تقفي الخوف – فاطمة الشملان

تقفي الخوف – فاطمة الشملان


يحصل المتفرجون على متعة لا تحصى من الحزن والرعب والقلق والمشاعر الأخرى في مأساة كُتبت جيدا، تلك المشاعر التي في ذاتها غير مقبولة وغير مريحة. كلما لامست تلك المشاعر وأثرت، كلما ابتهج المتفرجون بالمشهد؛ وفي الوهلة التي تتوقف فيها تلك المشاعر غير المريحة، تنتهي تلك القطعة.

ديفيد هيوم

هل تساءل أحدكم يوما لماذا يصطف جمهور عريض لحضور فيلم رعب؟ أو لم يدفع الكثيرون المال كي يركبوا “قطار الموت” بل أحيانا يدفعون مبلغا إضافيا حتى يتمكنوا من الوصول إليه قبل الآخرين؟ أو ما الذي يجعل الناس يدخلون لعبة كبيت الأشباح حيث المكان موحش ومظلم يجهلون ما الذي يمكن أن يخرج لهم بغتة؟

يرى والتون بأن ما نسعى لتقفيه من إحساس، خلال مشاهدة أفلام الرعب مثلا، ليس خوفا. وبأن ما نعبر عنه على أنه رعب ليس كذلك حقيقة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار بأن الخوف والرعب ينبع من وجود مهدد حقيقي لحياة الشخص أو ما يمكن أن يوقع ضررا عليه من نوع ما، وهو الأمر المنتفي في جميع التساؤلات الآنفة. يرى كيندل بأن الشخص يتصنع التصديق بأن ما يراه مرعبا فيتفاعل مع هذا التصنع الذي يدرك تماما بانعدام صحته، وبالتالي فإن الخوف والرعب والهلع الذي يصفه ما هو إلا دور يمثله ويستمتع بأدائه استجابة للمؤثر الذي يدرك تماما بأنه غير واقعي، أي أنه حين يدفع كي يخاف هو يدفع في الحقيقة كي يشارك في لعبة تقمص الخوف لا الشعور به حقيقة وذلك بتصنعه التصديق بأنه في خطر ما وهي حالة يصفها بأنها “مدانية للخوف”.1

غير أن تحليل والتون أن ما يحصل إنما تصنع التصديق وليس تصديق فعلي بالحدث، والذي يبدو لوهلة بأنه منطقي، يتجاهل أمرا مهما للغاية. إذا كان المرء يتصنع التصديق ولا يعيش فعلا خوفا أو رعبا ما في لحظة الحدث، إذن لم تتسارع دقات قلبه وتتعرق يداه وتتأهب حواسه ويشعر بالمباغتة التي تربكه لحظتها؟ كيف يتفاعل جسمه، لا إراديا، مع الحدث بالرغم من إدراكه ووعيه بأن ما يحصل حوله ليس بأمر يهدد حياته أو يوقع الضرر عليه؟!

يأتي نويل كارول في فلسفة الرعب بنظرية يسميها “نظرية الفكر” وهي بأن مشاعرنا حقيقية ليس بسبب واقعية الحدث وإنما لتخيلنا لما قد يحصل نتيجة لو أنه وقع فعلا. أي تأملات على المحتوى الذي يقدمه الحدث نفسه؛ تخيل مثلا لو أن العربة في قطار الموت سقطت فعلا.2

لا يبتعد كارول كثيرا عن نظرية والتون وإن أوعز بأنه يفعل، فهو بدلا من أن يقول إن المرء يتصنع التصديق، يصرح بأن المرء يتخيل ما قد يكون لو أمسى الحدث حقيقيا فيتفاعل جسده لا إراديا مع الخيال الذي تصوره إراديا. وأن المشاعر التي يحس بها المرء من خوف ورعب حقيقيان ما هما إلا نتيجة انعكاس محتوى فكره على ما قدمه الحدث للخيال وليس نتيجة الحدث نفسه. أي التفاعل مع الحدث هو نتيجة التفكير به وليس تصديقه.

غير أن الأمر، في وجهة نظري، يبتعد عن كونه تصنع تصديق أو استدعاء للخيال يبعثه الحدث. أعتقد بأنه أمر يقارب اعتبار فرويد النفسي للأحلام التي يقسمها إلى شقين أحلام ظاهرة وأخرى كامنة. حيث الظاهرة هي ما يتذكره المرء ويعيه من أحداث الحلم دون تأويل، والكامنة هي ما استدعى الحلم أن يظهر بصورته الظاهرة، أي تأويل اللاوعي الذي أحدث الحلم الظاهر.3

ففي حالة فيلم الرعب مثلا، نعي بأننا جالسون في غرفة مكيفة بأنوار خافتة أمام شاشة كبيرة مسطحة تُظهر فيلما نعلم تماما حين يُدار بأن كل ما فيه حبكة سينمائية وسرد قصصي وخيال، هذا الوعي هو الحدث الظاهر. أما الحدث الكامن فهو ما يتمكن الفيلم من إيصاله من رعب وخوف ومباغتة يخاطب لاوعي المشاهد وبالتالي يتفاعل معه الجسم لا إراديا. إذن لا تخاطب كل تلك الأمور الوعي المدرك بما يجري بل اللاوعي المنغمس في المشاعر التي تستحضرها الأحداث منشطرا عن الوعي بالحدث الفعلي نفسه. وإذا ما أخذنا مثال قطار الموت، فالجزء الظاهر بأننا في عربة بأحزمة أمان ولن يتعدى الأمر الدقائق المعدودة، غير أن الكامن هو أن سرعة انقلاب العربة وانحدارها من مرتفع يخاطب اللاوعي باستدعاء الشعور بالسقوط وبالتالي استجابة الجسم بمشاعره وتفاعلاته مع حدث السقوط. بما أن الجسد لا يمكن أن يتفاعل لاإراديا مع “تصنع التصديق”، وبما أن الانحدار من أعلى بسرعة فائقة لا يترك مجالا لانعكاس الفكر وتخيل السقوط. فإن المحفزات الخارجية، كما في الأصوات المرعبة والوجوه المخيفة في بيت الأشباح، تستفز اللاوعي وبالتالي يكون الخوف والرعب فيها حقيقيا.

حين نسعى خلف المواقف والأحداث المخيفة كالأمثلة المذكورة آنفا، فإننا نضع أنفسنا في حالة خطر غير أننا نعي بأننا في مأمن في الوقت ذاته. نعي أن الوحش في الشاشة لن يثب علينا أو أن العربة في القطار لن تسقط وأننا سنخرج من بيت الأشباح؛ أي هو خوف تحت السيطرة كما ندرك بأننا لسنا وحدنا من يخوض تجربة كهذه. جل تلك المواقف والأحداث تخاطب غريزة البقاء في اللاوعي فيتأهب جسمنا لحالة (القتال أو الهروب) ويبدأ الأدرنالين بالتدفق بكميات كبيرة، تتسارع دقات قلبنا وتصبح حواسنا متأهبة. هذا تماما ما يمنح حس المغامرة معناه ويجعل المرء يسعى المرة تلو الأخرى نحو هذا الشعور. إنها مفارقة الهروب من الهلاك والركض نحوه.

 

 


المصادر:

  1. Kendall L. Walton, Fearing Fictions, The Journal of Philosophy, Vol. 75, No. 1 (Jan., 1978), pp. 5-27.
  2. Carroll, Noël, The philosophy of horror, New York: Routledge (1990). P.88.
  3. سيغموند فرويد، الحلم وتأويله، ترجمة جورج طرابيشي، بيروت: دار الطليعة، صفحة: 17-23.
error: المحتوى محمي