تجسيد وتصوير يسوع الناصري في الأفلام – الايكونومست / ترجمة: حسن الحجيلي

تجسيد وتصوير يسوع الناصري في الأفلام – الايكونومست / ترجمة: حسن الحجيلي

ثلاثة أفلام جديدة تبحث لإستكشاف عجز الفجوات الزمنية في نسخ الإنجيل.


 الأفلام الجديدة – مثلها مثل نسخ الإنجيل– آي كلاهما يقومان بمهام تأويل وتدوين حياة المسيح:

إِحْتَلَّ السَّيِّد المسيح يَسوع الناصري إهتماماً كبيراً من صُناع الأفلام، حتى تَكَدَّسَت بتجسيد سيرته السينما. في عام 1906 ميلادي كانت النشأة الأولى لهذا النوع من الأفلام عن طريق فيلماً روائياً طويلاً؛ ومع ظهور المخرج سيسيل دي ميل ذو الشعبية الكبيرة والذي يعتبر أكثر من تناول الشخصيات الدينية المقدسة ومن أبرزها فيلماً حول حياة يَسوع المسيح بعنوان: “ملك الملوك” عام 1927 ميلادي؛ خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة منذُ الفيلم الأول حتى فيلم “ملك الملوك” تم عرض 39 فيلماً عن حياة يَسوع الناصري. عدد كبير من المؤلفين السينمائيين قام بالتعامل مع شخصية يَسوع الناصري بإعتبارهِ السيد “المسيح” كشخصية مقدسة؛ ولكن البعض الآخر قام بالتعمق في إستكشاف هويته البشرية ومدى معرفة يسوع الإنسان بنفسه. على سبيل المثال، في السبعينات الميلادية إشترك المخرج آندرو لويد ويبر مع الكاتب تيم رايس في فيلم كوميدي غنائي ممزوج بموسيقى الروك وبأسلوب مسرحي بعنوان: ” يسوع المسيح، سوبر ستار”؛ الفيلم يطرح إشكالية تأثير الحواريين على قائدهم المسيح، وأنَ الأصدقاء المقربون يتدخلون بطرق غير مباشرة ومباشرة في تحديد مصير وأهداف قائدهم. إمتداداً لتلك التجربة وعلى مستوى أعمق، في مثال آخر، في الثمانينات الميلادية قَدم المخرج المعروف مارتن سكورسيزي فيلماً بعنوان: “الإغواء الأخير للسيد المسيح”  – مُنع عرضه في عدة دول أوروبية وتمت مقاطعته على مستوى عالمي- الفيلم يقوم بالتركيز التام على أنَ المسيح يَسوع بشراً طبيعياً، ويعاني من صراع داخلي في إحلال التوازن النفسي بين قدراته الإلهية وغرائز نفسه البشرية. وبعد ذلك بسنوات تطورت السينما، وتطورت الصناعة، وزاد عدد هذا النوع من الأفلام. إنْ المواصلة في الإعتماد على خيال البشري في تجسيد وتصوير حياة يَسوع الناصري يثير إستياء بعضاً من المتدينين. ولكن في الحقيقة؛ مَنْهَل هذا النوع من الأفلام هو نفسه مصدر الإلهام البشري المستخدم في تأليف النسخ المتعددة من الروايات الإنجيلية والمصادر المسيحية المختلفة. بالتالي؛ الأفلام ونسخ الإنجيل كليهما من تواتر وتأويل البشر.

مؤخراً، ومع بداية هذا العام تم إضافة ثلاث أفلام جديدة عن حياة يَسوع الناصري في القائمة، وهي: فيلم “المسيح الصغير”، وفيلم “بَعث”، وفيلم” آخر أيام الصحراء”. جميع هذه الأفلام تصير على نفس النهج، مخالفةً لبعض أسلافها، ودافعة لهذا النوع في السينما إلى مستوى أبعد حيث أنها تروي قصصاً ليست مقتبسة بطريقة مباشرة من النسخ الإنجيلية الشهيرة على الرغم من ادعائها أنها تأتي من نسخ معروفة من العهد الجديد الجديد من الإنجيل. في كل الأوضاع، تُعبر هذه الأفلام الثلاثة عن محاولات فنية لأجل إظهار وتفسير وإستكشاف الفجوات الزمنية الموجودة في كُتب الإنجيل المتعددة.

فيلم “المسيح الصغير” يَتّبعْ يَسوع الناصري وعائلته وهم يسيرون في هجرتهم من مصر إلى الناصرة، ويتخيّل الكيفية الت
ي ستكون عليها حياة المسيح وهو إبن السابعة. يَسوع (من تمثيل الطفل آدم جيرفيتس نايل) ينشأ ويترعرع في عائلة يهودية متدينة تحت ظل إضطهاد الدولة الرومانية. نشاهد العائلة تعاني لأجل شرح معنى “الإله” للطفل يَسوع محاولةً إخفاء عنه أسرار مولده. الفيلم من إخراج سيروس نورسته ذو الأصول الإيرانية (ويجب التذكر أيضاً أن إيران قدمت هذه السنة فيلماً طويلاً عن طفولة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بعنوان “محمد رسول الله” للمخرج الإيراني الشهير مجيد مجيدي). الدقة التاريخية الموجودة “المسيح الصغير” مذهلة والتخيلات اللاهويتة تأسر المتفرج، سيناريو الفيلم مقتبس من رواية بنفس العنوان وهو من تأليف المخرج السيد نورسته وزوجته بيتسي نورسته. في نهاية الفيلم نشاهد مريم وهي تشرح لطفلها يسوع أنه هو “إبن الإله” مع التلميح الضمني أنه ثاني أهم شخصية في الثالوث المقدس. بناءً على بعض نسخ الإنجيل؛ يسوع الناصري يدرك جيداً الأبعاد المروعة لعبارة “إبن الإله” رغم إستخدامه كوصف مفضل للإحاله لذاته. مشكلة الفيلم في خطابه المعقد والذي يحاول أن يجعل المتفرج يعيش الصراع الجوهري حول حياة وموت المسيح – وهل سينجو يَسوع المسيح الصغير من إستبداد الرومان العسكري؟ – النتيجة: كثير من الجمهور يعرف نجاة يَسوع من الموت في طفولته.

فيلم “آخر أيام الصحراء” واحد من أبرز الخيالات الجمالية التي تقدمها السينما عن حياة يسوع المسيح ويذكرنا قليلاً بفيلم “يسوع من مونترياال”. يصور “آخر أيام الصحراء” فصلاً متقناً عن النبوة وعن الإغواء وعن الإغراء وعن الرغبات. في طريق الخروج من الصحراء البرية يقع يَسوع في أزمة وجودية شائكة ثم يتبعها صراع وجداني عميق ضد الشر. يقوم الممثل إيوان مكريغور وبإخترافية عالية بتجسيد شخصيتين وهما: شخصية يسوع الناصري وشخصية الإغواء الشيطاني، والتي نتج عنهما رسالة ممتعة ومروعة وهي: هل يسوع هو أعظم خصم ضد نفسه؟ البطل مكريغور وبذكاء في دورين إثنين يدعونا إلى النظر في أزمة مواجهة الشكوك البشرية عند يسوع المسيح؛ الفيلم يقدم نموذجاً على روعة الفن في أنسنة الشخصيات الغموضية والمقدسة والأساطير.

فيلم “بَعث” هو أضعف الأفلام الثلاثة الجديدة. الفيلم يصور مرحلة تاريخية نشاهد فيها قائد عسكري روماني إسمه كالفيوس ( يقوم بتمثيله جوزيف فينس) يُكلف بالبحث عن ما جرى في حادثة إختفاء جسد المسيح بعد واقعة صلبه مباشرةً. فيتحرك كالفيوس للقيام بعدة إجراءات بحثية وتفقدية مع حراس ضريح المسيح ومع الحواريين؛ يقوم الفيلم بفرض النظرية الغامضة عن قيام الرب “المسيح” من بين الأموات وبعثه إلى السماء. في النهاية يتم إستخدام وسيلة السينما في هذا الفيلم منبراً لأجل تقديم خطبة وعظية مملة مبنية على التصورات الإنجيلية البروتستانتية.

فيلم”بَعث” لا يصل لمستوى الإبداع السينمائي الجمالي كما في فيلم “آخر أيام الصحراء” وفيلم “المسيح الصغير”، ولكنه أيضاً لا يخلو من اللحظات السينمائية اللطيفة وخصوصاً في أداء الممثل البطل جوزيف فينس. محاولة “بَعث” في قراءة الأحداث التاريخية من الإنجيل كانت في غاية السطحية. في إحدى اللقطات؛ نشاهد الحواريون يؤمنون أن قيام المسيح من بين الأموات تذكرة وضمان للخلود في الجنة، بالمقابل؛ يأتي الإيمان متأخراً في التسلسل الزمني للقصة، ومسألة وجوب اللإيمان المطلق بقيام المسيح أتت من اللاهوتيين بعد تداعيات إختفاء جسد المسيح من داخل القبر، ولم تأتي من قبل. ببساطة الفيلم يسير بأسلوب تبريري كتفسير للأحداث الغيبية آي بمعنى أنَ الفيلم يريد من المتفرج أن يؤمن بالمسيح بنفس الطريق الذي إختاره الشخصية الرئيسية كالفيوس بالفيلم. الخطاب الوعظي المباشر في القصة نتج عنه فقدان المصداقية التاريخية وخراب الفيلم، والسبب يعود لدعم صناع الأفلام والمنتجين والناشرين لفئة متحمسة من المبشرين التنصيريين.

تُجسد الأفلام الثلاثة صوراً مختلفة لشخصية المسيح يَسوع الناصري. في فيلم “بَعث” شخصية يَسوع (من تمثيل كليف كورتس) لا تثير الفضول، ولا تدفع المتفرج إلى التأمل الروحاني، ويكشف الفيلم عن دور المُخرج في المحاولة الجادة للتركيز على تصوير الجانب الإلهي فقط،. وفي كثير من اللقطات يكتفي المتفرج بمشاهدة يسوع الإله. أما في فيلم “آخر أيام الصحراء” وفيلم “المسيح الصغير” نشاهد تجسيد يسوع الإنسان متجرداً من كل المميزات الإلهية، نعم هو المسيح التقي والقادر على فعل المعجزات، ولكن تركيز صناع الفلمين إهتم أكثر بإستكشاف الجوانب البشرية والطبيعة الإنسانية عند المسيح يَسوع الناصري. على خلاف فيلم “بَعث” ممثلين شخصية يَسوع في الفلمين الآخرين قاموا بتجسيد القلق، والشك، والريبه، والوجع، والخوف، والتعرض للأذى.

ربما يشعر المُتدين والمُتدينة بالعبُوس والإكفهرار من الرخصة الفنية التي تقدمها السينما في تجسيد وتصوير شخصية المسيح يَسوع الناصري، ولكن يجب على من تصيبه الأفلام بالتكشير أن يتذكر جيداً أنَ الإنجيل نفسه هو مجرد إقتباسات إبداعية من خيالات البشر لبعض الأحداث التاريخية، وفي حالة التعامل مع نسخ الإنجيل المقروءة يحتاج القراء الإستعانة بالخيال لإدراك مقاصد المؤلفين. لا يعني ذلك أنَ نسخ الإنجيل غير جديرة بالإعتماد عليها، لكن في جميع الحالات لابد من توظيف الخيال البشري في الفهم أو في التدوين. المؤلفون بشر يخطئون ويصيبون وبناءً على تصوراتهم يكتبون؛ بالتأكيد أفضل كُتب الإنجيل هي النسخ التي من تأليف القدماء، أما مؤلفون الإنجيل الجدد يكتبون معتمدين على مايتم إكتشافه حديثاً من حقائق تاريخية، بالتالي عمليات التحديث حولت نسخ الإنجيل الحديثة إلى كتاب تاريخية. ومؤلفون الإنجيل في كثير من الحالات الجديدة والقديمة لا يكتفون فقط بذكر مالذي حدث في الماضي ولكن يسعون لتبرير الغايات والوقائع والأحداث التاريخية. في نهاية القول؛ الهدف من هذه المحاولات كلها هو إقناع الجمهور والقراء أن الخلاص لا يأتي إلا بالإيمان المطلق بالمُخلّص يسوع المسيح.

635658325675827027-XXX-RISEN-MOV-JY-5898-72638074قد تبدو للبعض أنَّ هذه الأفكار مجرد هرطقة وإبتداع في الدين. لكن ما يقوم به صناع الأفلام هو إمتداد لما فعله مؤلفين الإنجيل من قبل آي أنهم يقومون بعرض وتفسير وتأويل وتصوير حياة يَسوع الناصري لأجل تعبئة الثغرات الزمنية بالإعتماد على الخيال البشري في كتابة نسخهم الإنجيلية بوسيلة سينمائية مسموعة ومرئية. لن يصل أتباع المسيح لخُلاصَة تامة ومطلقة عن كينونة يَسوع الناصري، ولكن جزء من الحقيقة يجري ضمنياً وبصورة غير منتهية داخل كل فيلم سينمائي وداخل كل نسخة من نسخ الإنجيل.

 

 

المصدر

error: المحتوى محمي