توقف عن وعيك بذاتك: قد تكون أكثر سعادة – بول بلوم / ترجمة: زكية عبد الله

توقف عن وعيك بذاتك: قد تكون أكثر سعادة – بول بلوم / ترجمة: زكية عبد الله

 


هل بإمكان الأبحاث النفسية أن تغير حياتك؟ غالب الأوقات لا. لا يؤثر ما يتوصل إليه علماء النفس على شؤون الحياة اليومية في العادة. يجرس زملائي في جامعة يال على سبيل المثال مواضيع مثل علم أعصاب الذاكرة وكيف يدرك الأطفال فئات المجتمع واتخاذ القرارات لدى السايكوباثيين. تهدف دراساتٍ كهذه لاستكشاف كيف يعمل العقل وبالرغم من الممكن أن نتائجها ستجعل العالم مكاناً أفضل في نهاية المطاف -على الأقل هذا ما نقوله في اقتراحات المنح- إلا أن ذلك ليس مجال تركيزها المباشر.

بيد أن هناك استثناءات يأتي غالبها من علم النفس الاجتماعي. يولد البحث التقليدي في هذا المجال روئً مدهشة ومفيدة متعلقة بالميول والتحيز العنصري والشخصية والانجذاب العاطفي وغيرها الكثير. الدراسات في علم النفس الاجتماعي التي غيّرت حياتي إلى حد كبير متعلقة بالوعي والذات.

في تجربة نشرت عام 2000، طلب عالم النفس توماس جيلوفيتش وزملائه من طلاب جامعيين أن ارتداء قطعة ملابس وجدوها محرجة -وهي عبارة عن قميص يحمل صورة المغني وكاتب الأغاني باري مانيلو- كان على الطلاب بعد ذلك قضاء بعض الوقت في غرفة برفقة طلاب آخرين، ثم طُلب منهم لاحقا أن يخمنوا كم من الطلاب الآخرين لاحظوا ما كانوا يرتدونه. مال الطلاب إلى المبالغة في تحديد النسبة بفارقٍ كبير عن الواقع، وفعلوا الأمر نفسه حين طلب منهم ارتداء قميصٍ يحمل صورة إيجابية مثل بوب مارلي أو مارتن لوثر كينغ. في دراسةٍ تلو الأخرى، ظن الأشخاص الذين وقعت عليهم التجربة بأن الآخرين سيلاحظونهم أكثر مما فعلوا في الواقع.

أطلق جيلوفيتش وزملائه على هذه الحالة باسم “تأثير الضوء المسلط”.  نحن بطبيعتنا واعون بأنفسنا وبمَ نفكر وكيف نبدو وماذا نفعل. وكما يضعها ديفيد فوستر والاس “لا توجد تجربة خضتها لم تكن أنت المركز المطلق فيها.” ولذا من الصعب حظر استنتاج أن الآخرين يشاركون في هذا التركيز. إن كنتُ أرتدي قميصاً مضحكاً،  فإني أفكر فيه وأفترض بأنهم يفعلون الأمر ذاته .

أو فلتأخذ بالاعتبار تقلبات الحياة اليومية. قلتُ شيئاً غير لائق في حفلة الأسبوع الماضي ولا أزال مستاءً بعض الشيء مما قلتُه. بالأمس ألقيتُ خطاباً رائعاً، أما اليوم فهو يومٌ سيء لشعري. عملتُ هذه السنة بجد في صف علم النفس التمهيدي بينما تقاعست فيه السنة الماضية. ولأن تبايناتٍ كهذه واضحة جداً في عقولنا، نظن ان الآخرين حساسون تجاهها ايضاً؛ نظن أنهم يلاحظون. لكن يجد البحث بأنهم لا يلاحظونها، على الأقل ليس بالقدر الذي نظن.

تستكشف تجارب أخرى وهم الشفافية. فحين يطلب من الناس الكذب أو إخفاء معلومات، فإنهم يبالغون في تقدير مدى قدرة الآخرين على تخمين ما يدور في عقولهم. ومرة أخرى، الضوء المسلط للوعي هو الملام. لو قمتُ بسرقة ألماس وخبأتها في جيبي ثم كذبت وقلت أني لا أعرف أين ذهبت، فأنا مدركٌ الى أبعد حد أن الألماس في جيبي. تجعلني كثافة الوعي هذه أظن بأن الحقيقة واضحة للآخرين. هي ليست كذلك في العادة؛ نحن كاذبون بارعون أكثر مما نظن.

 

أحد الرسائل العملية وراء هذا البحث هي رسالة تحررية:

حين نعاود النظر في حياتنا، غالبا ما نندم على فشلنا بالتصرف وأحد أسباب هذا الفشل هو قلقنا من الإحراج ومما سيظنه الآخرون عنّا. يستنتج جيلوفيتش وزملائه:

يمكننا أن نخطو خطوةً متواضعةً تجاه حياة أكثر اكتمالا، أي بمعنى آخر: إذا فكرنا ملياً في بعض من أكثر كلمات أبراهام لينكولن خلودا وفهمنا أن “الناس سيلاحظون قليلاً ولا يتذكرون طويلاً” ما نقول أو نفعل. بالطبع، كان لينكولن مخطئا بشأن أقواله وبشأن هذا الخطاب تحديداً. لكن أمثال لينكولن نادرون.

باستطاعتنا محاربة تأثير الضوء المسلط بأن نضع أنفسنا في ظروف من شأنها أن تخفف من الوعي الذاتي. كما وضَح العالِم في علم النفس الاجتماعي غوستاف لي بون سنة 1895، يمكن للتواجد وسط مجموعة أن يجعل الوعي بالذات يختفي جزئياً – “فردٌ في مجموعة هو حبةُ رملٍ وسط حباتِ رمالِ أخرى، تقلّبهم الريح ساعة تشاء.” إلا أنه في الظروف الخاطئة، بإمكان التواجد كجزء من مجموعة أن يجعل الناس يتصرفون تصرفات غبية ووحشية. كما بإمكانه أن يكون مصدر متعة بالغة أيضا حين الحركة المتزامنة مع الآخرين -في احتفال أو حفلة موسيقية أو الطقوس الدينية- تجعل الحدود بين الذات والآخرين ضبابية.

لا تحتاج من الأشخاص الآخرين خفض وعيك بالذات، بإمكان هذا النوع من “كبت الفردانية” أن يكون ق 895 بون Le Bon افاون في لوعي الذاتي. ريباً بقدر ما المطبخ أو خزانة الأدوية قريبان. إذ يمكن للكحول والعقاقير أن تخفض الوعي بالذات؛ هذا جزء من جاذبيتها. بإمكانك أن تفقد شعورك بنفسك في تجارب “التدفق” حيث تكون منغمساً تماماً في نشاطٍ ما أو في تمارين تأملية معينة. ويسعني أن أؤكد لك ومن تجربة شخصية أن ألعاب الفيديو تحقق نفس النتيجة أيضا.

يساعد رفع المؤشر أو رفع معدل وعيك بذاتك في أن تضع نفسك في ظروف حيث يلاحظك فيها الآخرون. هذا بديهيّ، لكن ما هو حتى أكثر مفاجأة أن مجرد وجودك في حضرة رسومات خطيّة بسيطة للأعين يرفع الإحساس بالذات، ويمكن لهذا أن يشجع على السلوك الجيد جاعلاً احتمالية ميل الناس للتحايل أقل.

هناك حالة إذاً يزداد فيها وعينا بالذات. لكنها ليست بالمهمة السهلة. يمكن للبعض أن يحاج بأن الهرب من الضوء المسلط لا يجعلنا أكثر عفوية وأقل خجلاً فحسب بل له آثار إيجابية أخرى أيضاً. هناك دليل مثلا على أن الانخراط في التمارين التأملية التي تقلل التركيز على الذات يمكنه أن يجعل الناس أقل تحيزاً وأكثر تعاطفاً. يمكننا أن نكون أفضل حالا، من جميع النواحي، حين ننجح في إخفاض تجربة أن نكون مركز الكون.

 

المصدر

error: المحتوى محمي