بول ريكور – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: محمد رضا

بول ريكور – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: محمد رضا

نسخة PDF


مقدمة: هذا نص مترجم لد. ديفيد بيلار وبرنارد داونهاور، حول الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


بول ريكور (1913-2005)، فيلسوف فرنسي بارز في القرن العشرين، تُرجمت ونوقشت أعماله على نطاق واسع عبر العالم. علاوة على عمله الأكاديمي، أدى حضوره الشعبي كناقد اجتماعي وسياسي، خصوصا في فرنسا، إلى تسمية ميدان على شرفه في باريس في مئوية ميلاده عام 2013. كتب ريكور طيفا واسعا من الموضوعات خلال مسيرته المهنية الطويلة. وبالإضافة إلى كتبه العديدة، نشر أكثر من 500 مقالة، ظهر الكثير منها في مجموعات بالإنجليزية.

الأنثروبولوجيا الفلسفية هي السمة الغالبة التي تجري في كتابات ريكور. جاء ريكور ليصوغها في فكرة “الانسان القادر”، ويسعى فيها لأن يمنح اعتبارا للقدرات الإنسانية ومواطن الضعف الأساسية التي يظهرها البشر في نشاطاتهم التي تشكل حيواتهم، وليعرض كيف أن تلك القدرات تمكن الفعل الإنساني المسؤول والحياة معًا. ومع أن التركيز كان دائما على إمكانية فهم البشر كفاعلين مسؤولين عن افعالهم، يرفض ريكور بإصرار أي ادعاء بأن الذات متجلية لنفسها أو تحكم نفسها بشكل كامل. إذ لا تتأتى معرفة الذات إلا من خلال فهم علاقتنا بالعالم والعيش بين آخرين في الزمان وفى العالم.

أجرى ريكور في سياق تطوير أنثربولوجيته عدة تحولات منهجية كبرى. استجابة منه لتغييرات في ظروفه الفكرية نتيجة تطورات طرأت على الموضوعات التي يتعامل معها في جزء، ربما يكون ذلك بطرق تتحدى مقاربته ذاتها، وجزئيا فيما كان يلاحق الأسئلة التي طرحت في أعماله المنشورة أو تلك التي لم يتناولها بعد.  ينتمي تكوينه الفلسفي إلى تقليد الفلسفة الفرنسية الانعكاسية، ذلك التقليد الذي يبحث عن فهم كيف تعي “الأنا” ذاتها وأفكارها وأفعالها بداية من التجربة المعاشة للوعي الانعكاسي، وعي أنفسنا كوجود وتفكير وفعل. وهذا يوضح كيف يلعب الوعي الانعكاسي دورا مهما في تنظيم فلسفة ريكور. كتب ريكور باكورة أعماله الهامة بعد الحرب العالمية الثانية بلغة “ظاهراتية وجودية” لا تعكس فقط دراسته لهوسرل، الذي بدأها قبيل الحرب العالمية الثانية، وإنما كارل ياسبرز وجابرييل مارسيل وجان بول سارتر وموريس ميرلوبونتى أيضا. في حلول 1960 خلص ريكور إلى أنه ولكي تُدرس الحقيقة الإنسانية كما ينبغي، وخصوصا في ضوء العلاقة مع وجود الشر، كان عليه أن يمزج الوصف الفينومينولوجي/ الظاهراتي مع التفسير الهرمنطيقى/التأويلى. قاده هذا التحول لمزيد من التركيز على نظرية للتأويل مغروسة في الفيمنولوجيا. وهو المنهج الذي كان يرى أن الفينومينولوجيا تحتاجه.  بالنسبة لتلك الفينومينولوجيا الهرمنطيقية فإن ما هو مفهوم لنا يأتي عبر استخدامنا للّغة. وفيما تستهدف اللغة الفلسفية دائما مفاهيما أحادية الدلالة، فإن اللغة في الواقع دائما ما تكون متعددة الدلالة. إذ يمكن أن يكون لها أكثر من معنى وأكثر من ترجمة، لذلك تتطلب استعمالات اللغة تأويلا. لم يضطر ريكور من خلال هذا المنعطف الهرمنطيقي أو اللغوي للتنصل من النتائج التي توصل اليها في بحوثه المبكرة. بل قاده حتى قاده ليس لإعادة النظر في عمله فحسب، ولكن ليرى بوضوح تأثيره بشكل عام، خصوصا في علاقته واستجابته لتطور البنيوية التي نظر إليها كتحد لأي منهج هرمنطيقى. كما قاده في أعماله المتأخرة أيضا لزيادة التركيز على حقيقة أننا نعيش في الزمان والتاريخ. تناول ريكور هذه التبصرات عبر فلسفة للخطاب طورها على أساس زيادة التركيز على اللغة في فلسفته. تعكس كتاباته المتأخرة قلقا مباشرا حول اسباغ المعنى على الذات والهوية الشخصية كمسألة تتجاوز المسألة الابستمولوجىة /المعرفىة. وحول الأخلاق على المستوى الشخصي والاجتماعي والسياسي.  قاده هذا القلق لكتابة مقالات حول فكرة العدل ولآخر كتبه حول إمكانية الاعتراف المتبادل وحالات السلام.

 

  1. سيرة ذاتية موجزة.

  2. الأنثروبولوجيا ما قبل الهرمنطيقية/التأويلية.

  3. التأويل ووفرة اللغة.

  4. الخطاب كوحدة كلية.

  5. الهوية السردية والتحول نحو الذاتية.

  6. الذاكرة والتاريخ والنسيان.

  • مراجع:

  • كتب ريكور.

  • كتابات ثانوية مختارة.

  • أدوات أكاديمية.

  • مصادر إنترنت أخرى.

  • مدخلات ذات صلة.


 

 

 

1- سيرة ذاتية موجزة

ولد بول ريكور في 27/فبراير /1913 في فالينس، فرنسا. توفيت والدته بعد وقت قصير من ولادته وقتل والده في معركة المارن في الحرب العالمية الأولى، لذا تربى ريكور وأخته مع أجداده ومع عمة غير متزوجة في رينيس. والذين كانوا ملتزمين دينيا للبروتستانتية الفرنسية الإصلاحية. قال ريكور فيما بعد عن دور الايمان في حياته “صدفة تحولت إلى مصير عبر الاختيار المستمر، بينما تحترم الاختيارات الأخرى بجدية”. تكفلت الحكومة الفرنسية بتكاليف تعليمه باعتباره يتيم حرب. درس أولا الفلسفة في جامعة رينيس ومن ثم في السربون. كان ريكور مقتنعا منذ حياته الأكاديمية المبكرة بوجود فارق أساسي وغير قابل للاختزال بين الاشياء والبشر كأشخاص وكفاعلين. فبخلاف الأشياء، يمكن للبشر الانخراط في فعل حر وتأملي. ولكن ريكور لم يقبل أبدا أي صورة للثنائية الجوهرية في الشخص مثلما في الكوجيتو الديكارتي أو أن الذات المتعالية/الترانسندنتالية الكانطية يمكن اعتبارها ضرورية. ومع ذلك قبل ريكور تناقضات العقل عند كانط وضرورة التمايز بين العقل النظري والعملي. درس ريكور في ألمانيا عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. استدعى للخدمة العسكرية بعد بدء الحرب 1939 بوقت قصير وأسر ليقضى بقية الحرب في معسكر اعتقال في ألمانيا حيث كان قادرا على دراسة كارل ياسبرز والإعداد لترجمة كتاب هوسرل “الأفكار” على هامش الكتاب الذي كان يتوجب عليه إخفائه من سجانيه. أكمل شهادة الدكتوراه بعد الحرب وعين محاضرا للفلسفة في جامعة ستراسبورج حيث خلف جان هيبوليت. وبقي هناك حتى 1956 حيث اختير لشغل كرسي الفلسفة العامة في السربون.

         في 1965، التحق بجامعة باريس الجديدة في نانتير، وهي الآن جامعة باريس العاشرة، والتي أنشئت في ضوء النمو السريع لعدد الطلاب. قضى ريكور سنة صعبة كعميد لكلية الآداب إبان انتفاضة الطلاب في 1968. وباستثناء ثلاث سنوات قضاها في لوفين، واصل تدريس حلقة دراسية في أرشيف هوسرل في باريس حتى بلوغه سن التعاقد 1980. ومنذ سنة 1954، حاضر ريكور بانتظام في الولايات المتحدة وكندا. وفى سنة 1970، اختير ريكور ليخلف بول تيليش كأستاذ لكرسى جون نوفين للاهوت الفلسفي في جامعة شيكاغو. مع تعيين مشترك في مدرسة اللاهوت وقسم الفلسفة ولجنة الفكر الاجتماعي. إذ قام بالتدريس بشكل جزئي وبانتظام حتى سنة 1992. وفى سنة 1986، حاضر في محاضرات جيفورد في إدنبرة سكوتلاند.

         ترجمت أعمال ريكور لأكثر من خمسة وعشرين لغة، وخصص عدد خاص من مجلة مكتبة الفلاسفة الأحياء تكريما له. من بين الكثير من شهادات الدكتوراه الفخرية التي حظي بها تلك من جامعة شيكاغو (1967) ومن نورث ويسترن (1977) وكولومبيا (1987) وماكجيل (1992).

كما حصل ريكور على جوائز عديدة، من بينها جائزة هيجل (شتوتغارت ،1985)، جائزة دانتي (فلورنسا ،1988)، جائزة كارل ياسبرز (هايلدبرج 1989) جائزة ليوبارد لوكاش (توبنجن ،1990) جائزة الاكاديمية الفرنسية الكبرى للفلسفة (1991)، جائزة كيوتو 2000 وجائزة البابا بول السادس الدولية. وفى سنة 2004، تلقى مناصفة جائزة جون كلوج للعلوم الانسانية التي يمنحها مركز كلوج بمكتبة الكونجرس الأمريكي.

 

2. الأنثروبولوجيا ما قبل الهرمينوطيقية /تأويلية

قُصد من أول عمل رئيسي لريكور أن يكون في ثلاثة مجلدات يستعرض فيها فلسفة الإرادة. كما ستتوجه إلى مشكلة الشر وإجابتها والتعالي كما يُعبر عنها في شاعريات الإرادة. بيد أن هذا المجلد الأخير لم يظهر قط. إذ تأخر ووضع جانبا حينما اكشف ريكور مشاكل جديدة لم يتوقعها واستجاب لتحديات جديدة لفلسفة آتية خصيصًا من البنيوية.

يقترح المجلد الأول “الحرية والطبيعة: الإرادي واللاإرادي ” فينومينولوجيا للإرادة، واضعا بين قوسين حقيقة الشر وحله. ويستقي من منهج الفينومينولوجيا الذي طورها إادموند هوسرل. يجد فيه المرء تعبيرا عن سمة مركزية في انثربولوجيا ريكور، السمة القطبية للذاتي والموضوعي في الملامح المكونة للوجود الإنساني المعاش تحديدا.  وخلافًا لسارتر، الذي كان يرى أن هناك تناقضا حادا بين الوعي (أو الشيء لذاته) وبين المادية (أو الشيء في ذاته)، تناقضا يجعل ثمة مساحة من الحرية للشيء لذاته في مواجهة الواقع المحض للشيء في ذاته، يجادل ريكور أن الأبعاد الإرادية واللاإرادية للوجود الإنساني تتكامل معًا. يمكننا أن نلاحظ ذلك خلال وصف فينومينولوجى/ظاهراتى للبنى الثلاث التي تشكل الإرادي: القرار والاختيار ثم التحرك نحو الفعل ثم تسليمنا الضروري لللاإرادي الذي يبدو أنه يتمثل من خلال تجسدنا أو جهاز الفعل لدينا. ليس ثمة انسجام سلس بين هذه الأبعاد، أبعاد ما يمكن اعتباره في النهاية حرية محدودة. على البشر أن يتصارعوا مع التوتر الناشئ بين ذواتهم وبين تقبل حياتهم المتجسدة والعالم باعتباره شيئا لم يصنعوه بالكامل. إن القرار الضعيف الناتج عن هذا الصراع هو ما يجعل حرية الإنسان إنسانية أصيلة في نهاية المطاف، ويمنحنا الهوية المتميزة باعتبارنا أفرادا وكأعضاء في مجتمعات تاريخية وأخيرا كجزء من البشرية عموما.

يوسع ريكور اعتباره للحرية متناولا مشكلة الشر في كل من ” الإنسان الخطاء” و “رمزية الشر” (1960). يتناول في هذه الأعمال سؤال كيف لنا أن نفسر إساءة استخدام الحرية، حقيقة إرادة الشر، وهو السؤال الذي وضعه بين قوسين في مجلد التمهيد الفينومينولوجى. يجادل في الإنسان الخطاء من خلال تحليل متعالي أن هذه الامكانية ترتكز على التفاوت الأولي الذي يشكل الوجود الإنساني المتموضع بين الطبيعة المحدودة والمنظوري للخبرة وبين الأبعاد العقلانية اللامحدودة التي تأخذ التجربة عبر المنظور والممارسة والشعور مؤدية إلى مفهوم الخطأ. يظهر هذا التفاوت في كل جوانب الوجود الإنساني من الادراك للشعور للتفكير. ويتجلى في السعي الإنساني نحو الممتلكات والقوة والهيبة. بسبب هذا التناقض، لا نتوحد /نتفق كليا أبدا مع ذواتنا، وبالتالي من الممكن أن نخطئ. نحن خطاؤون ولكن الشر وإساءة استخدام الحرية ليس أصيلا ولا حتى ضروريا هو فقط ممكن.

ولا يجعل هذا التفاوت وجودنا بلا معنى. بل هذا التفاوت بعينه الذي يجعلنا خطائين ويجعل الشر الإنساني ممكنا، هو ما يجعل الخير والمعرفة والانجاز ممكنين. إنه ما يميز كل منا عن الاخر، كل منا له (أو لها) موقعه الزماني والمكاني ومنظوره ولكن يمكن أن نعرف أنفسنا كبشر بين كثيرين ويمكننا أن نعرف العالم المتجاوز لوجهة نظرنا الفردية له. في نفس الوقت، تمنحنا لا عصمتنا من الخطأ إمكانية التواصل مع بعضنا عبر استخدامنا للوجوس/للمطلق الذي يتعالى فوق وجهات نظرنا المحصورة.

ومع أن الوحدة الإنسانية ليست أبدا أكثر من مجرد وحدة أسست على التواصل، تحديدا لأنه يمكننا التواصل، فإن الفروق بيننا ليست مطلقة أبدا.  علاوة على ذلك، لا يمكن لأحدنا منفردا أن يعتبر شخصا. فعلى الرغم من أن كل منا له هوية فردية، غير أن هوياتنا تُظهر بأننا مرتبطون بالآخرين:” الإنسان هو ذلك الوحدة الجمعية والتجميعية حيث على وحدة التوجه واختلاف المصائر أن تفهم من خلال بعضها” (الإنسان الخطاء، 138).

تتجلى تلك الوحدة التي تجمع الناس مع بعضهم البعض -حتى لو كان مختلفين- في سعيهم للتقدير والاعتراف. يستهدف هذا السعي مشاركة حقيقية والتي تعبر عن التقدير المتبادل لما يمتلكه كل منا بسبب إنسانيتنا المشتركة وتميزنا الفردي في نفس الوقت.  يحترم ذلك التقدير التفاوت المكون لكل شخص. طور ريكور سمة الاعتراف المتبادل تلك في كتابه الأخير “مسار الاعتراف. إذ يحاج بأنه يتجاوز الاعتراف المتبادل الذي قد نجده في التعاملات التجارية أو أي تعاملات من الممكن اختزالها الى مجرد تبادل السلع دون وضع أي اعتبار لما قد يكونه الطرف الآخر..

كما يظهر كل من تفاوتنا المؤسس وسعينا نحو التقدير المشترك أيضا في دراسة التاريخ التي تقر بزمنية وجودنا. ويظهر انتباه للتاريخ كهذا الطبيعة المحدودة للحرية الإنسانية. بالنسبة لريكور، يوجد في التاريخ نظام وبنية تتجلى في سرده وإلا سيصبح غير مفهومًا. ولكن هذا التاريخ المروى يروى أحداثا وأفعال تتناقض والسردية الكلية السائدة وتعيد ترتيبها وتقود إلى التساؤل عن إمكانية الغفران عن الأخطاء التي ارتكبت والثمن الذي ترتب عليها مهما كان ذلك صعب تحقيقه.

عززت هذه التأملات قناعة ريكور بأن أقوال وأفعال البشر تفترض حرية محدودة تسمح لنا بالتدخل في العمليات الطبيعية وفي نفس الوقت الاعتماد على تلك العمليات في أفعال كتلك. إن ما نقوله وما نفعله سيكون بلا معنى مالم يتحدد مع بعض البنى والاشكال المحددة سلفا عن طريق العمليات الطبيعية من جهة ومع ما نقوله عن الأفعال التي تتدخل في تلك العمليات من جهة أخرى. إن كلماتنا وأفعالنا مصممة للتعبير عن معنى لما هو موجود أصلا، لأنها تعطى معنى للأشياء كما هي الآن. وبهذا المعنى، تكتسب أفعالنا وأفعالنا مدلولاتها من كونها استجابة لسياقات ليست من صنع ذواتنا كليا. يمكن لما نقول ونفعل في سياقات كتلك أن تهدف لما وراء الأشياء الواقعة الآن وتمنح أحيانا تعبيرا عن معاني وقيم جديدة وإمكانات غير مقصودة وغير مدركة حتى الآن. بمعنى آخر، تكتسب حريتنا المحدودة قيمتها وفعاليتها فقط بسبب وجودنا في نظام طبيعي وثقافي ليس من صنعنا بصفة عامة، ولكن ذلك هو العالم الذي نبحث عن التوافق معه من خلال كلماتنا وافعالنا وخيالنا الخصب.

رأى ريكور أن مفهوم التفاوت هذا الذي يتسم به الوجود الإنساني غير كاف ليقدم سردية للواقع الحقيقي لإرادة الشر والأفعال الشريرة. لا يوجد تحليل مباشر دون وساطة للكوجيتو -كما افترض ديكارت وهوسرل- يمكن أن يفسر لماذا تظهر هذه الشرور المحتملة. يؤكد إدراك ضبابية الكوجيتو بهذا الصدد اشتباه أن كل الفهم الذاتي يأتي فقط من خلال “علامات “أودعتها الأدبيات الكلاسيكية العظيمة في الذاكرة والخيال ” (ريكور، سيرة ذاتية فكرية. في هاهن 1995:16، ملحوظة:مترجم للعربية تحت اسم “بعد طول تأمل “). كان هذا الشك محركا عظيما لهرمينوطيقا ريكور وفى نفس الوقت “منعطفه اللغوى”.

محص ريكور بعد ذلك مشكلة الشر في كتابه “رمزية الشر” حيث يحاج بأنه يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار كيف حاول الناس التصالح مع عدم قدرتهم على تفسير وجود الشر باستخدام اللغة استنادا إلى الرموز العظمى والأساطير التي تتحدث عن أصل العالم ونهايته. إذ تنطوي هذه اللغة على أكثر من معنى وتفهم على أكثر من وجه وتحتاج دائما إلى تأويل. اختتمت هذه الدراسة بالقول إن على الفلسفة تعلم فهم لغة كهذه وتبدأ التفكير انطلاقا منها، استجمع ريكور ذلك في عبارة شهيرة “يمنح الرمز الازدهار للأفكار”(رمزية الشر 1967: 247-57) إذا كانت الفلسفة ستأخذ بجدية الدرس الذي علمه تأمل رمزية الشر، فعليها أن تأخذ أيضا مشكلة “وفرة اللغة”. بمعنى، أن تأخذ في الاعتبار استخدامات اللغة التي تتجاوز الكلمة أو الجملة الواحدة، وكذلك تلك التي لا يمكن اختزالها لبراهين منطقية. ومثل الرموز، هذه أشكال من الخطاب تنطوي على أكثر من معنى. ولفهم معنى وفرة اللغة، يجب على الفلسفة أن تطور نظرية للتأويل بما أن الخطاب الفعلي ليس دائما، إن لم يكن أبدا، أحادي المعنى وتتبدل معانيه بمرور الزمن حين يبقى الخطاب الأصلي بعد قائليه والمواقف التي قيل فيها أساسا.

رأى ريكور خلال تطويره نظرية للتفسير فيما يتعلق بنظرية اللغة كخطاب، أن ما يسميه الآن حقل الهرمينوطيقا منقسم بين مقاربة كتلك التي استخدمها في رمزية الشر والتي تنشد استعادة المعنى كما يفترض أن يكون فعلا وبين ما أسماه هرمينوطيقا الارتياب كما نرى عند ماركس ونيتشه وفرويد حيث لا شيء يعنى ما يبدو أنه يعنيه للوهلة الأولى. أسهم صعود البنيوية في الستينات والسبعينات -مستقى من تطوير اللغويات – في التركيز الشك بالقول إنه بُنية تحتية أو بنى تظهر المعنى الظاهر على السطح. طرحت البنيوية كذلك الفكرة القائلة بأنه من الممكن أن تعتبر البنى التحتية تأويلا اختزاليا يرد لأي معنى ظاهري. لذلك توجه مشروع ريكور الفلسفي لإظهار أنه في حين أن البنيوية تعد أداة تحقيق -تبحث في وتتعلم من البنى المنتجة- فإنها ضلت طريقها حينما اعتبرت نفسها نظرية للموضوعية بدون ذاتية، وهو ما أسماه ريكور “فلسفة متعالية بدون ذات متعالية”. وبمرور الوقت، بات ريكور يرى محدودية التحليل البنيوي كأداة تفسير مثلما يظهر في حقيقة أن البنيويين دائما ما يفترضون مسبقًا المعنى السطحي الذي يحاولون تفسير. علاوة على ذلك، لم يستطع البنيويون تفسير كيف يمكن للبنى أن تنتج المعنى أو كيف يتأتى لبنية أن تتحول لبنية أخرى. ذلك لأنهم جحدوا الزمان وأهملوا أي مفهوم للتغيير ولأن البنى العميقة التي اكتشفوها كانت تعتبر سكونية ولا زمانية /لا تاريخانية.

هذا النقد موجود في المقالات المجموعة في كتاب صراع التأويلات (1969) وفى قراءته الفلسفية التفصيلية لفرويد في كتاب فرويد والفلسفة (1970). باتت فلسفة فرويد بمثابة أركيولوجيا للذات موجهة نحو نظرية الثقافة (قلق في الحضارة /الحضارة وسخطها). عير أنها تفتقر لغائية الذات التي تسمح بالإبداع الإنساني وبالإنسان المتمكن. عززت هذه التحقيقات رؤية ريكور أنه لا يوجد فهم ذاتي دون وساطة، مما أدى إلى مزيد من المنهج الجدلي في عمله. وهو توجه سعى من خلاله إلى إيجاد أرض محايدة تجمع بين متناقضين وتسمح بالتحرك بينهم جيئة وذهابًا. وتحديد أرضا كتلك يؤدي إلى فهم معزز والذي يأتي دائما من للتأويل ولكنه منفتح على النقد أيضا. بتعبير آخر، إنه المنهج الذي يتوسط ويتفاوض بدلا من أن يمحو صراع التأويلات.

مع التسليم بثمار التحليل البنيوي في مجالات محددة للتجربة، رفض ريكور آراء البنيويين الذين سعوا لاختزال اللغة نفسها لنظام مغلق من العلامات لا علاقة له بما هو خارجه. عرّف ريكور الخطاب، متبعا الاستدلالات في اعمال كل من إيميل بنفنست ورومان جاكوبسون، باعتباره استخدام نظام من العلامات لشخص ما يقول شيئا عن شيء لشخص ما مستخدما قواعد صوتية ومعجمية ونحوية وأسلوبية موجودة مسبقا ولكنها أيضا مرنة. وبذا، يتضمن الخطاب دائما متكلما أو كاتبا أو وقارئا أو مستمعا، وكذلك شيئا يقال في موقف ما عن حقيقة ما، وفي اخر المطاف عن عالم يمكن أن نسكنه. ويتبع هذا أنه يتطلب لأي تأويل لصيغة خطاب كلا من التحليل الموضوعي الذي قدمت البنيوية أداة له وإدراك أن هناك دائما فائض معنى فيما وراء ما هو مجرد تقنيات موضوعية تحاول التفسير. هناك دائما فائض معنى، لأننا نطبق التقنيات الموضوعية على أشياء نفترض مقدما أنها تحوي معنى محتملا دون أن نستنفد كامل هذا المعنى. إن معنى أفعال الخطاب منفتح على التأويلات أيضا، خصوصا بمرور الزمن وتبدل السياق الذي تم فيه التأويل نفسه.

 

3. التأويل ووفرة اللغة

من هذا المنطلق تناولت أعمال ريكور بعد صراع التأويلات عددا من الموضوعات ذات الصلة. في المستوى الأول، يستكشف ممارسة مناهج التأويل باعتبارها منطلقة من موقف وفهم أولي لتوسيع الفهم لكل من المأول وللعالم باعتباره عالم نقيم بداخله. وفي مستوى آخر، اكتشاف آفاق مفهوم وفرة اللغة عن طريق اكتشاف أشكال أخرى من الخطاب كوحدة كلية. تلك استخدامات للغة أكبر من جملة واحدة حيث لا يمكن ببساطة اختزال حقيقة ومعنى الخطاب كوحدة كلية إلى مجموع قيم الجمل المكونة له. انطلاقا من هذين المستويين المتشابكين، تمكن ريكور من تناول اسئلة الذاتية ومسؤولية الفعل الإنساني، وتمكن من أن يتناول بالتفصيل نظرية أخلاقية كانت دوما حاضرة في فلسفته. تبدأ مناقشة الأخلاق بالتركيز على العلاقات بين شخص وآخر، الذات وشخص أو عدة أشخاص قريبين، ويتوالى حتى سؤال العدالة والعيش مع آخرين فيما وراء هؤلاء الذين يلتقيهم المرء يوميا أو وجها لوجه. ظهر السؤال الخاص “ما العادل ” (العادل، 2000؛ تأملات عن العادل، 2007) الذي خرج من مشاركة ريكور في منتدى للقضاة وقادت إلى تأملاته في آخر كتبه المنشورة في حياته (مسار الاعتراف،2005). استمر في تلك السنوات الأخيرة في استكشاف أبعاد أخرى لوفرة اللغة.، خلال بعض المقالات الهامة حول مفهوم الترجمة وكيف تحدث داخل اللغة الواحدة وليس فقط بين لغات مختلفة مثلا.

أكد ريكور أن ممارسة التأويل لا تفترض نظرية عامة قابلة للتطبيق على كل الحالات. كانت أطروحته بالأحرى ربط نظريته في الخطاب كاستخدام للغة باعتباره قول شيء لشخص ما بأمثلة لخطابات وتأويلاتها. ولكن لأن اللغة الشفوية سريعة الزوال، فإنها تتلاشى. اتجهت بصيرة ريكور الذكية الى خطابات تترسخ من خلال كتابتها في نصوص أو ما يشبه النصوص. اختفى حدث الكلام نفسه ولكن النص بقي لأي شخص يمكنه القراءة. وبذا بات معنى النص وليس نية الكاتب الأصلي أو الموقف الأصلي هو موضوع التأويل. كانت البنيوية محقة أن للنصوص بنية. ولكن هذه البنية تتباين حسب نوع الخطاب، لذا فإن فهم هذه البنية وكيف تسهم في تشكيل الخطاب يساعد في تحديد نوع أو صنف الخطاب. الادراك المبدئي لنوع الخطاب بمثابة تخمين لابد وأن يؤكد خلال تأويل النص، والقراءة الجيدة تجعل من يتولى التأويل يضع تخمينه الأولي موضع مسائلة. يعتقد ريكور أن ما يكتشفه المرء خلال بحوثه هو شيء ما مثل عالم للنص، لا يقع خلف النص وإنما وبشكل ميتافيزيقي أمامه كشيء يكتشفه من يؤوله باستخدام خياله. عالم يمكننا أن نفكر في أنفسنا ضمنه. تحتاج التأويلات بالطبع للفحص والمقارنة مع التأويلات الأخرى وعاجلا أو آجلا نحتاج إلى إعادة التأويل بتغير الموقف حسب الزمان. يوجد دائما إمكانية للنقد الداخلي أو الخارجي، هل النص متماسك بشكل عام؟ هل يمكن تأكيده أو دحضه بوثائق أخرى أو بيانات لاحقة؟ تلعب التقنيات التأويلية دورا أيضا، خصوصا عندما تتعقد عمليه الفهم. أي بلطيف العبارة، أراد ريكور أن يقول أن على المرء أن يشرح أكثر ليفهم أفضل. اتفق ريكور أيضا مع نظرية هانز جورج جادامار في الهرمينوطيقا/التأويلية والتي تنطوي على أن التأويل نوع من الاستيعاب /الاستملاك. رأى ريكور ذلك باعتباره موجه للممارسة في الحاضر أكثر مما كان جادامار يسميه “استيعاب التراث”/”استملاك التراث”. إذ يظل للتراث دور في الحاضر حتى حين رفضه أو انتقاده. اتفق كذلك مع جادامار أن هدف التأويل هو أن نتمكن من إضفاء معنى على وجودنا المتجسد مع آخرين وضمن هؤلاء الآخرين أسلافنا وخلفاؤنا في العالم.

لم يقدم ريكور نظرية عامة للتأويل. تعتبر تأملاته في الهرمينوطيقيات نفسها مثالا على الممارسة الفلسفية في التأويل والمؤدية إلى تصور حول ما يقف في نهاية المطاف وراء فعل كهذا: الحاجة إلى التأويل لإضفاء معنى على الحياة البشرية، والانتقال من فهم أولى إلى فهم أعمق على أساس التأمل النقدي واستثارة الخيال واستقراء تقنيات واجراءات الشرح متى تعسر الفهم، واستيعاب معنى الخطاب في العالم الذي يعكسه باعتباره عالما يمكننا أن نسكنه. وأخيرًا مزيدا من فهم الذات.

 

4. الخطاب كوحدة كلية

بحث ريكور عدد من صور الخطاب كوحدة كلية بداية من الخطاب الاستعاري. مثل الحديث عن رموز بحثها في وقت سابق، كالاستعارة الحية كنوع من الخطاب الذي يقول أكثر من شيء في وقت واحد. فالاستعارات الحية نتاج لجمل، وليست مجرد احلال كلمة محل أخرى لمجرد تأثير زخرفي أو بلاغي، إنها تستهدف نوع من التلاعب في الإسناد “”ميل مجازى”. وخلافا للقضايا المنطقية التي تقول إن الشيء يكون أو لا يكون، فإن الاستعارة الحية تقول بأنه “يكون” و “لا يكون” في وقت واحد، مما ينتج عنه إعادة توصيف الواقع. وكطريقة بداعية لاستخدام اللغة، من الممكن أن تموت الاستعارات الحية أو أن يتم استيعابها في قاموس” تلك سنة الحياة”. من الممكن أن تمتد الاستعارة الحية أيضا فيما وراء جملة واحدة كما في اللغة الشعرية، فاللغة الشعرية تغير من وصف الواقع. والحقيقة في اللغة الشعرية مسألة بلاغة أكثر منها حقيقة متماسكة ومقابلة لما يفترض أنه الواقع الخارجي. وبمعنى مهم، فإن الحقيقة المختبرة هي أساس الحديث عن اتساق أو مطابقة، حتى لو تناقض ذلك مع كون أن الخطاب الاستعاري يستخدم دائما لغة موجودة فعلا ومتاحة للاستعمال. وبهذا المعنى، فلن نقف أبدا على أصل اللغة. من الممكن أن نستمر بالتساؤل لبلوغ ذلك الأصل ولكننا لن نصل أبدا لأننا يجب أن نستخدم لغة موجودة مسبقة كلغة للسؤال. لذلك يبدأ الفلاسفة الذين يؤمنون بوفرة اللغة كما لو أنهم بدأوا مسبقا.

الخطاب السردي صورة أخرى من الخطابات التي بحثها ريكور. إنه استخدام للغة يمكننا من اضفاء معنى معين على الفعل والزمان. تحتوي اللغة العادية على مفاهيم تنطبق على الفعل مثل النوايا والدوافع والأسباب والأفعال والعواقب والفاعلون والمفعول بهم، وتحوي مفاهيم تنطبق على الزمان مثل، ماضي وحاضر ومستقبل والآن ولاحقا ومتى. يشكل الخطاب السردي مجموعة مفاهيم غير متجانسة معا في الخطاب ليموضع أفعالا في الزمان حيث لا يحدث شيء تاليا لشيء آخر فحسب ولكن بسببه في قصة أو تاريخ تتابعي. إنه يعيد تشكيل الأحداث الطبيعية كأحداث سردية، أحداث ذات معنى تحكى ما حدث في قصة أو في التاريخ. ولكن لأن السرديات تنتهي أو يجب أن تنتهي، فهي لا تستنفد الزمن ولا المعني المحتمل طويل المدى للحدث. ومن خلال تلك الحبكات تكون السرديات نتاج مفاهيم غير متجانسة في نوع من التوافق غير المتسق والذي يشكل حلقات من القصة في قصة محكية. هي تحل في بعمل هذا -عمليا إن لم يكن نظريا -الصراع بين مفهوم الزمن كمعاش الآن -حاضر له ماض ومستقبل- وبين زمان كوني مطلق يُفهم على أنه تتابع من النقاط -حيث كل نقطة لا تُعرّف بالنسبة لماضيها ومستقبلها ولكن بالنسبة لنقطة سابقة عليها وأخرى تالية لها. تخلط السردية وجهتي النظر هاتين حول الزمان في الزمن الإنساني، ولم يحدث أن حلت بشكل كامل الألغاز المحيرة الناشئة عن التفكير حول الزمان من داخل الزمان أو (تفكير كائن يعيش داخل الزمان حول الزمان).

يتخذ الخطاب الديني، على الأقل الموجود في التراث التوراتي العبري والمسيحي الإنجيلي، عدة صور مثل الترانيم والقوانين وسرديات مثل الأمثال والنبوة والحكم. ما يجمع بين هذه الخطابات وما يميزها كخطاب ديني أنها جميعا صور لخطاب شعري وكل منهم يتحدث عن ” الإله” بطريقته. وتقوم ضمن وضعها في العقيدة الإنجيلية عبر تشكيل تعدد صوتي يمكن التراث الديني الذي يستخدم تلك النصوص للتعرف ولتشريع نفسه عبر نوع من الدائرة الهرمينوطيقية. أى أن التقاليد الدينية ترى النصوص على أنها مقدسة وتستخدمها لشرعنة نفسها كتقاليد موجودة في تلك النصوص وهو شيء يكتشف خلال قراءة وتأويل النصوص.

يعتبر الخطاب السياسي صورة خاصة وهشة من الخطاب كوحدة كلية حيث أن البعد السياسي للوجود الإنساني مجال واحد ضمن مجالات أخرى كالتجاري والفني ويحتوي الخطابات الأخرى أيضا. إنه صورة من الخطاب تتسم بـ “بالخطابية” بشكل خاص كونه يهدف إلى الاقناع. يعتبر الاقناع ضروريا لأنه لا يوجد حل نهائي للنزاع الناشئ عن الأسئلة حول شكل الحكومة أو ما إذا كانت هناك ضرورة لقانون ما وما ينبغي أن يكون عليه هذا القانون وما إذا كانت القوانين ضرورية في هذه الحالة عموما. كما تتعلق الخطابات السياسية بالسلطة، فالسلطة في اصدار القرارات واصدار الأوامر للآخرين تزيد من هشاشة الخطاب السياسي. فتح ذلك المجال لجدلية “الأيدلوجيا والطوباوية” في فلسفة ريكور السياسية. إذ تنادى الأيدولوجيات بشرعية وضعية من هم في السلطة أو أولئك الذين يسعون إليها وجسر الهوة بين ما يدعون وبين الأشياء في الواقع.  بالمقابل، يتخيل التفكير الطوباوى العالم بدون أو فيما بعد الأيدلوجيا. يساعد التفكير الطوباوى الناس على تجاوز أيدولوجيات مدمرة، ولكنهم يعودون مرة أخرى للاعتماد على الأيدلوجيا طالما الطوباوية لم توجد في أي مكان. ومع ذلك فالسياسة مهمة لأنها تجعل الحياة معا ممكنة. ولأن السياسة تأخذ مكانها بين مفهومي الأيدلوجيا واليوطوبيا، فهي مثال للمفهوم الوسيط بين متناقضين في هرمينوطيقا ريكور.

 

5. الهوية السردية والتحول نحو الذاتية

أدرك ريكور في نهاية المجلدات الثلاث لدراسته عن السرد الزمان والسرد أن ما قيل هناك أشار إلى أهمية فكرة الهوية السردية. إذ لا ينطبق على هوية الشخصيات في قصة أو في التاريخ فحسب، ولكن على الادعاء الأكبر بأنه يمكن اعتبار الهوية الشخصية بمثابة هوية سردية. ما القصة التي يرويها المرء عن ذاته (أو ذاتها)؟ وما القصة التي يرويها الآخرون عنه؟ في الواقع، الهوية السردية طريقة من الطرق التي نجيب بها على سؤال من؟ من هذا؟ من قال ذلك؟ من فعل ذلك؟ من هو ذلك؟ من نحن؟  وسع ريكور من نطاق أبحاثه لتشمل السؤال حول الذات (في محاضرات جيفورد (1986) والتي نشرت تحت عنوان الذات كآخرى (1992)) استهدف النقاش الرد على تأويلات الكوجيتو الديكارتى سواء تلك التي تؤكده بقوة مثل” يمكن للمرء أن يتصل بالذات بشكل فورى ويقيني ” أو تلك التي تضعفه بشده باعتباره “محض حقيقة مجردة لا معنى لها ” أو حتى تلك التي تنكر وجوده. في مواجهة تلك الفكرة الأخيرة عن “كوجيتو محطم” اقترح ريكور تأويلا “لكوجيتو مجروح” حيث يستطيع الشخص أن يثبت وجوده وفعاليته في العالم، ذات تفعل وتتعرض للأفعال، يمكنها أن تروي وأن تتحمل مسؤولية أفعالها. بشكل ما نتكلم عن الذات من حيث كونها فعل وإمكانية بدلا من كونها جوهر.

تتدرج حجة ريكور بخصوص الذات عبر عدة مراحل. حيث يبدأ من فلسفة اللغة ومن مسألة التعرف على إشارة إلى الأشخاص على أنهم ذوات وليسوا أشياء ببساطة. يؤدي هذا إلى اعتبار الذات المتكلمة على أنها فاعل، تمر من خلال دلالات الأفعال التي تعلمها من الفلسفة التحليلية إبان اقامته في أمريكا الشمالية. ثم عرج على فكرة الذات كحائزة لهوية سردية. ثم اتبعها بسؤال المغزى الأخلاقي في أن نكون ذاتا. تنتهي هرمينوطيقا الذات تلك باستنتاج مفاده أن الذات، ذات واحدة وسط ذوات، شيء يجرى يُثبت فقط بالشهادة الشخصية أو بشهادة الآخرين. وبالتالي فالذاتية مرتبطة بشدة مع نوع من الخطاب الذي يقول “أنا أؤمن ب “. إنها بمثابة اعتقاد مُعاش بدلا من يقينية منطقية أو علمية.

كما قدم ريكور خلال مسيرته مفتاحا للتمييز بين نوعين للهوية مرتبطين بالذاتية. هوية “الايدم: idem” “هي هوية الشيء التي هي نفسها دائما ولا تتغير أبدا وهوية “الإبسي” ipse وهي هوية الشيء الذي يظل نفسه في وخلال التغيير. تتضمن هوية الذات كلا من البعدين: أنا نفسه ولست نفس الشخص الذي كنت عليه قبل عشر سنوات. إن وجود هوية الإبسي هى التى توضح أفضلية التعامل مع الذات في إطار السؤال “من” بدلا من السؤال “ماذا؟” هي الذات.

طالما كانت الذات فاعلة، فإن السؤال عن أهدافها الأخلاقية ينشأ. مما سمح لريكور بتقديم ما أسماه “الأخلاق الصغيرة”. أدخل ذلك وجهات نظر جديدة للذات ومسار جديد للنظر إليها، المسار الذي حول الحجة من وصف ما هو كائن إلى وصف ما يجب أن يكون. عرض ريكور تلك “الأخلاق الصغيرة ” عن طريق ما أسماه النية الأخلاقية ” السعي للحياة الطيبة المعاشة مع ومن أجل الآخرين في مؤسسات عادلة الذات كآخر (1992). تعطي هذه الصيغة تعطى أولوية للأخلاق كـ “غائية” على الأخلاق كـ “ممارسة معيارية”. إنها في الواقع بنية ثلاثية الأبعاد: على الهدف الأخلاقي أن يمر عبر مصفاة المعيار، مما يعنى إدراك النية الأخلاقية وأن يُطبق في ظروف معينة على أساس الفضيلة أو الحكمة العملية التي ستطبق المعيار. من الممكن ان يكون هذا التسلسل بطريقة عكسية، مثلا حين تقع كارثة، مرض جديد مثلا يؤدى إلى ممارسة معيارية كاستجابة له، فإن ذلك يلقى ضوء جديدا على الهدف الأخلاقي. على مستوى العلاقة بين الذات والمقربين أو الحميمين، يعتبر مبدأ المعاملة بالمثل أبلغ تعبير كاهتمام يمكن من تقدير الذات واحترام الذات كجزء من هؤلاء الذين ينضوي بينهم المرء. وعند مستوى غير القريبين، ينشأ التساؤل حول العدالة وتنشأ مفاهيم جديدة للاحترام وللمؤسسات مثل سيادة القانون والتي تؤسس وتساعد على الحفاظ على أو استعادة مسافة بين الذات وهؤلاء الآخرين. خلف هذين المستويين تكمن الفكرة التي تعبر عنها القاعدة الذهبية “أحب لأخيك ما تحب لنفسك” /”على المرء أن يعامل الآخر كما يحب أن يعامل ” يقع خلف كل نظام مؤسس من القواعد” قوة تحويلية للحب” والتي تتعالى على الوسائط الهشة والشرطية المؤسسة بواسطة كل نظام أخلاقي عبر إعادة تأويل تلك القاعدة الذهبية. الحب هو طريقة الرد ليس فقط على حدود نظام كهذا، ولكن أيضا كبعد مأسوي يراه ريكور كامن في كل الأعمال الإنسانية كتذكير آخر بأن الحرية الإنسانية هي في النهاية حرية محدودة.

 

6. الذاكرة، التاريخ ، النسيان

اجتمعت كل تلك الموضوعات في آخر كتب ريكور الكبيرة الذاكرة والتاريخ والنسيان (2004) كدراسات منقحة أخيرة عن الاعتراف. تناول ذلك العمل ذو الثلاثة أجزاء سؤال الذاكرة والتذكر وإجابة الأسئلة حول استخدام وإساءة استخدام الذاكرة في المجتمعات المعاصرة. سجل ريكور ذلك على أنه يحدث في ثلاث مستويات: مستوى مرضي علاجي كفقدان للذاكرة ومستوى عملي كذاكرة مضللة ومستوى أخلاقي سياسي كذاكرة ملتزمة. ثم تساءل إن كان التاريخ علاجا أم عائقا لهذه المشاكل. عاد به ذلك إلى التساؤل بشأن أبستمولوجيا الكتابة والبحث التاريخيين. وهو ما كان ناقشه فعلا في كتابيه التاريخ والحقيقة (1965) والزمان والسرد. الآن، بات السؤال إلى أي مدى يعتمد التاريخ على الذاكرة؟ يعرف المؤرخون عن الماضي أكثر ما يتذكر الأفراد، ولكن هل يستطيع التاريخ أن ينفصل تماما عن الذاكرة كنوع من الاستشهاد:” كنت هناك، صدقني”. المشكلة الآن في الارتياب وليس في القابلية للدحض ببساطة. الجديد في رؤية ريكور أنه بات الآن يرى علاقة وثيقة بين الشرح والفهم أكثر مما كان يعتقد سابقا. يأتى ذلك عبر ما أسماه -على خطى ميشيل دو سيرتو-“العملية الجغرافية التاريخية” والتي تشكل مجمل التوثيق والبحث والكتابة التاريخية مما يدفع للتساؤل عما إذا كان التاريخ يعاد تقديمه كصورة تعتمد على السرد والخطابية. يقترح ريكور أن التاريخ كمكتوب “يرمز” للماضي باعتباره “كان”.

ومن هذا الأساس، يمكنه أن يتساءل مجددا عن الوجود الإنساني كوجود تاريخي، بكونه داخل الزمان واستثنائي في نهاية المطاف. سعى خصيصا ليناقش مشكلة النسيان في علاقتها مع المشكلات الثلاث التي ذكرناها سابقا. يمكن لآثار الماضي أن تُنسى، وسيُنسى ذلك الماضي بمعنى أنه سيتجاوز الذاكرة. ولكن ما هو النسيان حين تبقى الآثار؟ هنا تظل مشكلات الذاكرة المفقودة والمضللة والمأمورة قائمة، خصوصا الحالة الأخيرة مع محاولات الأمر بالنسيان بطلب العفو أو بالمراقبة. تؤدي تلك المشكلة إلى نهاية مبنية على احتمال الغفران، شيء اعترف ريكور بأنه تُرك غير مكتمل. وعلى طول الطريق، عرض ريكور فكرة الإثم، الإثم التاريخي الذي يتعارض بالضرورة مع التقادم، ومع المغفرة -الصعبة ولكنها ليست المستحيلة -يغدو الأمر منحة، بمثابة فصل ما بين الفاعل والفعل. تضع امكانية الغفران الخط الفاصل بين ذاكرة سعيدة وأخرى غير سعيدة. فالمغفرة لا تعنى النسيان. تلك إذن فكرة المنحة، ليس مطلبا أو توقعا لمنحة كمقابل ولكن المغفرة هنا بمثابة شيء يجرى تلقيه ويمرر كمنحة أخرى، يعتبر الغفران في حد ذاته منحة لأنه يؤدى الى ذاكرة سعيدة، وتتصدر تلك الموضوعات النقاش عن الاعتراف المتبادل وحالة السلام التي ناقشها ريكور في كتابه الأخير مسار الاعتراف.

وبالتالي تنطلق حجة ريكور من الحقيقة المذهلة أنه لا يوجد نظرية للاعتراف كتلك التي توجد للمعرفة. في الحقيقة، عندما ننظر في القاموس نجد أن تلك الكلمة (المحملة بدلالات معبرة عن الامتنان الشديد في الفرنسية مقارنة بالإنجليزية) لها عدة معان معجمية. يقترح ريكور بناء سلسلة من المعاني المفاهيمية التي تنطلق من فعل الاعتراف بصيغته الفاعلة “يعترف” عوض صيغة المفعول به “معترف به”. بحيث لا يمكن الإجابة إلا على الاعتراف الذي يمر عبر تلك السلسلة – وعبر الاعتراف المتبادل “حيث يبقى الاعتراف المتبادل إما حلم غير متحقق أو يتطلب الاجراءات والمؤسسات التي ترقى بالاعتراف إلى مستوى السياسي (مسار الاعتراف، 19). تنطلق سلسلة المفاهيم تلك من التعرف إلى شيء إلى التعرف إلى الذات التي تتعرف ويُعترف بها من قبل الآخرين. وفى العملية تتحرك المفاهيم من مجرد كونها مُعرفة عبر المعرفة ببساطة. فبدلا من ذلك يُفتح الطريق للاعتراف باعتباره مسألة تتعلق أساسا بمعرفة الذات وبمجتمع أصيل يجعل المرء ممتنا لهذا الاعتراف. إنه يخفف من وطأة الالتزام برد قيمة مساوية للمنحة الأولى والتي “أن تكون معترف بك” (243).

 

 

 


المراجع

كتب ريكور:

  • Karl Jaspers et la philosophie de l’existence, with Michel Dufrenne, Paris: Seuil, 1947.
  • Gabriel Marcel and Karl Jaspers : Philosophie du mystère et philosophie du paradoxe, Paris: Temps Present, 1947.
  • Freedom and Nature: The Voluntary and the Involuntary, trans. Erazim Kohak, Evanston: Northwestern University Press, 1966 (1950).
  • History and Truth, trans. Charles A. Kelbley, Evanston: Northwestern University Press, 1965 (1955).
  • Fallible Man, rev. trans. Charles A. Kelbley, New York: Fordham University Press, 1986 (1960).
  • The Symbolism of Evil, trans. Emerson Buchanan, New York: Harper and Row, 1967 (1960).
  • Husserl: An Analysis of His Phenomenology, trans. Edward G. Ballard and Lester E. Embree, Evanston: Northwestern University Press, 1967.
  • Freud and Philosophy: An Essay on Interpretation, trans. Denis Savage, New Haven: Yale University Press, 1970 (1965).
  • The Conflict of Interpretations: Essays in Hermeneutics, ed. Don Ihde, trans. Willis Domingo et al., Evanston: Northwestern University Press, 1974 (1969).
  • Political and Social Essays, eds. David Stewart and Joseph Bien, Athens: Ohio University Press, 1974.
  • The Rule of Metaphor: Multi-Disciplinary Studies in the Creation of Meaning in Language, trans. Robert Czerny with Kathleen McLaughlin and John Costello, S. J., Toronto: University of Toronto Press, 1978 (1975).
  • Interpretation Theory: Discourse and the Surplus of Meaning, Fort Worth: Texas Christian University Press, 1976.
  • The Philosophy of Paul Ricoeur: An Anthology of his Work, eds. Charles E. Reagan and David Stewart, Boston: Beacon Press, 1978.
  • Essays on Biblical Interpretation, ed. Lewis S. Mudge, Philadelphia: Fortress Press, 1980.
  • Hermeneutics and the Human Sciences: Essays on Language, Action and Interpretation, ed. trans. John B. Thompson, Cambridge: Cambridge University Press, 1981.
  • Time and Narrative, 3 vols., trans. Kathleen Blamey and David Pellauer, Chicago: University of Chicago Press, 1984, 1985, 1988 (1983, 1984, 1985).
  • Lectures on Ideology and Utopia, ed. George H. Taylor, New York: Cambridge University Press, 1981.
  • From Text to Action: Essays in Hermeneutics II, trans. Kathleen Blamey and John B. Thompson, Evanston: Northwestern University Press, 1991 (1986).
  • Oneself as Another, trans. Kathleen Blamey, Chicago: University of Chicago Press, 1992 (1990).
  • A Ricoeur Reader: Reflection and Imagination, ed. Mario J. Valdes, Toronto: University of Toronto Press, 1991.
  • Lectures I : Autour du politique, Paris: Seuil, 1991.
  • Lectures II : La Contrée des philosophes, Paris: Seuil, 1992.
  • Lectures III : Aux Frontières de la philosophie, Paris: Seuil, 1994.
  • Figuring the Sacred: Religion, Narrative, and Imagination, ed. Mark I. Wallace, trans. David Pellauer, Minneapolis: Fortress Press, 1995.
  • Critique and Conviction, trans. Kathleen Blamey, New York: Columbia University Press, 1998 (1995).
  • Thinking Biblically: Exegetical and Hermeneutical Studies, with André LaCocque, trans. David Pellauer, Chicago: University of Chicago Press, 1998 (1998).
  • The Just, trans. David Pellauer, Chicago: University of Chicago Press, 2000 (1995).
  • Memory, History, Forgetting, trans. Kathleen Blamey and David Pellauer, Chicago: University of Chicago Press, 2004 (2000).
  • What Makes Us Think?,with Jean-Pierre Changeux, trans. M. B. DeBevoise, Princeton: Princeton University Press 200 (1998).
  • On Translation, trans. Eileen Brennan, New York: Routledge, 2006 (2004).
  • Reflections on the Just, trans. David Pellauer, Chicago: University of Chicago Press, 2007 (2001).
  • The Course of Recognition, trans. David Pellauer, Cambridge, MA: Harvard University Press, 2005 (2004).
  • Living Up To Death, trans. David Pellauer, Chicago: University of Chicago Press, 2009 (2007).
  • On Psychoanalysis, trans. David Pellauer, Cambridge: Polity Press, 2012 (2008).
  • Hermeneutics, trans. David Pellauer, Cambridge: Polity Press, 2013 (2010).
  • Being, Essence and Substance in Plato and Aristotle, trans. David Pellauer and John Starkey, Cambridge: Polity Press, 2012 (2011).
  • Philosophical Anthropology, trans. David Pellauer, Cambridge: Polity Press, 2015 (2013).

 

مصادر أدبية ثانوية مختارة:

 

  • Amalric, Jean-Luc, 2013, Paul Ricoeur, l’imagination vive : Une genèse de la philosophie ricoeurienne de l’imagination, Paris: Hermann.
  • Blundell, Boyd, 2010, Paul Ricoeur between Theology and Philosophy: Detour and Return, Bloomington: Indiana University Press.
  • Clark S. H., 1990, Paul Ricoeur, London and New York: Routledge.
  • Cohen, Richard A., and James L. Marsh (eds.), 2002, Ricoeur as Another, Albany: State University of New York Press.
  • Dauenhauer, Bernard P., 1998, Paul Ricoeur: The Promise and Risk of Politics, Lanham, Md.: Rowman and Littlefield.
  • Dosse, François, 2008, Paul Ricoeur : Les sens d’une vie (1913–2005), édition revue et augmentée. Paris: La Decouverte.
  • Dosse, François, 2012, Paul Ricoeur : Un philosophe dans son siècle, Paris: Armand Colin.
  • Greisch, Jean, 2001, Paul Ricoeur : L’itinérance du sens, Paris: Millon.
  • Gutting, Gary, 2001, French Philosophy in the Twentieth Century, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Hahn, Lewis E. (ed.), 1995, The Philosophy of Paul Ricoeur, Chicago and La Salle: Open Court.
  • Hall, W. David, 2007, Paul Ricoeur and the Poetic Imperative: The Creative Tension Between Love and Justice, Albany: State University of New York Press.
  • Ihde, Don, 1971, Hermeneutic Phenomenology: The Philosophy of Paul Ricoeur, Evanston: Northwestern University Press.
  • Jervolino, D., 1990, The Cogito and Hermeneutics: The Question of the Subject in Ricoeur, Dordrecht: Kluwer.
  • Johnson, Greg S. and Dan R. Stiver (eds.), 2013 Paul Ricoeur and the Task of Political Philosophy, Lanham, MD: Lexington Books.
  • Joy, Morny (ed.), 1997, Paul Ricoeur and Narrative, Calgary: University of Calgary Press.
  • Kaplan, David, 2003, Ricoeur’s Critical Theory, Albany: State University of New York Press.
  • Kearney, Richard (ed.), 1996, Paul Ricoeur: The Hermeneutics of Action, London: Sage.
  • –––, 2004, On Paul Ricoeur: The Owl of Minerva, Aldershot: Ashgate Publishing.
  • Kemp, T. P., and D. Rasmussen (eds.), 1989, The Narrative Path: The Later Works of Paul Ricoeur, Cambridge, MA: The MIT Press.
  • Klemm, David E., and William Schweiker (eds.), 1993, Meaning in Texts and Action: Questioning Paul Ricoeur, Charlottesville: University Press of Virginia.
  • Mann, Molly Harkirat, 2012, Ricoeur, Rawls, and Capability Justice, London and New York: Bloomsbury.
  • Michel, Johann, 2015, Ricoeur and the Post-Structuralists: Bourdieu, Derrida, Deleuze, Foucault, Castoriadis, Lanham, MD: Rowman and Littlefield
  • Pellauer, David, 2007, Ricoeur: A Guide for the Perplexed, New York: Continuum.
  • Reagan, Charles E., 1996, Paul Ricoeur: His Life and Work, Chicago: University of Chicago Press.
  • ––– (ed.), 1979, Studies in the Philosophy of Paul Ricoeur, Athens: Ohio University Press.
  • Ritivoi, Andreea Deciu, 2006, Paul Ricoeur: Tradition and Innovation in Rhetorical Theory, Albany: State University of New York Press.
  • Simms, Karl, 2003, Paul Ricoeur, New York: Routledge.
  • Savage, Roger (ed.), 2015, Paul Ricoeur in the Age of Hermeneutical Reason: Poetics, Praxis, and Critique, Lanham, MD: Lexington Books.
  • Shenge, Adrien Lentiampa, S.J., 2009, Paul Ricoeur : La justice selon l’espérance, Brussels: Lessius.
  • Thompson, John B., 1981, Critical Hermeneutics: A Study in the Thought of Paul Ricoeur and Jürgen Habermas, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Treanor, Brian and Henry Isaac Venema (eds.), 2010, A Passion for the Possible: Thinking with Paul Ricoeur, New York: Fordham University Press.
  • Vansina, F. D., 2008, Paul Ricoeur: Bibliography 1935–2008, Leuven/Paris: Peeters.
  • Venema, Henry Isaac, 2000, Identifying Selfhood: Imagination, Narrative, and Hermeneutics in the Thought of Paul Ricoeur, Albany: State University of New York Press.
  • Wall, John, 2005, Moral Creativity: Paul Ricoeur and the Poetics of Possibility, New York: Oxford University Press.
  • Wall, John, William Schweiker, and W. David Hall (eds.), 2002, Paul Ricoeur and Contemporary Moral Thought, New York and London: Routledge.
  • Wiercinski, Andrzej (ed.), 2003, Between Suspicion and Sympathy: Paul Ricoeur’s Unstable Equilibrium, Toronto: Hermeneutic Press.
  • Wood, David (ed.), 1991, On Paul Ricoeur: Narrative and Interpretation, New York: Routledge.

 

أدوات أكاديمية

How to cite this entry.
Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).
Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.
 

 

 

مصادر إنترنت أخرى

 

مدخلات ذات صلة

action | Gadamer, Hans-Georg | hermeneutics | identity | Kant, Immanuel | logic: action

 

 

[1] Pellauer, David and Dauenhauer, Bernard, “Paul Ricoeur”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2016/entries/ricoeur/>.

error: المحتوى محمي