تأملات حول الفلسفة والسياسة في فضاء العالم – عبد الناصر حنفي

تأملات حول الفلسفة والسياسة في فضاء العالم – عبد الناصر حنفي


1- الفلسفة والذهاب إلى “ما هو سياسة”:

تلاحظ “حنة أرندت” أننا: “نجد عند كل المفكرين الكبار، بما فيهم أفلاطون، اختلافا في المستوى ما بين الفلسفات السياسية وبقية آثارهم الظاهرة للعيان، لا يمكن للسياسة أن تصل أبد إلى نفس العمق.”

وإذا ما افترضنا مصداقية هذه الملاحظة -النادرة الظهور والتكرار- فسيبدو أن الفلسفة كلما تعين عليها أن تذهب نحو ما هو سياسي فإنها ستندفع إلى سطح ما هو معاش، بحيث ستظهر وكأنها حريصة على محايثة الواقع في إجرائيته، وعلى ملاقاته في تلك الميادين المكتظة بالتنازعات الهادئة أو المحمومة حول إدارة الحياة. بمعنى أنها ستستقبل “المعطى السياسي” حيث هو وكما ينظر إلى ذاته، وتتركه يمر إلى أفكارها حاملا معه تحديداته وتصنيفاته ومهامه، ونافيا أو مقصيا لكل ما لا يتوافق معها أو يستجيب لها، مما يؤدي إلى تخارج الفلسفة عن ذاتها، وفقدها لما يخصها، وتقلصها -إن لم نقل تبددها- إلى ما يشبه “الحكمة” التي لا تكاد تطلب لنفسها مصيرا سوى التحول لإجراء متعين.

وهكذا، فالفلسفة التي تملك تحديد ووصف كيفيات ما هو كائن ومسارات تفسيره ستنحني أو تنكمش دائما أمام السياسة التي تستطيع في النهاية التحكم في وضع وإقرار شروط ما يبقى و”إجرائية” تغييره.

وهذا الانحناء الفلسفي لا ينبع بالضرورة من محض تواضع مذل أمام الهيمنة الواقعية لما هو سياسة؛ بقدر ما يعود إلى رهان دائم وقلق ولا يمكن تجاهله حول جدارة الفلسفة وقدرتها على ترويض مسارات السياسة ومستقبلها بحيث تصل إلى تحقيق حالة من التطابق أو التوافق بين تفسيرها لما يكون من جهة، وإمكانات إدارة الحياة التي تقودها السياسة من جهة أخرى.

ولكن كل هذا لا يفسر سوى تكرار الحدث، لا تكرار نتيجته!

2- الفلسفة والاجتياح الماركسي للعالم:

وهذا الرهان الأشبه بالهاجس الملح، هذا الحلم الفلسفي الذي يبدو وكأنه مجهض دائما وممتنع أبدا؛ قد نجح مؤخرا في أن يلاقي ذاته عبر احتلال الفلسفة لمقعد القوة الضاربة في تلك الغزوة الماركسية العاصفة والمتفردة التي شهدها تاريخ الحداثة، وبرغم ذلك كانت الفلسفة هي أول من عانى وطأة هذا الجموح التاريخي الذي حاول أن يذهب بها إلى حيث تحلم، إذ مقابل السماح لها بامتطاء ظهر السياسة على نحو قلق ومتوتر ومؤقت! تم إخراجها من ذاتها والسعي إلى تجميدها داخل بعض لحظاتها، مع استخدام هذه اللحظات لتصفية ما بقي من الفلسفة التي تحولت هنا إلى مجرد مانيفستو، أو مذكرة توضيحية ذات طابع إجرائي للبرنامج السياسي الماركسي.

وبعبارة أخرى، فمع العصر الماركسي الذي ساد كامل القرن العشرين تقريبا؛ بدا وكأن الفلسفة قد تمكنت لأول مرة، وعلى نحو يخطف الأنفاس، من الاستيلاء على منصة التحكم في السياسة، ولكن ذلك تم بثمن باهظ للغاية، تم دفعه مقدما عبر التوقيع على صك نهايتها وإعلان موتها أمام أي مستقبل، ثم عبر استبقاء بقايا جثتها -المدموغة بختم الماركسية- والتي كانت تستخدم عادة بوصفها مطرقة لمطاردة وتفتيت ما هو فلسفة نهارا، ثم بوصفها كلب حراسة شرس يمنع محاولات “ما هو فلسفة” من التسرب نحو الجسد الماركسي ليلا.

3- تراجيديا الفلسفة والسياسة:

ولا أعتقد أننا بحاجة إلى مزيد من التحليل لنتبين هذا النفث أو حتى الفحيح التراجيدي الذي يحكم علاقة الفلسفة بالسياسة، فمن جهة كيف لنبل الفلسفة التي تسعى للإبحار في عمق العالم أن تتغاضى عن مواجهة تلك الدفة المتعالية التي تمثلها السياسة، وإذا لم تكن الفلسفة هي المنوط بها تفسير وتحليل أصل ما هو سياسة بكافة مساراته وعمليات إنتاجه، بحيث تنفتح فرصتها في تسوية التنازعات التي تقوم عليها فأي ممارسة أخرى تلك التي يمكنها التصدي لهذه المهمة!

ولكن من جهة أخرى فلماذا ينتهي هذا الاندفاع النبيل دائما إلى ذات المصير البائس والمبتذل، ولماذا تفشل الفلسفة كل مرة في استبصار مصيرها أمام انخطافها تجاه السياسة، ولماذا تنقلب الفلسفة على ذاتها لتتأرجح بين الحكمة الإجرائية وبرامج التطلب المصمتة كلما كان عليها أن تمثل أمام السياسة بحيث تكاد تعمى عن نفسها وعن المسار الذي جلبها عبر العالم إلى حيث ما هو سياسة؟

وما هو ذلك النقص التراجيدي المبرح الذي تعانيه الفلسفة ويدفعها إما إلى الانخلاع عن السياسة بما يصحبه من إشاحة الوجه أمام العالم، أو إلى الاندفاع المرة تلو الأخرى لمواجهة ذات المصير؟

4- نحو تأطير الإشكالية:

والآن: إذا كانت الفلسفة تستطيع دائما النفاذ إلى حيث ما هو أعمق في علاقتنا بالعالم، على الأقل بحكم التعريف، وبحكم المهمة الموكلة إليها تاريخيا والتي لا يكاد يزاحمها أحد، فإن تفسير ذلك النكوص المتتالي والإخفاق التراجيدي المستمر أمام السياسة إما يعود إلى أن السياسة تسري، أو تحضر، أو تنبع من مكان ما أكثر رهافة وعمقا من أن تطوله الفلسفة، بمعنى أن ظاهرة السياسة لا زالت تمر بمسار لما يكتمل بعد نحو اكتشاف ذاتها والكشف عما يخصها، والتلاقي مع حدودها النهائية القصوى، بوصفها “تنازع عام حول إدارة الحياة”، ولنلاحظ -مثلا- أنه منذ عقود قليلة فقط أصبح من الممكن الحديث عن سياسات علمية، أو بالأدق “سياسات النظريات العلمية” بعد أن كان ينظر لهذه الممارسة تاريخيا باعتبارها مستقلة تماما في علاقتها بالحقيقة التي تتكشف امامها بذاتها استجابة لما هو منهجي فقط لا غير (ايا كان هذا المنهج). ومن جهة أخرى، وعبر أزمان متفاوتة مرورا بما هو راهن، بسطت السياسة هيمنتها على بعض الممارسات التي كان يظن دائما أنها “مصائر” فردية خاصة جدا في العلاقة بالعالم، مثل أمور الميلاد والموت، والصحة والمرض، والعمل والبطالة، والثراء والفقر … الخ، وحتى اللحظة ما زالت السياسة تطارد ما بدأ منذ أكثر من قرنين بوصفه حلما كانطيا في إدارة عقلانية للعالم ككل، وهو ما بات يتجسد عبر صراعها لتوحيد تفتتها بين المجتمعات والدول من أجل النفاذ إلى أفق “سياسة كوكبية”.  وبمعنى آخر، فرغم أن ظاهرة السياسة قديمة بقدر حضور ما هو إنساني في العالم، إلا أنه يبدو أنها لا زالت ظاهرة أقل استقرارا وأكثر حراكا مما نتخيل، أو باختصار: هي ظاهرة لا زالت في طور كشف ذاتها.

ومن زاوية الفلسفة، فربما ثمة نقطة عماء ذاتي، أو قصور تحليلي ما في صلب المنهج الفلسفي، مما يجعلها دائمة التعثر أمام السياسة، وربما لا زالت هناك مهام معلقة يتعين على ما هو فلسفة أن يجتازها ويتجاوز ثغراتها قبل أن يتمكن من الذهاب إلى خوض مواجهة متوازنة أمام ما هو سياسة.

ولكي نستطيع تحليل هذه الاحتمالات كل على حدة، أو عبر تقاطعهما معا، فنحن بحاجة إلى بناء نموذج مبسط قدر الإمكان يمكن عبره أن نعيد إنتاج مسار كل من الفلسفة والسياسة في الخروج إلى العالم، بحيث يكون كاشفا لتلك الثغرات أو المناطق المظلمة أو غير المفكر بها في تلك المسارات، ومنفتحا على الحدود القصوى التي يمكن أن يمتد إليها حضور هذه الظواهر.

5- الفلسفة والسياسة، والخروج إلى العالم:

الفلسفة والسياسة هما من أهم الممارسات التي نستخدمها لشق مسارنا في رحلة الذهاب إلى العالم، وبوصفهما كذلك فهما لا ينتهيان إلى ذاتهما قط، ولا يمكن أن يقتصرا أبدا على الإحالة إلى نفسيهما، ومهما افترضنا أن مثل تلك الممارسات هي من أجل ما يخصها وحسب، فإن ما يخصها ليس معطى ناتج عن نشاطها الذاتي، وبالتالي فلا بد لها أن تتحرك على نحو ما من أجل ملاقاته في العالم، ولذلك فأيا كانت النقطة التي يمكن أن نفترضها كبداية لحركة الفلسفة أو السياسة فإن تلك الحركة ستقودهما في النهاية إلى مسار ما في اتجاه الخروج إلى العالم.

وهذا يعني ببساطة أنه إذا ما كنا نبحث عن نموذج يستطيع تأطير العلاقة بين الفلسفة والسياسة فعلينا ألا نبدأ بما هو معلن من تعريفات ذاتية تقدم مجالهما أو نشاطهما، فكل هذا سيفقد الكثير من معناه وأهميته ما لم نستطع وضعه في محل حضوره داخل العالم.

ومن أجل ذلك فعلينا أولا أن نشرع في تأطير ما يمكننا تسميته بفضاء العالم، بحيث نقوم بتأسيس بعض النقاط الجيوديسية التي يمكنها أن تمنحنا ما يشبه “إحداثيات مشتركة” لحقول حضور كل من الفلسفة والسياسة.

6- العالم والحقيقة والتعين:

الحقيقة هي ما يبقى دائما من العالم، أو ما يبقى في العالم بوصفه حضورا متجانسا وغير منقطع، وعلى هذا النحو فالعالم لا يستطيع تجاوز “ما يبقى” مثلما لا يستطيع تجاوز حضوره دون أن يتسبب في انقطاعه وهذا الانقطاع -إن حدث!- يعني إما تفتت العالم نفسه وخروجه إلى حالة غير معروفة تتجاوز نطاق اهتمامنا هنا، أو سيؤدي إلى استبدال “ما هو حقيقي” بآخر، وهو ما لا يمس بمفهوم “الحقيقة ذاته”، بمعنى أن تلك الحالة قد تؤثر على ما يتضمنه فضاء العالم ونمط توزيعه، ولكن شكل أو هيكل هذا التوزيع لن يتغير، وبالتالي فلا تأثير له على نموذجنا.

وهكذا، فالعالم لا يستطيع أن يتجاوز حقيقته، وبالتالي فأي ممارسة أخرى تتحرك داخل فضاءه لن تستطيع ذلك أيضا، والحقيقة إذا تمثل ذروة ما يصل إليه العالم في علاقته بذاته وفضاءه، وهي ذروة نفترض في هذا النموذج أنه لا يمكن تخطيها، وهو ما يجعلها بمثابة نقطة جيوديسية ممتازة.

وبالمقابل يمكننا اعتبار “التعين” هو الحد الأدنى الذي لا يمكن لحضور العالم أن يتجاوزه، وأيا كانت طريقة إنتاج أو إعادة إنتاج “ما هو متعين”، وسواء كانت تقدم نفسها بوصفها تعود إلى نشاط الوعي أو الروح بصفة أساسية (مثل كل ما يمكن اعتباره خيال، أو حتى مكون رياضي) أو كانت نتاج حسي مباشر لجلب ما هو “كائن هناك” إلى الوعي، ففي كل الحالات فإن عالم بلا تعين هو أقرب للعماء اللزج والكثيف الذي لا يمكن الحركة داخله، مثلما يكاد يستحيل إنجاز أي وصف له.

وهكذا، فالعالم يختفي تماما باختفاء “ما هو متعين” ويغرق في العماء، مثلما لا يستطيع أن يتجاوز حقيقته دون أن يتفتت ويفقد تماسكه، وبالتالي فعلى امتداد المسافة بين هاتين النقطتين الجيوديسيتين تقع كل حركة يمكن وصفها داخل هذا العالم.

7- نموذج الحركة في فضاء العالم:

كل تحليل لا يمكن ترجمته في النهاية إلى نمط للحركة في العالم لا يعول عليه.

وأبسط صورة يمكن عبرها مقاربة حالة الحركة هي السريان بين نقطتين بحيث يقترب “ما يتحرك” من إحداهما فيما يبتعد في الوقت نفسه عن الأخرى، وهذه الازدواجية في اتجاه الحركة تثبت -حال تحققها- الحد الأدنى من تواصل وتجانس الفضاء الذي تسري فيه، وهذا السريان يطابق النمط المجرد “للحركة الانتقالية” التي تشكل أساس النظر في الطبيعة.

 أما إذا كنا أمام حالة يمكن أن تتبادل فيها هاتين النقطتين مواقعهما بالنسبة لما يتحرك بحيث تصير إحداهما تارة نقطة اقتراب تارة ثم نقطة ابتعاد تارة أخرى، والعكس بالعكس، فنحن إذا أمام نمط “الحركة الدورانية” في أجلى صوره تجريدا.

وتحليل نمط الحركة في الفضاء يمكن أن يصبح ميسورا وأكثر تقاربا مع الحالات الواقعية عبر استخدام مفهوم نقاط المرور، أي تلك النقاط التي تمر بها الحركة أو تعبرها في فضاء النموذج، وهكذا، فإذا كانت إحدى هذه النقاط تتحول من نقطة اقتراب إلى نقطة ابتعاد، فهذا يعطينا اشتقاق آخر لنمط الحركة الانتقالية والتي يمكن رصدها بسهولة إذا ما تجاوزت الحركة هذه النقطة وغيرت من موضعها أو إحداثياتها، أما إذا كان لدينا نقطة مرور يتحول تموضعها أكثر من مرة بحيث تكون نقطة ابتعاد ثم اقتراب، ثم ابتعاد مرة أخرى، فهذا يمنحنا اشتقاق آخر لنمط الحركة الدورانية.

ومثلما يمكن تأطير الحركة في أي فضاء بين نقطتي ابتعاد/اقتراب، فكلما كان هذا الفضاء ممتدا أمكننا تقسيمه إلى نقاط مرور تعبرها الحركة، بحيث يصبح الحد الأقصى لامتداد الفضاء هو تلك النقاط التي لا يمكن أن تتحول أبدا إلى نقاط مرور وذلك طبقا لافتراضاتنا التي أقيم النموذج على أساسها.

وتكريس هذين النمطين من الحركة لتحليل أي فضاء يضع قيودا إجرائية واضحة على مقاربة نقطة الابتعاد بوصفها “أصل” أو نقطة الاقتراب بوصفها “غاية”، مثلما يرفع الكثير من الحرج الميتافيزيقي في التعامل مع مثل هذه المفاهيم.

8- حول حركة الفلسفة في فضاء العالم:

بغض النظر عن انكفاء الفلسفة على ذاتها منذ بدايات القرن الماضي تقريبا، سواء أمام السياسة أو العلوم الطبيعية، والاجتماعية، أو “المنطق”، وليدها المتمرد الذي هجرها وأحفاده للإقامة في تلك القصور الأكثر ثراء وبذخا والتي أسستها التكنولوجيا لصالح العلم الطبيعي، إلا أن تلك العجوز البائسة لا زالت مسئولة بالكامل تقريبا عن الامتدادات المعرفية لعالمنا، سواء في حدوده القصوى، أو فيما يتعلق بأعمق نقطة يمكننا بلوغها في إبحارنا عبر فضاءه، ويكفي أن تلك الأنفاق الغرائبية الضاربة في عماء العالم والتي حفرتها نظريتا الكم والنسبية -مثلا- في غيبة الفلسفة لا زالت تلاطم ظلامها الخاص حتى الآن ولا تستطيع التسلل إلينا إلا عبر حكايات منفصلة وقليلة التماسك، وذات طابع استعاري كثيف يستحضر أفق ما هو أسطوري.

وإجمالا، فلا تكاد توجد ممارسة تمتلك خاصية الحضور المؤثر في كافة أبعاد ومناطق فضاء العالم مثل الممارسة الفلسفية، والتي كانت حتى قرون قريبة البيت الوحيد للعلم بكافة صوره وتبدياته. وحتى المجالات التي انسحبت منها الفلسفة وتركتها لاستقلالها الذاتي ستظل في حالة تنادي معها لأنها غير قادرة على مقاربة ذاتها وأصلها أو معاودة فحص مساراتها على نحو جذري إلا عبر العودة إلى ما هو فلسفة.

ونقطتي التعين/الحقيقة اللتين رصدناهما بوصفهما الحدود القصوى لفضاء العالم هما في الوقت نفسه المناطق التي تثير ولع الفلسفة إلى درجة الهوس، وهي لا تكاد تستطيع أن تكف عن المراوحة بينهما باستمرار بحيث يتم إنتاج إحداهما عبر الحركة “الانتقالية” تجاه الأخرى، وهذه المراوحة ترسم نمط الحركة الدورانية، حيث تتحرك الفلسفة مما هو متعين طلبا لحقيقته التي تبقى، مثلما تتحرك انطلاقا من تلك الحقيقة طلبا لتعيناتها المشروطة بها.

إذا فالفلسفة تتحرك في فضاء العالم حركة انتقالية ودورانية معا، وعبرهما يمكنها أن تنتج مناطق معرفية أكثر ثباتا في العالم، مثلما يمكنها تعزيز وزيادة امتداد المسافات أو المساحات المأهولة معرفيا في العالم عبر استحداث نقاط مرور مترابطة تعبرها الحركة الفلسفية.

 ولا تتجاوز حركة الفلسفة الحقيقة أبدا، إلا تجاه حقيقة أخرى، مما يبقيها دائما داخل حدود فضاء العالم. وحتى عندما تصبح الحقيقة نقطة ابتعاد للحركة فعندئذ يحل محلها التعين بوصفه نقطة اقتراب، وهذه الحركة الانتقالية من الحقيقة إلى التعين دائما ما ترتبط بنقلة عكسية تعود من التعين إلى الحقيقة بحيث تستكمل الفلسفة حركتها الدورانية داخل العالم دون أن تتجاوزه.

وبالمقابل لا تتجاوز الفلسفة حالة التعين إلا إلى تعين آخر، وذلك برغم مغامراتها الأكثر شهرة منذ نقائض زينون في خوض العماء الملازم للعالم والمحيط به، والذي يفصل مكوناته عن بعضها البعض، إلا أنها لا تقارب هذا العماء الغير متعين بالضرورة إلا بوصفه امتدادا أو انقطاعا فيما يمكن تعيينه.

والحركة الدورانية المحمومة للفلسفة بين التعين وحقيقته، والحقيقة وتعينها، تميل مع التكرار “الناجح” إلى إلغاء -أو تجريد!- المسافة الظاهرة بينهما بحيث يصير ما هو متعين مقيما في الحقيقة ذاتها دون توسطات أو فواصل تقريبا.

وبعبارة أوضح، فالفلسفة في سعيها الانتقالي الأولى بين الحقيقة والتعين تعمد إلى استحداث العديد من نقاط المرور بينهما، بما يعنيه هذا من خلق المسافات والتوسع في إضافة مساحات أو استحضار موضوعات جديدة للعالم بوصفها محطات في الطريق الذاهب من التعين إلى الحقيقة. ولكنها في مرحلة تالية تعمد – طالما استطاعت بالطبع- إلى معاودة فحص نقاط المرور تلك وتقليصها قدر الإمكان عبر التخلص مما هو اقل ضرورة، ونفيه، وتقليص ما يبقى منها وتجريده إلى أقل عدد من النقاط التي يمكن المرور بها عبر خطوات أو انتقالات مستقرة يمكن تكرارها بوضوح، بحيث تكاد تصبح الحركة الدورانية بين الحقيقة والتعين شبه مغلقة على ذاتها، وتأخذنا دائما في الطريق ذاته.

وأشهر مثال تاريخي على هذه الحالة بالطبع هو “المنطق” القديم، والذي كان ظهوره على هذا النحو بمثابة عتبة فارقة وقطيعة بلا رجعة بين “ما هو فلسفة” وما هو حكمة.

 وإلغاء أو دمج المسافة على هذا النحو هو دائما حدث حاسم في تاريخ المعرفة أو الأبستمولوجيا، برغم أنه حدث إشكالي عادة بالنسبة للفلسفة لأنه فيما يفتح أفق جديد أمام الحركة في العالم، فإنه أيضا يبتلع أو يضيق كثيرا المساحات المتاحة لحركة الفلسفة بوصفها فلسفة، وهو ما عانته الفلسفة أمام المنطق الأرسطي لقرون طويلة، وهو أيضا ما تعانيه اليوم أمام فينومينولوجيا هوسرل التي وصلت بالمشروع الفلسفي الذي دشنه ديكارت إلى منتهاه تقريبا، ويمكننا تلمس معاناة البحث عن مناطق للحركة إذا ما تأملنا في تلك المساحات المتناهية الضآلة التي تستحضرها تحليلات هيدجر، ومحاولاته الدائمة -خاصة في مرحلته المتأخرة- في تحليل أي مفهوم يتناوله باعتباره حركة “تتجه إلى”، وكأنه يسعى إلى توسيع الامتدادات واستحداث المسافات عبر خلق مناطق مرور مستحدثة باستمرار، فيما لم يستطع حتى النهاية إلا خلق انتثار لنقاط مرور تكاد تتحرك بذاتها نحو العالم، ولذلك ظل طول الوقت يكرر الحركة التحليلية نفسها تقريبا مع اختلاف المعطيات، ومن نفس المنظور يمكننا التوقف عند دريدا ومحاولاته الأصيلة في كسر انغلاق تلك الحركة الدورانية على نفسها حتى وإن أدى هذا إلى تدمير كل ما يتعلق بترابطات ما هو متعين بما هو حقيقي.

 وعبر الاحتفاء بالانتثار الهيدجري والانتشاء بالتدمير الدريدي تتصاعد المناداة بنهاية الفلسفة وعدم قدرتها على تجاوز ذاتها، وأن عليها أن تفسح الطريق لممارسات أخرى تبدو أكثر حيوية بعد أن لم يعد لديها جديد تقدمه سوى معاودة اجترار ذاتها، ولكن من الطريف أن التفاتة عابرة إلى التاريخ قد تخبرنا أن نهاية الفلسفة على هذا النحو الذي يستولد اليأس تجاهها وينحيها لصالح ممارسات أخرى قد تكررت أكثر كثيرا من بداياتها!

ولذلك فبعيدا عن تلك الأزمة التي تخوضها الفلسفة كلما استحدثت طية ضيقة بين التعين والحقيقة ثم أسرت داخلها وضاقت عليها مساحات الحركة لحين، إلا أنه من جهة أخرى؛ فهذا الحدث هو دائما بمثابة حدث تأسيسي لصالح العالم، فمثل هذه النتوءات المعرفية أو الأبستمولوجية التي تتأسس عبر تجريد ما هو متعين بحيث يتطابق مع ما هو حقيقي على نحو يكاد ينطوي فيه أول العالم مع آخره، يجعل هذه الطية تظهر عادة في محيط العالم بوصفها أرض صلبة أو جزيرة جديدة يمكننا تسميتها بـ”طرح الفلسفة” أو راسب “ما هو فلسفة”، بحيث سيبدو وكأننا أمام ظاهرة اركيولوجية تفرز طبقة جديدة من ارض العالم، وتجعلها مهيأة لاستقبال الحياة على بقعة معرفية أكثر ثباتا واستقرارا، وسواء خصصت هذه الجزيرة أو الأرض الجديدة نفسها لمجرد توسيع نطاق الممارسات داخل العالم أو منحت سيادتها لمجال معرفي بعينه، فإن الفلسفة عادة لا تقيم طويلا في مثل هذه الأماكن التي تصبح ضيقة للغاية بالنسبة لمتطلبات حركتها، وهي تظل في نزاع مع ذاتها إلى أن تصبح قادرة على معاودة الإبحار في العالم!

error: المحتوى محمي