يُدار فيها الحكم وفق دستور لكنها لا تتضمن إلا حزبا واحدا، لأنه كان قبل الاستقلال ممثلا للإرادة الوطنية وحتى تجسيدا لها[3]“.  وفي المقام الثاني تأتي  جملة من القرارات اتخذت فجر الاستقلال وفتحت الباب أمام مسار التحديث الاجتماعي في تونس نذكر منها على وجه الخصوص إصدار مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956 والتي تمت صياغتها إثر مفاوضات شاقة ومضنية بين النخبة التحديثية للبلاد في ذلك الوقت والسلطات الدينية. وقد كان للتغييرات التي أدخلها قانون الأحوال الشخصية الأثر البالغ على الأجيال التي عاشت بعد الاستقلال سواء على مستوى تشكل شخصيتهم أو على مستوى إدراكهم للعلاقة بين الجنسين وللدور الاجتماعي لكل منهما وفسحت المجال أمام نصف المجتمع من النساء لدخول معترك الحياة العامة. ومن ضمن هذه التغييرات الهامة التي أدخلها قانون الأحوال الشخصية نذكر حضر تعدّد الزوجات وإلغاء التطليق (عن طريق عدول الإشهاد) وجعل الطلاق من صلاحيات القضاء الذي يتولى ضمان حقوق الطرفين وعلى وجه الخصوص المرأة المطلقة. وبطبيعة الحال إصدار مجلة الأحوال الشخصية والتدابير التي اتخذت من أجل إدماج المرأة كعنصر فاعل في الحياة الاجتماعية والاقتصادية اعتبرت في تلك المرحلة، التي كتب فيها آرون ملاحظاته حول تونس، خطوة هامة على طريق التحديث الاجتماعي في تونس. وفي نفس السياق لا بُدّ أيضا من التنويه بقيمة إجراءات اتخذتها دولة الاستقلال، في تلك الفترة، مثل إلغاء المحاكم الطائفية والدينية، التي كانت قائمة في فترة الاستعمار، وتوحيد القضاء تحت سلطة الدولة وهو ما أعتبر تقدّما في اتجاه دولة القانون والمساواة المواطنية. كما أن تيسير النفاذ للتعليم وضمانه كمرفق عام مجاني ومقاومة الأمية التي كانت متفشية في البلاد كانت أيضا من ضمن الإجراءات التي عزّزت مسار الاندماج في الحياة الحديثة.

أما العنصر الثاني والذي يفسّر، في نظرنا، هذا الحكم المنحاز إلى تونس فهو الاستقرار السياسي الذي جعل تحقيق نسق من النمو الاقتصادي مستقر وذو وتيرة مرتفعة نسبيا أمرا ممكنا. وبطبيعة الحال كانت كلفة هذا الاستقرار مرتفعة منذ العهد البورقيبي أي منذ الاستقلال إذ فُرض من خلال وسائل وأدوات القمع الرهيبة للدولة ومن خلال منظومة “زبونية” توزّع الامتيازات وفق الولاء والقرب من مراكز القرار السياسي ومن خلال الرقابة الصارمة المسلطة على وسائل الإعلام وبإخضاع جهاز العدالة وجعله أداة طيعة تلجأ إليها السلطة السياسية كلما أرادت التنكيل بخصومها أو بالمنشقين عنها. أما الحقوق الفردية للمواطنين فقد كان دوما الاعتراف بها وضمانها على نحو سلطوي وأبوي مما مكّن النظام الحاكم في مرات عديدة من التضييق من نطاقها أو سحبها من كلّ شخص يناصبه لسبب أو لآخر العداء ويُصنّف ضمن خانة المغضوب عنهم. لكن رغم كل ذلك لم تعرف تونس أزمات سياسية كبرى إذا استثنينا انتفاضتين شعبتين كبريين سنتي 1978 و1983 حيث تدخّل الجيش وقمع بعنف ووحشية المتظاهرين وأعاد النظام بالقوة وكانت الخسائر في الأرواح مرتفعة.

فضلا عن هذه العوامل التي تفسّــر الاستقرار السياسي النسبي الذي عرفته تونس يمكن أيضا أن نذكر عوامل تاريخية وثقافية نوّه بأهميتها مؤرخون أمثال فرنان برودال. فمقارنة ببلدان أخرى في المغرب وفي العالم العربي عموما تميزت تونس، في نظر برودال، بارتباط وثيق بين المجال الجغرافي والتجانس الثقافي النسبي للعناصر المكوّنة للتركيبة السكانية للبلاد[4]. فتونس لها فضاء جغرافي متّصل من سهول منفتحة على البحر وحاضنة لثقافة هي بالأساس حضرية وقروية. وككيان ذو عمق تاريخي مارست الدولة في تونس منذ أواسط القرن الثامن عشر تقريبا سيادة وسيطرة تكاد تكون تامة على مجالها الجغرافي وأظهرت قدرة، طيلة تاريخها، على إفشال كل محاولات الانفصال والخروج عن السلطة من الأطراف المتنفذة في الأقاليم والجهات الداخلية للبلاد[5]. كما تميّزت أيضا التركيبة السكانية في تونس بنسبة هامة من الوحدة على الصعيد اللغوي والديني والعقائدي. وقد جعلت كلّ هذه العوامل من تونس بلدا يسهل حكمه ومستقرا نسبيا مقارنة بالعديد من البلدان الأخرى.

فضلا عن هذا، لا ينبغي إغفال عنصر آخر هام وهو الودّ الذي حظيت به دوما تونس من قبل القوى الكبرى بفضل سياسة خارجية مسالمة وبراغماتية تنزع نحو التعاون والتهدئة والحدّ من التوتر في العلاقات الخارجية اُعتمدت منذ استقلال البلاد وأديرت بحذر وواقعية. وقد أعطى تضافر هذه العوامل إلى تونس صورة بلد مستقر وحداثي مترفّه اقتصاديا نسبيا دون أن يكون ثريا . ورغم أن هذه الصورة لا تصم د أمام نظر متمعن، إلا أنها ظلت تحظى بقبول لدى العديد من الدارسين في العلوم السياسية مثلما ما هو الأمر لدى ريمون آرون وفريد زكريا. ويعكس رأي هذا الأخير حول حظوظ الانتقال الديمقراطي في تونس، في نظرنا، الأثر الكبير الذي لا يزال إلى اليوم في أوساط الباحثين في العلوم السياسية لأطروحة سبق أن صاغها سيمور مارتن ليبسات Seymour Martin Lipset في نهاية الخمسينات من القرن المنقضي ترى أن ترسيخ الديمقراطية في بلد ما يظل رهين درجة نموّه الاقتصادي  وتشكّل فئات لا يعتمد وجودها اقتصاديا على الدولة وأجهزتها.  فبقدر ما تكون أمة ما في حالة رفاه ورخاء بقدر ما تكون للمؤسسات الضرورية للحكم الديمقراطي حظوظ في أن تنشأ وفي أن يكتب لها الدوام[6]. ويبدو لنا أن نفس هذه الأطروحة قد ألهمت أفكار زرتمان الباحث وعالم السياسة الأمريكي حول تونس [7]. لكن العنصر الجديد والهام الذي يضيفه زرتمان إلى أطروحة ليبسات يتمثل في مقاربة ليبرالية لعلاقة التضايف بين النماء الاقتصادي وتطور الديمقراطية. فالنماء الاقتصادي يـُفهم هنا من وجهة نظر اقتصاد السوق وليس من وجهة  نظرية التنمية الاقتصادية التي سادت في فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي حينما كانت كتابات رستو وليبسات وكاينز تُعطي مكانة مركزية للدولة في عملية خلق الثروات الوطنية. فمن وجهة النظر الليبرالية لـزرتمان تقود حرية الإنتاج والمبادرة الاقتصادية والتبادل التجاري، بطول الوقت، إلى بروز مجموعات اجتماعية مستقلة عن الدولة وإلى تدعيم الحريات الفردية وفتح الطريق أمام تطور ثقافة مدنيّـة تكون الأساس لتطوّر الديمقراطية. ويندرج تشديد زرتمان على أهمية انخراط الفاعلين الاجتماعيين ضمن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية حتى يتطور حسّ مدنيّ يشجّع على مشاركة المواطنين في الحياة السياسية وفي الحكم الديمقراطي ويدفع صوب تحرير المجتمع المدنّي من هيمنة الدولة ضمن مقاربة بوتنام هذه لمسألة التنمية من خلال مفهوم الرأسمال الاجتماعي البشري[8].

وفي تونس، من الناحية الشكلية، وكما أشار إلى ذلك الباحثان كامو وجايسر عن حق،  استقلّت البلاد طريق التحرريّة الاقتصادية والاجتماعية منذ اعتماد اقتصاد السوق في منتصف الثمانينات ونظام التعدديـّة السياسية على الصعيد القانوني وسنّ تشريعات تضمن من حيث المبدإ الحريات الفردية. غير أن الإشكال يكمن كما يقول هذان الباحثان في أن :” عملية تحرير الاقتصاد يمكن أن تتلاءم مع أي نظام سياسي كان، على الأقل في مراحلها الأولى. وهي لا تكون عامل للتغيير السياسي بل قد تكون عرضة في سياق تطوّرها إلى عمليات تلاعب من دولة بيروقراطية بقوى السوق وإلى مساومات بين فاعلين من الدولة ومن القطاع الخاص وفق صيغة ما يسمى برأسمالية الأصدقاء [9] “Croony Capitalism”.

ولفهم التطورات التي حدثت في تونس في العشريتين الأخيرتين وساهمت في حدث 14 يناير 2011 لا بُدّ من التنويه بأن المسلك التونسي صوب الرأسمالية والاقتصاد الليبرالي قد تمّ رسمه في أواسط الثمانينات بالتشاور مع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي قصد إخراج البلاد من الأزمة الذي أوصلها إليها منوال التنمية القائم على الاقتصاد الموجّه من قبل الدولة الذي تمّ اعتماده في مرحلة تصفية مخلّفات الاستعمار. هذا النموذج الذي يرتكز على قطاع عام غالب مع دور مركزي للدولة في توجيه الاستثمار وتنظيم السوق وتحديد الأسعار، والذي وقع تثبيته بعد الاستقلال وفق النموذج الإنماءوي developpementalist الذي كان سائدا في تلك الفترة، لم يحقق الأهداف التنموية المرجوة منه. وقد سُمّي البرنامج البديل الذي أعتمد سنة 1986 للخروج من الأزمة التي تردّت فيها المالية العمومية وللعودة إلى حالة من النمو الاقتصادي برنامج الإصلاح الهيكلي. وقد كان الهدف الرئيسي لهذا البرنامج وضع الاقتصاد على سكّة نموّ مرتفع الوتيرة في مناخ من الاستقرار النقدي باعتماد سياسة تقشف على مستوى الميزانية مع رفدها بجملة من الإجراءات التحفيزيّة لتحسين العرض السلعي وتحرير الأسعار على نحو تدريجي وخصخصة العديد من المؤسسات الاقتصادية الهامة. كما تضمن أيضا إعادة صياغة للمهام الرئيسية للدولة وحصرها بالأساس في الوظائف المتعلقة بالأمن والدفاع والعدالة مع تقليص كبير لوظائفها الاجتماعية والحدّ من كوكبتها الاقتصادية لصالح السوق وانسحابها من القطاعات الاقتصادية التنافسية. وقد كانت لهذه السياسة آثار إيجابية هامة : نمو الناتج الداخلي الخام وتقليص عجز الميزانية وتحسّن مستوى رصيد البلاد من العملة الأجنبية وانخفاض نسبة الدين العام[10].

ولئن توافق اعتماد نهج الليبرالية الاقتصادية في تونس مع تغيير هام على رأس القيادة السياسية في البلاد إلا أن النمط السلطوي الذي ساد ممارسة الحكم وإدارة شؤون البلاد منذ حصولها على الاستقلال استمرّ. فالقيادة الجديدة للبلاد بعد نوفمبر 1987 حاولت الترفيع في نسق الإصلاح الاقتصادي والانتقال إلى اقتصاد السوق مع المحافظة على دور مُهيمن للدولة يبرز بالخصوص في تحكّمها في شرايين النشاط الاقتصادي من خلال نظام الترخيص المسبق لإقامة المشاريع وتحكّمها في الصفقات العمومية والمراقبة الجبائية وإحكام قبضتها على المجتمع من خلال الأجهزة الأمنية وأجهزة الحزب الحاكم مستعينة في ذلك بالجمعيات ” المدنية”المرتبطة به.

ما تجدر ملاحظته إذن أن هذا البرنامج الاقتصادي الجديد، الذي تم الشروع في تنفيذه منذ 1986، كان ذا وجهة ليبرالية وأن تطبيقه كان يفترض أن يقود إلى تحقيق درجة متقدّمة من التحرريّة على الصعيد الاقتصادي والسياسي وتغيير على صعيد الثقافة السياسية للنخبة وللمجتمع إلا أن ما بدا واضحا للعيان هو أن التقدّم في إنجاز هذا البرنامج لم يصحبه تقدّم جوهري على مستوى الإنماء السياسي والديمقراطية وبناء دولة القانون. كما أنه لم يفض إلى استقلال الكوكبة الاقتصادية بذاتها وإلى انعتاق المجتمع المدني من وصاية السلطة السياسية ورقابتها كما كان يأمل زرتمان.

إثر ثورة 14 يناير والانهيار المدوّي والمذهل للنظام السياسي اكتسبت الأطروحة التي تقول أن تونس بلد في طور الانتقال نحو الديمقراطية أكثر مصداقية ومعقولية. وقد دقّت هذه الثورة والرجة الارتدادية التي بلغ صداها العديد من البلدان العربية الأخرى إسفينا في ضرب من المقاربة للشأن السياسي تفهم سلوك الفاعلين السياسيين من خلال جملة العناصر المشكلة للثقافة السياسية المهيمنة داخل المجتمع. وقد بدا لنا أثر الحجج المستندة إلى هذه المقاربة طاغيا على دراسات بعض المختصين في العلوم السياسية الفرنسية للوضع السياسي في تونس وقد يكون أثـّر إلى حدّ ما في موقف الدوائر السياسية وصنّاع القرار في بلد كفرنسا مثلا من الوضع في بلادنا. فبفعل اعتمادها على حجّـة الثقافة تنظر هذه المقاربة إلى الثقافات من وجهة ماهوية وكأنها كيانات خارج الزمن وخارج كل سياق تفاعليّ مع بعضها البعض[11].

وفاق حول الديمقراطية كإجرائية وخلاف حول القيم الساندة لها

اليوم وبعد الثورة يواجه التونسيون تحدّ كبير يتمثل في الجمع بين انجاز مهام الانتقال نحو ديمقراطية ناجزة وتوفير شروط الاستقرار السياسي والمناخ الآمن بعد أن أرغموا لمدة طويلة على مقايضة الاستقرار والأمن بإرجاء تحقيق مطالب الديمقراطية والحرية. لكن اليوم تأتلف آراء التونسيين (إذا استثنينا فئة قليلة ترفض الديمقراطية) حول أن تحقيق أهداف الثورة يمرّ عبر النجاح في إرساء الديمقراطية وإشاعة الأمن وبناء دولة القانون. إلا أن تبنّي الديمقراطية لا يعني بالضرورة اعتناق قيم الحداثة والعقلانية والقبول بالتقدّم الاقتصاديّ والاجتماعي إذ يمكن أن يُختزل معنى الديمقراطية في مجرّد آلية للتداول السلمي على الحكم بين نخب سياسية محافظة أو حتى معادية للحداثة. وباعتبار أن الديمقراطية لا يمكنها إقصاء أحد بسبب أفكاره، حتى ولو كانت معادية لمبادئها، تجد النخب المثقفة والسياسية الحداثية نفسها اليوم أمام تحدّ صعب وهو المواءمة من جهة بين ضرورة المحافظة على مكاسب العهد البورقيبي المتمثلة أساسا في التحديث الاجتماعي وأسس الدولة الحديثة، مع القطع مع ما غلب عليه من استبداد وظلم واختلال في التوازن بين الدولة والمجتمع، والمكتسبات الاجتماعية والاقتصادية التي تحققت بفضل برنامج التحرير الاقتصادي الذي بدأ منذ سنة 1986، مع ضرورة تعديله على نحو يستجيب أكثر لمقتضى العدالة في توزيع الثروة الوطنية بين الفئات الاجتماعية وبين الجهات، ومن جهة أخرى المشاركة السياسية والديمقراطية وما تعنيه من تداول على السلطة وتعبير عن الرأي وتوفير فرص لتنمية عادلة ومتوازنة. أي بمعنى آخر أن السؤال المطروح هو: كيف يمكن المحافظة على المكاسب الحداثية التي أسلفنا ذكرها في إطار ديمقراطية دستورية راسخة ومزدهرة اقتصاديا وليس من خلال عنف الدولة وبطشها كما كان عليه الأمر في عهدي الرئيسين الأوّل والثاني؟

ولا تبدو لنا أن الديمقراطية المستقرة والمزدهرة ممكنة التحقيق دون وفاق بين النخبة السياسية والمثقفة حول القيم الأساسية الناظمة للعملية السياسية وحول طبيعة الدولة. ولئن وجد اليوم في تونس شبه وفاق حول الديمقراطية كطريقة لإدارة الحكم وحول ضرورة بناء دولة تكون مدنية وعصرية، هذا إذا ما استثنينا بطبيعة الحال بعض الاتجاهات المتطرفة من الإسلام السياسي كالتيار السلفي الذي يرفض المشاركة السياسية ويرى أن تحقيق أهداف الثورة يقتضي تطبيق الشريعة وليس تحقيق الديمقراطية، لا يوجد وفاق كلي حول القيم التي تستند إليها الديمقراطية. إذ لا يزال هناك من يجاهر بأنه يقبل الديمقراطية كآلية لحلّ الخلافات السياسية على نحو سلمي ولكنه يتحفظ على القيم الساندة لها وخاصة الحرية الشخصية غير المقيدة. ولا يخص هذا الأمر تونس فقط وإنما كل بلدان الربيع العربي المعنية بالانتقال الديمقراطي. فكما بيّن التحقيق الدولي حول القيم (World value Survey) الذي أجري سنتي 2000-2002،  أصبحت الديمقراطية في التسعينات خلافا للعشرية الممتدة بين 1930-1940 موضع وفاق دولي. فباستثناء باكستان معظم شعوب البلدان الإسلامية التي شملتها الدراسة تؤمن بالديمقراطية كأسلوب في إدارة الحكم. ففي ألبانيا ومصر وبنغلادش وأذربيجان وإندونيسيا والمغرب وتركيا يدعم ما بين 92 °\° و99 في المائة من السكان المؤسسات الديمقراطية. وهي نسبة كما يلاحظ القائمون بالدراسة أعلى من الولايات المتحدة الأمريكية حيث لا تتعدى نسبة من يدعمون المؤسسات الديمقراطية 89 في المائة[12].

 لكن لا يجب أن يحجب عنا هذا الإجماع الظاهري حول الديمقراطية كأسلوب في الحكم  مدى التباين في الآراء، كما تشدّد على ذلك هذه الدراسة، حول بعض القيم والعادات السلوكية كتلك المتعلقة بالمساواة بين الجنسين والعادات الخلقية الجنسية والموقف من مسألة موقع الدين في الحياة العامة والموقف تجاه السلطات الدينية. وقد وجدت نتائج هذه الدراسة دعما لها في التحقيق الذي قام بها في مُوفّى شهر أبريل 2010 في مصر معهد بيو Pew Institute  حول المواقف من بعض القضايا [13] . وتبيّن نتائج هذا التحقيق أن 82 في المائة من المصريين لا يرون ضيرا في رجم النساء بسبب الخيانة الزوجية في حين أكد 84 في المائة أن المسلم المرتدّ عن دينه يستحق القتل. أما على المستوى العقائدي فقد أكد 59 في المائة من المسلمين المصريين أنهم يشعرون بأنفسهم أصوليين أكثر مما هم إصلاحيين. لكن نفس الدراسة تبين أن 90 في المائة يدعمون الحرية الدينية و88 في المائة يساندون مطلب إرساء عدالة مستقلة في حين عبّر 80 بالمائة عن استعدادهم للدفاع عن حرية التعبير و75 في المائة عارضوا بشدة الرقابة على الصحافة والنشر.

فلئن كانت الديمقراطية، إذن، موضع إجماع في العالم، أو على الأقلّ يكاد أن يكون الأمر كذلك، لا يوجد اتفاق عابر للثقافات حول قيم اصطلح على تسميتها بقيم التعبير الذاتي مثل التسامح الاجتماعي والمساواة بين الجنسين وحرية التعبير والمسائل المتعلقة بالعقيدة والدين والثقة البيشخصية ( وعلى وجه الخصوص حينما يتعلق الأمر بالعلاقة مع أشخاص ينتمون إلى طوائف أو ديانات أقلية). فكيف نجعل من التطور في اتجاه الديمقراطية مصحوبا بتقدّم على صعيد تأصيل قيم التعبير الذاتي داخل الثقافة العمومية للمجتمع حتى تصبح مرجعا معياريا مشتركا بين جميع أفراده؟ ذلك هو في رأينا التحدّي الذي يتعيّن على النخب الفكريّة السياسية لبلداننا رفعه. وفي تونس، ورغم التحفّظ الذي يعبّـر عنه البعض بين الفينة والأخرى على أعمدة الصحف تجاه قيم التعبير الذاتي وخطرها الممكن على القيم التقليدية للمجتمع، يبدو وفق ما وصلت إليه مداولات لجان المجلس التأسيسي المكلّفة بإعداد مسودّة الدستور أن هناك خطوات هامة قد قطعت على سبيل تأصيل قيم الحرية الفردية والمساواة داخل الثقافة العامة للمجتمع عبر إقرارها كحقوق في الدستور. أهم هذه الخطوات تتمثل في الاتفاق على الاحتفاظ بالفصل الأول من دستور 1959 والذي نصّه كالتالي: “تونس دولة حرة،مستقلة، ذات سيادة الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها” وعدم التنصيص على أن الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع. كما أن الفصول 1.4 ” الدولة راعية للدين كافلة لحرية المعتقد ولممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد دور العبادة عن الدعاية الحزبية” و5.1″ تحجير الاعتداء على الحرمة الجسدية والمعنوية للإنسان” و6.1 ” كل المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون” و7.1 ” الدولة تضمن للمواطنين الحقوق الفردية والعامة” و8.1 ” حرية الفكر والتعبير والإعلام والنشر وحق الاجتماع والتظاهر حريات وحقوق مضمونة” فصول تحمي الحرية الفردية من مخاطر الاستبداد سواء كان للدولة أو للجماعة أو لأغلبية من المجتمع. وبطبيعة الحال لا يخلو مشروع مسودة الدستور من بعض المناطق الرمادية التي تثير مخاوف العديد من الليبراليين والديمقراطيين والناشطين الحقوقيين لعلّ أهمها الجملة التي وردت في التوطئة والتي تقول ” تأسيسا على ثوابت الإسلام ومقاصده المتسمة بالتفتح والاعتدال”. فمن الذي سيحدّد الثوابت التي سيتم التأسيس عليها هل هي المحكمة الدستورية؟ أم مجمع مكّون من رجال دين أو مجلس إفتاء يبدي رأيه في مدى توافق القوانين والسياسات المعتمدة والمعاهدات الدولية التي تبرمها الدولة مع ثوابت الإسلام؟  كما أن الفصل  1.4 من نفس مشروع المسودّة الذي أتينا على ذكره والذي يسند إلى الدولة مهمة حماية المقدسات يمكن أن يستخدم كذريعة لتدخلها الدائم في الحياة الشخصية وفي العمل الفكري بداعي حماية المقدسات. فضلا عن هذا لم يلبي مشروع مسودة الدستور رغبة فئات واسعة من المثقفين والسياسيين في إدراج فصل ينصّ على التزام الدولة التونسية باحترام حقوق الإنسان وفق معناها الشامل والكوني مثلما نصّص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية والمعاهدات الدولية ذات الصلة. لكن رغم هذه المآخذ، إلى جانب هنّات أخرى، تضمّنها مشروع المسودة ونبّه فقهاء القانون الدستوري إلى خطورتها، تظل هذه المسوّدة قابلة للتحسين والتطوير ويحقّ لنا أن نأمل، ولو بحذر، بلوغ توافق داخل المجلس التأسيسي حول إقرار الحقوق والحريات بمفهومها الشامل والكوني لتحصين الحريات الفردية والعامة ضد كل تعدّ محتمل قبل المصادقة على النصّ النهائي للدستور[14].

صعوبات الإصلاح الديمقراطي في وضع ما بعد ثوري

لكن لا يجب أن يخفي عنا الوفاق الحاصل اليوم بين النخب السياسية حول العديد من المواد الدستورية وحول ضرورة انجاز مهام الانتقال الديمقراطي وبناء دولة مدنية تكرّس حكم القانون وتحترم دور المجتمع المدني واستقلاليته وتصون قيم المواطنة عمق الشرخ القائم في المشهد السياسي التونسي وأثره البالغ على الحياة الاجتماعية والاقتصادية. فقد أدّت انتخابات 23 أكتوبر 2012 إلى انتصار أطراف فاعلة ضمن الاتجاه الراديكالي تميزت، كما أسلفنا، بمواقف متصلّبة تجاه من تعاونوا بشكل أو آخر، ولو في مرحلة ما، مع نظام بن علي حتى ولو وقفوا إلى صفّ الثورة عند اندلاعها أو شاركوا في انجاز عملية الانتقال إلى الوضع الجديد في الحكومات المؤقتة التي تلت سقوط النظام. وهذه الأطراف الفائزة في الانتخابات والتي شكلت أغلبية في الجمعية التأسيسية هي حزب حركة النهضة بـ89 مقعد ( من مجموع 217 مقعد) وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية 29 مقعد وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات 20 مقعد، هي التي شكلت الحكومة الائتلافية المؤقتة. وفي المقابل لم تفز الأحزاب والشخصيات المستقلة التي شاركت في الحكومات المؤقتة الثلاث، التي تكوّنت عقب الثورة، إلا بعدد محدود من المقاعد مما أعطى الانطباع وكأنه عقاب لها من الناخبين على تعاونها مع رموز محسوبة على المرحلة السابقة.

فيبدو إذن أن المسار السياسي الذي انطلق بعد الثورة اتجه صوب القطيعة مع الماضي (على الصعيد السياسي ) ولم يكن يسمح بأي شكل من المساومة أو التوافق أو التسويات مع رموز المرحلة السابقة أو الصفح لهم عما ارتكبوه في حق الشعب من مساوئ. صحيح أن الرأي العام الذي عبّر عن نفسه من خلال انتخابات الجمعية التأسيسية في 23 أكتوبر لم يتشكل على نحو سليم ولم تتوفر لديه رؤية واضحة بحقائق الأمور لما ساد المرحلة التي سبقت الانتخابات من خطب حماسية ومن “شيطنة” لتلك المرحلة ولرموزها لغايات تبيّن فيما بعد أنها لم تكن بعيدة عن الحسابات الانتخابية والرغبة في إقصاء من يمكن أن يمثلوا منافسين جديّين في الانتخابات لكن عموما لم يسلك مسار الانتقال الديمقراطي في تونس طريقا شبيها بذلك الذي سلكته بلدان أوروبا الجنوبية كالبرتغال واسبانيا في منتصف السبعينات للتخلص من الديكتاتورية وإنما مسارا يقارب ويشبه المسار الذي أخذته الثورة في بلدان أوربا الشرقية وإن اختلف عنها من بعض الجوانب[15].

فمقارنة بإسبانيا مثلا حيث حصل الانتقال نحو الديمقراطية إثر حالة من الإنهاك بلغها النظام الاستبدادي بقيادة رئيس الوزراء الجنرال فرانكو، يبدو السياق الذي تتجه فيه عملية التحوّل نحو الديمقراطية في تونس مختلفا[16]. وكما بيّن الدارسون لحالة اسبانيا لم تبدأ عملية الانتقال الديمقراطي عند وفاة فرانكو وإنما قبل ما يناهز تقريبا الخمسة عشرة سنة من ذلك التاريخ عندما حصل شبه وفاق بين النخب التقليدية التي ساندت الاستبداد واصطفّت إلى جانب فرانكو في الحرب الأهلية ضد الجمهوريين والنخب الجديدة الصاعدة والجماهير داخل المنظمات الشعبية وخاصة النقابات على ضرورة التغيير السياسي. وقد كان لهذا العنصر عميق التأثير على مسار عملية الانتقال الديمقراطي في هذا البلد. كما أن النخب السياسية، وعلى رأسها الحزب الاشتراكي بقيادة فيليبو غنزالس، كانت تعترف لما للماضي برموزه وثقافته وقواه الاجتماعية ومؤسساته من دور حاسم في عملية الانتقال نحو الديمقراطية وتعي جيّدا المخاطر التي تتهدّد مسار انتقالي هشّ يتهدّده النكوص إلى الماضي في كل لحظة. ويبدو أن الخوف الذي كان لدى النخب السياسية الديمقراطية من ردّة فعل عنيفة لقوى الاستبداد، التي كانت تحتكر الحياة السياسية وتهيمن على مفاصل الدولة والقطاعات الحيوية في الاقتصاد، جعلها تعمل على طمأنتها وتقديم الضمانات لها حتى تشعر بأن لها مصلحة، ولو صغيرة الحجم، في النظام الجديد الذي يتم تشييده. وقد حرص الديمقراطيون على مدّ جسر يصل الماضي بالمستقبل واعتماد طريقة تمكن من احتواء رموز الحقبة السابقة واصطفاء البعض منهم وإدماجهم في العملية السياسية وعزل العناصر التي تورطت كثيرا مع نظام فرانكو وظلت لا ترى مصلحتها إلا من خلال بقاء ذلك النظام وعودته من جديد. كما أن سيطرة النخبة السياسية، من خلال حزب قوي كالحزب الاشتراكي الاسباني وبفعل وجودها المؤثّر داخل النقابات، على مسار الانتقال نحو الديمقراطية والعملية السياسية مكنها من كبح جماح الجماهير المطالبة بالقصاص من الحرس القديم ومن تجنيب البلاد العديد من القلاقل والاضطرابات السياسية التي كان يمكن أن توقظ لدى رموز الاستبداد الرغبة في إعادة تثبيت الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها كشرط للعودة إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي. ولأمر كهذا رأينا في اسبانيا القادة السياسيين للمرحلة السابقة يشاركون إلى جانب النخب الجديدة في تشكيل مؤسسات ديمقراطية ويتعاونون معهم. فالقطع مع الماضي لم يكن يشترط عزل رموز المرحلة السابقة وإقصائهم من الحياة السياسية وإنما اقتضى إعطائهم الأمل في مستقبل سياسي في النظام الذي هو قيد البناء. لهذا اتجهت استراتجية الانتقال الديمقراطي في اسبانيا نحو القطيعة مع الماضي الاستبدادي والحفاظ في نفس الوقت على ضرب من التواصل معه بعدم إقصاء رموزه على نحو تام. فقد سهّلت إذن عملية الانتقال نحو الديمقراطية في بلدان أوروبا الجنوبية التوافقات التي حصلت مع قادة سياسيين من الحقبة السابقة والذين قبلوا بالاضطلاع بدور هام في المرحلة المؤقتة والانتقالية والتزموا بمواصلة انجاز مهام التحول الديمقراطي وبناء المؤسسات الديمقراطية عندما فازوا في أوّل انتخابات تعددية وتنافسية. فللحفاظ على النهج القويم للانتقال نحو الديمقراطية كان من الضروري في اسبانيا والبرتغال من إدماج  اليمين، والذي كان فيما سبق معاديا للديمقراطية، في العملية السياسية لا بشروطه هو وإنما وفق الشروط التي وضعتها القوى الديمقراطية.

أما في تونس فقد أخذت الأحداث سياقا آخر مغايرا لهذا المسار يشبه إلى حدّ ما عمليات الانتقال الديمقراطي التي جدّت في بلدان أوروبا الشرقية التي عرفت ثورات وانتفاضات شعبية ضد أنظمة كليانية. فكما يشير الدارسون كانت السمة الغالبة على سياقات الدمقرطة في بلدان أوروبا الشرقية (بولونيا والمجر وتشيكيا وسلوفينيا ودول البلطيق)، رغم خصوصية سياق كل بلد ومنواله في القطع مع الماضي، هي إزاحة رموز الحقبة الاستبدادية من السلطة السياسية. لكن الاختلاف بين سياق الانتقال الديمقراطي في تونس يختلف عن ذلك الذي وقع في هذه البلدان في أمرين: أولهما أن الانتقال كان في هذه البلدان من الاشتراكية الكليانية إلى الديمقراطية ومن حكم اليسار الماسك بالسلطة إلى اليمين المعارض المدافع عن الحرية بمعناها الواسع ومن ضمنها الحرية الاقتصادية والنظام الرأسمالي في حين أن الوضع يختلف في تونس. فالثورة كما أسلفنا لم تكن موجهة ضدّ نظام اقتصادي واجتماعي بعينه وإنما ضد الظلم والاستبداد والفساد ومن أجل الحق في الحرية والكرامة والتوزيع العادل للموارد الاقتصادية بين الفئات الاجتماعية وبين مناطق البلاد. وثانيهما أن إزاحة رموز الحقبة الاشتراكية والكليانية تم في هذه البلدان عبر الانتخابات وصناديق الاقتراع وبالتالي من خلال قرار شعبي عبّر عن نفسه على نحو حرّ وديمقراطي أما في تونس فإقصاء رموز النظام السابق قد تم بمقتضى قرار سياسي أي بمرسوم أصدره الرئيس السابق بالنيابة السيد فؤاد المبزع بعد التشاور مع الحكومة وتحت ضغط “الشارع” والقوى السياسية الفاعلة فيه يمنع من انتسب إلى قيادة الحزب الحاكم السابق( الذي تمّ حلّه بمقتضى قرار قضائي) ومن اضطلع بمهام حكومية أو ناصر النظام القديم من الترشّح لانتخابات الجمعية التأسيسية.

لقد أفرزت انتخابات 23 أكتوبر 2011 جمعية تأسيسية متنوعة نسبيا من حيث تركيبتها تم على إثرها تشكيل حكومة مؤقتة كما أسلفنا. ولئن لم يوجد لدى الحكومة الجديدة برنامجا واضحا ومفصّلا لإدارة الحكم في المرحلة الانتقالية إلا أنه كانت هناك أرضية مشتركة تجمع بين القوى المشكلة لها تتمثل بالأساس في عدم تغيير نمط عيش المجتمع بفرض نموذج حضاري ما عبر أجهزة الدولة والالتزام بالدفاع عن المكاسب التي تحققت للمجتمع التونسي ونعني بذلك الحريات الشخصية وصيانة مكتسبات المرأة وتدعيمها والتزام باحترام حقوق الإنسان وفق معناها الشامل والشروع في إصلاح القضاء والمؤسسة الأمنية وفي برنامج المحاسبة والمصالحة من خلال قانون للعدالة الانتقالية يسنّ للغرض ومن خلال هيئة مستقلة يفترض أن تتشكل على أساسه. ومن الضرورة هنا التنويه بأن حكومة الترويكا الحالية تتكون من حركة النهضة وهو حزب ذو خلفية دينية إسلامية وله الكتلة الأكبر في الجمعيّة التأسيسية، وحزبين علمانيين هما حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل من أجل العمل والحريات. أما على صعيد البرامج الاقتصادية والاجتماعية فقد بدت حركة النهضة، وفق البرنامج الذي قدمته في حملتها الانتخابية، أكثر اقترابا من سياسة اقتصادية تعطي المكانة الأساسية لاقتصاد السوق في خلق الثروات وتوزيعها مع دور تعديلي للدولة يتيح لها التدخّل لإعادة توزيع الدخل لمساعدة الفئات الاجتماعية الضعيفة وتوجيه الاستثمار نحو المناطق الداخلية للبلاد التي عانت التهميش والحيف في العهد السابق في حين بدا برنامج حزب التكتل من أجل العمل والحريات والذي يتبنى الاشتراكية، وهو عضو في الاشتراكية الدولية، أكثر حرصا على دعم الدور الاجتماعي للدولة في القسمة العادلة للموارد الوطنية بين الفئات الاجتماعية وبين الجهات وأقلّ التزاما بدعم اقتصاد السوق وآلياته في توزيع الموارد الاقتصادية. لكن عموما لم يكن أحد يتوقع تغييرا جوهريا أو تباينا كبيرا بين وجهة نظر ليبرالية وأخرى اشتراكية داخل حكومة مؤقتة ينتظر منها أن تدير شؤون البلاد إلى حين وضع دستور للبلاد وتنظيم انتخابات تنبثق عنها إدارة دائمة. لذلك كان برنامج الحكومة المؤقتة الجديدة في تواصل مع برنامج الحكومة المؤقتة السابقة أي برنامج يهدف إلى إخراج البلاد من الأزمة ويعزو دورا فاعلا للدولة في إنعاش الاقتصاد وحفز الاستثمار وتشغيل الشباب العاطل عن العمل وخاصة المتخرجين منهم من الجامعة.

ولعلّه لسبب كهذا لم يظهر انقسام أيديولوجي حاد بين النهضة كحزب ذو خلفية دينية والأحزاب الأخرى سواء داخل الائتلاف الحاكم أو خارجه. ورغم محاولة البعض استغلال تصريحات أو مواقف بعض قادة حركة النهضة كدليل على ازدواجية خطابها حول تبني قيم الحداثة والديمقراطية وإضمارها تقويض الأركان الحداثية التي يقوم عليها نمط عيش التونسيين أكدت هذه الحركة التزامها بما تحقق للشعب التونسي من مكاسب حداثية وبالديمقراطية وببناء دولة القانون وبالمساواة بين كل التونسيين على أساس المواطنة ورفضها أي تمييز بينهم على أساس العرق أو الدين أو الجنس والتزامها الكامل بالدفاع عن حقوق المرأة والمساواة بينها وبين الرجل. لكن مع ذلك تظل هناك أسئلة مشروعة حول طبيعة حزب النهضة كحركة سياسية مدنية. فمن جهة ما فتئ هذا حزب يؤكد أثناء حملته الانتخابية وبعد اعتلائه سدّة الحكم، وخاصة على لسان أمينه العام ورئيس الحكومة المؤقتة الحالية السيد حمادي الجبالي، أنه حزب سياسي مدني وأن الانخراط فيه لا يكون على أساس الانتماء الديني ولا على أساس الالتزام بالشعائر الدينية وإنما على أساس الانتماء إلى الوطن وتبني البرنامج السياسي والاجتماعي للحزب والقيم المدنية التي يقوم عليها والخلفية الفكرية الساندة له ومن جهة أخرى رفض مؤتمره الأخير المنعقد في شهر جويلية 2012 التخلي عن مهمته الدعوية ولا حتى الفصل بين حزب سياسي يتصدّى للمهام السياسية وحركة دينية دعويّة مثلما فعلت جماعة الإخوان  المسلمين في مصر. فكيف يمكن أن تكون هذه الحركة في نفس الوقت حزبا سياسيا مدنيا يتبنى الديمقراطية وجماعة دعوية تضطلع بمهمة أخلاقية تعمل على نشر رؤية وتصور للدين وللإيمان؟ فضلا عن هذا هناك جانب آخر يلقي بظلال من الشك حول فهم حزب حركة النهضة لمعنى الديمقراطية ولمفهوم المجتمع المدني. فقد اعتمد هذا الحزب في حملته الانتخابية وبعد توليه الحكم على شبكة فاعلة من الجمعيات الخيرية والدينية تستغل المساجد الموزّعة على كامل أرجاء البلاد من أجل الدعاية لها ولسياساتها وتوظيف العمل الخيري لأغراض حزبية وسياسية وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول حقيقة نوايا ومقاصد حزب حركة النهضة في السيطرة على المجتمع وعدم اعترافه بحق المجتمع المدني في الاستقلالية حيال السلطة السياسية. ومن الطبيعي أن يثير أمر كهذا مخاوف عديدة وشكوك جدية في الطبيعة الكليانية لمشروع حزب حركة النهضة وقلق من احتمال عودة ممارسات الحزب الحاكم السابق في ثوب ديني هذه المرة.

 دفعت إذن انتخابات 23 اكتوبر إلى سدّة الحكم بقوى سياسية لم تمارس السياسة قبل الثورة إلا كعمل مقاوم للاستبداد لم يَرقَ حتى للعمل المعارض المعترف به داخل مؤسسات الدولة كالبرلمان أو المجالس البلدية وغيرها. وباعتبار أن الأحزاب الثلاث المشكلة للحكومة المؤقتة قد رفعت أثناء حملتها الانتخابية شعار القطيعة مع النظام السابق ووعدت بعمليات تطهير شاملة للإدارة ( وخاصة القضاء والأمن) لاستئصال رموزه منها وجدت نفسها أمام صعوبات جمة في إدارة الحكم. فأهل الثقة والموالين لها يفتقدون الخبرة وليست لهم تجربة في إدارة الشأن العام، إذ ككل المعارضين في حكم استبدادي كانوا إما في المنافي أو مقصيين من الحياة العامة أو ملاحقين من أجهزة الأمن، أما أهل الخبرة والكفاءة فنادرا أن نجد منهم من لم يتورّط مع النظام السابق سواء بالانتماء إلى الحزب الحاكم أو بارتكاب جرائم أو مخالفات قانونية تتعلق بالفساد المالي والأخلاقي. فضلا عن هذا العائق الموضوعي الذي يتعلق بإستراتجية القطيعة مع رموز المرحلة السابقة ينضاف عامل آخر يتعلق بالعقلية الحزبوية التي تغلب على تركيبة الحكومة المؤقتة. فهذه التركيبة قامت ومن البداية على  المحاصصة الحزبية والولاءات الشخصية والعائلية والجهوية في حين أن المرحلة الحرجة التي تمرّ بها البلاد تتطلب أشخاصا من ذوي الكفاءة والأهلية. وقد ساهمت هذه الطريقة في التعامل مع الشأن العام في تأليب قسم هائل من الرأي العام ضد الحكومة التي بدت وكأنها فاقدة للخبرة وللكفاءة.

وفي نظرنا، يكمن الخطأ الجسيم الذي ارتكبته الحكومة ومن ورائها النخب السياسية عموما في سوء تقدير ثقل الماضي الاستبدادي والآثار العميقة التي خلفها سواء على الثقافة السائدة أو من حيث بناء مؤسسات الدولة. فهذه الحكومة ورثت عن العهد السابق نظام حكم يحاكي النظام الملكي المطلق وليس نظام حكم جمهوري بالمعنى الصحيح للعبارة. ولا يكفي وجود مجلس تأسيسي منتخب ديمقراطيا ولا عملية نقل للصلاحيات التي كان يتمتع بها رئيس الدولة في النظام السابق إلى رئيس الحكومة، وفق ما أقرّه التنظيم المؤقت الجديد للسلطات العمومية، حتى تتغير الأوضاع. فالبناء المؤسساتي الذي قامت عليه الدولة التونسية منذ نشأتها يجمّع النفوذ بين أيدي السلطة التنفيذية وتحديدا في أعلى الهرم فيها ويجرّد الإدارات المحلية ومجالس التنمية في الجهات من كل سلطة قرار. فالبلاد مقسّمة إلى ولايات وكلّ ولاية يديرها حاكم محليّ يتبع وزارة الداخلية والجماعات المحلية يضطلع بمهام الأمن والإدارة ويشرف على مشاريع التنمية وتخضع له البلديات ولا يتمتع في الواقع بسلطة القرار الفعلي إذ يتعين عليه في كل مرة أن يحيل القرارات الهامة إلى  سلطة الإشراف أي وزارة الداخلية التي تتلقى بدورها التوجيه من رئاسة الحكومة. وباعتبار أن هاجس الحكومة الحالية كان من البداية الاستئثار بالقرار وإزاحة كل الشركاء السياسيين والمنافسين فقد سعت ومن البداية إلى بسط نفوذها على مفاصل الدولة وعينت المسؤولين في المناصب العامة وفق قاعدة الولاء الحزبي بالأساس. وقد برهن معظمهم عن نقص في الخبرة والكفاءة وعن غياب للحكمة في التعامل مع الأوضاع المحتقنة في الجهات الداخلية.

ولعله لأمر كهذا لم تفلح الحكومة في مجابهة التحديات إذ ظلّ الأمن هشا ومظاهر الانفلات تبرز بين الفينة والأخرى لعلّ أهمّها ظاهرة السلفية الجهادية وما أصبحت تمثله من خطر على السلم الاجتماعي الأهلي باعتراف الحكومة ذاتها. كما أنها لم تتوفق في تحريك عجلة الاقتصاد وفي التخفيض من حدّة التوتر ومن تصاعد وتيرة الاحتجاجات والإضرابات خاصة داخل الجهات الداخلية من البلاد ومن خلق مواطن شغل والرفع من نسق النمو الاقتصادي. ولا نعني بذلك أن الحكومة المؤقتة كانت تمتلك عصا سحرية تستطيع بها قلب الأوضاع فالجميع يعرفون حجم التحديات أمام بلد مرّ بثورة وانهيار للسلطة السياسية تزامن مع أزمة تعيشها بلدان منطقة اليورو التي تمثل أهم الشركاء الاقتصاديين للبلاد ولكن ما يُعاب على الحكومة المؤقتة هو فشلها في إدارة حوار جدي وفاعل مع الشركاء السياسيين ومع الأطراف الاجتماعية داخل المجلس التأسيسي وخارجه لبناء توافقات والتزامات متبادلة حول المهام العاجلة التي يطرحها الواقع وسبل مواجهة التحدّيات التي تواجه الانتقال الديمقراطي. بدل ذلك ما لاحظنا هو أن الحكومة لم تضرب المثل في حسن التصرّف في المال العمومي والتدبير الحكيم للشأن العام وهو ما تجلى سواء على مستوى تضخم الفريق الحكومي أو في غياب الشفافية على مستوى الانتداب في الوظيفة العمومية أو في الرغبة البادية في السيطرة على مفاصل الدولة عبر التعيينات على قاعدة الولاء مما أعطى انطباعا بالعودة إلى نموذج حزب الدولة الحاكم حيث التعيين في الوظائف العليا للإدارة لا يكون على أساس التدرّج المهني والكفاءة وإنما على أساس الولاء الحزبي وعلى وجه الخصوص لحزب حركة النهضة باعتباره الحزب الذي يحظى بالأغلبية في حكومة الائتلاف. وفي المقابل لم يكن ردّ المعارضة والحركة النقابية وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل رصينا وحكيما وإنما أخذ منحى تصعيدي في اتجاه دعم المطالب الاجتماعية العاجلة ودعم الحركات الاحتجاجية التي ولئن انطلقت من مطالب مشروعة إلا أن حساسية المرحلة تقتضي تأجيلها لصعوبة الوضع الاقتصادي الذي تمرّ به البلاد والأولويات السياسية التي يفرضها واقع بلد في وضع مؤقت وليس دائم.

وجمّاع القول أن المسار الانتقالي نحو الديمقراطية في تونس ورغم نقاط القوة المتمثلة في تغلغل عناصر تحديثية هامة في العديد من مناحي الحياة الاجتماعية والثقافية يظل مسارا هشا ومتعثرا ومهدّدا بالفشل وذلك لرسوخ ثقافة الاستبداد لدى النخب السياسية ولضعف التأصيل الفكري للقيم الديمقراطية لديها. فسواء كانت هذه النخب يسارية وماركسية، كانت منذ أمد قريب تعادي قيم الديمقراطية وتعتبرها قيما برجوازية وتسخر منها، أو يمنية ذات خلفية دينية أو بعثيّة وقوميّة تظلّ جميعها في مرحلة تعلّم واستبطان لقيم الديمقراطية ولآلياتها. وهو ما يقتضي منها أخلاقية وروحا ديمقراطية ترجّح الحوار على التشنّج والنزوع نحو العنف المادي والمعنوي وتشجع على القبول بالآخر بدل إقصائه ولو باسم القيم التي قامت عليها الثورة. وفي نظرنا يمثل التقدم في كتابة الدستور وإقرار رزنامة للانتهاء من صياغته و إقراره على نحو نهائي وإحداث هيئات تعديلية مستقلة يثق الجميع في نزاهتها وحياديتها وهي الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والهيئة العليا المستقلة للقضاء والهيئة العليا المستقلة للإعلام والشروع في تركيز آليات العدالة الانتقالية والمحاسبة ومن ثمة المصالحة خطوات هامة لإزالة التوتر وإشاعة الثقة في مستقبل العملية السياسية الديمقراطية في بلادنا وتهيئة الانتقال السلس والهادئ عبر الانتخابات إلى وضع دستوري ومؤسساتي دائم ومستقر يمكن القيادة السياسية القادمة والمجتمع المدني من مواجهة معضلات التنمية.

لقد قامت الثورة في تونس للمطالبة بالحق في الكرامة والحرية والعدالة والمساواة ومن واجب النخب السياسية والمثقفة استنباط الحلول المناسبة لجعل هذه المطالب ممكنة الانجاز. لذلك يتعين عليها أن تربط بحكمة بين التطلعات والأهداف المشروعة والمأمولة وبين ما يجوز على نحو معقول الأمل في انجازه اعتبارا لاكراهات الواقع ومحدودية الموارد المادية التي يمكن تعبئتها لخدمة مقتضى تنمية شاملة ومتوازنة ومستديمة يستفيد جميع المواطنين من ثمارها. ولا يكون في نظرنا ذلك ممكنا إلا بتوفر الإرادة السياسية لمعالجة أمرين أساسيين: الأوّل يتمثل في معضلة اقتصادية واجتماعية تعاني منها تونس وبلدان الربيع العربي عموما تتمثل في الحجم المتنامي للاقتصاد الموازي وغير المهيكل داخل الدورة الاقتصادية. فوفق تقديرات الدراسة التي أجراها فريق البحث الذي اشتغل مع عالم الاقتصاد البيروفي هارندو دو سوتو  حول الاقتصاد الموازي في تونس 524.000 منشأة اقتصادية من مجموع 616.000 منشأة (أي ما يعادل 85%) هي في وضع غير قانوني أي أنها غير حائزة على رخصة ولا يمتلك أصحابها شهادة ملكية وهي غير مسجلة لا في السجل العقاري ولا في السجل التجاري. وتقدّر الدراسة حجم الأصول المالية لهذه المنشآت بـــ22 مليار دولار أمريكي( ما يعادل 34 مليار دينار تونسي) أما العقارات غير المسجلة ( من مساكن وعمارات ومحلات تجارية) فتقدّر الدراسة أصولها المالية بـ 93 مليار دولار (حوالي 146 مليار دينار تونسي) ومجموع الأصول التجارية والعقارية المقدرة من هذه الدراسة يتمثل في 115 مليار دولار أي حوالي 180 مليار دينار تونسي. وعلى سبيل المقارنة يمثل حجم الأصول المالية للاقتصاد غير القانوني في تونس بحوالي 11 مرة قيمة رأسمال الشركات المدرجة في بورصة الأوراق المالية لتونس( التي هي 10.7 مليار دولار) وست مرات ونصف حجم ميزانية الدولة لسنة 2011.[17] وطالما لم يقع حلّ معضلة الاقتصاد الموازي وبسط نفوذ الدولة القانوني على الدورة الاقتصادية ومقاومة أشكال التشغيل الهش وتهريب البضائع عبر الحدود والتصدي للجريمة المنظمة التي تقترن بها وفرض الشفافية في المعاملات الاقتصادية لن تكون بلادنا وبلدان الربيع العربي في مأمن من هزات وانتفاضات اجتماعية مقبلة. أما الأمر الثاني فيتعلق بمنوال التنمية المعتمد من الحكومات التونسية السابقة والراهنة. ولئن أمكننا أن نلمس عذرا للحكومات التي تشكلت عقب الثورة في أنها ذات طابع مؤقت ولا يمكنها إحداث إصلاحات جوهرية على بنية الاقتصاد للبلاد إلا أنه لا يمكن لمن سيتولى الحكم في المستقبل أن يحقق أهداف الثورة في التنمية والتشغيل وتوفير شروط العزّة والكرامة للمواطنين دون إحداث نقلة تنموية. فالمتأمل في قانون ميزانية الدولة لسنة 2013 يلاحظ استمرار نفس السياسة الاقتصاديّة القائمة على صندوق لدعم أسعار المواد الأساسية ( حوالي 20% من حجم الميزانية ) والاستثمار في قطاع البناء والبنية الأساسية وفي قطاع المناولة سواء في الصناعة أو الخدمات. وقد أثبت هذا المنوال قصوره في تحقيق معدّلات تنمية مرتفعة ذات قيمة مضافة عالية تمكن من إدماج أكثر عدد ممكن من العاطلين عن العمل ومن خريجي الجامعات في سوق الشغل ولذلك لا بُدّ من تعويضه بمنوال تنموي يقوم على التكنولوجيا العالية وعلى الابتكار والبحث وعلى اقتصاد الذكاء والمعرفة والمعلومات. وبطبيعة الحال يقتضي ذلك تأهيلا شاملا للمؤسسات الاقتصادية وغير الاقتصادية وعلى رأسها المنظومة التعليمية من التعليم الأساسي إلى التعليم الجامعي.

 

 

 

الهوامش :

[1]   Aron, R.  Démocratie et Totalitarisme, Gallimard 1965, Folio 2001 : 360.

[2] Zakaria, F. 2003, L’avenir de la liberté, la démocratie illibérale aux Etats-Unis et dans le monde, trad. franç. Paris : Odile Jacob : 96-97.

[3]      آرون ، مصدر سبق ذكره  ص 359

[4] Braudel, F. 1966, La méditerranée  et le monde méditerranéen à l’époque de Philippe II, Paris : Armand Colin, t. 2 : 108-109. .

[5] حول تشكل الدولة التونسية والمجال الجغرافي والتركيبة السكانية للبلاد  قبل انتصاب الاستعمار الفرنسي في تونس يراجع كتاب فاطمة بن سليمان  الأرض والهوية ، نشأة الدولة الترابية في تونس  1574-1881، منشورات جامعة تونس كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس 2009.

[6] Lipset, S. 1959:  « Some Social Requisites for Democracy: Economic Development and Political Legitimacy », American Political Sciences Review, 53: 69-105.

[7] Zartman, I.W. 1995,  « la conduite de la réforme politique : le chemin de la démocratie » in Zartman, I.W. (direct.) Tunisie : la politique économique de la Réforme. Tunis : Alif : 21-43.

[8] وجدت هذه الفكرة لـزرتمان مسوّغاتها النظرية في الدراسة الشهيرة التي قام بها روبرت بوتنام حول الأداء المتميز لحكومات الأقاليم في إيطاليا في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية. فقد بيّن بوتنام أن حكومات الأقاليم التي تم تركيزها في إيطاليا بعيد الحرب العالمية الثانية قد اشتغلت كل واحدة منها على نحو مغاير للطريقة التي اشتغلت بها الأخرى رغم اعتمادها جميعها على مؤسسات متماثلة تقريبا. وقد تبين أن أفضل تفسير للفارق في الأداء وفي نسب الفاعلية الاقتصادية ومعدلات التنمية بين هذه الأقاليم لا يعود إلى التفاوت بينها من حيث دخول المواطنين أو مستويات التعليم وإنما إلى التباين بينها من حيث القيم المدنية أو ما يسميه بوتنام ” الرأسمال الاجتماعي” أي مدى استعداد المواطنين لمنح الثقة للحكام وللمشاركة في تدبير الشأن العام ومدى تحليهم بحسّ في العدالة. فالشبكات الاقتصادية والاجتماعية تضطلع بدور أساسي في اكتساب الأفراد لرأسمال اجتماعي متمثل في قيم ومشاعر ومواقف تحفّز على التعاون والتواصل. ومن ضمن هذه القيم التي يراها بوتنام هامة لتطور اقتصاد سوق متحرّر من وصاية الدولة. ولتبلور وعي مدني مواطني وديمقراطي لا بُدّ من التنويه بأهمية الثقة البيشخصية المتبادلة والاستعداد للمشاركة في الحياة العامة وتثمين الخبرة والكفاءة على حساب الولاء والاصطفاف الحزبي أو المناطقي أو الطائفي إلخ. يراجع كتاب : Putnam, R. 1993, Making Democracy work. Civic traditions in Modern Italy, Princeton: Princeton University Press. ، حول الدور الحاسم للقيم المدنية لتطور الديمقراطية وشيوع مفهوم المواطنة يراجع كتاب ويل كيملشكا، مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة، الفصل 7 “نظرية المواطنة”، ترجمه عن الانجليزية منير الكشو، دار سيناترا للنشر، تونس 2010.

[9] Camau, M. et Geisser, V.  2002, Le syndrome autoritaire. Politique en Tunisie de Bourguiba à Ben AliParis : 21.

لا بُدّ من الإشارة إلى أن العقلية الزبونية التي اشتغل وفقها النظام السياسي في تونس قد تشكلت أثناء عهد الرئيس الأوّل للبلاد الحبيب بورقيبة وتعززت أثناء حكم بن علي الرئيس الثاني. وقد سبق للمفكر والسياسي التونسي عزيز كريشان أن شدّد، قبل دراسة كامو وجايسر حول تونس، على قدرة المنطق الزبوني الذي يشتغل به نظام الحكم في تونس على تشويه المنطق الليبرالي للرأسمالية وعلى إبطال مفعوله على نظام سياسي واجتماعي يشتغل وفق قاعدة الولاء والاصطفاف السياسي الحزبي والجهوي لا وفق قاعدة الخبرة والكفاءة والأهلية كما تقتضي الليبرالية. يراجع: Krichen, A. 1992, Le syndrome Bourguiba, Tunis : Cérès.

[10] Chaker, S. 1997, « Impacts sociaux de l’ajustement structurel : cas de la Tunisie » in Nouvelles pratiques sociales, vol. 10, N°2: 151-162.

[11]  يبدو أثر هذه المقاربة الثقافوية باديا في كتابات جايسر وكامو وباتريس هيبو للأوضاع في تونس. فالقارئ لهذه الكتابات ينتابه شعور أن لا أمل في تحوّل نحو الديمقراطية في بلادنا وأن التونسيين أنسوا ثقافة الاستبداد ولا يرون لأنفسهم مستقبلا خارج إطارها أو بديل حكم غير نظام تسلطي. وفي هذا السياق يمكننا أن نفهم إصرار هؤلاء الدارسين على تفنيد أطروحة نظام في طور انتقالي التي تعتبر تونس بلد في طور التحديث والدمقرطة. وقد عمل هؤلاء على دحض فكرة أن الديمقراطية هي الأفق الذي تتطور في اتجاهه الإنسانية جمعاء وأن كل الأنظمة السياسية المستقرة والمتجهة صوب التحديث الاجتماعي والتنمية الاقتصادية ستنتهي على المدى البعيد أو المتوسط إلى إقامة نظام حكم ديمقراطي وإلى معالجة سلمية لمسألة التداول على السلطة من خلال آليات دستورية ومؤسساتية. وضدّ هذا الرأي اعتبر هؤلاء الدارسين أن الديمقراطية ليست غاية تتطلع إلى تحقيقها كل الشعوب وأن النظريات التي تشترك في النموذج ” الانتقالي” Transitology تقع في خطإ فادح حينما تعتبر أن بعض البلدان التي تُحكم على نحو سلطوي هي في حالة انتقال نحو الديمقراطية لكنها تعاني صعوبات في استيعاب القيم الديمقراطية داخل عاداتها السلوكية وتقاليدها السياسية بفعل كوابح متأتية من بُنى سياسية قديمة ومن قوى تعمل على الحفاظ على الأسس السلطوية للنظام السياسي. إذ تفترض هذه الأطروحة في رأيهم مقاربة خطية وتوحيدية للتاريخ البشري قد فندتها العلوم الاجتماعية على نحو واسع في أواخر القرن العشرين. إذ بيّنت هذه العلوم في نظرهم أن البشرية لا تشترك في نفس التاريخ وأنها لا تتقاسم نفس المصير التاريخي. وانطلاقا من هذه الاعتبارات النظرية يستنتج  كامو وجايسر ما يلي: الأنظمة السلطوية هي أنظمة سياسية مستقرة تماما وقادرة على إعادة إنتاج شروط بقائها وديمومتها بفعل قواها الداخلية. ولا تواجه هذه الأنظمة بالضرورة أزمات مشروعية حادة تؤدي بها إلى استخدام للعنف والقمع لتحافظ على استمرار كياناتها. ولفهم النظام السياسي التونسي ينبغي في نظر كامو وجايسر أن نحلّ محلّ أطروحة الانتقال فكرة الترسيخ من خلال العوامل الداخلية. ويعود في نظرهما رسوخ النزعة السلطوية طيلة هذه المدة في تونس إلى سمة تغلب على الثقافة السياسية المشتركة بين التونسيين يسميانها ” التونسة” وهي ثقافة سياسية تشكلت طيلة قرون في شكل مزيج من النزعة الإصلاحية والبرغماتية والاكتفاء بنزر من التطور التدريجي بدل التحوّلات الكبرى ومن الانفتاح المحدود على العالم ومن تحديث يتم عن طريق دولة تتحكم في مساره وفي درجاته(Camau et Geisser 2003 : 102)  . وقد انتقد محمود بن رمضان عالم الاقتصاد والمفكر السياسي التونسي أطروحة كامو وجايسر لطابعها الماهوي،  كمقاربة ثقافوية للمسائل السياسية، الذي حجب عنها رؤية الكفاح الذي خاضته قوى سياسية واجتماعية من أجل الديمقراطية وإحقاق ذلك الكفاح حق قدره. وحول المقاربة من خلال مفهوم ” التونسة” كأساس لثقافة الاستبداد والاستئناس للتسلط يقول محمود بن رمضان:” كما هو الأمر بالنسبة لكل المقاربات الماهوية، لا تنسجم هذه المقاربة مع الشروط العلمية للتحليل في العلوم الاجتماعية لأن المقاربات الماهوية لا تأخذ في اعتبارها المرونة الكبيرة التي عليها الثقافات وقدرتها على التكيّف والتلاؤم مع أنماط  متباينة من الحكم ومع أنظمة مختلفة سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية[…] ففي الوقت الذي كانت فيه كوريا الجنوبية تعيش ” ربيعها” الديمقراطي كان البعض يتحدث عن القيم الآسيوية والكنفشيوسية كثقافة على طرف نقيض للديمقراطية”.  Ben Romdhane, M., 2011, Tunisie. Etat, économie et société, Tunis : Sud Editions. ، الص. 51-52. وبطبيعة الحال أتت أحداث ثورة يناير 2011 في تونس والثورات في بلدان الربيع العربي لتؤكد صحّة استقراءات محمود بن رمضان ولتكذّب مزاعم المقاربة الثقافوية والقائلين بها أمثال جايسر وكامو وهيبو فالتطلع إلى الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية لا يقتصر على ثقافات وبلدان وشعوب  دون أخرى. حول هذه المقاربة لجايسر وكامو يراجع كتابيهما الموثق أعلاه الفصل 1و2 على وجه الخصوص. أما بالنسبة لـبايتريس هيبو فيراجع :Hibou, B. 2006, La force de l’obéissance. Economie politique de la répression en Tunisie, Paris : La découverte.. كنقد للمقاربة الثقافوية ودفاعها عن النسبية على صعيد القيم يراجع المقال الجيّد لبوث:  Booth, K. 1999, “Three tyrannies”, In Dunne, T. and Wheeler. J. N ( (Eds.)  Human rights in Global Politics, Cambridge University Press: 31-70.

[12] Inglehart, R. et Norris, P. 2003, “The True Clash of CivilizationsForeign Policy, n° 135: 62- 70

[13] Frachon, A. يومية لومند الفرنسية   11فيفري 2011 « Le printemps arabe, c’est Téhéran 1979 ou Téhéran 2009 ? »

[14]  تفاؤلنا بحصول مثل هذا التوافق يستند إلى وجود وفاق حصل سنة 2009 إثر نقاشات مطوّلة بين علمانيين وإسلاميين معارضين لنظام بن علي، جمعت بينهم محطات نضالية هامة ضدّ الاستبداد، حول جملة من المبادئ ضُمّنت في وثيقة سُمّيت وثيقة حركة 18 أكتوبر أهمّ ما ورد فيها التنصيص على الديمقراطية كأسلوب في الحكم وعلى مدنية الدولة وعلى الالتزام بالدفاع عن الحريات الفردية والعامة وعلى المساواة بين التونسيين على أساس المواطنة والتأكيد على الهوية العربية الإسلامية للبلاد. حول هذه الوثيقة والحوار بين العلمانيين والإسلاميين قبل اندلاع الثورة في تونس يراجع مقال صلاح الدين الجورشي:” الدولة والهوية: أو إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي – تونس مثالا”، مجلة المستقبل العربي ، يناير 2013\ 1 العدد 408، ص 60-71. فضلا عن هذا فإن الحملة الانتخابية التي خاضتها أحزاب ذات مرجعية دينية كحزب حركة النهضة من أجل انتخابات الجمعية التأسيسية لم تكن على أسس دينية ولم تحمل شعارات دينية وإنما كانت على قاعدة برنامج سياسي مدني يرفع نفس المطالب للقوى المدنيـّة.

 

error: المحتوى محمي