تأثير الغزالي السياسي في المغرب الموحدي – أحيمدة النيفر

تأثير الغزالي السياسي في المغرب الموحدي – أحيمدة النيفر

(المسلم المعاصر – مصر / 1989م) – حرره لحكمة: مها الحربي

 


 

*السياسة عند الغزالي وميكافيلي

«كان يكتب نصيحته -ظاهريا- للملوك في حين كان -في الحقيقة- يعطي دروسا للشعوب» هذا هو رأي” جان جاك روسو” في كتاب (الأمير) لميكافيلي، الذي ظل طويلا في نظر الباحثين الدليل الأمثل للحكام والساسة يدعمون به سلطانهم، ويقمعون فيه كل نزوع للتغير والتحرر. لقد كان “روسو” على العكس يرى في كتاب الأمير “مرجع الجمهوريين” إنه يمدهم -من طرف خفي- بالمفتاح الذي يستطيعون به حل رموز المنظومة السياسية التي تتصدى لهم، فيحولونها لمصلحتهم ومصلحة الشعوب المقهوروة.

وعلى أي حال فإن الذي لا مراء فيه، أن التأليف في الفكر السياسي على النحو الذي قام به “ميكافيلي”  يستدعي معرفة دقيقة للحياة السياسية، ووعي بدوافعها واهدافها، ومراكز قوتها وضعفها وممارسة لآلياتها، انه يحمل ضمنيا معرفة لمقاتل النظام السياسي، الذي نصب للدفاع عنه، ومن ثم صار المناوئ السياسي قادرا على ان يستفيد -موضوعيا- الإستفادة كلها من كلا الناصح المنافح.

وإذا كان “روسو” قد طالب في قولته السالفة إعادة النظر في الأثر الهادي الذي تركه “ميكافيلي” فهل يحق لنا أن نطرح نفس التساؤل في خصوص أبي حامد الغزالي الذي كان له بالإضافة إلى اهتماماته العلمية نشاط سياسي فعلي وتنظيري ؟

لقد كان كل شيء في عصر الغزالي يغري بخوض غمارالحياة السيايسية دعما للحكم القائم، أو معارضة له، وكان مثل هذا الإغراء اقوى بالنسبة لرجل كالغزالي يعيش في بغداد مشرفا على المدرسة النظامية التي أرادها مؤسسوها أن تكون الدعامة السياسية -المذهبية- لهم في مواجهة خصومهم المتعددين.

ثم كانت السياسة لرجل فقه، وكلام وتصوف كالغزالي، الفضاء الذي لا يمكن بحال أن ينسلخ عنه، أليس هو القائل: ” ان مقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا، فإن الدنيا مزرعة الآخرة وهي الآلة الموصلة إلى الله تعالى”

ولقد حاول الغزالي وهو في عنفوان مجده أن يقطع “العلائق التي انغمس فيها وأن يعرض عن الجاه والمال والشواغل” لأسباب سوف نعود إليها، لكنه اضطر للتراجع بعد عشر سنوات والعودة إلى الحياة السياسبة والتعليمية ليكتب «نصيحة الملك» التي قدمها للسلطان السلجوقي محمد بن ملك شاه الملقب بسلطان المشرق.والمغرب، ليعود ثانية للتدريس بالنظامية في نيسابور.

فهل كان من الغزالي إنطواء سياسي اندفع إليه بدافع الخشية والإستسلام للسلطة السياسية ؟ ام كان نابعا من قناعة مركبة بأن الواجب مسايرة “سلطان الوقت” «السياسة السلجوقية» مع العمل الدؤوب من اجل إحياء ما اندثر من مهمة العلماء الذين يرثون الأنبياء ؟

إن دراسة مقارنة للنصوص “السياسية” للغزالي خاصة منها الواردة في “المستظهري” و “نصيحة الملوك” إضافة إلى ماورد من فقرات أساسية في «الإحياء» و «المنقذ من الضلال» تتظافر جميعها لتأكيد أن نصيحته للملوك لم تكن خالصة لهم، وإنها كانت تحمل وتدعو إلى فكر سياسي إسلامي، قد يكون محافظا في شكله لكنه متحررا في مضمونه.

ولقد كان التدهور السياسي والفكري والإجتماعي الذي عرفه المشرق الغربي اثر كبير في الغموض النسبي لفكر الغزالي السياسي، ومن ثم تعكره، لكن هذا لايجب أن بخفي عنا مدى طرافة المحاولة وجدتها، خاصة وأن هذه الطرافة سوف تجد من يقتبس منها ويتفاعل حسب ما تتحمله ظروفه الموضوعية، وذلك في التجربة السياسية-الدينية- للدولة الموحدية التي أسسها ابن تومرت في المغرب الإسلامي بعد وفاة الغزالي بسنوات.

وهكذا فإن “الجانب الآخر” من نصيحة الغزالي لبعض ملوك المسلمين، لم يذهب سدى، ولم يبقى مطموسا رغم انه لم يجد لنفسه ارضا مشرقية ينمو فيها.

لقد تمكن الفكر السياسي للغزالي أن يوجد لنفسه صدى مع دعوة المهدي بن تومرت في الغرب الإسلامي، وارضا يتنزل فيها وان اختلفت الاوضاع، وتجربة ينفذ من خلالها، وان لم يتسن له أن يتحقق إلا في جوانب معينة ومحدودة.

وهذا بالذات هو الذي دفع بنا على الإستسهاد بكلمة “روسو” في خصوص “ميكافيلي” إذا لم يكن قصدنا إحداث مقارنة بين المفكر الإيطالي وصاحب الإحياء في التوجه الأصلي لفكرهما السياسي، بل كان كل همنا إظهار قدرة الجانب ” غير المقروء” من أثر الرجلين في الإستمرار، وهو الجانب الذي كثيرا مانهمله في حين أنه الأبقى والأكثر فعلا عبر الزمان والمكان.

-لإضطرار السياسي المثلث

لو اردنا تحديد الدوافع الكامنة من وراء تبني رجل كأبي حامد الغزالي مواقف سياسية مرتبطة بفكر سياسي عام، لوجدناها ثلاثية، لقد كان الرجل فقيها، وكان الفقة عند علماء المسلمين في جانب منه يدفع للحياة السياسبة، وكان متكلما يقيم الحجة على المناوئين، ويأصل لإختيارته في عصر تكاثرت فيه الدعاوي السياسية/الدينية، وكان متصوفا.

لقد نشأ الغزالي في طوس- إحدى مدن خرسان- فأخذ الفقه الشافعي في وقت كان الصراع بين الشافعية والأحتاف محتدما، ثم زاد إتصاله بنفس المذهب عند انتقاله إلى جرجان لأخذ العلم على يد أبي القاسم الإسماعيلي، وما كان إتصاله بالوزير نظام الملك إلا ليزيده تعلقا بالمذهب الشافعي، فلقد كان الوزير المستهدف لعدد من الحملات والمؤتمرات، يعتقد جازم الإعتقاد في ضروورة دعم المدارس النظامية-خاصة نظامية بغداد- بإعتبار تلك المؤسسات كانت أقرب مايكون لمعهد تكوين الإطارات الحزبية الموجودة في عصرنا من حيث كونها تقوم بمهمة المساندة الفعلية لكل توجه سياسي. ولقد كان الحنابلة على وعي بهذه المسألة، لذلك كانوا لا يألون جهدا وهم المدعومون بعدد هام من عامة بغداد -في مهاجمة

المد رسة النظامية والتشهير بها وبأعمالها التي تهدف الى “تخريب الدين إفساد حال المؤمنين” لهذا كله احتلت المسألة الفقهية المكانة البارزة في سلم اهتمامات الغزالي التعليمية والتأليفية، فكتب منذ وقت مبكر “البسيط” ثم اردفه ب”الوسيط” وبعده كان “الوجيز” وكلها كتب فقهية ملتزمة بالمذهب الشافعي، وموضوعه لطلاب العلم الذيم يقصدون المدرسة النظامية، فضلا عن هذا فقد كانت له فتاوى عديدة من أشهرها فتواه الخاصة بملوك الأندلس (ملوك الطوائف) التي أجاب بها تاشفين المرابطي موافقا على خلعهم وضم الأندلس للمغرب.

لكن الذي لا يجب أن يغيب عنا أن الغزالي -على إهتمامه بالفقه وعلومه- كان شديد التوجس من الفقهاء كثير الإلحاح على أنهم اصبحوا في عصره “المائه لا تجد فيهم الراحلة” ولعل مما يؤكد ذلك من اول حديث نبوي افتتح به كتابه الإحياء كان هو “أشد الناس عذبا يوم القيامه عالم لم ينفعه الله سبحانه بعلمه”

ليس عجيبا بعد ذلك أن تجد لتوجس الغزالي من الفقهاء وسوء ظنه بهم صدى غير محمود في بلاد المغرب، حيث كان الفقهاء قد تجاوزوا مرتبة المرجع والمستشار القانوني “لبصبحوا كما ذكر المراكشي مآلت لأمور المسلمين كلها، صغيرها وكبيرها ” “فانصرفت وجوه الناس إليهم وكثرت أموالهم واتسعت مكاسبهم” ولقد أدى هذا الوضع -مشرقا ومغربا- إلى تضخم عددي للفقهاء لا يتناسب إطلاقا مع الغاية الكبرى التي وضع الفقه من أجلها. لقد أصبح الفقهاء “متصرفين بالتخصص لا بالنقل والتحويل” وأصبح كل همهم “معرفة الفروع الغربية في الفتاوى والوقوف على دقائق عللها وإستكثار الكلام فيها، وحفظ المقالات المتعلقة بها، فمن كان اشد تعمقا فيها وأكثر إنشغالا بها يقال له أفقه”

ولقد أولى الغزالي هذا الموضوه عناية كبرى، وخاصة في الباب الأول من إحيائه (كتاب العلم) ، ناعيا على الغقهاء تظاهرهم بالعلم وتباهيهم بالجدل في النوادر والغرائب، وطلب الطبوليات التي تسمع فيتسع مجال الجدال فيها، متبرما بإندراس الدين بسبب تلبيس علماء السوء وهو القائل ” فالله المستعان وإليه الملاذ في أن يعيذنا من هذا الغرور الذي يسخط الرحمان ويضحك الشيطان”.

مثل هذه الحسرة والمرارة التي نجدها مبثوثة في تضاعيف عدد من كتب الغزالي، ناجمة من راسخ اعتقاده في خطورة المهمة السياسية والدينية الملقاة على عاتق الفقهاء. فالسلطان محتاج إلى قانون يسوس به الرعية “والفقيه هو العالم بقانون السياسية وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات”

فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق وضبطهم لتنتظم بإستقامة أمورهم في الدنيا. وهكذا كان الإشطرار الأول الفقهي

  -وهو الذي قاد الغزالي إلى الفضاء السياسي- يقدر أن يبين لنا مدى إرتباط السياسة بالدين والفقه بالأخلاق. وهو مايعبر عنه الغزالي في مطلع كتابه فاتحة العلوم حين يقول: “إن مقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا، وليس بتنظيم أمر الدنيا إلا بأعمال الآدميين وصناعتهم، واشرف هذه الصناعات السياسية “التي” نستدعي من الكمال مالا يستدعيه غيرها، ولذلك من يتكفل بها يستخدم سائر الصناع ويحتكم عليهم،(إنها) إستصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المستقيم المتجلي في الدنيا والآخرة”

ولعل طبيعة هذه النظرة السياسية للفقه عند الغزالي، هي التي جعلت عددا من المؤرخين المسلمين يؤكدون أنهم كان عدوا لدودا لفقهاء المغرب الذين ألبوا عليه الرأي العام، ودفعوا أمير المسلمين ابن تاشفين إلى إحراق كتاب «إحياء علوم الدين» على الرغم من أن هذا الإحراق أمر غير مؤكد تاريخيا.

نفس هذا الإتفاق في وجهة النظر بين الغزالي فقهيا وسياسيا، وبين تفكير  ابن تاشفين  أبرز أمراء المرابطين وبطل معركة الزلاقة  هو الذي جعل التوظيف السياسي ينسج لقاء بين الرجلين في حين ثبت المقارنات التاريخية أنه لم يحصل قط.

إن نقاط تشابه تجمع دون ريب بين الغزالي وابن تومرت وذلك في التصورات العقدية والفقهية والسياسية لكن هذا لايجب أن يخفي علينا نقاط اختلافهما الهامة، وكما يجب الا يدفعنا إلى تصديق كل ماورد عن كتاب الإحياء في المغرب إبان حكم المرابطين، والذي كتب بنوازع سياسية موحدية، وكذلك أمر اللقاء بين الغزالي وابن تومرت وأخذه عنه العلم في العراق ومايكتشف ذلك من دعاية سياسبة فجة لايجب ان تضلل أي باحث في أثر فكر الغزالي.

على أن ابا حامد الغزالي لا يهتم بالمسألة السياسية تحت”ضغط” إنتسابه للفقه فحسب بل اهتم يها لإعتبار ثاني هو أنه متكلم جابه فرقا إسلامية عديدة كالشيعة والمعتزلة والباطنية، وكان ذلك في وقت تميز بعودة للنفوذ السني، وتقهقهر ملموس-في المشرق والمغرب- للشيعة الفاطمية والإمامية لقد أصبح علم الكلام أفضل الوسائل السياسية للدفاع عن العقائد الإسلامية كما يتبناها أهل السنة، أليس هو القائل في كتابه”المستظهري:”

خرجت الاوامر الشريفة المقدسة النبوية المستظهرية  بالإشارة إلى الخادم في تصنيف كتاب الرد على الباطنية مشتمل على الكشف عن بدعتهم وظلالتهم وفنون مكرهم واحتيالهم ووجه استدراجهم عوام الخلق وانسلالهم عن ربقة الإسلام وانسلاخهم وانخلاعهم وإبراز فضائحهم وقبائحهم بما يفضي إلى هتك أستارهم”

لقد تحول علم الكلام من علم لأصول الدين -الفقه الأكبر- كما يسميه أبو حنيفة، إلى علم للحجاج يهدف نصرة العقيدة السنية، ضد خصومها السياسيين المناوئين للسلطة العباسية وماكان لهذا العلم الجليل إلا أن يتحول إلى مجرد اداة بعد أن اساء إستعماله المعتزلة في السنوات الثلاثين التي كان فيها مذهبهم مذهب الدولة الرسمي، وبعد الحملة العنيفة التي قام بها الحنابلة ضده، وهي الحملة التي بدأها الإمام أحمد بن حنبل في منتصف القرن الثالث، وبعد أن تحولت الخلافات المذهبية إلى صراعات طائفية وحزبية ابكت الجميع دون ان ترسم تغيرا نوعيا في الفكر الديني والسياسي لدى المسلمين، ومن المؤكد أن الغزالي كان يدرك -وهو اشعري- أهمية علم الكلام البالغة باعتباره وضع الإنارة بالنسبة للعقل في فهم مضمون الإيمان وإدراج الروابط المعقولة لمعطيات الوحي ، لكن الوضع السياسي الذي زامن إدارته للمدرسة النظامية وقربوبه من الوزير “نظام الملك” حتما عليه اﻹنضواء في مسار تذهب عدة مؤشرات إلى أنه لم يكن راضيا عنه أو مقتنعا به.

لقد عاصر الغزالي في أكثر من نصف حياته صراعات دينية طائفية عنيفة، كانت اصواتها تعلو على كل ماعداها، وكانت صراعات السنة والشيعة في العراق والشام مريرة، انتهت بإنتزاع هذه الأخيرة من النفوذ الشيعي على يد “طرطوس” أجو ملك شاه السلجوقي في سنة 499 هجري، ولقد كانت كل هذه الصراعات والإنتصارات تحتاج إلى منظرين يدعمونها ويعطونها الشرعية الكافية، وكان من الواضح أن هذه الصراعات والمعارك لا تعدو أن تكون هامشية، لانها ظرفية وعسكرية ولا تحمل أي بعد عقدي حقيقي لإنها كانت توظف العلماء وتصطنعهم لنفسها، عوض أن يكونو رقباء عليها موجهين لها.

والذي يقرأ فصولا من “المنقذ من الظلال” يدرك سهولة مدى الضيق الذي كان يعاني منه الغزالي من إقامته البغدادية في ظل سيده المستظهر الخليفة العباسي، انه يقول ” واظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبر في نفسي سفر الشام حذرا ان يطلع الخليفة وجملة الاصحاب على عزمي في المقام بالشام، فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد عل  عزم ألا اعاودها ابدا”

لقد ضاق ذرعا بكل مايجري حوله من صراعات الطوائف التي لا طائل من ورائها، وكانت عوامل ضيقه هذا كثيرة:

-ان تصور الغزالي للمذهب مغاير كل المغايرة لما كان سائدا في عصره في العراق والشام ومصر، انه لايرى فائدة من وراء هذه المناضرات الطائفية التي تقيد العالم الحقيقي وتجعله فاقدا لحريته سواء تعلق الأمر بمذهب الإعتزال او الاشعرية   أو غيرها، إن العالم الحقيقي يجب أن يعلو فوق هذا الإسفاف من اجل ان يبني باإجتهاده الشخصي -وفي إطار عقيدته الإسلامية- حقيقته الشخصية.

-اوضحت الإقامة البغدادية لأبي حامد ان الخلافة قد افرغت من محتواها وانها مجرد إسم دون رسم، وهذا مايفسر تأخر الغزالي في تأليف كتايه الذي يدعم شرعية الخليفة العباسي المستظهر “ولي الخلافة سنة 487 هجري” وقد كان ذلك في نفس السنة التي غادر فيها يفداد  من عزلته التي استمرت عشر سنوات، ومما يؤكد خيبة أمل الغزالي في الخلاقة العباسية التي ظل إلى آخر عهده بدار السلام ينعتها بالألقاب الرسمية، كالمقدسة والنبوية والإمامية ما أسفر عنه كتابه الاخر “نصيحة الملوك” الذي ألّفه بعد عزلته والذي لم يعرض فيه من قريب او من بعيد للخيلفة، في حين كان كل تركيزه واهتمامه على السلطان السلجوقي ومايتوجب عليه من صفات وخصال.

لايبدو أن رأي الغزالي في علماء عصره السابحين في تلك البلاطات العباسية والسلجوقية وغيرها صادر عن اي نوع من التقدير، فلقد شغلتهم الدنيا وفتنتها، وألهاهم الرياء والجاه عن المهمات التي يجب أن يتصدوا لها، ،ولعل إحدى فقرات الجزء الأول من الإحياء(كتاب العلم الباب الخامس) قادر على توضيح الدرك الذي إنتهى إليه العديد من العلماء في عصره، إنهم يماثلون ذلك الرجل الذي كان صفيّ النبي موسى “عليه السلام وكان يقول حدثني موسى نجي الله حدثني كليم الله حتى أقرة وكثر ماله ففقده موسى، ثم جاءه رجل وفي يده خنزير وفي عنقه حبل أسود فقال له موسى “عليه السلام” انصرف فلان، قال نعم ، قال هو هذا الخنزير، فقال موسى: يارب اسألك ان ترده إلى حاله حتى اسأله بم اصابه هذا ؟ فأوحى الله عز وجل إليه : “لو دعوتني بالذي دعاني آدم فمن دونه ما أجبتك فيه ولكن أجيبك لما صنعت هذا به؟: إنه كان يطلب الدنيا بالدين”

على أن الذي يفسر ضيق الغزالي بحياته البغدادية ويوضح أزمته الروحية التي دفعته إلى طلب الخلوة والعزلة يكمن في الإنحراف الذي عرفته الحياة الإجتماعية في آواخر القرن الخامس الهجري. لقد عمّ أو كاد يعم المال الحرام، وفسدت بذلك العلماء، وفشت الرشوة، وكثر بغي الحكام، وطاش الرشاد في بيداء من المقاصد والمظالم، ولنقرأ هذا الفصل المعبر من الإحياء (كتاب الحلال والحرام) :

 

“إن امول السلاطين في عصرنا حرام كلها أو أكثرها، وكيف لا والحلال هو الصدقات والفيء والغنيمة ولا وجود لها وليس يدخل منها شبء في يد السلطان ولم يلقى إلا الجزية وإنها تؤخذ بنوع من الظلم لا يحل اخذها بها فإنهم يجاوزون حدود الشرع في المأخوذ والمأخوذ منه والوفاء له بالشرط، ثم إذا أنسبت ذلك إلى الخراج المضروب على المسلمين ومن المصادرات والرشا وصنوف الظلم لم يبلغ عشر معشار عشره”

من كل هذه العوامل يمكن لنا أن نستنتج أن الغزالي لم يكن راضيا عن نفسه متكلما ومنافحا بعلمه عن اوضاع سياسية وعلمية بلغت من التردي دركا من الهوان شديدا، فقد طالب الخليفه المستظهر علماءه بالدعوة للجهاد تصديا للحملات الصليبية لكن دعوات العلماء بقيت صرخة في واد فلم يحرك أحد من الأمراء أو الحكام ساكنا.

لقد بلغ التسيب حد مس المجتمع الإسلامي بسنته وشيعته في أعماقه وجذور تصوره،.ولم يبق أمام الصادقين من العلماء إلى إعادة بناء المجتمع على أصول سليمة بإحياء العلوم وتنشأة جيل جديد طاهر النفس سليم العقيدة مدرك أن العلم ليس بكثرة الرواية بل هو نور يقذف في القلب.

-اهتم الغزالي إذن بالسياسة أولا لأنه كان فقيها في مجتمع يقوم في حركتيه الفقه وفتاويه وأحكامه، واهتم بالسياسة ثانيا لأنه كان متكلما  في وضع كان يستدعي المناظرات والحجاج لدعم الحكم السني القائم، واهتم بالسياسة ثالثا لأنه كان متصوفا يعتبر ان السياسة هي التعليم والتهذيب والإرشاد.

لقد إضطره تكوينه الفقهي والكلامي أن يعتني بالسياسة ويخوض غمارها، لكن تصوفه -وهو إضطراره الثالث- هو الذي أعطانا فكرا سياسيا حقيقا وجديرا بالعناية، ذلك أن الحديث عن فكر سياسي للغزالي لا يكون صحيحا إلا إذا تناولناه من منظور الرجل الذي اختار المجاهدة والتربية في مجتمع مهدد بالتحلل الكامل.

لذلك فلم يكن غريبا ان نعثر على أهم الفصول للفكر السياسي عند الغزالي -كما اراده هو واختاره- في كتاب إحياء علوم الدين. الكتاب الذي لخص فيه ماهية السياسة كما فهمها من خلال عصر يرنو إلى الأفول والتحلل: عنها مواصلو مهمة النبوة بعد وفاة الرسول”عليه الصلاة والسلام- إنها إستصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدنيا والاخرة. إن السياسة عند الغزالي ليست فنا من الفنون يل هي مجمع الفن كلها في وجهة الإستقامة والخيرية. ومن هذا يبرز فرق خطير من الفكر للغزالي ومايناظره عند ميكافيلي. إن الميكافيلية هي جعل السياسة فنا بين سائر الفنون لها قوانينها الخاصة التي تهدف إلى تحقيق هدف واحد هو الوصول إلى السلطة او المحافظة عليها دون أي إعتبار للغاية الإنسانية من وراء تلك السلطة.

وفي مقابل هذا يعتبر الغزالي السياسة “جماع الصناعات كلها، فهي تأليف وإجتماع ،وتعاون على أسباب المعيشة كلها، لذلك فهي تستدعي من الكمال مالا يستدعيه غيرها” السياسة عند الغزالي هي عينها في التصور النبوي والقرآني لا تستطيع أن تثرى وتتطور إن افرغت من غايتها الأخلاقية والمناقبة، لذلك فهي تتجه أولا للمجتمع ترأب صدوعه وتقيم توازنه، اكثر من إهتمامها بالسلطة وموازين القوى فيها. وعلى هذا فإن مسألة التعليم والتعلم تأخذ في الفكر السياسي للغزالي مكانة ممتازة، الأمر الذي يجعل من كتابه “إحياء علوم الدين” برنامجا للعمل السياسي يمكن من خلاله إستصلاح نفوس الامة والنهوض بها من كبوتها.

ومن هذا المنظور أيضا يتبين أن الغزالي من الذين يقرون بمبدأ الترابط العضوي والتكاملي بين التعليم والسياسة. فلكل سياسة تعليم ، وكل تعليم يولد ويوطد سياسة محدة. ومن جماع هذه الأمور كلها يمكن أن ندرك أكثر المقصد الحقيقي من  الغزالي عن الصوفية” إنهم السالكون لطريق الله وأن سيرتهم أحسن سيرة وأخلاقهم أزكى الأخلاق بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لن يجدوا إليه سبيلا ” إن اهم مايتجه إليه الغزالي في فكره السياسي هو مصير الإنسان المؤمن في مجتمع إجتاحته الصراعات السياسية والطائفية المتناحرة على الحكم، فافقدته توازنه وضيعت على كل علومه العقلية والنقلية الفرصة في اداء وظيفتها التي ارادها لها الإسلام. ومثل هذا التأكيد ضروري،

حتى لا نسيء فهم بعض مواقف الغزالي السياسية التي تدو أحيانا وكأنها ضرب من التملق والتخاذل أمام الحكم العباسي المتهالك على نفسه. لقد ظل الغزالي -رغم ضيقه بالواقغ السياسي البغدادي وخيبة أمله من الحكم السني عامة -رجل السلطان القائم المنافح عن الشرعية العباسية القائل بأن “نظام الدين لايحصل إلا بنظام الدنيا ونظام الدنيا لايحصل إلا بإمام مطاع” إن مسألة الأمن شرط ضروري لتفادي الهرج والفتن التي لا تؤدي إلا لشمول القحط وهلاك المواشي وبطلان الصناعات.

ومثل هذا الحرص قاسم مشترك لكل المنظرين السياسين المسلمين القدامى ابتداء من ابي بكر الصديق الذي أعلن- والرسول لم يدفن بعد-  أنه لابد من أحد يقوم على امر هذا الدين حتى ابن تيمية القائل بأن الإمامة قد تحصل “إما بالقدرة على سياسة الناس بالطاعة للإمام او بقهره لهم”  إن إنعقاد الامامة في الفكر السني عموما يقوم على “الشوكة” والغلبة، بإعتبار أن السيادة هي الصقة المميزة للدولة، وبإعتبار أن هئولاء المنظرين كانوا بالأساس فقهاء ينظرون من داخل المنظومة السياسة القائمة، وهم لذلك يحرصون على الشرعية الحرص كله.

ومما لاريب فيه أن الغزالي لم يختلف جوهريا عن عامة فقهاء السنة الذين أكدوا على قضية السيادة والشوكة في الإمامة، إلا انه اضاف إليها نوعا من ” الإختيار”  لقد كان له مذهب في الإمامة عبر عنه في فصول كثيرة من كتبه وخاصة غي “المستظهري” حين تناول التفريق بين الإمامة الصحيحة والإمامة المزيفة، وأكد على أن ذلك “الإختيار”  لا يتوصل إليه بالحيلة البشرية بل هو رزق إلهي يؤتيه الله من يشاء .

إن الإضطرار السياسي المثلث للغزالي ” الفقه-الكلام-التصوف” قادر أن يلخص لنا صورة، لها من الوضوح ما يكفي عن فكره. إن قاعدة هذا المثلث الرابطة بين الإضطرار الفقهي والإضطرار الكلامي يعبر عنها تماسكه بالشريعة السنية، التي لايرى في الخروج عنها سوى مزيدا من الحروب والفتن والحروب، ومزيد من الدعم للدعاوى الضالة التي زعزعت البناء الإسلامي. اما قمة هذا المثلث المكون من زوايا التصوف وهو الطريق الذي على المسلمين ان يسلكوه إن ارادوا لانفسهم النجاة. ومما لاشك فيه ان الغزالي كان من اوائل الذين ادركوا ان دعمه المشروط للشريعة السنية “عبر الفقه والكلام” منافض لإنقلابياته الهادئة عبر التصوف والتعلم وانه يحاول التوفيق والمصالحة بين مالايمكن التوفيق بينهما في ضروف التقهقر الإسلامي الذي بلغ اوجه في القرن الخامس

مثل هذا التباين نحس به في كثير من ماتركه الإمام الغزالي ولكننا نلمسه واضحا في مقاطع كثيرة من كتاب الإحياء ولنقرأ هذه الفقرة المعبرة عن مدد إحساسه بصعوبة -او إستحالة- الجمع بين الشرعية والإنقلابية : “كان أهل الورع من علماء الظاهر مثريين بفضل علماء الباطن وارباب القلوب وكان الإمام الشافعي رضي الله عنه يجلس بين شيبان الراعي كما يقعد الصبي في المكتب ويسأله كيف يفعل كذا وكذا؟ فيقال له: مثل يسأل هذا البدوي ؟

فيقول: ان هذا وفق لما اغلفناه. ولذلك قيل : علماء الظاهر زينة الأرض والملك وعلماء الباطن زينة السناء والملكوت. ومثل هذه الطبيعة التي تميز بها منهجهم السياسي تتأكد أكثر حين نلاحظ مدى تفاعله مع خصميه الرئيسيين الباطنية والفلاسفة، الامر الذي يدفعنا إلى القول انه بقدر ماحاربها بقدر ماتأثر ببعض مقولاتها. أما الباطنية الذين خصص لهم كتابه “المستظهر” لفضح بدعهم وضلالتهم وفنون مكرهم وإحتيالهم، والذين قال عن مذهبهم أنه ” ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض ومافتتحه حصر مدارك قول العلوم في  قول الإمام المعصم وعزل العقول عن ان تكون مدركة للحق” لينتهوا به في الأخير بإظهار مايناقض الشرع، لكن هذا لم يمنعه من أن يأخذ عنهم -لكن بسبب أقل-  قضايا صفات الإمام، واهمية التعليم وضرورة التأويل، فإذا كانت الباطنية قد اولو أهمية رئيسية للإمام المعصوم القادر في كل عصر على تعليم الأمة وتوجيهها فإن الغزالي طالب الإمام بمهمات وخصال إن توفرت لديه اصبحت له السيادة، يل انه يغض الطرف عن بعض التجاوزات من طرف الحاكم بإعتبار طاعة الامراء وضرورة بقاء سلطان نافذ الحكم،

وهو إن خالف الباطنية في جوانب من مسألة الإمامة، مثل العصمة وثبوتها نصا لمن في نسبهم أبد الدهر فإنه دافع عن الإمام المطاع، الذي يطفئ الفتن الثائرة والاراء المتنافرة، مستشهدا لحديث رواه ابن عباس “رضي الله عنه” عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اقبل وفي البيت رجال من قريش فقال “الأئمة من قريش ماقاموا فيكم بثلاث:  ما إن استرحموا رحموا وان حكموا عدلوا وإن قالوا أوفوا”

فالغزالي على محاربته للباطنية ومن ورائهم الشيعة الإمامية ظل يعتبر شخصية الإمام وخصاله الموروثة والمكتسبة هي المعيار لصلاحه، ومثل هذا المعيار التشخيصي ” جمع الغزالي والباطنية في خط واحد، يعتبر هذه المهمة (الإمامة) منصبا سياسيا أكثر من مؤسسه سياسية إجتماعية”  وهذا عكس ماعناه الرسول عليه السلام في الحديث السالف ” الأئمة من قريش ماقاموا فيكم” فالإمامة في التصور النبوي ليست منصبا سياسيا فحسب يتحمله شخص، بقدر ماهو جملة علاقات إجتماعية نافذة في زمن ما، اضاف إليها إلتزامات وخصال شخصية محددة.

فالقرشية حسب هذا الحديث النبوي، وكما اشار إلى ذلك ابن خلدون، لم تكن سوى رابطة انطلاق تحمي الدولة، لكنها عاجزة على الإستمرار مع تغير أحوال الروابط الإجتماعية والمادية . هذا ماكان من الكلام عند الغزالي والباطنية عن الإمام وصفاته الموروثة والمكتسبة،  ولم يتم ابدا الحديث عن الإمامة ومايفرض عليها كمؤسسة سياسية مم مستجدات الأمور التي تغيرت بشكل خطير

اما عن التعليم فإذا كان الغزالي قد عد الباطنية فرقة “تعليمية” تبطل الرأي وتدعو الخلق إلى التعلم من الإمام المعصوم فإنه لم ير بدا من إعتبار ان إصلاح المسلم لايكون إلا بالعلم والتعليم والأخذ عن المرشد المعلم بغرض صلاح النفس ورفعها عن الدنايا.

ومن الواضح أن التعليم عند الغزالي معدل في غايته وأسلوبه وطبيعته عما تعارف عند الباطنية، الذين كانوا يتحرون السرية التامة في تعليمهم من أجل الوصول إلى غايات سياسية ودينية مغايرة كل المغايرة لما يتظاهرون به من إسلام واتباع لرسول الله عليه السلام.

وفي خصوص قضية التأويل فجلي أن رجلا كالغزالي لا يستطيع إلا اثباته، إذ العلوم عنده منقسمة إلى خفية وجلية لا ينكرها القاصرون “الذين تلقفوا في اوائل الصبا شتا وجمدوا عليه” ولكن بين تأويله وتأويل الباطنية بون شاسع، وهو في ذلك واضح كل الوضوح، يقول في هذه المسألة: ” فأعلم ان هذا السؤال يحرك خطبا عظيما ومن قال أن الحقيقة تخالف الشريعة فهو إلى الكفر أقرب من الإيمان” ولقد كان الباطنية يعتبرون أن كل ماورد من الظواهر في التكاليف والحشر والنشر والأمور الإلهية كلها أمثلو ورموز.

فالجنابة هي إفشاء أسرار جماعتهم، والغسل تجديد العهد لمن أفشى السر، والزنا هو إلقاء نطفة العلم الباطن في نقس من لم يسبق معه عقد العهد…الخ.

وهو في نفس الوقت لا ينحو منحنى من حسم الباب أصلا ومنكرا التأويل مثل الإمام ابن حنبل، على الرغم أنه كان مدركا لسبب حسمه الموضوع رعاية لصلاح الخلق وسدا للذرائع. على الرغم من هذا فللغزالي تفصيلات في مسألة التأويل وعلم المكاشفة، مايمكن لنا أيضا أن نعده تعديلا هاما لما كان يدعو إليه دعاة الباطنية والشيعية، لكنه يختلف إختلافا واضحا عما كان عليه أهل السنة في أمور العقيدة والغيبيات.

وإذا إنتقلنا إلى الفلاسفة الذين خصص لهم الغزالي كتابه “التهافت” للرد عليهم وكذلك بعض الفقرات في “الإحياء” فإننا ندرك بسهولة مدى العمق الذي يفصله عنهم في مجال المنهج المعرفي.

ومع ذلك فإن الغزالي أكد في أكثر من مناسبة أن الفلسفة تركيب جملة من العلوم ليست جميعا محرمة كالمنطق والرياضيات والعلوم الطبيعية.

والغاية من وراء هذا -في رأينا-  هو تصنيف مساحة الخلاف بينه وبين الفلاسفة في حدود مجال الإلهيات، وفي قضايا معلومة منها، والذي كان يدفع بالغزالي إلى مثل هذه “المصالحة” مع جوانب فلسفية- على الرغم من التباين النوعي بين جوهر تصوره الديني وماكان عليه مشروع الفلاسفة المعرفي كانت اعتبارات سياسية كلامية.

لقد كان الغزالي رجل الجهاز السياسي السلجوقي، عمليا في جانب من مواقفه الفكرية. فهو يعلم تمام العلم أن خطر الفلاسفة السياسي مهما كان فإنه لا يقاس بخطر الباطنية، وأن هئولاء لا يمكن أن  يواجهوا إلا بتفوض أحد أهم وسائل عملهم ودعوتهم وهو “التعليم” لقد كان إيطال للرأي وإلغاء كل عمل عقلي المدخل، ويقولون عليه: إن مبدأ مذاهبهم هو إبطال الرأي وإبطال تصرف العقول” حتى يرتبط الخلق بالإمام المعصوم.

إضافة إلى هذا فإن المناظرات الكلامية التي كان يعتمدها هو وطلابه من المدرسة النظامية لا تحتاج إلى محاربة التقليد الذي كان سائدا فحسب بل إنها تقوم على علوم كالمنطق والحجاج، وبالخصوص في وجه رجال الحديث الذين كانوا يعتبرون علم الكلام من البدع المنكرة التي لا يتوقع منها أي نفع مادام السلف من الصحافة والتابيعن لم يخوضوا فيها.

إن المشكلة الرئيسية في فكر الغزالي السياسي أنه فكر متنازع بين مواقف فقهية وكلامية، تفرضها الإعتبارات السياسية القائمة آنذاك، وبين جوهر اعتقاده في ان السياسة هي تنفيذ اوامر الله وإقامة العدل في النفس والمجتمع.

مثل هذل التنازع هو الذي كان يدفع بالغزالي أن يكتب في أحيان كثيرة منظرا لنظام سياسي فقد كل مبررات استمراره، ولفكر ديني تسلح بسلطان الدولة أساسا ليفرض نفسه. ونجده في أحيان أخرى وبخاصة في إحياء علوم الدين، منظرا لنظام آخر غير قائم في المشرق الإسلامي، وذلك حين يقدم مشروع عمل سياسي من أجل مجتمع يرضي الله ويقوم على الحق والعدل.

وسوف نحاول في الفصل الموالي  إظهار الجوانب الرئيسية من فكر الغزالي السياسي التي لم تضطره إليها التزاماته السياسية الكلامية،  انما “اضطرته” إليها قناعاته الحقيقية وهي التي تعير عنها أصدق تعبير توجهاته الصوفية.

-أركان التصور السياسي عند الغزالي :

ينطلق أبو حامد الغزالي في فكره السياسي الذي عبر عنه أصدق تعبير في كتابه “الإحياء” من غاية نظام سياسي فالغزالي لايبدو كثير الإهتملم يإنقسام سلطة المسلمسن في المغرب أو المشرق إلى دويلات وإلى خلافة يغداد وسلطنة سلجوقية في فارس.

إن الاهم من هذا كله هو لماذا يقوم هذا النظام او ذاك؟ ولتحقيق أية أهداف؟

فكما  أن للخلق غاية هي العبادة وللإنسان مهمة هي الخلافة، وكما ان للطهار والصلاة والزكاة أسرارها التي تحدد قواعدها، وكذلك فإن السياسة  لاتستطيع أن تؤدي من الفرض الحقيقي إذا تجاهلتا مسألة استصلاح الخلق وإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة ..

فالسياسة مناقب وأخلاق وكل مجتمع سياسي مضطر لللإلتزلم بأهداف تتجاوز النطاق السياسي المحض،

إن اراد لنفسه البقاء والإستمرار.

ذلك أن لسياسة لا تستطيع أن تحدد هي بنفسها أهدافها ومشروعيتها.

وكل نظام سياسي لا يتجاوز ميزان القوى البحت، مهدد بالإنفراد بإعتبار أن نفس ميزان القوى هذه لايتحقق في فراغ، بل في إطار ثقاقي وإقتصادي تحكمه قيم ومعايير عامة، هي نفس المثل والمناقب التي أمدت ذلك النظام السياسي بالمصداقية الضامنة لكل وجود جماعي واجتماعي.

هذا هو منبع تفكير الغزالي السياسي، وهو الذي يمكن أن يفسر لنا بعد ذلك أركان تصورخ العملي للحياة السياسية.

(أ) سيادة الدولة: إذا كانت الأخلاق والقيم أساس وغاية كل عمل سياسي، قإن هذا لايمكن أن يتحقق إلا بإنتظام أمور الدنيا بسيادة الدولة فالسلطة ضرورة حتمية ليس لإعتبارات ظرفية كان يتخبط فيها المسلمون فحسب، ولكن لإعتقاد مبدئي في ضرورة السلطة المطاعة

” إن نظام الدين لايحصل إلا بنظام الدنيا ونظام الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع”  لقد كان هذا مقصود الأنبياء قطعا حين شرعوا الشرائغ وفرضوا الفروض. وتأكيد لهذا الركن الأساسي، يذهب الغزالي إلى حد القول بإن سيادة الدولة مع ظلم الحاكم افضل من انخرام الأمور وذهاب ريح الدولة ، ” إن السلطان الظالم الجاهل إن ساعدته الشوكة وعسر خلعه، وكان في الإستبدال به فتنة ثائرة لاتطاق وجب تركه ووجبت الطاعة له كما يجب طاعة الامراء”

على أن هذا الكلام لايجب أن يفهم عبى إطلاقه، بل لابد من وضعه في إعتبار انه الإحتمال الأقصى الذي يذهب إليه حجة الإسلام تأكيدا على مسألة سلطة الدولة وإن أمر المسلمين لا يمكن أن يستقيم إلا بتلك السيادة.

(ب) مرجعية العلماء :

حديث الغزالي عن العلماء يرتبط الإرتباط بالركن السابق، فسيادة الدولة لايمكن أن تؤدي وظيفتها الحق إلا بمرجعية العلماء، ولهذا نراه يطنب  الحديث عنهم في الإحياء ونصيحة الملوك، والمستثفي وميزان العمل. فالعلماء هم ورثة الانبياء، وهم القادرون على التوجيه والإرشاد، وهم الاكثر تمثلا للقيم والمناقب الإسلامية كالعدل والإنصاف. فهم العمدة الرئيسية لمواجهة سيادة الدولة، التي كثيرا ما يعتريها الزيغ والإنحراف، ولقد اعتبر أحد أصول العدل الكبرى هو إشتياق الحكماء للعلماء، والحرص على الإستماع إلى نصحعم والحذر من علماء السوء.

فاللعلماء في تصور الغزالي السياسي مهمة كبرى خلفوا بها مهمة النبوة التي اختتمت بوفاة الرسول عليه السلام، وهم قادرون على ذلك إن لم يطمعوا في ماعند السلطان من مال وإن هم انصفوه الوعظ والمقال، فالعلماء قوة ضغط معنوية يمكن أن تصبح شديدة الخطورة إن هي حافظت على استقلاليتها ولم تتردد على أيواب الأمراء والسلاطين.

“فالملوك حكام على الناس والعلماء حكام الملوك” وللغزالي في هذا المجال قول مردد ومكرر نجد خلاصته في الباب السادس من الإحياء “فيما يحل من مخالطة السلاطين الظلمة وحكم غشيان مجالسهم والدخول عليهم” وفي هذا يقول:

 

” علم أن لك مع الأمراء والعلماء والظلمة ثلاثة أحوال: الحالة الأولى وهي شرها أن تدخل عليهم وا

والثانية وهي دونها أن يدخلوا عليك والثالثة وهي الأسلم أن تعتزل عنهم فلا تراهم ولا يرونك”

إن أهل الشوكة لايمكن لهم الإرتداع إلا بالعلماء الذين تأسوا بالنبي عليه السلام واقتدوا بنهجه غي شؤون حياتهم الخاصة والعامة تأمينا للمجتمع من إجتياح السياسي له.

(ج) إحياء الأمة بالتعليم :

ثم يبقى الركن الثالث  والأخير الذي يقيم عليه الغزالي فلسفته السياسية والذي يحقق من خلاله مناقبيته التي يصدر عنها كل مشروعة السياسي المقترح: إنه رهان على عودة الروح إلى الأمة. فالواضح أن ثقافة الغزالي في امكانية العلماء محدودة لذلك فهو يدعي إلى تدعيمها بضمانة ثانية متمثلة في المداراس التعليمية القادرة على محاربة التقليد وإنشاء جيل من الوعاظ والعاملين في الطريقة التي تظهر المجتمع الإسلامي الذي اتهكته الصراعات والخلافات المذهبية.

وإن من يتمعن في النصائح العشرة التي خص بها السلطان السلجوقي في كتابه “التبر المسبوك في نصيحة الملوك”

يدرك بيسر أن الأمة كانت ممزقة آنذاك إلى “مجتمع سياسي” منشغل كل الإنشغال عن قضايا الأمة وهمومها، وهو أن علم ببعض مايجري فعن طريق اعوان لا يتصفون يالثقة والصدق في الغالب، ولا سبيل إلى مقاومة هذا الخطر الماحق الذي يهدد جوهر الرسالة الإسلامية إلا يتحصين المجتمع بطائفة صادقة من الزهاد والعباد والصوفية القادرين على التعليم والإرشاد والنصح.

إن رهانا على عودة الروح في حنايا أمة اجتاحتها المصائب الخارجية، وانهكتها اوضاعها النفسية والسياسية  والإقتصادية يبدو عسير التحقق وبعيد المنال. إنه مشروع للمدى البعيد ولا مراء في أن الغزالي كان-وهو يؤلف الإحياء- مدركا لهذا الأمر وليس أدل على ذلك من بعض العبارات التي تفصح شدة توجسه من إمكان التصدي للمجتمع السياسي وتحصين الأمة بالعمل والتربيةو يقول في مقدمة الإحياء : “فلقد حل عن لساني عقدة الصمت وطوقني عهدة الكلام وقلادة النطق ما أنت مثابر عليه من العمى عن جلي الحق من اللجاج في نصرة الباطل وتحسين الجهل والتشغيب على من آثر النزوع قليلا عن مراسم الخلق ومال ميلا يسيرا عن ملازمة الرسم إلى العمل بمقتضى العلم طمعا في نيل ماتعبده الله من تزكية النفس وإصلاح القلب وتداركا لبعض مافرط من إضاعة العمر يأسا من تمام التلاقي والجبر وانحياز عن غمار من قال فيهم صاحب الشرع صلاوات الله عليه وسلامه:

” أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله سبحانه بعلمه”.

إن تصور الغزالي السياسي يتمثل في مجالين متكاملين أحدهما عاجل وينطلق من أن صلاح الأمير له أكبر الأثر على صلاح الرعية، ولكنه مرتبط بمدى رجوع السلطة السياسية إلى العلماء الصالحين والإستماع إليهم، وثاني المجالين هو إحياء ما ذهب من حيوية الأمة الصالحة وهذا مشروع اجل لايقوم إلا على “معجون العلم والعمل” وسلوك طريقة أهل الخير.

وإذا كان جوهر السياسة عند الغزالي هو إسعاد الناس في الدنيا والآخرة فإن السؤال الأهم هو مدى إستعداد الذهنية المغربية -التي كانت تتابع بكثير من الإنتباه لما يجري في المشرق- لتقبل تصور الغزالي السياسي ومشروعه المثالي، وهل كانت الشروط الموضوعية في المغرب أفضل لذلك مما كانت عليه في المشرق ؟

الغزالي أو المثالية السياسية

إن اول تساؤل طرح نفسه علينا ونحن نبحث عن اثر الغزالي السياسي في بلاد المغرب هو: إلى اي حد كانت الاوضاع المغربية قابلة لنوع من تفريق السلطة اصبح في المشرق أمرا واقعا بيبرر الخلافة والسلطنة ؟

وهو التفريق الذي لم ير فيه الغزالي إي حرج بل بنى فكره السياسي المستقبلي على تدعيمه عبر توازن محكم بين السلطة السياسية ورجال العلم والوعظ والإرشاد.

بعبارة أخرى هل كان الغزالي قادرا على تنظيم سياسي لمجتمع مغاير في اوضاعه السياسية والإجتماعية والذهنية لما عرفه المشرق من تطورات في القرنين الثالث والرابع ؟

فلقد كان أكبر تحول سياسي عرفه المشرق الإسلامي هو تولي المأمون سنة (198 هجري) فمعه إستولى المعتزلة على النفوذ السياسي لمدة ثلاثين سنة فارضين جملة افكارهم كغقيدة رسمية للدولة، في حين كان المتوقع منهم نقيض ذلك وهم الذين حملوا لواء التحرر الفكري في فضاء الثقافة الإسلامية.

لقد انتهت مع بدأية القرن الثالث الهجري كل حظوظ :”التنوير الذاتي” للعقلية الجمعية للأمة وبدأ طور

“لإصلاح القهري” عن أجهزة السلطة السياسية مع حكم ثلاثة من نبي العباس:

المأمون (198-218 هجري)  والمعتصم (218-227 هجري)

والواثق(22-232 هجري)

بدأ العد التتازلي المؤذن بخريف الحضارة في المشرق الإسلامي وذلك بإستنقاذ الإسلام اغراضه كمخرج لتعددية سياسية وعقلية قادرون  على الإثراء الفكري والمعرفي.

في تلك الظروق كان الجزء الغربي من العالم الإسلامي على الإختلاف النسبي بين اوضاعه الداخلية يمر بمرحلة مختلفة جوهريا لما كان سائدا في الشرق الشرقي.

لقد اظل الجزئين (الشرقي والمغربي) لواء الإسلام لكن المغرب الإسلامي كان يتطور حسب خصوصياته المميزة، والتي كانت تبعده أكثر فأكثر عن المشرق، وهي الخصوصيات التي يمكن أن نحصرها فينا يلي :

(أ) تضخم النزعة الإستقلالية القبلية :

هذه النزعة كانت حائلا مستمرا دون قياما أي تكتل أعمق وأدوم من القبيلة وما اسم “البربر” إلا تحويرا عربيا لاسم “برباروس” الروماني الذي أطلقه هئولاء على سكان الشمال الإفريقي لآبائهم “الحضارة  الرومانية” لقد كان البربري ينتسب أولا وأخيرا إلى كتامة او مغراوة أو مصمودة أو زناتة اكثر من أن ينتمي إلى وحده قومية بربرية جامعة.

هذه الخاصية الأولى قادرة على تفسبر جانب من الصعوبات الجمة التي وجدها الفاتحون المسلمون. أثناء دعوتهم في العدوة المغربية. لقد اصطدموا مع نزعة رافضة للحكم المركزي سواء كان المتمردون بدوا أو حاضرة وكان ذلك واضحا في القرون الثالثة الأولى ولقد كان البناء السياسي الإسلامي في غالبه هشا لأن الولاة المسلمين لم يكتشفوا أفضل الصيغ للتفاعل مع الطباع الإستقلالية المفرط فيها عند السكان الأصليين.

فإذا اضفنا إلى هذا بعض الهفوات والمظالم التي كانت تصدر عن بعض كبار المسئولين العرب تجاه البربر ، ادركنا سبب رئيسي لإنتكاسات الجيوش القاتحة.

(ب) مع هذه النزعة الإستقلالية إمتاز أهالي العدوة المغربية بميزة ساهمت على عكس ماذكرناه آنفا في إنتشار الإسلام وتجذره في اليناء  المغربي: إنها شدة الإستعددا للإنطباع  بحياة الزهد والورع التي عرف بها رجال أمثال البهلول بن راشد (ت 183 هجري في القيروان) فعلى قدر ماكان الأهالي يظهرون من التململ من القيود السياسية المركزية ويتحينون الفرص للتفلت منها، بقدر مانجدهم يقبلون على رجال الدعوة وأهل العلم والتقوى للأخذ عنهم، على الرغم من الصعوبات اللغوية التي كانت تقصل بينهم، وكان أول من أدرك هذه الميزة حسان بن النعمان فعرف أن المدخل الديني الروحي والمعرفي أفضل بكثير من المداخل التي يتوخاها عمال وولاة الخلفاء حرصا على إسترضائهم بالهدايا والأموال ولو كان ذلك عن طريق العسف والنهب والإذلال. ولقد حذا حذو هذا المذهب عمر بن عبدالعزيز الذي عرف بالورع والتقى، فكان يختار عماله من العدول الاتقياء ويرسل معهم العلماء والفقهاء لتبصرتهم بأصول الدين وتعليمهم العربية وبذلك امكن للإسلام أن يغلب على المغرب.

وإذا كان بعض المؤرخين يذهب إلى أن أهم اسباب إنتشار المذهب الخارجي في العدوة المغربية يعود إلى حسن موقع مبادئ ذلك المذهب من الأهالي الذين كانوا يعانون من وطأة الخلافة الاموية وجور أعمالها.

لقد إنجذب اهالي “تاهرت” إلى الخوارج لما فيهم تصلب في الدين إعتبروه من اثار خشية الله والخوف منه، وأن ذلك هو عين التقوى المأمور بها شرعا، ومثل هذا التفسير يؤكد أهمية الميزة الثانية (الإستعداد للإنطباع بحياة الزهد)  من خصائص العدوة المغربية.

لقد كان المغاربة يكنون إحتراما كبيرا لرجال العلم وأهل الصلاح والتقوى وقد يكون وراء ذلك ندرة المتعلمين عندهم وقرب عهدهم بالبداوة والأمية. ولقد حصل مع الشيعة الفاطميين نظير ماحصل مع خصومهم الخوارج، إذ إستطاع الداعي أبو عبدالله أن يؤثر في حجاج من البربر، إلتقى به وكانت مظاهر تقواه وورعه عاملا حاسما في إنحياز وجوه قبيلة “كتامة” لدعوته وبذلك إنطلقت أكبر دعوة شيعية عرفتها المنطقة المغربية، وعنها تأسست الدول الفاطمية التي أطاحت بالأغالبة السنة في تونس والرستميين الخوارج في “تاهرت” وكان ذلك في اواخر القرن  الثالث الهجري.

(ج) أدى تفاعل العنصرين السابقين (النزعة الإستقلالية المفرطة والإستعدد للإنطباع بكل مظاهر الزهد)  ألى بروز عامل ثالث ميز العدوة المغربية في بنائها السياسي إنه إمتزاج السياسي بالديني  امتزاجا لا نكاد نجد له مثيلا في غير هذه البلاد .فكل الفرق الدينية حتى الصوفية منها إعتمدت على هياكل سياسية قوية، بل بلغ الأمر حد ان النقمة السياسية التي كانت تعتلج في صدور الأهالي من جراء مظالم العمال والولاة كانت لاتجد تعبيرا عنها إلا في حركات تمرد دينية سياسية انتهت مع القرن الرابع الهجري إلى تحول سياسي ديني هام يتمثل أن العدوة المغربية سوف يحكمها دعاة وملوك مسلمون وسنيون لكنهم بربر بالأس ولقد ابتدأ ذلك مع بني زيري وبنو حماد والمرابطون واتضح مع القرن السادس والسابع الهجريين.

إن الرغبة الملحة في الإستقلال عن المراكز المشرقية الفاطمية والعباسية، إضافة إلى نزعة التدين العميقة التحمتا في إختيار ديني سياسي يتمثل في جانب منه في العودة إلى مذهب أهل السنة والإنقطاع عن كل ماعداه، ولكنه في جانبه الآخر تعبير أكيد على أن المركز السياسي أصبح مغربيا محضا ولا علاقة للأوضاع المشرقية السياسية فيه.

وبهذا يمكن أن نقسم التاريخ السياسي المغربي إلى مرحلتين متميزتين : (أ) مرحلة كانت السلطة السياسية عربية مشرقية، ولقد تخلل هذه المرحلة إهتزازات وثورات كانت احيانا تأخذ شكل حروب ردة على الإسلام كلية.  (ب) مرحلة ثانية حصل فيها تمثل كاف للإسلام وتبني تام له بكن بإرادو سياسية محبية بالأساس لا علاقة حقيقة للمشرق بها. ولقد مكن أكثر فأكثر لهذا الإختيار الإستقلالي ضعف مراكز السلطة السياسية في المشرق الفاطمية منها والعباسية وكذلك سقوط خلافة قرطبة وإنشعال أمرائها بالنزاعات فيما بينهم.

ومن هذا المنظور يمكن أن نفهم أكثر إلى أي حد كان أهل المغرب يطرحون علاقاتهم السياسية والدينية مع المشرق ودوله وأعلامه ومنظريه. ومن هنا أيضا يمكن أن ندرك حدود تأثير الفكر السياسي لرجل كالغزالي في تطور جزء من العالم الإسلامي كان شديد الغيرة على إستقلاله منذ دخول الفاتحين ولم تزده الايام إلا تشبثا بتلك الإستقلالية.

لقد اجتمعت للغزالي عدة مواصفات كانت قادرة لفكره السياسي أن ينفذ في المغرب وأن يكون له تمهيدا لها لو كانت الأفكار والتصورات قادرة على التنقل بنفس سهولة تنقل الكتب أو البضائع.

كان الغزالي يعتقد في إمكانية تفريق السلط في الدولة الإسلامية بين خلافة وعدة سلطنات، وكان أهل العدوة المغربية يعملون من أجل هذا بكل حرص. وكان الغزالي يؤمن بأن العلماء هم ورثة الأنبياء وعلى الحاكم أن يستشيرهم لإقامة أحكامهم على مايفتون به،  وكان حكام المغرب لا يرون خلاف هذا. ألم يكتب يوسف ابن تاشفين  في طلب فتوى من علماء للمغرب والاندلس والمشرق في شأن ملوك الطوائف الذين لجو في الغواية والضلال سائلا هل  يجوز خلعهم ؟ واجاب الغزالي ابن تاشفين يوجوب ذلك، ثم حين وصلت أخبار انتصاره على ملوك الطوتئف سعى لدى العباسين لتدعيم حكمه. وكان هذا ايضا مما يصادف اختيارا سياسيا للدول المغربية منذ حكم بن زيري.

وكان الغزالي يعتبر الحكم وإقامة النظم السياسسة ليست إلا سبيلا لمرضاة الله  وإقامة العدل وإشاعة الخير بين عناصر الأمة المسلمين. وكان هذا أيضا مما يدعيه حكام المغرب الموحدون ومن قبلهم المرابطون.

ولقد كان الغزالي يبني تصوره السياسي على منطلقات عقدية تعتبر الإنسان خليفة الله في أرضه يقيم حكمه وأمره وأنه قادر على خلق أفعاله بعون الله ورعايته. وأن المجتمع الذي يهدف إليه ليس غاية في حد ذاته بل هو وسيلة لإنقاذ أفراده من الإسفاف والضياع لذلك فهو لا يرى حرجا في إقامة مجتمع متدرج يخضع لطائفتي الأمراء والعلماء، مادام هناك التعليم والإرشاد للذين يمثلان ضمانه لكل الفئات الإجتماعية الأخرى كالتجار، والفلاحين والحرفيين وغيرهم من أم تستبد بهم مطامع الحاكمين أو العلماء.

لكن مثل هذه النقاط  لايمكن أن تدفع ينا للقول بأن العدوة المغربية قد تأثرت بالفكر السياسي للغزالي مع المرابطين، ثم خصوصا مع الدولة الموحدية ( خاصة في طورها الأول) وذلك لإعتبارين رئيسيين:

(1) الإعتيار العقدي : لقد كانت بين الغزالي والمرابطين خلافات سياسية محدودة على الرغم من التضخيمات التي ذهب إليها المؤرخون، والتي من اشهرها ماذكره المراكشي وغيره من امر إحراق كتاب إحياء علوم الدين وملاحقة كل من يملكه وسفك دم من وجد عنده شيء منه واستصدار أمواله، إنما الخلافات الأعمق هي الخلاقات العقدية التي كانت بين الغزالي والموحدين.صحيح أن الغزالي ثار ضد الغقهاء وأدان مماحكاتهم الفقهية الصبيانية واستخفافهم بكل عمل اجتهادي يستند إلى الكتاب والسنة على إعتبار أن أمور السياسة في المجتمع الإسلامي تحتاج أكثر إلى دراسة الفروع (الغقه العملي) وتهجين كل ماعداه من علم الكلام ودراسة تأويل القرآن وعلوم الحديث الأمر الذي أدى إلى إنحطاط الدراسات الدينية عموما. لكن هذا لايجب بحال أن ينسينا عمق الخلافات التي كانت بينه وبين الموحدين على الرغم من القصص التي تبدو موضوعه لإظهار مدى التوافق والتقارب بين صاحب الإحياء و”تلميذه” المهدي بن تومرت.

لقد كانت حركة الموحدين في ظاهرها دينية إذ نقمت على المرابطين مذكراتهم وقاومت إبتعادهم عن القرآن والسنة (الاصول) ويلغ الأمر حدا جعل ابن تومرت يعتبر أن الجهاد ضد المرابطين أهم من الجهاد ضد النصارى.

لكن هذا “الغطاء” الديني الذي تفسره طبيعة المرحلة ومقتضياتها لا يجب أن يخفى علينا أن الثورة الموحدية لم تكن دينية بالتصور الذي يذهب إليه الغزالي، بكل كان الجانب السياسي فيها هو الاوفر حضا. من ذلك تأكيد ابن تومرت على ضرورة وجود إمام في كل عصر يهتدي بهدي الله ، والادعاء بانه هو ذلك المهدي او الإمام المعصوم . إن عصمة الإمامة مسألة سياسبة رغم الصبغة الدينية التي حاول ابن تومرت والشيعة من قبله أن يضيفوها عليها.ولقد بذل الغزالي من جانبه كل الجهد في دحض هذه الحجة خاصة في حملته ضد الباطنية ودعوتهم للإمام المعصوم رغم هذا فإن ابن تومرت يصرح دون مواربه: “إن الملوك الصم البكم استولوا على الدنيا، وإن الدجالين استولوا على الدنيا، وإن الباطل لا يعرفه إلا المهدي، وإن الحق لايعرفه إلا المهدي، وان المهدي معروف في العرب والعجم، وأن الإيمان به واجب وأن من شك فيه كافر وأنه معصوم فيما دعا إليه من الحق ولا يجوز عليه الخطأ فيه وأنه لا يكابر ولا يضاد ولا يدافع ولا يعاند ولا بخالف ولا ينازع، وأن امره قائم إلى أن تقوم الساعة، ورغم هذا الكلام فان عددا من الكتاب يصر على القول بأن ابن تومرت أخذ عن الغزالي ولازمة ثلاث سنوات طالبا ومريدا.

وليست مسألة المهدي إلا مدخلا على خلاف أعمق بين ابن تومرت والغزالي في خصوص مسألة القضاء والقدر . ففي حين يعتبر الأول أنهما مطلقان على مذهب الجبرية منكرا مايذهب إليه الأشاعرة ومنهم الغزالي والإرادة النسبية المعروفة بالكسب والإستطاعة جانب عقدي ثالث  يتناقض فيه ابن تومرت والغزالي هو قضية التأويل التي استعملها الأول بتوسع غريب لا يقره عليه صاحب الإحياء الذي كان يرفض إدخال أي نوع من التأويل في صفوف العامة، إذ كان ينصح يعدم التشويش على طمأنينتها السعيدة بإلقائها في مجادلات عنيغة وخلافات عقيمة، وهذا جانب هام أثر بعد ذلك في الإنقلاب الذي شهدته الدولة الموحدة في القرن السابع  الهجري مع إدريس المأمون الخليفة الثامن في دولة الموحدبن.

(2) الإعتبار التربوي: يتضح جانب آخر من الخلاف بين الغزالي وتلميذه المزعوم ابن تومرت في جانب رئيسي آخر هو الجانب الوجداني التعليمي الذي يتتاقض مع الجفاف الذي فرضه ابن تومرت خلال قوله بالعقيدة المجردة في التوحيد والتي تنتهي إلى عدم إمكان قيام أية علاقة من الحب  والتقرب بين العبد وخالقه. وهنا ندرك عمق من قال ” لو كان الغزالي قد عاش ليتابع سيرة ابن تومرت ولو سئل فتوى في تلميذه المزعوم لأصدر فتوى عنيفة ضده” لقد كان الإعتبار التربوي القائم على التجربة الباطنية أساسيا في كل بناء سياسي عند الغزالي، وفي حين اننا لا نجد له اثر عند مؤسس دولة الموحدين والقائل بضرب التوحيد لايعرف للحياة الوحدانية سبيلا، وهي الحياة التي بنى عليها الغزالي الجانب الأهم من فكره السياسي الإصلاحي. فالله واحد أحد ليست له صفات قائمة في ذاته ولا زائدة منفصلة عن تلك الذات. هكذا قرر منظم دولة الموحدين مسألة الاولوهية، اما حين نقرأ  العقائد من كتاب “إحياء علوم الدين” فسوف نجد ذلك التنزيه المضخم بعمق الحياة الوحدانية والمباين لتصور ابن تومرت -المباينة كلها- فالله ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود. لايماثل موجودا ولا يماثله موجود، لايحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته، هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كل شيء شهيد.

مع هذين الإعتبارين الرئيسيين ومن كل ماسبق يصعب علينا أن نقر  بتأثير حقيف للإمام الغزالي في الغكر السياسي المغربي في القرون الخامس والسادس والسابع الهجرية، وبخاصة على دولة الموحدين التي يذهب اعتقاد البعض إلى أنها من نسج وبناء أحد تلامذه ابو حامد العزالي .

إن مجمل مانركه الغزالي من فمر سياسي وهو المبثوث في تضاعيف جل كتبه، يشكل نواة مشروع تغييري ضخم غير سياسي في جوهره وإن كان يتقاطع مع السياسة في أكثر موضع، إنه مشروع “لاسباسي” إذا اعتبرنا السياسة بمعناها المتعارف،تصريف شؤون الدولة حسب موازيم القوى، والذي لاشك فيه أن الأمور بلغت في المشرق حدا من التسيب السياسي والأخلاقي ممايجعل حظوظ مثل هذا المشروع قليلة إن لم نقل معدومة.ولقد كان يمكن أن يستعمل في مشاريع دولة المغرب الناشئة لولا أن العدوة المغربية كانت بعيدة البعد كله عن مشاغل أبي حامد الغزالي، فلقد كانت تريد أن صنع لنفسها بالإسلام الوافد شخصيتها السياسبة الخاصة في عالم يسير بخطوات ثابتة نحو الإنحطاط والتفكك، وهكذا كان مشروع الغزالي بالنسبة للمشرق قد جاء بعد اوانه في حين كان للمغرب قبل الأوان فلم يؤخذ منه هنا او هناك إلا النتق والجزيئات التي تحول دون اي تغيير صحيح في الجهتين.

ولنقرأ في الختام هذه الفقرة من كتاب “نصيحة الملوك” ولنتدبر إن كان اثرا وهي فقرة جامعة للفكر السياسي عند الغزالي سواء مشرقا او مغربا يقول : “الاصل الأول من اصول العدل والإنصاف هو أن تعرف قدرة الولاية وتعلم خطرها، فإن الولابة نعمة من نعم الله عز وجل من قام بحقها نال من السعادة مالا نهاية له ولا سعادة بعده، ومن قصر عن النهوض بحقها حصل في شقاوة لا شقاوة يعدها إلا الكفر بالله تعالى،

والدليل على عظم قدرها وجلالة خطرها ماروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال “عدل السلطان يوما واحدا احب إلى الله من عبادة سبعين سنة”.

 

 


المصادر :

*العقد الإجتماعي- جان جاك روسو

*فاتحة العلوم

*التبر المسبوك في نصيحة الملوك- أبو حامد الغزالي

*في خصوص العلاقة  بين ابن تومرت والغزالي تحسن العودة على مقدمة «جلدزيهر» لكتاب محمد بن تومرت

*ابن عقيل وعودة الفكر السلفي المقدسي

*موريس بوق “محاولة في ترتيب مؤلفات الغزالي حسب تاريخ ظهورها”

*إحياء علوم الدين -أبو حامد الغزالي

*المعجب- عبدالواحد المراكشي

*إحراق المرابطين لكتاب الإحياء -سعد غراب “محاضرة”

* الثقافة الإسلامية بالمغرب بين المرابطين والموحدين- الفاضل بن عاشور “مقال في مجلة المجمع العلمي بدمشق”

*الإستقصاء -ابن قطان

*كتاب لاوست عن الفرق في الإسلام

*المنقذ من الضلال -أبو حامد الغزالي

*السياية والإيمان -روجي جاوردي  “مقال”

*الإقتصاد في الإعتقاد

*ميزان العمل

*منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية – ابن تيمية

*المستظهري -أبي حامد الغزالي

*مقدمة ابن خلدون

*دراسة برهان غليون عن السياية والاخلاق

*الفريد بل في “لفرق الإسلامية في الشمال الافريقي”

*تاريخ ابن خلدون

*ثورات البربر-حسين مؤنس

*فتوح البلدان- البلاذري

*الإستقصاء في اخبار دول المغرب الاقصى

*مقدمة الفرق الإسلامية- عبدالرحمن بدوي

*أخبار المهدي بن تومرت- أبي بكر الصنهاجي

*اعز مايطلب -ابن تومرت

error: المحتوى محمي