تأملات في العلاقة بين السياسة والشريعة في التجربة الإسلامية الوسيطة – د.رضوان السيد

تأملات في العلاقة بين السياسة والشريعة في التجربة الإسلامية الوسيطة – د.رضوان السيد

I

تمهيد منهجي

أردتُ قبل الخوض في  وجهٍ من وجوه علاقة الدين بالدولة في التجربة الإسلامية الوسيطة، ويتمثّل في العلائق بين السياسة والفقه أو السلطة السياسية والمؤسسة الفقهية، التقديم بملاحظتين إحداهما مفهومية والأُخرى تاريخية.
الملاحظة الأولى تتصل بالعلاقة بين الدولة والدين في المجالات والنواحي والمنظومات التي سادت فيها على الخصوص الديانات المعروفة باسم الديانات السماوية أو ديانات التوحيد؛ وبخاصةٍ الديانتان المسيحية والإسلامية. وقد كان هناك تداخُلٌ بين الدين والدولة في التجربتين من الناحية العملية. لكنْ من الناحية النظرية هناك مَنْ ذهب في الأزمنة الحديثة والمعاصِرة إلى وجود افتراق مبدئي بين المسيحية والإسلام لجهة علاقة الدين بالدولة، وبالتالي المؤسسة الدينية بالنظام السياسي بسبب مقولة السيّد المسيح: ” أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”، وهي مقولةٌ تُقيمُ فصلاً واضحاً بين  الشأنين الديني والعامّ أو السياسي. وهذا أمرٌ وإنْ كان صحيحاً في الأزمنة الحديثة، لكنه ما كان سارياً قبل القرن السابع عشر الميلادي، وبعد صراعاتٍ وحروبٍ طويلةٍ كما هو معروف. وما أريدُهُ من هذه الملاحظة ليس العودة لمناقشة هذه المسألة النَظَرية البالغة الأهمية بالنسبة للدينين في الأزمنة الحديثة؛ وإنما أنطلقُ من وقائع التجربة المسيحية والإسلامية في العصور الوسطى، ومن مقولةٍ ترى أنّ كلَّ جماعةٍ دينيةٍ إذا تجاوزَ عددُ أفرادها المئات؛ فإنها تكونُ مضطرَّةً لإبداء رأْيٍ أو توجُّهٍ في مسائل الشأن العامّ؛ وبخاصةٍ إذا قام ما يُشبهُ الكيان السياسيَّ في أَوساطِها. والحَكَمُ أو المرجعُ في الحكُمْ على طبيعة النظام آنذاك يكون في : هل يُمارَسُ الشأنان الديني والسياسي في مؤسَّسةٍ واحدةٍ أو مؤسَّستين. والمعروف أنّه ومنذ القرن الثالث الميلادي كانت هناك مؤسسة دينية مسيحية قوية( كنيسة، سلطة كَنَسية) وإن لم تكن هَرَميتُها واضحة التنظيم، وظهرت إشكالياتُ العلاقة بين المؤسَّستين الدينية والسياسية في  القرن الرابع بعد اعتناق الإمبراطور للمسيحية، وبدء عهود المَجَامع(1). أمّا في الإسلام، فيختلفُ الأَمْرُ بعضَ الشيئ؛ إذ لا يمكنُ الحديثُ عن مؤسَّسةٍ دينيةٍ مكتملة قبل  القرن الثالث الهجري/ التاسع والعاشر الميلادي. في حين قامت الدولةُ أو الخلافةُ الإسلاميةُ في القرن الهجري الأول( السابع الميلادي)، أي قبل قرنين من اكتمال ظهور المؤسسة الدينية(2). ولذا  فستنصبُّ قراءتي على أزمنة العلاقة بين المؤسَّستين بعد القرن الثالث الهجري، مع مُلاحظاتٍ تمهيديةٍ عمّا قبل ذلك.
أما المُلاحظةُ الثانية فهي منهجيةٌ وتاريخيةٌ ومركَّبة في الوقت نفِسه. وهي تتناولُ عدة أمور؛ أولُها تسميةُ السلطة الإسلامية نفسَها خِلافة ومعنى هذا المفرد أو المصطَلَح، وهل هي خلافةٌ لرسول الله من الناحية الزَمَنية، كما تقول نَظَرية “أهل السُنّة”، أم هي”خلافةُ الله” كما قال الأُمويون والعباسيون الأوائل على نقودهم، وفي  مخاطبات الشعراء لهم، وفي رسائل كُتّاب الإنشاء في دواوينهم؟ وهذه القضيةُ مُهمةٌ سواءٌ أَعتبر الخلفاء أنفُسَهمْ خلفاءَ لله أو خُلَفاء  لرسول الله؛ إذ ما هي صلاحياتُهُم في الشأن الديني في الحالتين؟ فالرسول (ص) كان يتولى الشأنين الديني والسياسي. وتختلفُ التفسيراتُ في طرائق تصرُّف الخلفاء الأربعة أو أُمراء المؤمنين من بعده في ممارسة المرجعية في  الشأن الديني( الألقاب، وأحكام القُضاة، ومسائل الزكاة، والأوقاف، والعلاقة بالقُرّاء والقُصّاص ثم بالفقهاء). أما الأُمويُّون فقد مارسوا الشأنَين السياسي والديني، لكنَّ كُلَّ المعارضات التي ظهرت في وجههم  كانت باسم “الشورى” أولاً أي المرجعية في النظام السياسي، ثم باسم “الكتاب والسنة” أي المرجعية في الشأن الديني(3). وهذا يعني أنّ المعارضين ما سلَّموا لهم بالمرجعيتين. وثانيةُ المسائل من الناحية التاريخية من ضمن هذه الإشكالية المركَّبة ظهور مصطلح الفقيه. هناك رجلٌ واحدٌ تُطلقُ المصادرُ عليه اسم فقيه في القرن الأول هو سَلَمةُ بن ذُؤيب الرياحي، الذي حَمَلَ رايةً في أواسط الستينيات من القرن الأول، ودعا تحتها إلى الولاء لابن الزبير بعد وفاة يزيد بن معاوية عام 65هـ/684م. وفيما عدا ذلك كان الشبان والكهول المهتمُّون بالشأن الديني يُسمَّون قُرّاءً، أو علماء. والطريفُ أنّ الذين تولَّوا القضاء كانوا يُسمَّون قُضاةً وحسْب. وفي  النصف الأول من القرن الثاني الهجري نقرأُ عن “فقهاء المدينة السبعة”. ثم في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري/ أي الثامن الميلادي، انتشر مصطَلَحا المتكلِّم والفقيه، دون أن يكونَ واضحاً ومحدَّداً معنى الفقيه وصلاحياته، بخلاف المتكلِّم. وفي القرن الثالث الهجري/ التاسع والعاشر الميلادي، بدأ ظهور المذاهب الفقهية أو المدارس الفقهية الشخصية، أي المنسوبة إلى شخصٍ وليس  إلى ناحية مثل  فقهاء الأمصار في القرن الثاني الهجري أو الثامن الميلادي، حيث كان يجري الحديث عن فقهاء العراق، وفقهاء الحجاز. أمّا بعد منتصف القرن الثالث الهجري فصار يجري الحديث عن المذاهب الفقهية كالأحناف (نسبة إلى أبي حنيفة)، أو المالكية (نسبة للإمام مالك بن أَنَس)، والشافعية(نسبة للإمام محمد بن إدريس الشافعي)، وأخيراً الحنابلة (نسبة للإمام أحمد ابن حنبل)(4). وثالثةُ المسائل في هذا السياق التاريخي اشتباكُ الخليفة المأمون (198-218هـ/813-833م) ومن بعده أخوه المعتصم(218-227هـ/833-842م) وابنه الواثق (227-232هـ/842-847م) مع المحدّثين والفقهاء بشأت عدة مسائل أبرزُها مسألةُ خلْق القرآن. ولا أقصِدُ هنا العودة إلى تحليل الموضوع والأسباب، فقد كُتب الكثير حول المسألة(5). إنما الذي أريدُهُ هو دلالةُ هذا الصراع على اكتمال المؤسسة الفقهية، وأَخْذها للصلاحيات التشريعة باعتراف الدولة، منذ عيَّنَ هارون الرشيد(170-193هـ/786-808م) أبا يوسف تلميذ أبي حنيفة المشهور قاضياً للقُضاة. وقد سلَّم المأمون ابن هارون للفقهاء بالمرجعية  في التشريع، لكنه ما سلَّم لهم بالمرجعية العامة في الدين، خوفاً من أن يؤثّر ذلك في مشروعية الدولة، أو أن يتجدد النقاشُ في مسائل الشورى وشرعية السلطة وشروطها. وهكذا رأى المأمون أنه إذا كان الفقهاءُ هم الذين يتولَّون الأَمْرَ التشريعي؛ فإنّ الشأن العقدي أو اللاهوتي وما يتصل به مما يؤثر في الشأن العام، ينبغي أن يظلَّ بيد الدولة، وهذا معنى الجدال في قُدْسية النصّ القرآني، وفي عقيدة القَدَر، وفي واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان المأمون شاعراً بالقوة ليس بسبب سلطته السياسية وحسْب؛ بل ولأنّ  اللاهوتيين أو المتكلمين المعتزلة والشيعة أيَّدوهُ في ذلك. وكان أحمد بن  حنبل وبعضُ زملائه واضحين في الاستئثار بالمرجعية الدينية الفعلية، والاعتراف للدولة الإسلامية بالمرجعية العامة أو السيادية. لكنهم كانوا واضحين أيضاً في التمييز أو الفصل بين المجالين السياسي والديني. فهم يقولون بالسمْع والطاعة لأمير المؤمنين في الشأن السياسي، دونما مناقشةٍ من أيّ نوع لمسألة شرعيته. وحتّى في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنهم كانوا مستعدين لتقديم تنازُلات بالتنسيق مع الدولة ( بحسب حديث  المنازل الثلاث)(6). والذي أراهُ أنّ حَدَث “المحنة” هذا ختم مائةَ عامٍ من التجاذُب بين الفقهاء والدولة ( من حديث الأَوزاعي مع والي الشام العباسي عبد الله بن علي عام 134هـ/751م بشأن ممتلكات الأُمويين، والتعامل مع المتمردين من أهل الذمة- وإلى إخراج المتوكّل لأحمد بن حنبل من السجن عام 233هـ/847م). وقد كانت تلك الصفقة التي تمت على مراحل في أساس الانسجام بين المؤسَّستين على مدى التجربة الإسلامية الوسيطة ومؤدَّاها: الفصل العملي أو تقسيم العمل بين السلطتين الدينية والسياسية، في المجالين الديني والسياسي، دون أن يخُلَو الأمر من تجاذُبٍ بين السلطتين على أطراف المجالين.

II

تحديد المجالين: الديني والسياسي
تُقرِّرُ الفَرَضيةُ التي انطلقُ منها إذن أنّه وطوال قرنٍ من الزمان، بين الثامن والتاسع للميلاد، تبلورت عدةُ مسائل: ظهرت المؤسسة الدينية المتكوِّنة من عدة فئاتٍ متقاربة: فقهاء، وقُضاة، وقرّاء، ومفسّرين، ومحدّثين. وبدأت تتولَّى مسائل التعليم في المساجد، والدرْس الفقهي، والقضاء، ورواية الحديث، والفتاوى، والتصنيف والتأليف. وتنافست داخل المؤسسة وبجوارها عدةُ فئاتٍ على تحديد مفهوم الشريعة، وتحديد السلطة فيه. وجرى التنافُسُ الرئيسيُّ بين الفقهاء والمتكلمين. وتعاونت السلطة السياسية في البداية مع المتكلمين في مُواجهة الفقهاء. وبنتيجة “المحنة” انخفضت سُمعة المتكلمين ومرجعيتُهم، واضطرت الدولة للتقاسُم مع الفقهاء الذين تولَّوا المهامَّ الرئيسيَّة في المجال الديني: التعليم، والقضاء، والفتوى، والتصنيف أو التدوين الفقهي والحديثي. ولديـنا خـلال القرن الثامن الميلادي  نصّان أحدُهُما منسوبٌ للخليفة الأُموي عمر ابن عبد العزيز (99-101هـ/717-719م)، والآخَر منسوبٌ لابن المقفَّع(- 139هـ/756م)، وكلاهما مَعْنيٌّ بتحديد السلطة في المجالين الديني والسياسي، وصلاحيات  كلٍّ من السلطة السياسية، والمؤسَّسة الدينية ( أو الفقهاء)، والنصّان هما:
أولاً: *. نصّ عمر بن عبد العزيز(أ)(7): ” أردتُ أن أجعلَ أحكامَ الناس والأجناد حكْماً واحداً… ثم رأيتُ أنه قد كان في كلّ مصرٍ من أمصار المسلمين، وجندٍ من أجناده ناسٌ من أصحاب رسول الله(ص)، وكانت فيهم قُضاةٌ قضَوا بأقضيةٍ أجازها أصحابُ رسول الله(ص) وَرَضُوا بها، وأَمْضاها أهلُ المصر كالصُلْح بينهم، فهم على ما كانوا عليه من ذلك…”.
**. نصّ عمر بن عبد العزيز (ب)(8): ” .. ليس لأحدٍ في كتاب الله ولا في سُنّة رسول الله(ص) أمرٌ ولا رأْيٌ إلاّ إنفاذَهُ والمُجاهدةَ عليه. وأمّا ما حدث من الأُمور التي تُبتلى الأئمةُ بها مما لم يُحْكِمْهُ القرآنُ ولا سُنّةُ النبي(ص)؛ فإنّ واليَ المسملين، وإمامَ عامَّتِهِمْ لا يُقدَّمُ فيها بين يديه، ولا يُقْضى فيها دونه. وعلى مَنْ دونَه رَفْعُ ذلك إليه، والتسليمُ لما قضى”.
أمّا النصُّ الأول لعمر بن عبد العزيز فيذكر محاولةً من جانب السلطة الأُموية- تذكر المصادر أنها بدأت أيامَ الوليد بن عبد الملك(9) – للسيطرة على أحكام القُضاة في الأجناد ( المناطق العسكرية التي أنشاها الفاتحون العرب)، والأمصار (المدن). وعُمر الثاني لا يذكر طبيعة القانون الذي أراد الأُمويون السيطرةَ من خلاله؛ لكنّ المفهوم أنهم أرادوا السيطرةَ من خلال الأَوامر الإدارية المباشِرة. ويذكر عمر الثاني بعدها أنّ المحاولةَ فشلت، وأنهم تركوا في النهاية للقُضاة الحُكْمَ بالأعراف المختلفة السائدة بكلّ مصر، أي ما تعودوا عليه في العقود التي انقضت منذ الفتوحات،
أي منذ النصف الثاني من القرن السابع الميلادي. لكنّ عمر الثاني يعودُ في الفقرة (ب) لتحديد الصلاحيات التشريعة للسلطة السياسية، فيعتبر أنّ الكتاب (أي القرآن) هو المصدر الأول للتشريع، والسنة ( سنة النبي والراشدين؟) هي المصدرُ الثاني للتشريع. ويعتبر الخليفةُ نفسَه مصدراً ثالثاً في الأُمورالتي لم يشترعْ فيها القرآن، ولا اشترعت فيها السنة. وقبل مناقشة مصائر المصدر الثالث هذا ( أي السلطة السياسية)؛ فإنّ أمير المؤمينن لا يذكُرُ صاحبَ السلطة في  استنباط الأحكام من القرآن، والسنة. فالمعروف أنه حتّى في النصوص المُحْكَمة كان لا بُدَّ  من اجتهادٍ في تنزيل النصوص على الوقائع. وتذكُرُ المصادر التاريخية والفقهية للعصر الأُموي، أنّ الخلفاء كانوا يرجعون إلى علماء عصرهم بالمدينة والشام في استنباط الأحكام من القرآن والسنة، أو في الإرشاد إلى أعراف زمن الراشدين(10). ويعني ذلك أنّ فئة العلماء أو الفقهاء كانت قد بدأت بالظهور والعمل  ما بين 750و 800 للميلاد؛ كما أثبت ذلك الباحث الألماني   Harald Motzkiفي أُطروحةٍ له عن الفقه المكّي (منذ أواخر القرن الأول وحتى منتصف القرن الثاني الهجري)(11).
لكنْ، وبالرغم مما ذهب إليه ابنُ المقفّع في “رسالة الصحابة” من أنّ بعضَ ما اعتُبر سُنّةً هو في الحقيقة من أوامر واجتهادات بعض وُلاة بني أُميّة(12)؛ فإنّ الواقع أن العصر العباسيَّ الأولَ ما ترك لأُولي الشأن السياسي حتّى أن يكونوا مصدراً ثالثاً في التشريع. فالمعروف أنّ المصدر الثالث في التشريع صار الأعراف والتوافقات بين القُضاة والفقهاء في الأمصار، والتي ارتفع بها الشافعي (-204هـ/819م) إلى مرتبة “الإجماع”(13)، والذي أعطاهُ سلطة المصدر الثالث بعد القرآن والسنة، والفقهاءُ طبعاً هُمُ الذين سيستنبطون الأحكامَ من  المصادر الثلاثة ويُصدرونها. وبذلك خرجت السلطة السياسيةُ تماماً من العملية التشريعية.

ثانياً: نصُّ  عبد الله بن المقفَّع:
(أ) المجال الديني:(14) ” فأمّا إقْرارُنا بأنه لا يُطاع الإمامُ في معصية الله؛ فإنّ ذلك في عزائم الفرائض والحدود التي لم يجعل الله لأحدٍ عليها سُلْطاناً. ولو أنّ الإمامَ نهى عن الصلاة والصيام والحجّ وأباح ما حرَّمَ اللهُ، لم يكنْ له في ذلك أمر..”.
(ب) المجال الديني/القضائي:(15) ” ومما ينظُرُ أميرُ المؤمين فيه من أمر هذين المصرين (= الكوفة والبصرة) وغيرهما من الأمصار والنواحي، اختلافُ هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافُها أمراً عظيماً في الدماء والفروج والأموال. فيُستَحَلُّ الدمُ والفرج بالحيرة، وهما يَحْرُمان بالكوفة، ويكونُ مثلُ ذلك الاختلاف في جوف الكوفة… مع أنه ليس ممن ينظُرُ في ذلك من أهل العراق وأهل الحجاز فريقٌ إلاّ قد لَجَّ بهم العُجْبُ بما في أيديهم، والاستخفافُ بمَن سواهم…”
“… فلو رأى أمير المؤمنين أن يأْمُرَ بهذه الأقضية والسِيَر المختلفة، فتُرفع إليه في كتابٍ .. ثم نَظَر في ذلك أميرُ المؤمنين وأَمضى في كلّ قضيةٍ رأْيَهُ الذي يُلْهِمُهُ اللهُ، ويعزمُ عليه عزماً، وينهى عن القضاء بخلافه. وكتب بذلك كتاباً جامعاً..” (16).
(ج) المجال السياسي:(17) ” أمّا إثباتُنا للإمام الطاعةَ فيما لا يُطاع فيه غيرُهُ؛ فإنّ ذلك في الرأْي والتدبير والأمر الذي جعل الله أَزِمَّتَهُ وعُراهُ بأيدي الأئمة، ليس لأحدٍ فيه أمرٌ ولا طاعةٌ من الغزو والفقول، والجَمْع والقَسْم، والاستعمال والعزل، والحكم بالرأي فيما لم يكن فيه أَثَر، وإمضاء الحدود والأحكام على الكتاب والسُنّة، ومحاربة العدوّ ومُهادنته، والأخذ للمسلمين والإعطاء عنهم…”
إنّ النصوص التي أوردْناها عن ابن المقفَّع، هي فقراتٌ من الرسالة المنسوبة إليه باسم ” رسالة الصحابة”، وابنُ المقفَّع كان فيما يبدو من موظَّفي الديوان أو الإدارة في العصر الأُموي، وهو من موالي العباسيين؛ ولذلك صار من المستشارين في الدولة الجديدة. ورسالتُهُ تعكسُ النقاشات التي كانت دائرةً في أَوساط النُخَب في الثلث الأول من القرن الثاني الهجري. وهي تُشبهُ كلامَ عمر بن عبد العزيز في علاقة السلطة السياسية بالتشريع. وتزيدُ على ذلك بإيضاح صلاحيات الخليفة أو أمير المؤمنين في الشأنين الديني والعامّ. وهو لا يعطي الخليفة صلاحياتٍ في الشأن التشريعي، بل يقترحُ عليه الاكتفاء بإنفاذ أحكام القُضاة، ويُضيفُ لذلك الاقتراحَ عليه أن يُنظِّم القضاءَ ليس باعتباره مجتهداً، بل باعتباره الراعيَ الأعلى للعدالة، بحيث يكونُ للدولة قانونٌ واحدٌ يُسمّيه ابنُ المقفَّع :” الأمان”(18)؛ حتى لا تختلفَ الأحكامُ بين مصرٍ ومصرٍ بحسب الأعراف المختلفة واجتهادات القُضاة. وتذكُرُ المصادرُ أنَّ الخليفة العباسيَّ الثاني حاول توحيدَ الأحكام، كما حاول الأُمويون. ولكي لا يكونَ ذلك بمثابة الأمر الإداري أو السلطاني الذي يُثير التذمُّر ؛ فإنّ  المنصورَ العبّاسي(136-159هـ/753-775م) طلب من الإمام مالك بن أَنَس(-179هـ/795م) أن يؤلّف كتاباً فقهياً يصبح بمثابة الدليل للقُضاة في إصدار الأحكام. وقد ألَّف فقيهُ المدينة الكتابَ بالفعل وسمّاه: المُوطَّأ، أي المسهَّل أو المبسَّط. لكنه نصح المنصورَ بعدم فَرْضه لتعذُّر ذلك بالنظر لسيطرة أعراف وتقاليد مختلفة في الأمصار(19). وهكذا فشِلت السلطة حتّى في هذه المسألة التنظيمية؛ فعمدت إلـى تنظيم المؤسَّسة مـن رأْسِها، أي تعيين قاضٍ للقُضـاة، هو أبو يوسف، أيامَ هارون الرشيد حفيد المنصور. وكان أبو يوسف هو الذي يقترحُ على أمير المؤمنين أسماءَ القُضاة في الأمصار المختلفة، مُراعياً في ذلك في الغالب تقاليدَ ذاك المصر وأعرافَه. واستمرَّ الأَمْرُ على هذا النحو طوَالَ عصور التجربة الإسلامية الوسيطة، مع تغييراتٍ وتعـديلاتٍ تناولتْ – كما سبق القول- أطرافَ المجالين دون أن تمسَّ جَوهر تجربة الفصل أو تقسيم العمل  بين المؤسستين.

III

القضاء و”السياسة الشرعية” : سيطر الفقهاءُ إذن على التعليم الديني والقضاء والفتوى تماماً بعد القرن الثالث الهجري. وسلَّمتْ لهم السلطة السياسيةُ بذلك في العهدين: عهد الخلافة المنفردة بالسلطة، وعهد ظهور السلاطين (وُلاة الأمر الفعليين ) إلى جانب الخلفاء أو بدونهم تقريباً في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه منذ القرن الخامس الهجري. لكنْ ظلَّ الجدالُ والتجاذُب دائراً- كما سبق  القول- في تحديد مدى امتداد كلٍّ من المجالين، وَمَنْ هو صاحبُ الأمر في المجالات البينية أو المُشكِلة هذه. وأولُ مجالات الجدال كانت مسألتا الزكاة والأَوقاف.

الزكاة والأوَقاف.
أ‌. في الزكاة. الزكاةُ فرضُ عينٍ على كلِّ مسلمٍ كما هو معروف. والتجربةُ الأُولى في عهد النبي وخليفتيه أبي بكرٍ وعمر أن تؤدَّى الزكاةُ إلى السلطة المركزية، وممثِّليها في الأمصار والأطراف. والمعروف أنّ أبا بكرٍ اعتبر ” مانعي الزكاة” مرتدّين عن الإسلام وقاتَلَهُمْ على ذلك . لكنّ الخليفة الثالثَ عثمـان بن عفّان –وبإشارة بعض الصحابة- توقَّف عن أخذ زكاة الأموال الظاهرة، وتركها للناس يؤدّونها بحسب دينهم ومعرفتهم. لكنْ في أيام الأُمويين والعباسيين الأوائل، ظلّت الدولة مُصرّةً على أداء الزكاة إليها، وأنشأت لذلك “ديوان الزكاة والصَدَقات” لتوزيعها على مستحقّيها حسْبما ورد عن مصارفِها في القرآن. لكنّ بعضَ الفقهاء، الذين ما كانوا مطمئنين إلى شرعية بعض الخلفاء، أوحُسْن تصرفهم في أموال الصَدَقات، كانوا ينصحون المستفتين بعدم أدائها لهذا الخليفة أو ذاك. فتطوَّر الأَمْرُ إلى تحدٍّ  اعتبرته الدولةُ عدمَ اعترافٍ بشرعيتها. والفقهاء الذين يستندون في العادة إلى السُنّة أو سيرة السَلَف الصالح، رأَوا في هذه الحالة بالذات أنّ الزكاةَ فريضةٌ دينيةٌ بحتةٌ، وأنها واجبةٌ على الأفراد، وأنّ شأنها في ذلك شأن الصلاة والصوم والحجّ، فينبغي أن يوكَلَ أداؤها لدين المرء وتقْواه. والسلطةُ وفُقهاؤها رأَوا أنّ السُنّة جرت على الأداء للدولة، وأنّ عدمَ أدائها لها فيه مُخالفةٌ لسنة النبيّ والعُمَرين. كما أنّ فيه عصياناً وتشكيكاً في شرعيتها. وقد استمر هذا الجدالُ عصوراً طويلةً، فمرةً يحدُثُ الاستيداء ومرةً لا يحدُث؛ إلى أن انتهى الأمر بعد القرن السادس الهجري إلى ترك أَمر أدائها للأفراد بالفعل(20). وبخاصةٍ أنها ما عادت تشكّل مورداً مهماً للدولة التي تركَّز دَخْلُها في خراج الأرض وإقطاعِها، وعشور التجارة.
ب‌. في الأوقاف.  ليس هناك نصٌّ قرآنيٌّ في شرعية الوقْف أو فرضيته. لكنْ هناك حالات أَوقف فيها الصحابةُ في عهد النبي(ص)، وفي عهد الراشدين. وقد اشتهر عن أبي حنيفة(-150هـ/767م) قولُهُ بعدم انتقال المِلْكية في الوقْف، أي بعدم تأبيده. كما اشتهر عنه عدمُ ترحيبه بالأَوقاف الأهلية، لمخالفتها لنصوص الإرْث الواردة في القرآن. وهكذا ظهرت منذ البداية عدة مسائل: أين تُسجَّلُ وثائقُ الوقف، ومَنْ هي الجهة التي تُشرف على إدارة الأوقاف، أي الدولة أو القضاء، ثم ما هي الأنواعُ التي يجوزُ الوقْفُ فيها، والأُخرى التي لا يحْسُنُ الوقْف فيها. واستقرّ الرأْيُ بعد تطور قوة المؤسسة القضائية على تسجيل الأوقاف فيها، وعلى أن يشرف القُضاةُ في الأمصار على الأَوصياء على أموال الأَوقاف وأموال الأيتام الصغار.  لكنّ الدولةَ ظلّت تتدخَّلُ للاستيلاء على عقارات الأوقاف والصغار بحججٍ مختلفةٍ، ومن بينها هشاشةُ وضْع أموال الوقف لدى الفقهاء الأحناف، وهشاشةُ وضْع أموال الصِغار لدى فقهاء الحنابلة(21). ومن المعروف أنّ مسألة “وقْف النقود” أثارت نقاشاتٍ ومُشكلاتٍ في  العهد العثماني، سوف نعودُ إليها. لكنها أيام العثمانيين جاءت من باب علاقة الفقه بالقانون السلطاني، أي تدخُّل السلطة السياسية في التشريع. وهذه المسألة، كانت قد عُرفت قبل  العثمانيين بزمنٍ طويل تحت مصطلح: “السياسة الشرعية”، وهي الأُمور التي تعتبرها السلطة من ” ضرورات السياسة”، والمصالح، ومقتضيات إدارة الشأن العامّ. ولذلك لا يُرجعُ فيها إلى القضاء العادي.
وقد بدأ التجاذُب بين السلطة السياسية والفقهاء والقُضاة في مطلع العصر العبّاسي، أي قبل اكتمال ظهور المؤسسة الدينية وسيطرتها على التشريع. فمنذ القرن الثامن الميلادي اعتبر القُضاةُ مجال عملهم واسعاً وشاملاً ويتناول كلَّ مسائل النزاع داخل المجتمع، وسواءٌ أكانت أُصول النزاع خاصةً ( أي بين الأفراد) أو عامةً ( أي بين الأفراد والدولة). وكان من ذلك:
ج. إشكاليات ديوان الزنادقة(22). فقد أنشأ الخليفة المهدي(159-169هـ/775-785م) هيئةً مختصةً بمحاكمة المتهمين بالزندقة (وهو اصطلاحٌ خاصٌّ بالدين المانوي، أحد الانشقاقات عن الزرادشتية؟). وفي العادة كان المتهم بالزندقة يُحضر من جانب الشرطة إلى  مجلس الخليفة أو الوزير أو” صاحب الزنادقة” ، فتجري محاكمتُه فإن اعترف بالتهمة استُتيب وإلاّ قُتل. وما قبل الفقهاءُ ولا القُضاةُ بذلك، ليس لقولهم، بحرية الاختيار الديني؛ بل لعدم قبولهم بطرائق المحاكمة، واستقصاء البيِّنات، وتجاهُل الشهود، وسرعة الأحكام. وقد أُلْغيت تلك الهيئةُ فيما بعد بسبب ضغوط القُضاة، وصار المتَّهمُ في دينه يُحْضَر إلى القاضي، ويُحاكَمُ بالطرق المعتمدة لدى القضاء الشرعي.
د. قضاء المظالم(23). ظلَّ الخلفاء (والسلاطين فيما بعد) يعتبرون أَنْفُسَهُمْ الرُعاة الأعلى للعدالة في الدولة ودار الإسلام. وتذكر المصادر التاريخية والفقهية حالاتٍ استمـع فيها عمـر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب أو عبد الملك بن مروان أو أبو جعفر المنصور إلى شكاوى العامة بنفسه وبخاصةٍ عندما يتعلق الأَمْرُ بشكوى ضد أحد رجالات الدولة. وفي أيام هارون الرشيد صارت الشكوى ضد رجالات الدولة تُنظَرُ أمام” قضاءٍ مختصٍّ ” هو ” قضاء المظالم”، في يومٍ أو يومين في الأسبوع أو الشهر، وينظر في الشكاوى الخليفة أو السلطان أو الوزير أو الحاجب، وبحضور القُضاة أحياناً أو بدون حضورهم. وظلَّ الفقهاءُ  والقُضاة يتذمَّرون من ذلك، ويَرَون عَرْضَ الأمر حتّى في هذه الحالات على القضاء العادي. لكنّ ” قضاء المظالم” استمرّ رغم الاعتراضات، فاضطُرّ الفقهاء إلى  اعتبار ذلك من باب” السياسة الشرعية”، أي ضرورات السلطة واحتياجاتها؛ لكنهم اشترطوا أن يحضُرَ المجلس قاضٍ للمشاورة. ويـذكر ابن فضل الله العُمَري في كتابه” مسالك الأبصار” مجلساً سلطانياً للنظر في المظالم أيامَ السلطان الناصر محمد بن قلاوون(693-741هـ/1293-1340م) كان يحضره قَضاةُ المذاهب الأربعة(24).
هـ. قضاء البُغاة. والبُغاةُ  اسمٌ اصطلاحيٌّ للمعارضين السياسيين الذين تصلُ بهم المعارضةُ  إلى  حمل  السلاح ضد السلطة(25). وقد تكونُ معارضةُ هؤلاء مُحِقّة أو غير مُحِقّة. كما أنهم قد  يسفكون دماً أو يُتْلفون مالاً وقد لا يصلون إلى ذلك. وطوال عصورالتجربة السياسية الإسلامية الوسيطة، ما كان هؤلاء عندما يُقبضُ عليهم أحياء يُعْرَضون على القضاء، بل يُحاكَمون في مجلس الخليفة أو السلطان أو الوزير وينتهـي الأمر بإعـدامهم أو سجْنهم لِمُدَدٍ طويلـة أو العفو عنهم. ومنذ أيـام الأُموييـن رأى الفقـيه محمد بن شهاب الزُهري (-124هـ/741م) أنّ الجريمة السياسية (=الخروج في الفتنة) غير الجريمة العادية وغير جريمة “المُحاربين” أو قُطّاع الطُرُق(26). فالمُعارضون السياسيون (والفقهاء يعرِّفونهم بأنهم المتمردون الذين لهم تأويل، أي دعوى سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية في نظر الفقهاء ) واتّباعاً لسلوك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع المتمردين عليه، لا تَبِعَةَ عليهم في دمٍ أو مالٍ إذا أَلْقَوا السلاح وأَسلموا أنفُسَهُمْ للسلطات، والتي ينبغي أن تعرضَهم على القضاء العادي للنظر في تكييف ما ارتكبوهُ وهل هو جنائيٌّ  أو سياسي. وفي حين ظلَّ الفقهاء منذ القرن الثامن الميلادي يكتبون رسائلَ في أحكام البُغاة وحقوقهم، وضرورات عرضهم على القضاء العادي؛ ظلت السلطة السياسيةُ تُعاملُ المتمردين المسلَّحين مُعاملة قُطّاع الطُرُق (المُحاربين). وما استطاع القضاة والفقهاء بالمطالبات والضغوط دفع السلطات لعرضهم على القضاء الشرعي؛ لكنهم أصرُّوا دائماً ( ومنهم الماوردي في: الأحكام السلطانية)  على عدم اعتبار التصرُّف السلطانيِّ مع البُغاة من باب ” السياسة الشرعية”(27).
و. المحتسِبُ وصاحبُ الشرطة: ظهر المحتسِبُ في الأصل استمراراً لتقليدٍ بيزنطيٍّ مَعْنيٍ بمراقبة السِلَع والتصرفات في الأسواق. ثم اتّسعتْ مهامُّهُ واكتسبت صبغةً دينيةً باعتباره مُحافظاً على  الآداب العامة. أمّا قائدُ الشرطة، فتُعرَصُ عليه الحالاتُ الحادثةُ في المجال العامّ وبخاصةٍ في الليل، وهو يقرر بشكلٍ عاجلٍ العقوبة التعزيرية في الجُنَح الخفيفة. والفقيه ( والقاضي) ليس لهما اعتراضٌ على بعض الصلاحيات ذات الصِبغة القضائية للمحتسب وصاحب الشرطة. لكنهما يريدان أن يكونا بإشراف القضاء؛ بحيث يكونُ القاضي هو الذي يُقرِّرُ التعزيرَ بالحبس أو الجلْد أو الغرامة إذا بلغت الارتكابات حدوداً معيَّنة. في حين ظلَّ الوزير أو الحاجبُ الذي يعيِّنُ المحتسب وصاحب الشرطة، يعتبر كلَّ تصرفاتهما مهما بلغت شدَّتُها من باب “السياسة الشرعية”(28). بل يذكر أحدُ كُتّاب الحسبة أنه من حقّ المحتسب” أن يحتسِبَ على القاضي” إذا ظهر في  مجلسه ما يخالفُ الآداب(29)!
ذكرْتُ فيما سبق حالات من التجربة التاريخية في العلاقة بين الفقيه/ القاضي، ورجل الشأن العامّ. وكان الخلافُ في بعضها بشأن اعتبارها من المجال الديني/والفقهي، أم من مجال عمل الدولة. بيد أنّ الأهمَّ بالنسبة للفقيه والقاضي كانت تلك الحالات التي جرى تجاوُزُهُ فيها لاعتبار السلطة أنّ ذلك من ضرورات الهيبة، ومقتضيات السياسة الحـازمة أو الرادعة ( أو آيين السلطان، بحسب تعبير كُتّاب مرايا الأُمراء المأخوذ عن التقاليد الساسانية). وقـد رأى القاضي ابن عقـيل الحنبلي (-513هـ/1119م) أنّ “السياسة الشرعية” ليست مجرَّد ” تغليظ العقوبة”، و”الاعتداء على حقوق الناس”؛ بل إنها” ما كان فعلاً يكونُ معه الناسُ أقربَ إلى الصلاح، وأبعَدَ عن الفساد، وإن لم يضعْهُ الرسول، ولا نزل به وحي..”(30). واستنكر إمام الحرمين الجويني(-478هـ/1085م) على الوُلاة أن يقترفوا الكبائر باسم السياسة الشرعية، لأنه مسـلكٌ قريبٌ مـن سَنَنِ الأكاسـرة والملوك المنقرضـين(31). وقال ابن الجوزي (-598هـ/1201م): ” وربما فعل بعضُ الوُلاة ما لا يجوزُ في الشرع وسمَّى ذلك سياسـة. وهذا عيـنُ الخطأ لأنّ الشـريعة هي السياسةُ الكافية..”(32). وقال السخاوي (-902هـ/1496م): “ومن أعظم خطأ السلاطين والأُمراء نظرهم في سياسات متقدميهـم وعملهم بمقتضـاها ، ثم تسمية أفعـالهم الخـارجة عن الشرع سياسـة. فإنّ الشـرع هو السياسـة لا عمـلُ السلطان بهواه ورأْيـه…”(33). ويبـلُغُ بالمقريزي (-845هـ/1441م) المؤرّخ  والفقيه الحنفي، السُخْط على تجاوُز السلطة السياسة للقضاء بحجة الضرورات السياسية، في العصر المملوكي المتأخّر حدودَ الاعتقاد بالافتراق الكامل بين السياسة والشريعة في زمانه؛ فيقول(34): “وكانت أحكامُ الحُجّاب أولاً يقالُ لها حكم السياسة، وهي لفظةٌ شيطانيةٌ لا يعرفُ أكثرُ أهل زماننا اليومَ أصلَها ويتساهلون في التلفُّظ بها ويقولون: هذا الأمر مما لا يمشي في الأحكام الشرعية، وإنما هو من حُكْم السياسة…”. أما أصلُ ” السياسة” في نظره فمُخيف، إذ هي بحسب اعتقاده” كلمةٌ مُغُليةٌ أصلُها ياسة فحرّفَها أهلُ مصر وزادوا بأولها سيناً فقالوا سياسة، وأَدْخلوا فيها الألف واللام فظَنّ مَنْ لا عِلْمَ له أنها كلمةٌ عربيةٌ وما الأمْر فيها إلاّ ما قلتُ لك..!”(35). ولا شكّ أنّ المقريزيَّ بالغَ هنا وشطَّ مدفوعاً لذلك بتلاعُب بعض أُمراء المماليك بالقضاء العادي وقصْر سلطته على العامة، بينما صاروا هم يحتكمون فيما بينهم إلى حاجب السلطان الذي يفضُّ النزاعات بين الأُمراء بمقتضى الأعراف المتوارثة ضمن السُلالات التركية.

IV

متغيراتُ السلطة ومشكلات القضاء الشرعي: بدأت في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي متغيراتٌ سياسيةٌ كبرى ناجمة عن تدفُّق شعوبٍ ( الديلم ثم التُرك) من شرق العالم الإسلامي باتجاه إيران والعراق فآسيا الصُغرى المجاورة. وفي القرن الخامس الهجري (الحادي عشرالميلادي) استولى السلاجقةُ على بغداد عاصمة الخلافة العباسية فظهرت ثُنائية: الخليفة/السلطان، وساد نظام الإقطاع العسكري في ملكية الأرض، وانقسمت النُخَب إلى فئتين كبيرتين: فئة أرباب السيوف، وفئة أرباب الأقلام(36).
واضطرب فقهاءُ الشافعية والحنابلة في البداية لهذه التطورات الهائلة(37)، لأنّ الشعوب التركية الآتية من بلاد ما وراء النهر كانت تعتنقُ المذهب الحنفيَّ، بينما كانت أكثريةُ فقهاء إيران من الشافعية. ثم حصلت تسويةٌ بين الشافعية ونظام المُلْك (-485هـ/1092م) وزير السلطانين السلجوقيَّين الأولَين، وجرى الاعتراف بسائر المذاهب الفقهية السنية، واقترنت الأشعرية بالماتُريدية بالتدريج، وأقبلت الدولة بالإنفاق الهائل على المدارس الفقهية(الحنفية والشافعية)(= النظِاميات)؛ فازدادت المؤسسةُ الفقهية بذلك قوةً ونفوذاً. ويرجعُ ذلك لعاملين اثنين: حاجةُ السلطنات الجديدة إليها في تثبيت المشروعية، وتَنامي الحاجة إليها في القضاء والتربية والتعليم والفتوى في مواجهة الخلافة الفاطمية من جهة، والتيارات الباطنية من جهةٍ ثانية. فالسلاطينُ الجُدُد كانوا بحاجةٍ لإثبات شرعيتهم لأنهم جُدُدٌ من ناحية، ولأنهم كانوا مضطرين للظهور بمظهر المُناصرين للخلافة السنية وليس المستولين عليها. ويبدو ذلك في الكتب الثلاثة التي أُلّفت وقتَها ( أي في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري) (الحادي عشر الميلادي): كتاب سياست نامه لنظام المُلك وزيـر السلاجقة السالف الذكر، وكتاب إمام الحرمين الجُوينـي(- 478هـ/1085م): “غـياث الأُمَم في التيـاث الظُلَم”، وكتاب الغزالي (-505هـ/1111م): “المستظهِري في الردّ على الباطنية”. وتُشيدُ تلك المؤلَّفات بالسلاجقة لحمايتهم لدار الإسلام من الروم والباطنية، لكنها تُصوِّر العلماء باعتبارهم شركاءَ للسلاطين في حماية العقيدة السُنّية، وفي الحفاظ على الشريعة اشتراعاً  وتعليماً وقضاءً ونشراً(38).
وكان المذهبُ الحنفيُّ واسع الانتشار في بلاد ما وراء النهر، وإيران والعراق، وأقلّ انتشاراً في الشام ومصر وجزيرة العرب. لكنّ قُضاة الأحناف كانوا دائماً في موقع متميِّزٍ منذ تولّى أبو يوسف قضاءَ القُضاة في عهد هارون الرشيد في سبعينات القرن الثاني الهجري. إنما كانت المشكلة أنّ الفقهاء الأحنافَ ما تحمّسوا كثيراً للأشعرية التي انتمى إليها الشافعيةُ بكثافة، وظلَّ بعضُهم أقرب للاعتزال في العقيدة، حتى بعد انكساف نجم المعتزلة بإيران والعراق. وتضاءل هذا الأَمْرُ وزال بعد ظهورالسلطنات السلجوقية والأيوبية والمملوكية، نتيجةَ التنازُلات المتبادَلة؛ ولأنّ الفقهاء ما كانوا شديدي الاهتمام تقليدياً بعلم الكلام؛ باستثناء استخدامه ( من جانب متكلِّمي الشافعية في الغالب) لمجادلة المعتزلة والباطنية بعد القرن الخامس الهجري. وكان التقليد الموروث أن يشير قاضي القُضاة على الخليفة في الغالب بتعيين القاضي في هذه المدينة أو تلك بحسب مذهب غالبية السكّان. حتّى إذا كان سكّان البلد أو المدينة من الفريقين ( أي الشافعية والحنفية)؛ فإنّ قاضيَ القُضاة كان يشير بتعيين قاضِيَيْنِ من المذهبَين. بيد أنّ الاعتراف بالتعددية المذهبية في القضاء بلغ ذِروتَهُ في مطلع العهد المملوكي عندما عيَّن السلطان المملوكي الثاني الظاهر بيبرس عام 660هـ/1261م، قُضاةً من المذاهب السنية الأربعة في كلّ مُدُن الدولة، وبغضّ النظر عن وجود متمذهبين بأحدها في البلد أو المدينة. وكان بين أهمّ أسباب ذلك الرغبة في إظهار الدولة باعتبارها ممثِّلةً للإسلام السُنّيّ كُلِّه. فقد قامت سلطنةٌ مغولية بإيران والعراق تراوح سلاطينُها من أحفاد هونلاكو الذين أقبلواعلى الإسلام بيم المذهبين السني والشيعي، فازدادت ضغوط المنافسة بينهم وبين المماليك بمصر والشام حرباً  وسِلْماً، وكان ذلك بين أسباب استقدام  عبّاسي إلى القاهرة(39) وإعادة الخلافة السنية شكلاً، إضافةً للتعددية المذهبية السالفة الذكر.
ولدينا من العصر المملوكي رسالةٌ نادرةٌ عن أحوال القضاء والقُضاة وعلائقهم بالسلطة السياسية، ومشكلات القضاء الإسلامي ذاته؛ كتبها قاضي قُضاة الأحناف بالشام نجم الدين إبراهيم بن علي الطرسوسي (المتوفَّى عام 758هـ/1356م) وسمّاها: ” تُحفة التُرك فيما يجب أن يُعمل في المُلْك”. وصاحب الرسالة يريد في الظاهر نُصْح السلطان في ترتيب وإصلاح شؤون الدولة. لكنه ينصرف ومنذ الصفحة الأولى لمصارعة فقهاء الشافعية وقُضاتهم. وهو ينصح السلطان الحنفيَّ المذهب بعزْل قُضاة المذاهب الأُخرى وإيكال الأمر كلِّه إلى الفقهاء الأحناف لأنّ مذهبهم أَوفَقُ لمصلحة الدولة! وخلال ذلك العرض الطريف تتبيُّنُ لنا عِلّةٌ من عِلَل لجوء الدولة لتعديد القُضاة بحسب المذاهب؛ إذ كانت تنفُذُ من خلافاتهم المذهبية لتحقيق المصالح التي يريدُها كبارُ الأُمراء. فقد اختصَّ السلاطينُ قُضاة الشافعية بالقضاء في أموال الأيتام الصِغار، لأنّ القول المعتمد في المذهب الشافعي وجوب الزكاة في مال الصغير، بينما لا يرى الأحنافُ ذلك(40). وكذلك الأمر في توريث ذوي الأرحام. فالأحناف يرون توريثَهم في غياب العَصَبات، بينما لا يرى الشافعيةُ ذلك؛ ولذا فإنّ السلطة عهدت بالقضاء في المواريث “الحَشْرية” إلى الشافعية أيضاً(41)، لأنّ الأموال قد تؤول من هذه الطريق إلى خزانة الدولة. ويحتار الطرسوسي قليلاً في ” تزويج الصغار” لأنّ سائر المذاهب تُجيزُ ذلك؛ وبخاصةٍ المذهب الحنبلي. ثم يَغْلِبُ عليه حِسُّه الإنساني، فينصح السلطان بمنْع القُضاة من سائر المذاهب من إجراء ذاك العقد المُشين(42). وهو يتّهم قُضاة المالكية بالتهاوُن في حفظ أموال الأوقاف الخيرية والأهلية. والعملُ الوقْفي مَصونٌ في الفقه الشافعي أكثر من الفقه الحنفي، لأنَّ الإمام أبا حنيفة ما كان يقولُ بانتقال الملكية في الوقف، أي أنه كان لا يرى تأبيده. كما أنه كان يكرهُ الوقف الأهليَّ، لتناقُضه الظاهر مع آيات المواريث في القرآن. بيد أنّ القاضي الطرسوسي يتجاهلُ الأمر كُلَّه، ويُظهر حرصاً على الأوقاف، وينصح السلطان بعدم الوثوق بالشافعية في توليتهم إدارة أوقاف الجامع الأُموي الضخمة. ونفهمُ من رسالة الطرسوسي في النتيجة أنّ بقاء الأوقاف وازدهارها في سائر العصور، ما كان بسبب حرص الفقهاء أو السلطة عليها؛ بل للتأييد الاجتماعي الكبير لها، وعدم قُدرة السلطات على إلغائها أو الاستيلاء عليها رغم المحاولات الكثيرة(43).
بيد أنّ رسالة الطرسوسي تُعطينا صورةً غير زاهية عن المؤسَّسة الفقهية في القرن الثامن الهجري؛ إذ يبلُغُ الصراع بين اعضائها حدودَ الطلب من السلطة السياسية التدخُّل في أحكامها وإجراءاتها؛ في حين يذهب الطرسوسي، والآخرون الذين سبق ذكْرُ نصوصهم في سياقٍ آخَر، إلى أنّ ذلك التدخُّلَ بالذات هوتدخُّلٌ  للسياسة على حساب الشريعة(44)!
ومن جهةٍ أُخرى؛ فإنّ رسالة الطرسوسي هذه، والتي تنصحُ السلطان في النهاية بالانتصار للشريعة (بحسب فقه الأحناف)، بدلاً من “السياسة”، لا تستطيع إخفاء العيوب ووجوه القصور الموضوعية والتقنية في النظام الفقهي/ القضائي. وفي مسائل مثل البيِّنات والشهود وسماع الدعاوى، وتنظيم مجلس الحكم، وتسجيل الأحكام، وإنفاذها، وبطء عمليات المحاكمة، وضآلة إمكانيات المراجعة في الأحكام، لعدم وجود الدرجات في التقاضي.
بيد أنَّ الأهمَّ من ذلك طبيعة القضاء الإسلامي ذاته. إذ هو أشبهُ بالـ Common Law في التقليد الانجلوسكسوني، والذي يعتمدُ العُرف، ويلعبُ فيه القاضي دوراً رئيسياً. وبحسب العرض السابق، ما استطاعت الدولةُ في عصورها الأُولى أن تفرضَ نصّاً أو نظاماً معيَّناً Code  أو Coded Law لأنَّ الفقهاء تولَّوا العملية التشريعية. وقد خفّف من طبيعة المشكلة بعض الشيئ ظهورُ المذاهب، والتي سادتْ في كلٍ منها آراء وتقاليد في شتّى المسائل تحت أسماء مختلفة مثل الراجح في المذهب، وما عليه الفتوى، والقول الراجح/ والمختار في المذهب. كما سادت إجماعاتٌ في أصولٍ كثيرةٍ عبر المصادر والقواعد والأعراف. لكنْ كان المفروض أنَّ القاضي أو قاضي القُضاة على الأقلّ، ينبغي أن يكونَ مجتهداً ، وحدودُ اجتهاده إمكانُ الأخذ بآراء غير راجحة في مذهبه في إحدى  القضايا. بيد أنّ ذلك ما كان يحدُثُ في العادة. وإذا حدث فإنه لم يكن محموداً من جانب زملائه رغم إقرارهم من حيث المبدأ بضرورة الاجتهاد! كما نعرفُ من حالاتٍ معينةٍ مثل اجتهادات ابن تيمية(-728هـ/1327م) في المذهب الحنبلي، وهو ما تولَّى القضاءَ على أيّ حال. ويبقى السؤال: هل كان بوُسع المتقاضين إلى قاضٍ شافعيٍ في نيسابور في القرن السادس الهجري أن يتوقّعوا الحكم الذي سيُصدرُهُ القاضي في قضيتهم؟
على أنّ مشكلات القضاء والمؤسَّسة القضائية والفقهية، لا تعني أنها لم تكن شعبية. فقد استظلّت بظلال الشريعة الوارفة، وظلَّ الناسُ ينظرون إليها باعتبارها الملاذَ الأخير من استبدادية السلطة وعشوائية رجالاتها؛ وذلك رغم تعددية المذاهب، وتعددية القُضاة، والاستنصار بالسلطة السياسية في التنافُس على المناصب التدريسية والوقفية والقضائية، بين أعضائها. وخيرُ دليلٍ على ذلك: المشهدُ الحزين الذي يعرضُهُ المؤرّخ المصري ابن إياس للقاهرة في جُمادى الآخرة سنة 928هـ/1521م عندما وصل للبلاد رسولٌ ( يسميه باسمه التركي: أُلاق) من السلطان سليمان القانوني يحمل الأمر السلطاني بإلغاء نظام القُضاة الأربعة، وقصْر القضاء على المذهب الحنفي، الذي تولاّهُ قاضي العسكر سيدي جلبي(45).

V

المؤسسةُ الفقهية /القضائية في العهد العثماني: بلغت المؤسسةُ الدينية/الفقهية ذِروةَ نفوذها- كما هومعروف- في العصر العثماني. والرمْز الظاهرُ لذلك تاريخياً منصب شيخ الإسلام الذي ظهر في عهد السلطان مُراد الثاني(1421-1451م). وقد شملت صلاحياتُ المنصب مجالاتٍ ما عرفها منصبُ قاضي القُضاة، ولا أيّ منصبٍ دينيٍ من قبل. ومن ذلك الإشراف على المدارس والأوقاف والمفتين والقُضاة ومشايخ الطرق الصوفية. وبسبب اتساع نفوذه هذا، اختلفت آراءُ الدارسين في أَصْله ومعناه، ولماذا استُحدث على غير مثالٍ سابق، وهل كان استيعابُهُ ضمن إدارة الدولة قوةً أو ضعفاً له(46). وتشير تطورات المنصب بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر إلى ثلاثة أمور: حاجة العثمانيين- مثل المماليك من قبل- إلى مستنداتٍ للمشروعية، ليس باعتبارهم غُزاةً ومجاهدين في سبيل الله وحسْب؛ بل وباعتبارهم حَمَلة لواء الشريعة وحُماتها. والأمر الثاني إزدياد الميول لدى النُخَب  العثمانية بعد الاستيلاء على ممتلكات السلطنة المملوكية ومن ضمنها الحَرَمان الشريفان والقدس، إلى الظهور بمظهر التمثيل والاتّباع للشريعة أكثر من السلاطين الآخرين، مما يقتضي الارتباط الأوثق بمصادر الإسلام. وبخاصةٍ أنّ ذلك اقترن بالصراع العنيف مع الصفويين، وبإنهاء الخلافة الشكلية للعباسيين بالقاهرة. والأمر الثالث تضخم الإمبرطورية وامتدادها باعتبارها قوةً عظمى تُقابل الممالك الأوروبية المنضوية تحت الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة المستظلّة بالبابا والكنيسة المقدَّسة.
وقد عنى ذلك بالطبع قوةً ظاهرةً للفقهاء الأحناف، وللقُضاة، وللمدرّسين والمفتين. وترافق ذلك مع ظهور الهَرَمية المعروفة للمدارس الثماني، والأُُخرى المعروفة للقُضاة – بحيث يمكنُ القولُ إنه وللمرة الأولى في تاريخ التجربة الإسلامية الوسيطة صارت هناك مؤسسةٌ  دينيةٌ بالمعنى المشهور للكلمة(47).
إنّ المجال الذي يُهمُّنا هنا هو طبيعةُ العلاقة بين المؤسسة الدينية/ الفقهية والدولة؛ ولذا فسنكتفي بعرض الإشكاليات الناجمة عن التناظُر والتوازي والتداخل بين القانون( السلطاني) والشريعة ( أو في الحقيقة الفقه الحنفي). والطريف في هذا الصدد تلك الأوامر السلطانية التي كانت تطلب من القُضاة اتّباع المذهب الحنفي في أقضيتهم دون غيره. فـ Richard Repp  يعتبر ذلك نوعاً من أنواع القوانين التي عُرفت في العهد العثماني. ولستُ أعتبر ذلك من ضمن “القانون” الذي نعرفُ أنه اصطلاحٌ عُرف في السلطنة العثمانية منذ القرن الرابع عشر، وهو يتناولُ مجالين اثنين رئيسيَّين: المجال التنظيمي، مثل تنظيم المحاكم والجيش، وتحديد العشور وضرائب الأرض الزراعية، وعلاقات الأفراد بالدولة. وهذا المجال سلَّم به الفقهاءُ للدولة منذ القرن الهجري الثاني كما سبق أن ذكرت. والمجال الثاني هو مجالُ الجنايات أو قانون العقوبات. وهو على شكلين؛ الأول: ما تعلّق بالحدود الشرعية،وليس من المعروف أنّ السلاطين تدخلوا في مسألة الحدود التي قررتها النصوص الشرعية. والشكل الثاني: عقوبات وتعازير كان السلاطين يفرضونها بقوانين، وهي تفوق الحدود أحياناً أو تحدّد عقوبات على ارتكابات ما اشترع لها الفقهاء. لكنّ الفقهاء كما سبق أن ذكرْنا اعتبروا بعضَ ذلك من باب”السياسة الشرعية” والتي تقتضيها هيبة الدولة أوالسلطان، وبخاصةٍ عندما تكثُرُ الجرائم أو يشيعُ الفساد. إنما الجديدُ في الأمر في الدولة العثمانية أنّ السلطان كان يطلُبُ من القُضاة أحياناً تطبيقها. ولذا فلا يمكن اعتبارُها اجتهاداً من القاضي ولا نظراً من جانبه(48). وما عنيتُهُ أنّ مصطلح “السياسة الشرعية” قبل العصر العثماني كان ينطبق على إجراءات السلطة ذات الطبيعة القضائية والتي تتمُّ خارج القضاء. فالجديد في العصر العثماني أنّ السلطان كان يُصدر قانوناً يطلب فيه إلى القُضاة زيادة العقوبة على هذه الجناية أو تلك، فلا  يعود الأمر ظرفياً أو استثنائياً، لكنّ القاضي يظلُّ يذكر في حيثيات الحكم أنه ناجمٌ عن القانون االسلطاني، وليس عن الراجح في الفقه الحنفي.
والواقعُ أنه في الحالتين التنظيمية ، والأُخرى الداخلة في السياسة الشرعية، لا نجدُ من اعترض أو احتجَّ من الفقهاء أو القُضاة؛ لأنهم اعتبروا ذلك في الغالب من صلاحيات السلطة السياسية. إنما الطريفُ هنا أيضاً أننا كما نجد من السلاطين تدخلاً في الشأن القضائي/الشرعي، نجد تدخُّلات من جانب الفقهاء في الشؤون التنظيمية التي تقع خارج صلاحيات المؤسسة الفقهية. ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام أبو السعود (- 982هـ/1574م) في إحدى معروضاته أو فتاويه في مسائل الإقطاع، إنما باسم الإنصاف والعدالة، وليس باسم الشريعة. فقد كان هناك قانونٌ يقول إنّ توريث الأرض المُقطَعة هو للأولاد الذكور فقط، وطلب أبو السعود أن لا تُستثنى منه  الإناث من بنات المتوفَّي فلبَّى السلطان طلبه في تعديلٍ على القانون صدرعام 958هـ/1551م(49). ويمـكن ذكْر حالاتٍ كثيـرة خلال القرنيـن السادس عشر والسابع عشر تدخَّلَ فيها شيوخُ الإسلام لتعديل قانونٍ أو اقتراح قانون، أو أنّ السلطان بادر إلى سؤالهم في مسائل رأَوا فيها أو رأى فيها السلطانُ مصلحةً أو تصحيحاً لأوضاع قائمة. بيد أنّ هذه الحالات جميعاً داخلةٌ في أحد النوعين: النوع التنظيمي أو نوع السياسة الشرعية القائمة على اعتبار مصلحة الدولة، ولا شيئَ فيها داخل بوضوح في مجال عمل فقهاء المذهب. وهكذا فإنّ السلطة السياسية كانت تلجأُ إلى الفقهاء في أحيانٍ كثيرةٍ في مسائل يقوم بها في العادة الجهازالإداري المدني أو العسكري للدولة. وقد كان ذلك بالطبع دليلاً على التعاون والثقة بين الجانبين. ولدينا حالة تدخَّل فيها شيخ الإسلام يحيى أفندي عام 1623 لدى النيشنجي أقجه زاده أفندي مقترحاً تعديلات وموادّ في بعض المسائل القانونية، ما لبثت أن ظَهرت في ” قانون نامه جديد”(50).
وكُلُّ هذه الحالات تشير إلى  أنَّ كلاً من السلطتين كانت تقومُ بمهامِّها المحدَّدة، دونما تصادُم، ثم كانت هناك في الغالب مبادراتٌ للتعاوُن وطلب الرأي والمشورة. والأمور المذكورةُ – كما سبق القول- داخلة إمّا في الشؤون التنظيمية للدولة، أو في مسائل السياسة الشرعية التي يتقصَّدُ السلطانُ بها مصلحة الدولة. فلا توتُّر بين القانون والفقه ( أو الشريعة) في هذين المجالين، في غالب الأحيان، أو أننا  لانلاحظُه.
وإنما يظهرُ التوتُّر بين القانون والفقه في المسائل الداخلة في مجال عمل الفقهاء، ومن ذلك الحالتان المشهورتان، واللتان تتعلَّق كلتاهما بالأوقاف. حدثت الحالةُ الأولى في آخِر عهد السلطان محمد الفاتح عام 1481م عندما أقدم السلطان على إلغاء وقْف زُهاء العشرين ألف قرية ومزرعة، وحوَّلها إلى ” أرض ميري”. لكنّ ابنه بايزيد الثاني، وأمام تكاثُر “المعروضات” عليه، أَلْغَى الإجراءَ الذي اتّخذه والِدُهُ، فانتهى الأَمْرُ عند هذا الحدّ(51).
أمّا الحالةُ الثانيةُ والتي اشتهرت أكثر فهي” وقفُ النقود”. وهي مشكلةٌ قديمةٌ في الفقه الحنفي تقعُ بين مسألتين غير محبَّبتين لدى الفقهاء الأحناف: مسألة جواز وقف المستهلَك، ومسألة جواز وقف المنقول. وهي مسائلُ انحلّت قديماً عند المالكية، وفيما بعد لدى  الشافعية، بينما جرى العملُ بها لدى الحنفية منذ القرن الثالث عشر رغم منع وقف المستهلَك لدى الجيل الأول من فقهاء المذهب، وعدم إجازة وقف المنقول إلاّ  في رأْيٍ مرجوحٍ بالمذهب. ففي عام 952هـ/1545م ذهب قاضي عسكر جوي زاده إلى حُرمة وقف النقود لأنه يؤدّي للوقوع في الربا(52). وعندما عُرض الأمر على السلطان سُليمان اقتنع بمسوغات المنع، وأصدر قراراً بمنع وقف النقود، وحلّ الأوقاف الموجودة أو مصادرتها. وبسبب تضرُّر المرافق المستفيدة من ” وقف النقود” فقد كثُرت الشكاوى من هذا الإجراء، ولذا تدخَّل أبو السعود بعد وفاة جُوي زاده عام 954هـ/1547م فأصدر فتوى بإجازة وقف النقود بحجتين: رأي لزُفَر بن الهُذيل تلميذ أبي حنيفة في جواز وقف المنقول، وأنّ العملَ كان على ذلك لعدة أجيال. وأُرسلت الفتوى أو المعروضة إلى السلطان، فعرضها على فقهاء كبارٍ آخرين، ثم أصدر قانوناً بالعودة إلى وقف النقود، ولسببين: تأييد أكثرية العلماء لوقف النقد، ولأنّ إلغاءه أَضَرَّ بالمساجد والسُبُل التي كانت تعتمدُ في ارتفاقها عليه.
ولنتوقَّف عند هذا الحدّ، ولنعُدْ إلى إجمال الموضوع في العصر العثماني، والاستنتاجات العامة. فقد كان هناك تمييزٌ بالطبع بين الشأن السياسي والعام، والشأن الديني والفقهي. بيد أنّ التجاذُب لم يقتصر على الوقوف عند أطراف المجالين كما في العصور الإسلامية السابقة للعثمانيين؛ بل صار هناك تداخُلٌ أكبر بين السياسة والفقه  أو بين المؤسستين الإدارية والفقهية. والجديد في العصر العثماني غير ازدياد التداخُل، أنّ السلطان كان يتدخَّلُ مشترعاً أو مقنِّناً ليس في المسائل التنظيمية والإدارية وحسْب؛ بل وفي المسائل الفقهية أو الداخلة في مجال عمل الفقهاء والمفتين. وقد أحدث ذلك بعض التوترات أوالتذمُّرات، ثم انتظمت العملياتُ التشريعيةُ وانضبطت بخلاف ما كان يحدُثُ أيام المماليك والعباسيين من قبل. هناك كانت السلطات تقومُ بإجراءٍ ما فيُعتبر من السياسة الشرعية أومن الظُلْم والتعدي، وما كانت هناك آليةٌ لحلّ النزاعات التي تجري بين المجالين الدولتي والفقهي. أمّا في العصر العثماني؛ فإنّ السلطان، ومنذ القرن السادس عشر، كان يُبادر إلى عرض الأمر المستجدّ على شيخ الإسلام والمفتين الآخَرين، أو أنّ المفتين يبادرون إلى عرض الأمر عليه، ثم تجري نقاشاتٌ يُصدرُ في نهايتها السلطان قانونَهُ. وهذه العمليةُ ما كانت تجري باتجاهٍ واحدٍ أي في مجال عمل الفقهاء فقط؛ بل كان الفقهاءُ يتدخَّلون من طريق المعروضات أيضاً في مسائل تنظيمية وإدارية لا تتصل بمجالهم مباشرةً(53)، وإنما يرون فيها مصلحةً للناس وللدولة. ويكونُ التدخُّل إمّا من طريق المعروضات أو الفتاوى الموجَّهة للسلطان، أو بحديث شيخ الإسلام في الديوان أو المجلس السلطاني.
وهكذا، فقد كان  التجربةُ العثمانيةُ متقدمةً على الأزمنة السابقة من حيث إنّ العلاقة بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية كانت أفضل أو أكثر انتظاماً وسلاسة. ولذا فقد أمكن الوصول إلى آليات لحلّ النزاعات الناجمة عن ازدياد التداخل بسبب قوة الدولة، وقوة المؤسسة الدينية في الوقت نفسه- ومُراعاة الاحتياجات المستجدّة، بالتشاور بين المؤسَّستين، وتحويل التوافُقات إلى قوانين، نصّتْ منذ القرن السادس عشر على مُراعاة الشريعة والخضوع لها؛ وفي المجال الديني وما يتصل به من قريبٍ أو بعيد بشكلٍ خاصّ. وقد توصَّل ريتشارد ربّ  R. Reppإلى خُلاصة أرى أنها صحيحةٌ عندما قال إنه من المبالغة الذهاب إلى أنّ الفتاوى كانت تتحول إلى قوانين تلقائياً، كما أنه من المبالغة القول بأنّ الشريعة لم يكن لها دورٌ في عملية صُنع القانون؛ وبخاصةٍ في مجال عمل الفقهاء، والمجال الاجتماعي. فقد كان هناك في المجال الدولتي العثماني انسجامٌ وتنسيقُ وتكامُلٌ بين المؤسستين السلطانية والفقهية،  وفيما بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر على الأقلّ(54).
في القرن التاسع/ العاشر الميلادي اكتمل ظهور المؤسسة الدينية والفقهاءُ والقضاةُ أقوى حلقاتها. فانتظمت بهذا الظهور القوي مسألة تقسيم العمل بين المؤسستين القويتين السياسية والفقهية، إذ استأثر الفقهاء بالتشريع، وما يتصل به من اعتباراتٍ رمزية واجتماعية. وظلّت هناك تداخلاتٌ ومناوشاتٌ بين المؤسَّستين على أطراف المجالين في المسائل الوسيطة بين الديني والسياسي. وكان من ضمن تلك المناوشات ظهور قضايا ونقاشات بشأن الشريعة والسياسة والسياسة الشرعية، والتي اتخذت في العصر العثماني عنواناً آخر هو الشريعة والقانون. وقد حدثت اختلالاتٌ في تلك القسمة مع ظهور السلطنات التركية، وَجَد لها المماليك حلاًّ، ثم وَجَدَ لها العثمانيون حلاًّ آخر أضفى انسجاماً أكبر وانتظاماً أَوضح على مدى أربعة قرونٍ ونيّف.

 


 

الحواشي
(1) آخِر الدراسات عن التطورات المسيحية الأولى، الكتاب الذي أصدره مجلس كنائس الشرق الأوسط بعنوان: المسيحية عبر تاريخها في المشرق. بيروت 2002. وBernd Moeller, Geschichte des Christentums in Grundzügen. Vandenhoeck, Ruprecht. 2007.
(2) هناك اختلافٌ كبير في مسألة المؤسستَين في الإسلام، وما ذكرْتُهُ هو حصيلةُ دراساتي الخاصّة؛ قارن: الدين والدولة، إشكاليات الوعي التاريخي؛ في كتابي: الجماعة والمجتمع والدولة، بيروت: دار الكتاب العربي، 1997، ص ص 357-412.
(3) ناقش هذه المسألة بالتفصيل كلٌّ من Crone  و Hinds في كتابهما  God’s Caliph (1986) ، وناقشتُ المسألة كلَّها في دراستي: “الخلافة والمُلْك ” في كتابي: الجماعة والمجتمع والدولة، ص ص 59-121.
(4) أهمُّ مَنْ اعتنى بأمر التطورات الفقهية في العقد الأخير الأستاذ وائل حلاّق، أستاذ الفقه الإسلامي بجامعة كولومبيا. ودراساتُهُ موجودةٌ بالإنجليزية والعربية وأهمُّها: نشأة الفقه الإسلامي وتطوره( بيروت، 2007)، والسلطة المذهبية( بيروت، 2007)، وتاريخ النظريات الفقهية في الإسلام( بيروت، 2007).
(5) أهمُّ الدراسات وأحدثُها ، دراسةJ. van Ess  في كتابه: Theologie und Gesellschaft im 2. und 3. Jahrhundert Hidschra. Bde. II, III, 1993-1995,  – وفهمي جدعان: المحنة: جدلية الديني  والسياسي في الإسلام، عمان: دار الشروق، 1993.
(6) قارن بـ Christopher Melchert, Ahmad ibn Hanbal (2006), PP. 4-18, 88-102; Michael Cook: Commanding Right and Forbidding Wrong in Islamic Thought (2000), PP. 87-113.
وقد ترجمتُ هذا الكتاب الهامَّ إلى العربية مع الزميلين عبد الرحمن السالمي وعمّار الجلاصي، وصدر عام 2009 عن الشبكة العربية ببيروت.
(7) أبو زرعة الدمشقي: التاريخ ، نشر نعمة الله القوجاني. مجمع اللغة العربية بدمشق، 1984، م1، ص 601.
(8) سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم، نشر أحمد عبيد، دمشق 1370هـ، ص 42.
(9) أبو زرعة الدمشقي: التاريخ، مصدر سابق، 1/202.
(10) رضوان السيد: الجماعة والمجتمع والدولة، مرجع سابق، ص ص 110-116.
(11) Harald Motzki, Die Anfänge der islamischen Jurisprudenz
(1991).
(12) رسالة الصحابة لابن المقفع. دراسة وتحقيق فهمي سعد وطانيوس فرنسيس. بيروت: عالم الكتب، ص 58- 59. وكان محمد كرد علي قد نشر هذه الرسالة في مجموعته: ” رسائل البلغاء” للمرة الأولى عام 1914، ثم عام 1944.
(13) الشافعي: الرسالة. تحقيق أحمد شاكر.القاهرة: دار الفكر العربي، 1940، ص ص 212-234.
(14) عبد الله بن المقفع: رسالة الصحابة، مصدر سابق، ص 48.
(15) رسالة الصحابة، مصدر سابق، ص 58.
(16) رسالة الصحابة، مصدر سابق، ص 59.
(17) رسالة الصحابة، مصدر سابق، ص 48-49.
(18) رسالة الصحابة، مصدر سابق، ص 45.
(19) الذهبي: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام. تحقيق بشار عواد معروف. بيروت: دار الغرب الإسلامي م4، ص 722، 724.
(20) قارن بالفضل شلق: الزكاة والدين والدولة؛ في كتابه : إشكاليات التوحد والانقسام، بيروت 1985، ص ص 209-260، وانظر عبد الرحمن السالمي: الزكاة في الوعي والواقع؛ بمجلة التسامح العُمانية، السنة الرابعة، العدد 16، عام 2006، ص ص 212-238.
(21) قارن برضوان السيد: فلسفة الوقف في الشريعة الإسلامية؛ في كتاب: نظام الوقف والمجتمع المدني في الوطن العربي. نشر مركز دراسات الوحدة العربية: بيروت 2003، ص ص 43-74.
(22) قارن بالطبري: تاريخ الرسل والملوك. نشرة دي غويه، 2/1822-1836. وانظر عن مسألة الزندقة وتعامل السلطات والفقهاء معها، عبد العزيز الدوري: الزندقة والشعوبية: بيروت، دار الطليعة، 1963.
(23) أنظر عن قضاء المظالم؛ رضوان السيد: قضاء المظالم، وجهٌ من وجوه علاقة الدين بالدولة في الإسلام؛ بمجلة دراسات بالجامعة الأردنية، م14،1987، ص ص 226-258، Jürgen Nielsen: Secular Justice in an Islamic State, 1985.
(24) ابن فضل الله العمري: مسالك الأبصارفي ممالك الأمصار ( دولة المماليك الأولى)، دراسة وتحقيق دوروتيا كرافولسكي: بيروت 1986، ص ص 100-102. وانظر الفصل الذي كتبه ابن بطوطة في رحلته، نشرة باريس 1853، م1/89-91 عن قضاء المظالم أو مجلس المظالم بدار العدل في القرن الثامن الهجري.
(25) قارن عن “البُغاة” وأحكامهم في كتب الفقه الحنفي بالكاساني: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. بيروت: دار الكتب العلمية، 1986، 7/140-156، والمرغيناني: الهداية ( مطبوعة مع فتح القدير لابن الهُمام). نشرة بولاق، 1316هـ، 4/409-414. وقد عقد الطرسوسي الحنفي في رسالته: “تحفة التُرك فيما يجب أن يُعمل في المُلك”. تحقيق رضوان السيد، بيروت : دار الطليعـة 1992، فصـلاً عن ” أحكام البُغاة والخوارج على السلطان”، ص ص 117-131.
(26) قارن بالمصنَّف لعبد الرزاق الصنعاني. تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، م5، 211، 213، 227.
(27) الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية. نشرة Enger ، بون 1853، ص ص 38-42.
(28) أبو حامد محمد بن خليل المقدسي: بذل النصائح الشرعية فيما على السلطان ووُلاة الأمور وسائر الرعية. مخطوطة باريس رقم 451 (عربي)، ق 46ب- 48أ. والمقدسي هو صاحب كتاب: دول الإسلام الشريفة البهية وذكر ما ظهر من حِكَم الله الخفية في جلب طائفة الأتراك إلى الديار المصرية. نشر المعهد الألماني  ببيروت ، 1997.
(29) محمد بن عوض السنامي: نصاب الاحتساب، تحقيق وائل عز الدين. الرياض: دار العلوم 1985، ص ص 38-41.
(30) ابن قيم الجوزية: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية. نشرعبد الله العسكري( بغداد ، بدون تاريخ)، ص 15.
(31) الجويني: غياث الأُمم في التياث الظُلَم. تحقيق عبد العظيم الديب، الدوحة 1400هـ . ص 62-63.
(32) ابن الجوزي : المصباح  المُضيء في خلافة المستضيء. تحقيق محمد جاسم الحديثي، بغداد 1984، 1/298.
(33) السخاوي: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ، ص 90.
(34) المقريزي: المواعط والاعتبار في ذكر الخِطط والآثار. تحقيق أيمن فؤاد السيد. نشر مؤسسة الفرقان- لندن(2002)، المجلد الثالث، ص 713. وقارن بنصٍ مُشابه عند ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة 5/365-367.
(35) الخطط، مصدر سابق، م3/714.
(36) قارن عن ذلك Heribert Busse, Calif und Grosskonig (1979) ودراستي : رؤية الخلافة وبنية الدولة في الإسلام، في كتابي: الجماعة والمجتمع والدولة، مرجع سابق، ص 52-58.
(37) يرى بعض المؤلّفين في “السياسة الشرعية” حديثاً أنّ فقهاء الشافعية بالذات هم الذين تأبَّى عليهم التلاؤم مع متطلبات الأوضاع الجديدة، بينما استجاب لها الأحناف والمالكية والحنابلة. قارن بعبد العال عطوة: المدخل إلى السياسة الشرعية، م1/12، وعبد الغنى مستو: السياسة الشرعية. أطروحة غير منشورة ، ص 49.
(38) رضوان السيد، الجماعة والمجتمع والدولة، مرجع سابق، ص ص 52-58. والفضل شلق: الفقيه والدولة الإسلامية، دراسة في كتب الأحكام السلطانية؛ بمجلة الاجتهاد م1، عدد4، 1989، ص ص 91-158.
(39) قارن عن هذا الموضوع دراستي في مطلع نشرتي لتحفة التُرك فيما يجب أن يُعمل في الملك للطرسوسي. بيروت: دار الطليعة 1992، ص ص 13-18.
(40) الطرسوسي: تحفة الترك، مصدر سابق، ص 35-36.
(41) تحفة الترك، ص 36-37.
(42) تحفة الترك، ص 38-39.
(43) محمد محمد أمين: الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر، دراسةٌ تاريخيةٌ وثائقية. القاهرة: دار النهضة 1980، ص ص 234-258.
(44) تحفة الترك، مصدر سابق، ص ص 40-43.
(45) ابن إياس: بدائع الزهور في وقائع الدهور. تحقيق محمد مصطفى. القاهرة 1961، م5/453-454.
(46) قارن عن منصب مفتي اسطنبول وتطوره إلى شيخ الإسلام، والاختلاف في أصوله ومعناه وأهميته، جب وبوون: المجتمع الإسلامي والغرب. ترجمة عبد الرحيم مصطفى، م1، ج2، ص ص 84-86، Richard Repp, The Mufti of Istanbul. London 1986. وانظر مراجعةً نقديةً للكتاب في مجلة الاجتهاد، م1،عدد3، 1989، ص ص 187-191.
(47) قارن بثريا فاروقي: العلم والعلماء والدولة في العصر العثماني (القرن السادس عشر)؛ مقال مترجم بمجلة الاجتهاد، م1، عدد4، 1989، ص ص 183-200. وانظر كولينز إمبر: قضايا المثال والمشروعية في التاريخ العثماني؛ مقال مترجم بمجلة الاجتهاد م11، عدد43، 1999، ص ص 87-110.
(48) قارن عن ذلك: Haim Gerber : Ottoman Law in Comparative Perspective (1994), PP. 58-80; Richard Repp, Qanun and Sharia in the  Ottoman Cotext; in : Islamic Law (ed. A. Azmeh, 1988)PP. 124-146. – وقد ترجمتُ المقال بمجلة الاجتهاد، م1، عدد2، 1989، ص ص 153-173.
(49) ريتشارد ربّ: الشريعة والقانون، مرجع سابق، ص 158.
(50) H. Gerber. Ottoman Law. Op. cit. 128-215.
(51) ذكر ذلك ريتشارد ربّ في مقالته: الشريعة والقانون، مرجع سابق، نقلاً عن خليل إينالجك. وانظر عن مسائل الأوقاف في العصر العثماني: J. Barnes, An Introduction to Religious Foundations in the Ottoman Empire. Brill 1986.
(52) قارن عن المشكلة: E. Mandaville, “Usurious Piety: The Cash Waqf Controversy in the Ottoman Empire; in: IJMES 10(1979). PP. 289-308. وقد ترجمت هذه المقالة بمجلة الاجتهاد، م11، عدد43، 1999، ص ص 173-206.  وانظر الآن: دراسات في وقف النقود، مفهوم مغاير للوقف في المجتمع العثماني. تقديم ومشاركة محمد الأرناؤوط. بيروت: جداول، 2011، ومحمد الأرناؤوط: الوقف في العالم الإسلامي ما بين الماضي والحاضر. بيروت: جداول، 2011.
(53) على سبيل المثال، يذكر نوعي زاده عطائي في حدائق الحقائق في تكملة الشقائق ( اسطنبول 1267هـ)، ص 185، أنّ أبا السعود وبخلاف سابقيه أصدر فتاوى في مسائل الإقطاع وملكية الأرض!
(54) ريتشارد ربّ: الشريعة والقانون، مرجع سابق، ص 171.
error: المحتوى محمي