بورديو قارئاً فتغنشتاين – د. حسن احجيج

بورديو قارئاً فتغنشتاين – د. حسن احجيج

maxresdefault

د. حسن احجيج، مترجم وأكاديمي مغربي، حاصل على دكتوراه في علم اجتماع المقاولات والتنظيمات من جامعة محمد الخامس بالرباط.

بورديو قارئاً فتغنشتاين

نقد العقل السكولائي وأولوية الممارسة

د. حسن احجيج*


تقديم

يرجع الإغراء الذي مارسه الإرث الفكري لفتغنشتاين على العلوم الاجتماعية منذ ستينيات القرن العشرين إلى اليوم إلى كونه بدا لكثير من المشتغلين بالعلم الاجتماعي مناسبا لنوع من التفكير غير الأرثوذوكسي في الحياة الاجتماعية. ذلك أن الكثير من أطروحاته هيأت منطلقاً فكريّاً جديداً لفهم السلوك الاجتماعي والظواهر الاجتماعية، وخصوصا فهمه للغة كمنتوج اجتماعي، ونقده للتصور التمثيلي للغة والمعنى، وفكرته حول الألعاب اللغوية، ومناقشاته النقدية لإتباع القاعدة، وآرائه في تأويل السلوكات والأفعال، وتصوره للممارسات الاجتماعية كسياق لفهم الفعل والمعنى، وتشديده على أن تعلم لغة يعني تعلم شكل حياة.

وتتمثل تلك الاستعارات والأطر في أفكاره المتعلقة بمفهوم اتباع قاعدة، والممارسات الاجتماعية، وشكل الحياة، والتشابهات العائلية بين المفاهيم، وفهم عقول الغير. إن هذه الأفكار تعبر عن نوع من الأنطولوجيا الاجتماعية التي تدفع إلى تبني طريقة جديدة لفهم المجتمع وتفاعلاته، وهي أنطولوجيا ألهمت الكثير من المشتغلين بعلم الاجتماع الذين ينتمون إلى مدارس سوسيولوجية مختلفة، لكنهم يصرحون بكون فتغنشتاين كان عونا لهم في التخلص من مسلمات النظرية الاجتماعية الأرثوذوكسية.

إن بيير بورديو واحداً من هؤلاء، بل إنه واحد من أبرز الأعلام السوسيولوجيين الذين تبنوا الأطاريح الفتغنشتاينة المتعلقة بإتباع القاعدة والمعرفة العملية والتركيز على البعد العملي للحياة الاجتماعية. يلاحظ برينو أمبرواز أن بورديو هو أول المفكرين الفرنسيين الذين شعروا بوجود قرابة بين فتغنشتاين وعلم الاجتماع[1].

لنشر أولا إلى أن بورديو لم يكن يذكر فتغنشتاين إلا ناذرا؛ لكن ذلك لا يمنع من ملاحظة التأثير الكبير الذي مارسه إرث فتغنشتاين على فكر بورديو، خصوصا على تصوره للممارسة الاجتماعية والهابتوس والمعرفة العملية. وتجدر الإشارة إلى أن بورديو لم يؤسس سوسيولوجيا فتغنشتاينية؛ فهو لم يكن وفيّاً لفكر الفيلسوف النمساوي برمته، وإنما استوحى منه موقفاً نظريّاً تجلى بالخصوص في رفضه للنظرية الخالصة، أي للموقف السكولائي الذي يقوم بالأساس على إنكار البعد العملي للواقع الاجتماعي. وقد لخص بورديو علاقته الفكرية بفتغنشتاين في كتاب أشياء مقولة كما يلي: “إن فتغنشتاين بدون شك هو الفيلسوف الذي كان أكثر فائدة لي في اللحظات العصيبة. إنه نوع من المنقذ في لحظات التصحر الفكري الكبير: عندما يتعلق الأمر بإعادة النظر في أشياء بديهية مثل “الخضوع لقاعدة” أو عندما يتعلق الأمر بقول أشياء بسيطة (وفي نفس الوقت، تفوق الوصف تقريبا) مثل ممارسة ممارسة”[2].

في هذا المقال سنحاول أن نبين نوع التقارب بين عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (1930-2002) والفيلسوف النمساوي لودفيغ فتغنشتاين (1889-1951)؛ ولهذه الغاية سوف أطرح تجليات تأثيرات فتغنشتاين المتأخر على نظرية الممارسة عند بورديو من خلال تسليط الضوء على نقده للنظرية التمثلية للقاعدة وللنظرية الخالصة التي تتجسد فيما يطلق عليه “المنظور السكولائي”، بينما سأخصص الجزء الأخير لتسليط الضوء على القرابة بين فلسفة فتغنشتاين المتأخرة والمفهوم المركزي في الصرح النظري البورديوي، أي الهابتوس، وكذا “الحس العملي” باعتباره أهم مكونات هذا الأخير. وأخيراً، وقبل تقديم بعض الملاحظات العامة والانتقادات، سأوضح المكانة التي يشغلها الجسد في سوسيولوجيا بورديو وكيف استلهم هذا الأخير أهمية الجسد في نظرية الممارسة.

 

  1. إضعاف فكرة القاعدة: نقد “النظرية الخالصة”

لاحظ كل من كريستيان شوفيري[3] وجاك بوفريس[4] أن بورديو عثر في أعمال فتغنشتاين الثاني حول القاعدة ومفهوم “اتباع القاعدة” ونقده للمذهب التفكري (intellectualisme) ما ساعده على تسليط الضوء على المشكلة الأساسية التي شغلت النظرية الاجتماعية منذ نشأتها والمتعلقة بتفسير كيف يحافظ المجتمع على انتظامه عبر الزمن، وكذا على تعليل الطابع العملي للممارسات الاجتماعية وتخليص المقاربة السوسيولوجية من “النظرية الخالصة” و”المذهب التفكري” اللذين خصص فتغنشتاين معظم أعماله لتقويض أسسهما الفلسفية.

وبالفعل، جاءت نظرية الممارسة البورديوية لتوسع الهجوم الذي شنه فتغنشتاين المتأخر على الفكرة القائلة بأن الحالات العقلية تلعب دوراً في إمكانية المعرفة. فقد حاول فتغنشتاين بالفعل تقويض التصور الفلسفي الذي يسعى إلى تفسير الأفعال بواسطة عمليات عقلية يُعتَقَدُ أنها “توجه” الجسد نحو غاية مقصودة عن وعي.

  1. نقد “النظرية الخالصة”

يعارض فتغنشتاين وجهة النظر هذه بالتنبيه إلى الأهمية المركزية للسياقات الاجتماعية التي تمارس فيها الأفعال اللغوية. فهو يعتقد أنه ينبغي تفسير المعنى اللغوي من خلال السياقات الاجتماعية وليس من خلال الأفعال العقلية التي تسند معاني للعبارات. هكذا، يقول فتغنشتاين، “إذا كان يجب علينا أن نسمي أي شيء كحياة للعلامة، فيجب أن يكون هو استعمالها[5].

يمكن أن نلاحظ أهمية عمل فتغنشتاين بالنسبة للمشروع الفكري لبورديو في نقد فتغنشتاين الشهير لتصور المذهبين “التفكري” و”الذهني” لإتباع القاعدة. يصيغ بورديو احتراس فتغنشتاين من “الفكر الخالص” الذي تقوم عليه تصورات “المذهب التفكري” (intellectualisme) في الفقرة التالية من كتاب تأملات باسكالية: “إن شكّاً جذرياً قائماً على نقد العقل السكولائي سيؤدي بالخصوص إلى توضيح كون أخطاء الفلسفة، التي يريد”فلاسفة اللغة العادية”، هؤلاء الحلفاء الذين لا بديل لهم، أن يكشفوا لنا عنها، تجد جذورها المشتركة في السخولي Scholé والاستعداد السكولائي. ويبدو لي أنها الحالة […] التي يدين فيها فتغنشتاين الوهم القائل إن فهمَ كلمة وتعلُّمَ معناها عمليةٌ عقليةٌ تستلزم تأمل “فكرة” ما أو استهداف “مضمون” ما […] أو الحالة التي يُذَكِّرُ فيها بأن النطقَ بإحكامٍ ليس سوى إحدى الكيفيات الممكنة لاستعمال اللغة، وبأن عبارة “أنا أتألم” ليست بالضرورة إثباتا، ولكنها ربما أيضا إظهارٌ للألم […]: إن هذه الأحكام تؤول كلها إلى ميولات فكرية تنتمي إلى “لعبة لغوية” سكولائية تخاطر في هذه الحالة بطمس منطق الممارسة”[6].

لقد احتفظ بورديو من كتاب بحوث فلسفية لفتغنشتاين برفضه المطلق لـ­­­النظرية الخالصة“، أي للتصور السكولائي، وهي العبارة  التي استعارها بورديو من جون أوستين  الذي يتحدث عن “الرؤية السكولائية “(scholastic view)، والتي تعني على سبيل المثال “واقعة جرد وفحص كل المعاني الممكنة خارج كل سياق مباشر، وذلك بدلا فقط من فهم أو استعمال معنى هذه الكلمة المتوافق توافقاً مباشراً مع الوضعية”.[7]

تكشف أعمال فتغنشتاين عن بوادر الموقف ضد تفكري (anti-intellectualiste) الذي بنى عليه بورديو مقاربته التكوينية للممارسات الاجتماعية. إذ رفض فيلسوف فيينا ذلك الموقف الذي يجعل من اللغة مجموعة من القضايا المفصولة عن سياقات استعمالها، وبالتالي الذي ينزع عنها طابعها العملي، أي صفتها كنشاط. وهذا ما يطلق عليه فتغنشتاين الكلمة الألمانية die Übersicht التي يمكن ترجمتها بكلمة “إجمالي”. يقول فتغنشتاين في بحوثه: “وبالتالي، فإن ‘الخضوعَ لقاعدةٍ’ ممارسةٌ. وإن التفكير في أن شخصاً يخضع لقاعدة ليس هو الخضوع لقاعدة. هكذا، من المستحيل الخضوع لقاعدة بشكل خاص؛ وإلا لكان التفكير في أن شخصاً يخضع لقاعدة وخضوعَ الشخص لقاعدة يعنيان نفس الشيء”[8].

فكما أن اللغة، حسب فتغنشتاين، ليست حالةً عقليةً تقوم بتصوير الواقع، كما تعتقد الفلسفة التمثيلية للغة[9]، فإن الممارسات الاجتماعية، حسب بورديو، ليست نتيجةً للعمليات العقلية. ذلك أنه ليس هناك فعل يؤكد أنه لا وجود لحالة ذهنية أو عبارة أو موضوع عادي يمكنه أن يلعب دور الأساس الذي يقوم عليه معيارُ الحكم على صواب فعلٍ أو قولٍ أو معيارُ التصرف الصحيح في المستقبل، إلا من خلال الكيفية التي نستعمله بها: إنه معيار فقط لأننا نستعمله كمعيار. وبصيغة أخرى يعتقد فتغنشتاين أن الاعتقاد بأن صورةً ذهنيةً يمكن أن تصلح كمعيار في ذاتها اعتقاد عبثي. وبالمقابل، يشدد على أن معيارية القواعد تقوم على التوافق الجماعي حولها؛ كما أن إكراه القواعد أو ضرورتها يتجذران بشكل يجعل منها طبيعة ثانية تنتج من خلال ذلك التوافق[10]. يقول فتغنشتاين: “هكذا إذن أنت تقول ‘إن توافق الناس يميز بين ما هو صحيح وما هو خاطئ’. إن الصحيح والخاطئ هو ما يقوله الناس؛ إن الناس يتوافقون في اللغة التي يستعملونها. إنه ليس توافقا في الآراء، وإنما هو توافق في شكل حياة”[11].

ليس هناك إذن مبدأٌ متعال يتحكم في الممارسة اللغوية. وليس هناك أيضاً، حسب فتغنشتاين، أساسٌ مطلقٌ لما نفعله أو لما نقوله. هكذا الشأن أيضا بالنسبة للممارسات الاجتماعية التي يرفض بورديو أن يبحث لها عن أساسٍ مطلقٍ قادرٍ على تفسيرها. فكما أن فتغنشتاين لم يجد ما يبرر المعنى والقاعدة سوى الممارسة، فإن بورديو أيضا لم يجد أرضيةً صلبةً يقوم عليها التفسيرُ الملائمُ للحياة الاجتماعية سوى الممارسة. ليست هناك إذن حاجة للبحث لها عن مبرر أعمق من ممارستها في مجتمع معين مزوَّدٍ بتاريخ خاص. إن النظرية الاجتماعية لا تحتاج إلى التنقيب عن مبدأ أوّلٍ للممارسات الاجتماعية، سواء كان هذا المبدأ هو الرغبة في التحقيق العقلاني لأكبر قدر ممكن من الفوائد أو الرضى الذاتي.

ليست الأفعال الاجتماعية وفقا لبورديو نتاجاً لعملياتٍ عقليةٍ كما تدعي النظريات الفردانية. إن المغالطة التي يرتكبها التقليد الفلسفي الكلاسيكي عندما يفكر في اللغة بطريقة خالصة، أي خارج السياق العملي الذي تمارس داخله، هي نفسُ المغالطة التي تقترفها نظرية الاختيار العقلاني التي ترى أن أفعالَ الناس يُفسرها دافعُ الربح الأقصى القائم على معرفة مسبقة، وبالتالي تجعل السلوك الاجتماعي نتيجة لحساب عقلاني وواع، أي نتيجة لمعرفة صريحة وواعية. وبذلك فإن العقل يصبح، تبعا لهذا المنظور، هو المسبب للأفعال. لا يرى بورديو ما يبرر تفسير نظرية الاختيار العقلاني للأفعال الاجتماعية من خلال معتقدات ورغبات الأفراد؛ إنه تفسير أداتي يرجع الأفعال العقلانية إلى علاقة تطابق بين الوسائل والغايات. هذا الخطأ الإبيستمولوجي يصفه بورديو على النحو التالي: “إنه الخطأ الذي يتمثل في وضع “عالِمٍ داخل الآلة” […]، وذلك بمنح الفاعلين المبرِّرَ المنطقيَّ الخاص بالعالِم الذي يفكر في ممارساتهم (وليس المبرِّرَ العمليَّ للعالِم الذي يتصرف في الحياة اليومية)”[12].

يرفض بورديو تفسير الممارسات الاجتماعية بآليات نفسية أو عقلية تقيم مثل «الشبح» داخل أجساد الفاعلين الاجتماعين. ونفس الرفض يعبِّر عنه فتغنشتاين عندما يؤكد على أن الأنشطة البشرية لا تسببها أحداثٌ «ذهنيةٌ» داخلية، سواء كانت نوايا أو صوراً ذهنية. وبالفعل، يستند بورديو على نقد فتغنشتاين لتفسير الفعل من خلال النوايا الواعية، ويعترض على مذهب الإرادة لأنه يوهم بأن نوايا الفاعل شفافةٌ أمامه ومتحررةٌ من إكراهات الظروف الخارجية، بينما يتخذ العالَمُ الاجتماعي شكلَ مجالٍ من الاحتمالات الممكنة بالتساوي لكلِّ ذاتٍ ممكنةٍ فقط في تجربة خيالية (كالحكايات الشعبية مثلا) التي تُبْطِلُ معنى الوقائع الاجتماعية. شرع بورديو في مناقشة المقاربة التي توحي بأن حالاتٍ داخليةً، عقلية أو نفسية، تُنتِجُ الممارساتِ الاجتماعيةَ في مقاله «القرابة كتمثل وإرادة»[13]، وطوره في كتابه الحس العملي[14].

يوضح بورديو الأولوية التي يمنحها للمحايثة الاجتماعية من خلال ما يسمى “الزواج العربي” في منطقة القبائل الجزائرية. إذ دعا إلى البحث عن قواعد الزواج القبائلي في منطقيات الفعل الملموسة وليس في قواعد رسمية وجماعية وصريحة ومطقسنة تتميز بالتعالي لأنها بدون ذات. وما يفسر هذا الطابع المحايث للقواعد هو استحالة اختزال الممارسة في نماذج متعالية: “إذا كان مبدأ الممارسات هو الصورة التوليدية التي يجب بناؤها من أجل تعليل الممارسات بها، أي مجموعة من القواعد المستقلة والمتماسكة في آن واحد، فإن الممارسات التي تم إنتاجها بموجب قواعد توليد واعية للغاية ستكون خالية من كل ما يحددها كممارسات، أي انعدام اليقين والضبابية التي تنتج عن كون تلك الممارسات لا تصدر عن مبادئ واعية ودائمة، وإنما عن خطاطات عملية وغير شفافة لذاتها، وعن مواضيع تتنوع تبعا لمنطق الوضعية، وعن وجهة النظر، الجزئية على الدوام ، التي تفرضها، الخ”[15].

إن الهابتوس هو “الذاتية المتجسدة”، بمعنى أن الهابتوس لا يتكون من الجسد فقط، وإنما أيضا من المفترضات العقلية، أي من كل الأشياء العقلية غير القصدية واللاواعية. إن الوعي الذي يدخل في عداد مكونات الهابتوس وعي لاإرادي. وهذه الخاصية هي ما تسمح بانبثاق نوع من الحرية اللاواعية أو قليلة الوعي التي تسمح بنسيان منشئها المتمثل في كون الفاعلين يعتقدون أن تصوراتهم للمجتمع تصورات طبيعية بفعل نسيانهم لمنشئها. يقول بورديو: “لا يمكن لقرار الاعتقاد أن ينجح إلا إذا كان مصحوباً بقرار نسيان، أي قرار نسيان قرار الاعتقاد نفسه”[16].

لقد قلب بورديو التصور الديكارتي الذي يحلل الأفعال وكأنها نتاج لحالات عقلية تجري داخل جماجم الأفراد وموجهة نحو غايات عقلانية ومضبوطة بكيانات عقلية صريحة (كالقواعد أو المنفعة). وتمثل هذا القلب في إرجاعه للفعل القصدي إلى قواعد ومعايير مبنية اجتماعيّاً لا يمكن للفاعل التوصل إلى معرفتها معرفة واضحة وواعية، وذلك على الرغم من أنه يعرف بواسطة جسده هذه المعايير القائمة. فوصف القواعد المستدمجة في الأجساد بفضل التنشئة الاجتماعية والتربية عمل مستحيل تقريباً على الفاعلين أنفسهم لأنه يستلزم اتخاذ مسافة كبيرة جدا من تلك القواعد؛ وحتى عندما يتوصلون إلى التعبير عنها، فإنها تتمثل في ذهنهم كقواعد طبيعية وبديهية. وهذه المعرفة الضمنية للقواعد والمعايير هي التي تضفي طابع البداهة عما نفعل: “ولأن الذوات لا تعرف، بالمعنى الحصري للكلمة، ما تفعل، يكون لما تفعله معنى أكبر مما لو كانت تعرفه”[17].

يؤكد بورديو، ككل منظري الممارسة الذين استلهموا فلسفة الممارسة الفتغنشتناينة، على أن المعرفة التي يحملها الأفراد عن أنفسهم وعالمهم والآخرين (الحس المشترك) تتجاوز قصدية الممارسة نفسها ولا تقوم على أي بناء عقلاني. إن لهذه المعرفة العملية وضع “اعتقاد أولي” ناتج عن نوع من التواطؤ الأنطولوجي بين الهابتوس والحقل: “يدخل الاعتقاد في عداد مكونات الحقل (…) إن الاعتقاد العملي هو رسم الدخول الذي تفرضه كل الحقول بشكل ضمني، ليس فقط بمعاقبة وإقصاء أولئك الذين يدمرون اللعبة، ولكن أيضا بوضع عمليات انتقاء وتكوين للداخلين الجدد (طقوس المرور،الامتحانات، الخ) من شأنها أن تجعل المسلمات الأساسية للحقل تحظى بقبولهم الصريح، وما قبل انعكاسي، والساذج، والطبيعي، الذي يحدد الدوكسا[18] كاعتقاد أولي”[19].

وبهذا المعنى، لا تتميز الممارسة بأية قصدية أو عقلانية. إنها ترتكز على التصرف التلقائي الخالي من التخطيط المسبق والحساب العقلاني؛ إنها تسوية مستمرة بين حقل وهابتوس، الشيء الذي يجعلها تكتسي شكل ممارسة عقلانية. فالممارسة إذن “فهم منطق كل الأفعال المعقولة دون أن تكون نتاجاً لمخطط مفكر فيه، أو على وجه الدقة، لحساب عقلاني؛ إنها الأفعال المسكونة بنوع من الغاية الموضوعية دون أن تكون منظمة عن وعي بالنسبة لغاية مبنية بشكل صريح؛ إنها الأفعال المفهومة والمتماسكة دون أن تكون صادرة عن نية التماسك وعن قرار واع؛ إنها الأفعال المتكيفة مع المستقبل دون أن تكون نتاجاً لمشروع أو مخطط”[20].

  1. رفض التصور الجوهراني للقاعدة

يدين بورديو الاستعمالَ الأنتروبولوجي الأرثوذوكسي لمفهوم القاعدة الذي أخطأ الإحاطةَ بالممارسات الاجتماعية. ويبدو ارتيابُ بورديو من مفهوم القاعدة واضحاً من خلال الانتقادات الشديدة التي وجهها لاستعمالاته في أعمال الأنتروبولوجيا البنيوية، وكذا من خلال بيان تعدد معانيه وغموضه النظري. وهذا ما جعل السوسيولوجي الفرنسي يفضل عليه مفاهيم أخرى كالهابتوس والإستراتيجية والحس العملي.

وبالفعل، وجه بورديو نقداً إبستيمولوجيّاً للمعرفة «النظرية» الأنتروبولوجية التي تريد أن تَحِلَّ مَحَلَّ المعرفة «العملية» للفاعلين المنغمسين في الممارسة، وذلك من خلال المصادرة على أن الفاعلين وَاعُونَ بالقواعد التي توجه سلوكاتهم وأنهم قادرون على التعبير عنها في صيغ خطابية صريحة وواضحة. والحال أن القواعدَ التي يفسر بها المُنظِّرُ سلوكاتِ الفاعلين من جهة، والقواعدَ التي يتبعها هؤلاء الفاعلون أثناء إنجاز ممارستهم من جهة أخرى ليست من الطبيعة نفسها حسب بورديو. فإن كانت القواعدُ الأولى ترتكز على معرفة «نظرية»، يهدف بها الباحث إلى تقديم تفسيرات «نظرية» لسلوكات الفاعلين «العملية»، فإن القواعد الأخيرة ترتكز على معرفة «عملية» يستخدمها الفاعلون لأغراض «عملية»، أي كأدوات ينظمون بها تفاعلاتهم ويسترشدون بها في تعاملاتهم مع وضعيات اجتماعية «عملية».

يستند بورديو إلى عمل فتغنشتاين ليوضح خلطاً منتشراً في النظرية الاجتماعية بين فكرة القاعدة كفرضية تفسيرية يصيغها المنظر لتفسير الممارسات التي يلاحظها، وفكرة القاعدة كمبدأ عملي يطبقه الفاعلون أنفسهم فعليّاً في ممارساتهم. ويحاجج بورديو على أن هذا الخلط هو سبب خطأ المذهب التفكري المتمثل في إسقاط الفهم النظري على الممارسات الملموسة. وبهذا المعنى، فإن المذهب التفكري يميل إلى الانزلاق من الاستعمال المقبول للقواعد كوسيلة لوصف الانتظامات داخل الممارسة إلى فكرة القاعدة كقوة أو آلية توجه سلوك الفاعلين الاجتماعيين أنفسهم.

يهدف بورديو في مقاله “القرابة تمثلاً وإرادةً” إلى نقد المذهب المثالي الذي يسند للنماذج الصورية سلطة تحديد لا تتوفر عليها؛ ويدعم بخلاف ذلك فكرة أن القرابة ليست نظاماً تصدر عنه الممارسات، بل هي إحدى الوسائل الممكنة للممارسة: “إن علاقات القرابة شيءٌ نفعله، ونفعل به شيئاً ما”[21]. وبالتالي فإن علاقات القرابة مبادئ عملية تستمد معناها وفعاليتها من خارجها. يضيف بورديو موضحاً الخلط الذي يقوم به علماء الإتنولوجيا بين مبادئ القرابة كأدوات استراتيجية عملية وكنماذج نظرية يبنيها المنظرون.

إن «الزواج العربي»، كما يطرحه  بورديو، لا يُفْهَمُ في إطار «العالم الخالص» لـ”قواعد الزواج” و”البنيات الأولية للقرابة” لأنه إطار فقير جداً»، وبالتالي يجب وضع هذا النوع من العلاقات الزواجية في سياق المنطقيات العملية المتمثلة في منطقِ الشرف الذي يُحتِّمُ على العائلة تزويجَ بناتها درءاً للعار، ومنطقِ نقل الإرث داخل السلالة النسبية حفاظا على الوحدة الاقتصادية المشتركة. ذلك أن “الزواج العربي يتم في إطار استراتيجيات زواجية أوسع، تستند إلى إيديولوجيا تشجع على وحدة الجماعة وتفضل إعادة إنتاج ومراكمة الرأسمال الرمزي (الشرف) والرأسمال الاقتصادي داخل الجماعة”.[22]

إن هذا النقد البورديوي مًوجَّهٌ للبنيوية التي تستبدل علاقةَ الفاعل بالممارسة بعلاقة الملاحِظ بالممارسة. وبعبارة أوضح، يمكن أن نعيد صياغة هذا النقد في السؤال التالي: كيف تشتغل القواعد التي يصيغها الباحثُ في الحياة العملية للمبحوثين؟ أي ما هي المكانة التي تشغلها في واقعهم المعيش؟ إن إغفالَ أنصار «النظرية الخالصة» للجواب على هذا السؤال هو ما يؤدي إلى تشييء القواعد الذي يسقط فيه «المذهب التفكري». يقول بورديو: “إن الانتقال من الانتظام- أي مِمَّا يتكرر بتواتر إحصائي قابل للقياس ومن العبارة التي تصف الانتظام- إلى تنظيم يتم احترامه عن وعي، أو إلى ضبطٍ لاواعٍ بفضل آلة اجتماعية أو دماغية حفية، (إن ذلك الانتقال) يشكل أشهر طرق الانزلاق من نموذج الواقع إلى واقع النموذج”[23].

إن البنيويين أنصار «المذهب التفكري» يضعون النموذج الذي يبنونه بناءً عَالِماً في محل المرجع المعياري الذي يستخدمه الفاعلون الاجتماعيون من أجل الاسترشاد به في سلوكاتهم العملية، بمعنى أنهم يقدمون «أشياء المنطق على أنها منطق الأشياء» على حد تعبير كارل ماركس. فعندما يُشَيِّءُ «العقلُ السكولائي» القاعدةَ ليجعل منها جهازاً نفسيّاً وكونيّاً، أي حاضراً في كل المجتمعات والجماعات وفي كل الذوات الفردانية، فإنه يخطئ خاصيةً أساسيةً للحياة الاجتماعية، بل أهمَّ خصائصها، وهي بعدُها العملي. إن التصور السكولائي يتَمَثَّلُ كلَّ الممارسات وكأنها مبرمَجةٌ مسبقا في نوع من اللاشعور الكوني، و بالتالي كنتيجة لـتنفيذ آليٍّ لنموذج آلي.

ضداً على هذا التشديد السكولائي على الضرورة الداخلية والمحايثة للقواعد، يلح بورديو على بعدها العملي. ويبدو أن بورديو لا يستثني لا المادية ولا المثالية من هذا الهجوم الإبستيمولوجي والأنطولوجي على النظريات التي تنكر على الواقع الاجتماعي، بمستوييه الذاتي والموضوعي، خاصيةَ النشاط والفعالية: “لِفَهْمِ الفَهْمِ العمليِّ، يجب اتخاذُ موقفٍ يتجاوز الخيار بين الشيء والوعي، بين المادية الميكانيكية والمثالية والبنائية؛ وبمعنى أدق، يجب التخلص من المذهب الذهني (mentalisme) والمذهب التفكري اللذين يدفعان إلى تصور العلاقة العملية بالعالَم كـ«إدراك»، وتصور هذا الإدراك كـ«تركيب ذهني”[24].

لنتأمل ما يقوله فتغنشتاين في كتابه في اليقين: “طبيعة الحساب، لقد تعرفنا عليها أثناء تعلمنا للحساب. لكن ألا يمكن أن يوجد وصف للطريقة التي اقتنعنا بها بصدق الحساب؟ بلى طبعاً! ومع ذلك، فإن هذا الوصف لا يخرج القاعدة إلى النور. لكن الأهم هو أنه لا حاجة لنا بالقاعدة. فلا شيء ينقصنا. إننا نقوم بالحساب تبعا لقاعدة، وهذا كل شيء”[25].

فمن الخطأ، حسب فتغنشتاين، الاعتقاد أن «من ينطق جملة ويعنيها أو يفهمها يجري حساباً تبعا لقواعد دقيقة»[26]. معنى ذلك أن فتغنشتاين يرفض أن تكون للقاعدة قوةٌ مسبِّبةٌ للأفعال والأقوال؛ وبما أن القاعدةَ في حسبان «المذهب التفكري» كيانٌ عقلي، فإنها تتصور أن سلوكات الأفراد ناتجة عن آلة توجد في رؤوسهم وتشتغل بطريقة سببية في «مجال خفي، مكان هارب لا نعرف عنه أي شيء»[27]. وبالتالي فإن المصادرة على وجود نوع من هذه الآلة في عقول الأفراد تعني فرضية لا يمكن التحقق منها[28].

لنلاحظ أن صدى الموقف الفتغنشتايني السلبي من تصور المذهب التفكري لعلاقة القاعدة بالممارسة يتردد في نقد بورديو لميل «العقل النظري» إلى الاعتقاد بأن الممارسات والسلوكات تنتج عن الخضوع الواعي لـ«قواعد مبنية ومعاقب عليها»[29]، وكأن « الفعل ينتج (…) عن النموذج النظري الذي يجب بناؤه من أجل تعليل ذلك الفعل»[30]، ولاسيما عن القاعدة المتمثَّلة. يقدم بورديو النحو التوليدي لتشومسكي وبنيوية دي سوسير كأمثلة على «العقل النظري» في اللسانيات. يؤاخذ بورديو على نظرية تشومسكي كونها تقترف مغالطة إسناد معرفة القانون اللغوي للمتكلمين، بينما هذا القانون هو مجرد نظري. يعزو تشومسكي «نوعا من الواقع النفسي لنظريةٍ بُنِيَتْ بواسطة تجريد اللغة من سياق الحساسية واللاتحديد الخاصين بالممارسة اللغوية الفعلية»[31]، «منتجةً هذا التطابق في غياب نية التطابق، وذلك باللجوء إلى مغالطة القاعدة التي تضع ضمنيّاً في وعي الفاعلين الفرديين معرفةً تم إنتاجها ضد تلك التجربة»[32]. إن نقد بورديو للسانيات تشومسكي وسوسير على كونها تدرس بنية لغوية مثالية ومفصولة عن استعمالها في الوضعيات الاجتماعية الملموسة: إذ يهتم سوسير باللغة بدل الكلام، ويهتم تشومسكي بالكفاءة (أو القدرة) بدل الإنجاز.

ليس ما ينتج الممارسات اللغوية، وأية ممارسة اجتماعية عموما، هي القواعد المتعالية التي يشيدها الباحث ويضعها في عقول الفاعلين. وإذا كان بورديو لا ينكر كليّاً وجود القواعد، فإنه في المقابل يؤكد على أن «القاعدة توجه الفعل لكنها لا تنتجه كما تُنْتِجُ قوةٌ نتيجةً ما»[33]. فبخلاف خطاب «المذهب الشرعي» الذي «يلجأ عن قصد إلى المصطلحات الغامضة للقاعدة والنحو والأخلاق والقانون للتعبير عن ممارسة اجتماعية تخضع لمبادئ أخرى»[34]، لا يفتأ بورديو يؤكد على أن اعتبار القاعدة المتمثَّلة عاملا فعليّاً للممارسات يتضمن تشويها يتجسد في «انزلاق من نموذج الواقع إلى واقع النموذج».[35]

لا توجد القاعدة بشكلٍ قبليٍّ وسببيٍّ في عقول الفاعلين، وإنما توجد في الممارسة. فالممارسة لا تُنفِّذُ القاعدةَ فقط، بل أيضا تمنحها شكلا ملموسا في وضعية محدَّدة. إن الممارسة «تأويل» دائم وإعادة تأويل لما تعنيه القاعدة في الواقع العيني.

تتمظهر أولوية الممارسة كما طرحها فتغنشتاين في نظرية الممارسة لدى بورديو في رفض هذا الأخير نوعاً من السببية التي تتجه من القاعدة نحو الانتظام أو نحو الممارسات. فالقاعدة المتمثَّلة، أي المدركة عن وعي والمصاغة في خطاب واضح، ليست سبباً للسلوكات البشرية. ويشدد بورديو في مقابل ذلك على ضرورة الانطلاق من الممارسات نحو القاعدة، بمعنى ضرورة تفسير القواعد بالممارسات التي تتعهد بخلق تلك القواعد وتحيينها عند كل تفاعل اجتماعي.

  1. إضعاف فكرة المعرفة: الحس العملي

يستبدل بورديو التفسير بالقادة بتفسير آخر يستخدم مفاهيم أخرى مثل «الحس العملي» و”الاستراتيجية” و«المعرفة الكامنة في الجسد». ذلك أن هذه المفاهيم تسمح باستبدال العلاقة النظرية بالممارسة بعلاقة عملية بالممارسة، حيث يمكن «الانتقال من الممارسة إلى الممارسة دون حاجة إلى المرور بالخطاب أو الوعي». كيف يتم الانتقال من الممارسة إلى الممارسة؟ يجيب بورديو: بواسطة الهابتوس أو الحس العملي.

ظلت النظرية السوسيولوجية سجينة دوغمائية باراديغماتية تتأرجح بين حدّي ثنائيات عديدة موروثة عن التقليد الفلسفي: الذات والموضوع، الفكر والواقع، العقل والتجربة، الفاعل والبنية، الجسد والروح، الخ. هذه الثنائيات هيمنت على التفكير السوسيولوجي منذ نشأته لعقود طويلة وما زالت إلى اليوم. وليس مفهوم الهابتوس سوى “عامل نظري” الهدف منه تجاوز هذه “التعارضات المزيفة” وبيان تهافتها النظري والأنطولوجي.

لقد شدد بورديو على الطبيعة “الداخلية المزدوجة” للواقع الاجتماعي. فالحياة الاجتماعية مشروطة مادياً وقائمة على عناصر مادية، لكن الشروط المادية تؤثر على السلوك بوساطة من المعتقدات والاستعدادات والتجارب الفردية. كما أن الحياة الاجتماعية لا توجد إلا من خلال تجارب وأفعال الأفراد الموسط لها رمزيا. لكن، بما أن هؤلاء الأفراد تكونوا في شروط مادية محدَّدة للوجود، فإن كلَّ نشاط، بما فيه النشاط الرمزي، يتوقف على الوقائع الاجتماعية التي تسبق هذا النشاط في الوجود وتتمتع باستقلالية عنه. إن المذهب الذاتي يجهل الإكراهات الخارجية التي يخضع لها الفاعلون بواسطة التربية والتنشئة الاجتماعية وشروط الحقل الذي ينشطون فيه[36]. لكن المذهب الموضوعي يجهل “موضوعية الذاتية”[37] و”واقع التمثل”[38] لأنه لا يعترف بكون تجارب الأفراد للواقع الاجتماعي والتصورات التي يحملونها عنه تمثل أحد مكونات هذا الواقع. ولذلك يرى بورديو أن نظريةً قائمةً على جدلِ العلاقة بين المادي والرمزي وحدَها القادرةُ على أن تكون نظرية ملائمة للعلم الاجتماعي. ومكان حصول هذا الجدل هو “الهابتوس”.

  1. الهابتوس وتجاوز التعارض فاعل/بنية

يعرف بورديو الهابتوس كـ”نسق من الاستعدادات الدائمة والقابلة للنقل” التي يستبطنها الفرد أثناء وجوده[39]. وفي كتابه مجمل نظرية للممارسة، يعرف بورديو الهابتوس كــ”نسق من البنيات المبنيَنة المستعدة مسبقاً للاشتغال كبنيات مبنيِنة”[40]. وفي مكان آخر، يقدم بورديو الهابتوس التعريف التالي: “إنه نسق من الاستعدادات الدائمة والقابلة للنقل، إنه بنيات مبنيَنة مستعدة للاشتغال كبنيات مبنيِنة، أي كمبدأ يولد وينظم الممارسات والتمثلات التي يمكن أن تكون متكيفة موضوعياً مع هدفها دون أن تستلزم الاستهداف الواعي لغايات معينة ولا الإتقان الواضح للعمليات الضرورية لبلوغها”[41].

وبعبارة أخرى، إن الهابتوس مجموعة من خطاطات الإدراك والتقييم والفعل التي أنتجتها أجيال متعاقبة تعيش في نوع محدد من شروط الوجود. هذه الخطاطات، أو الاستعدادات، محدودة العدد شأنها شأن القواعد اللغوية؛ فمثلما يمكن الفرد أن ينتج عدداً لانهائياً من الجمل انطلاقا من قواعد لغوية محدودة، يمكن للكائن الاجتماعي أن ينتج عدداً لامحدوداً من الممارسات بواسطة تلك الخطاطات القليلة العدد. وتشتغل هذه الأخيرة “كعوامل عملية تنزع عبرها البنيات الموضوعية التي أنتجتها إلى أن يعاد إنتاجها في الممارسات”[42]. ويقصد بورديو بعبارته الأخيرة هذه كون البنيات الاجتماعية التي تنظم العلاقات بين الجماعات هي التي تنتج المبادئ المولِّدة للممارسات (الهابتوس) التي تميل إلى إعادة إنتاج تلك البنيات “بشكل مُعدَّلٍ وغُفْليٍّ من خلال إدخالها في بنية نسق من العلاقات الرمزية”[43] وتكوِّن الهابتوس المحدد كنسق مكتسب من الخطاطات المولِّدة للممارسات، وبالتالي للواقع الاجتماعي. وبما أن الهابتوس هو “نتاج لفئة محددة من الانتظامات الموضوعية”، فإنه يميل إذن إلى “توليد مجموع السلوكات المعقولة ـــ الخاصة بالحس المشترك ــــ الممكنة في حدود هذه الانتظامات، وهذه الانتظامات وحدها”[44].

هكذا إذن، يجسد الهابتوس نظاماً من الاستعدادات المكتسبة الضمنية والظاهرة التي تشتغل كنسق من الخطاطات المولِّدة للاستراتيجيات التي يمكن أن تكون موضوعياً متطابقة مع المصالح الموضوعية لأصحابها دون أن تكون مدركة عن وعي كغايات[45]. ومعنى ذلك أن الهابتوس يمثل مجموعة من أساليب الوجود والفعل والتفكير الخاصة بفرد معين اكتسبها بفضل عملية تعلم خاصة مرتبطة بجماعته الأصلية. وتختلف تلك الأساليب تبعا للطبقة الاجتماعية والرساميل المتوفر عليها والمكانة التي يشغلها الفرد داخل الحقل. فالهابتوس بهذا المعنى يهيكل السلوكات والأفعال الاجتماعية ويهيكل في ذات الوقت المواقع التي يشغلها الأفراد في الفضاء الاجتماعي.

يلح بورديو في تعريفه للهابتوس على كونه خطاطات معرفية، أي بنيات عقلية، تُكوِّنُ ما يسميه «الحس العملي». غير أن هذه البنيات المعرفية لا تتمظهر في نوايا وأفكار وتمثلات أصحابها، فهي ليست «حالات عقلية» كما يدعي الذاتيون الذين يرجعون ما يقوله الفاعلون وما يفعلونه إلى «المعنى الذاتي» الذي يحملونه عن أنفسهم وعن الآخرين. فإذا كان بورديو يدعونا إلى التخلي عن «النظريات التي تعالج الممارسة، ضمنيا أو صراحة، كردِّ فعلٍ آلي»، فإن رفض النظريات الآلية لا يقتضي أبداً ضرورة اختزال المقاصد الموضوعية والدلالات المبنيِنة للأفعال والأنشطة في وعي الفاعلين ومقاصدهم الواعية[46]. وقد طور بورديو، للتغلب على هذه المفارقة التي يطرحها البعد الثنائي للواقع الاجتماعي، نظريةً «براكسيولوجية» praxéologique تنطلق من فكرة أن للعالم الاجتماعي «طبيعة ثنائية باطنية»، وتقوم على فكرة وجود «تواطؤ موضوعي» بين العالم الاجتماعي واستعداداتنا المكتسبة للفعل والتفكير والإدراك. إن هذا “التجانس الموضوعي للهابتوس الجماعي أو الطبقي الذي ينتج عن تجانس شروط الوجود هو ما يمكن الممارسات من أن تكون متجانسة موضوعيّاً بدون أي حساب استراتجي أو استناد واع إلى معيار، ومتكيفة تبادليّاً في غياب أي تفاعل مباشر، أو بالأحرى في غياب أي تنسيق واع”[47].

       يقصد بورديو بذلك أن الهابتوس يعفي الفاعلَ من التفكير بشكل واع وعقلاني وانعكاسي فيما سيفعل نظراً لأن الهابتوس يجسد بداهة الممارسات الصحيحة والملائمة، ولأنه يميل «إلى “اختيارات” متوافقة مع الشرط الذي أنتجها […]، ويجعل الفرد يمتلك ما يحب ويحب ما يمتلك»[48].

هذا التطابق بين استعدادت الهابتوس والواقع الاجتماعي هو ما يفسر إلحاح بورديو على البعد العملي للمعرفة التي يعبئها الفاعلون أثناء ممارستهم. إن الطابع العملي للهابتوس «كتاريخ أصبح طبيعة أو شبه طبيعة»[49] هو الذي يمكِّن الفاعلين من الاستجابة فوراً ودون تفكير انعكاسي للأحداث والوضعيات التي يواجهونها. ويشير بورديو إلى أن الخاصية العملية اللاانعكاسية للممارسات الاجتماعية ترجع إلى كون الاستعدادت التي تُنتِجُ الممارساتِ ترتبط تكوينيّاً بهذه الممارسات ذاتها: فإذا كانت هذه الاستعدادت تنتج الممارسات، فإن هذه الأخيرة تنتج الاستعدادت أيضا.

يعتبر الحس العملي «شبه غريزة» و«استهدافاً جسدياً للعالَم الذي لا يستلزم أي تمثل للعالم»[50]. إنه أهم مكونات «الهابتوس، كتلقائية بدون وعي ولا إرادة»[51]، الذي يمثل المبدأ المولِّد للممارسات والتمثلات والمُنتِج لانتظامات الحياة الاجتماعية.

إن ما يُفسِّر كونَ أفعالنا ليست نتيجةً لحالاتنا العقلية، أي لأي شيء يوجد في عقولنا كالقاعدة أو المفهوم أو الفكرة أو المعنى الذاتي أو القصد، هو اندغام هذه الحالات العقلية في ممارساتنا وأفعالنا ذاتها وتحولها بفعل هذا الاندغام إلى نوع  من «الفكر الضمني والعملي الملازم لكل ممارسة ذات معنى»[52].

يرى بورديو أن المعرفةَ محايثةٌ لممارستنا وليست شرطا متعالياً لها لأنها غير منفصلة عن ممارساتنا اليومية الملموسة. فالمعرفة أو الفهم استعدادٌ يمتلكه الفرد، أي قدرةُ على الفعل بطرق ملائمة في وضعيات ملائمة. فالفهم ليس حالة عقلية، بل هو حالة جسدية، أي استعداد؛ إنه حس عملي يشتغل تحت مستوى الوعي واللغة. ويحيلنا هذا الموقف من المعرفة على اعتقاد فتغنشتاين بأننا لا نتوافق في الآراء، وإنما في اللغة[53]، علماً أن  اللغةَ «شكلُ حياة»، أي أنها محايثة لاستعمالها في الحياة الاجتماعية الملموسة. وبذلك فإن ما هو ضروري للحكم أو الفعل الصحيحين، في منظور بورديو وفتغنشتاين معا، هو وجود توافق جماعي، وليس أن يبرر كلُّ فرد أحكامه وأفعاله (أو الأحكام والأفعال الخاصة بشخص آخر) باللجوء إلى تجانسهما مع أحكام وأفعال الآخرين.

يؤكد بورديو على أن الحسَّ العمليَّ هو قدرةُ الفاعل على التعامل مع وضعيات تفاعلية معينة انطلاقا من معرفة عملية يكتسبها الفاعل بفضل انتمائه إلى وسط اجتماعي محدّد. وتتميز هذه المعرفة التي يسترشد بها الفاعلون في سلوكاتهم بكونها معرفة ضمنية، بمعنى أن الفاعل الذي يملكها لا يعي أنه يملكها ولا يستطيع التعبير عنها في صيغ قضوية. إنها مهارة عملية يكتسبها صاحبها من خلال التعود وليس بالتكوين الفكري.

كان بورديو منشغلا بموضوع العوامل التي تساهم في انتظام الممارسات والسلوكات، وبالتالي في تثبيت العلاقات الاجتماعية المكوِّنة للحقول الاجتماعية. وكان فتغنشتاين قد طرح قبله نفس المشكلة عندما تساءل عما يضمن تطبيق قاعدة أو قانون أو معيار أو مفهوم بنفس الطريقة من طرف أشخاص مختلفين وفي أوقات مختلفة. وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، يحاجج فتغنشتاين على أن هذه الضمانة لا يمكن أن تقدمها القاعدة، وإنما الممارسات القائمة، أي التي تحولت إلى مؤسسات: فالقاعدة لا يمكن لها أن تحافظ على هويتها، أي على تطبيقها في وضعيات مختلفة في أوقات مختلفة من طرف أفراد مختلفين، إلا إذا كانت تكتسي طابع ممارسة قائمة. ومعنى ذلك أن ضرورة القاعدة لا توجد داخلها، بل إنها تستمدها من الخارج، أي من الشروط التي يتم فيها تعلمها والشروط التي تطبق فيها. وهذا ما يمنحها هويتها. وللبرهنة على هذه الأطروحة، يستبدل فتغنشتاين “المذهبَ التفكري” بابستومولوجيا شمولية (Holiste) تؤكد على أنه “من المستحيل الخضوع لقاعدة ‘بشكل خاص'”[54]، وعلى أننا نتبع “القاعدة بشكل أعمى”[55]، يعني أننا نتصرف بشكل صحيح دون ضرورة اللجوء إلى التأويل[56].

إن اتباع قاعدة بشكل أعمى أو بشكل آلي لا يعني بدون تفكير كلياً، بل يعني بدون حاجة إلى التبصر والتفكير الانعكاسي؛ وهذا التفكير الجزئي غير الانعكاسي هو ما يطلق عليه ديفيد بلور “الوعي بشكل أعمى”[57]، وما يطلق عليه بورديو »الحس العملي« الذي يشكل جوهر الهابتوس. ويتفق مع هذا المنظور أيضا شارلز تايلور الذي يعتقد أن تعلم ممارسة يقتضي »تأويلا مسبقا ، لكنه ليس تأويلا ذاتيا، وإنما هو تأويل يندرج في مجرى السلوك ويتم استدماجه كفهم عملي من طرف المتعلِّم لإنجازات الآخرين[58].

يلاحظ بورديو أن فتغنشتاين لمّح إلى طريقة جديدة لتصور ما يسميه «المبادئ» التي تقوم عليها ممارساتنا. إذ يرى أن الفيلسوف النمساوي وَضَّحَ، ضدّاً على مسلمات المذاهب المذهب التفكري (الذاتية والفردانية)، أن الممارسات البشرية لا تخضع لتحديداتِ قواعد صريحة نتمثلها في أذهاننا تمثلاً واعياً. ويعكس هذا الموقفُ السؤالَ الذي طرحه بورديو على النحو التالي: «إن كلّ تصوري يرجع إلى ما يلي: كيف يمكن للسلوك أن يكون منتظماً دون أن يكون نتيجة للخضوع للقواعد؟»[59].

ينتقد فتغنشتاين الفكرة القائلة إنه يمكن للتعريف القصدي كفعل عقلي أن يثبِّت معنى كلمة ما، وبالتالي أن يكون معياراً للاستعمال اللاحق لتلك الكلمة[60]. ويرفض أن يكون التمثلُ المنعكسُ في العقول (أو الصورة الذهنية) هو ما يؤسس معيارَ إتباع القواعد لأنه يُبَدِّدُ كلَّ معنى وقصدية بما أنه عاجز عن أن يؤسس أرضيةً يقوم عليها المعنى والقصدية[61]. لكن أين يوجد معيار هذين الآخرين إن لم يكن يوجد في عقول الأفراد؟

يجيب فتغنشتاين بأن هذا المعيار يوجد في البعد الجماعي للقواعد (اللغوية والاجتماعية) الذي يجعلنا نتبع الأخيرة بشكل أعمى، أي بشكل غريزي وشبه طبيعي، علماً أن الطاعة العمياء تعني الفعل كشيء بديهي الذي يتوقف على كيفية تدريب الفرد، أي على كيفية تثقيفه داخل ممارسة اجتماعية معينة. لذلك فإن الممارسة الاجتماعية هي البنية التي توصف انعكاسيّاً كقاعدة. فالاستعمال الصحيح للقواعد (صورة، مفهوم، شكل، إشارة إرشاد…) يتطلب نوعا من «الانتظام المعياري» الذي يعكس الطريقة الصحيحة والطريقة الخاطئة للتصرف.

يبدو التماثل بين نقد بورديو للتصور الذاتوي للممارسة ونقد فتغنشتاين للتصور الباطني للمعنى واضحا جداً. لنتأمل هذه العبارة لفتغنشتاين: «لا تنبثق اللغة من التفكير»[62]، كما يعتقد ذلك «المنظور الذهني الآلي» للتواصل اللغوي البشري الذي يصادر على أن «المعرفة اللغوية هي بالأساس مسألةُ معرفةِ أيّةِ كلمات تمثل أية أفكار»[63]

نفس الأطروحة يشدد عليها بورديو عندما يرفض أطروحة المذهب الذاتي التي تحيل الممارسات إلى الحساب والقرار العقلاني والقصد الواعي كعمليات عقلية، أي التي تجعل مما يجري في أذهان الفاعلين مبدأ مسبِّباً لسلوكاتهم المتوافقة (أو غير المتوافقة) مع القواعد والمعايير الاجتماعية. إذ يلح بورديو على أن الاستراتجيات، التي ينفذها الفاعلون أثناء ممارساتهم ليست قرارات واعية ومحسوبة بعقلانية، وإنما هي نتيجة لاستدماجهم الطويل إلى هذا الحد أو ذلك للضرورات الكامنة في الوضعيات التفاعلية في شكل استعدادت معرفية: “إن الهابتوس، كضرورة تحولت إلى فضيلة، يُنتِج استراتجياتٍ تجد نفسَها خاضعةَ موضوعيّاَ للوضعية، على الرغم من أنها ليست نتيجة لاستهداف واع لغايات محدَّدةٍ عن وعي على أساس معرفة ملائمة للشروط الموضوعية، وليست نتيجة لتحديد آلي بواسطة الأسباب. إن الفعل الذي يوجهه “حس اللعب” له كل مظاهر الفعل العقلاني الذي يمكن أن يرسمه ملاحِظٌ محايدٌ ومزوَّدٌ بكل المعلومات المفيدة وقادر على التحكم فيه عقلانيّاً. ومع ذلك، لا يصدر هذا الفعل عن العقل. يكفي التفكير في القرار الآني للاعب التنس الذي يصعد إلى الشبكة في الوقت غير الملائم لنفهم أن هذا القرار لا علاقة له بالبناء العالِم الذي وضعه المدرب بعد التحليل لتفسيره واستخلاص بعض الدروس منه[64].

ما يريد أن يخبرنا به بورديو في هذا المقطع هو أن الهابتوس يُنتِجُ ممارساتٍ تتسم بخصائص الأفعال الغريزية؛ فرغم أنها ممارسات لاانعكاسية، أي غير خاضعة للتفكير العقلاني المسبق والحساب البارد، فإنها تُولِّدُ نتائجَ تتوافق في حالات عديدة مع النتائج التي يمكن الحصول عليها بفضل الحساب والتفكير العقلاني. يفسر بورديو هذه المفارقة بتشديده على التطابق الأنطولوجي بين «البنيات الموضوعية» و«البنيات الذهنية»، أي بين الواقع الاجتماعي والاستعدادات الرمزية التي تشكل الهابتوس والتي يتم اكتسابها بفضل العيش مع جماعة معينة والتشبع بأساليب فكرها وفعلها وإحساسها.

       يرتكز المنطق العملي عند بورديو على حس اللعب الذي يجعل ممن “ولدوا” في الحقل، أي أولئك الذين يتوفرون على هابتوس متكيف مع العالم الذي ينمو فيه (التطابق بين البنيات الموضوعية والبنيات الذهنية)، لاعبين مهرة ينجحون في بلوغ أهدافهم بسهولة. هؤلاء اللاعبون ليسوا في حاجة إلى بناء استراتيجيات واعية ولا اللجوء إلى الأفعال القصدية نظراً لأنهم يتوفرون على العلم العملي للعالم، ونظراً أيضاً لأن أفعالهم متكيفة مع قواعد اللعبة التي يشاركون فيها. كما أن انغماسهم في اللعبة يفرض عليهم أن يستجيبوا للحالات العملية المستعجلة بما أنه ليس لديهم لا الوسائل ولا الوقت التي تسمح لهم بأن يكونوا عقلانيين. هكذا، ليس الحس العملي سوى الإتقان العملي لـ”اللعب” بقواعد اللعب في مجال اجتماعي معين (أي المعرفة العملية بالانتظامات التي تشكل قانون العالم الاجتماعي)، وهو إتقان يتم بطريقة غير واعية. إن جهلنا للمبادئ التي توجه أفعالنا هو المسؤول عن هذا الشعور بالبداهة الذي يغمر تجربتنا الساذجة للعالم. وتشكل هذه السذاجة مصدر شكل الحياة الذي يدرسه الفينومينولوجيون: التجربة “الظنية” doxatique للعالم. فهذه المعرفة الساذجة، هذه المعرفة غير العقلانية، تمثل “علاقة الانخراط التي تتم في الممارسة بين هابتوس والحقل المرتبط به، إنها هذه التجربة للعالم كشيء بديهي التي يتيحها الحس العملي”[65].

يرفض فتغنشتاين إغراء الاعتقاد بأن أيَّ فعلٍ وفقاً لقاعدة هو مسألة فهم تأويلي لتلك القاعدة مادام هذا الاعتقاد سيؤدي إلى البحث لهذا التأويل عن قاعدة أخرى تفسر لنا كيف يجب تطبيق القاعدة الأولى. إن تطبيق قاعدةٍ لا قاعدة له. والبديل الذي يقدمه فتغنشتاين للتأويل هو “الفهم اللازم” للفعل، أي الذي يعبر عن نفسه في الفعل في وضعيات ملموسة، وبالتالي فإن «”اتباعَ قاعدةٍ” ممارسةٌ»[66]. فالفاعل لا يحتاج في وضعيات التفاعل إلى تأويل للقواعد ليُفَسِّرَ لماذا ينجز الفعلَ أو ليطبق الفعلَ المطلوب بالطريقة المتوقعة. إنه قادر على تدبير أمره بدون هذا التأويل وبدون الحاجة إلى فهم تَمَثُّلِي لأن هناك نوعاً من الفهم العملي كامناً في الوضعيات. إن هذا الفهمَ اللازمَ أو العملي، الذي يعبّر عن ذاته في إنجاز الممارسات القائمة، نوعٌ من المعرفة الضمنية، أي طريقة للتعرف على شروط الفعل والاستجابة لها وتعيين كيفية إنجازه أو الامتناع عن تطبيقه في حالات خاصة. هذه «الاستراتجيات» في اتباع القاعدة تصدر عن الإتباع «الأعمى» لهذه الأخيرة، أي ليست نتيجةً لتفكير انعكاسي وواع يقوم به الفاعل من أجل الاستجابة لمتطلبات وضعية محددة.

يحمل مفهوم «الحس العملي» البورديوي مضمون التصور الفتغنشتايني لإتباع القاعدة بدون تفكير انعكاسي. فالحس العملي عند صاحبه يعني القدرة على الفعل باعتبارها قدرة على التكيّف مع وضعيات تتجدد باستمرار. إن لهذه الكفاءة العملية شكل «مجموعة من المبادئ المولِّدة لاستراتجيات تمكن الفاعلين من مواجهة وضعيات طارئة ومتجددة باستمرار»[67]. ويكتسب الفاعلون هذه الكفاءة العملية فقط بفضل انتمائهم لمجتمع معين وانغماسهم في ثقافته وتشبعهم ببنياته. وتمكنهم هذه «المعرفة العملية» التي تشكل الهابتوس من التعرف على الإنجازات الاجتماعية الصحيحة و الملائمة والانجازات الخاطئة وغير الملائمة، والانجازات المبهمة أيضا. كما يتمثل دور هذه المعرفة في إنتاج تلك الانجازات في وضعيات محددة.

       يبذل بورديو جهده في مجمل نظرية للممارسة والحس العملي لتوضيح أن المعرفة التي تكوِّن الحس العملي ليست معرفة واعية وانعكاسية بشكل كلِّي، وليست أيضا جهلا بشكل كلِّي، إنها بالأحرى «إتقاناً عملياً»[68]، إنها هذا «الطبيعي»[69] الذي يمكِّن الفرد من الاستجابة بشكل ملائم لمتطلبات الوضعية دون أن يكون قادراً على التعبير عنها بوضوح. إن الحس العملي إذن هو هذا «الجهل الواسع المعرفة»، أي «نمط المعرفة العملية الذي لا يتضمن معرفة مبادئه الخاصة…»[70].

يشدد بورديو في صرحه النظري على كون الحس العملي مرتبط من حيث تكوينه ونشاطه معاً بالوضعيات الاجتماعية التي يمارسه الفاعلون بداخلها. إنه الاجتماعي الذي يقيم فينا ضمنياً، إنه هذا التاريخ المنسي الذي نظل نشعر بمفاعليه. إنه هذه القصدية غير الانعكاسية التي تحددها الوضعيات التي تنتجها. فما نفعله، حسب بورديو، يحمل معنى، لكنه ليس المعنى الذاتي المتمثل في  الدوافع والمبررات التي نصرح بها عن وعي؛ فمعنى ما نفعل ليس شيئا نسنده للفعل، بل إنه يتمظهر في الفعل الذي ننجزه في سياق محدّد. فما يحدد أفعالنا لا يرجع إلينا كأفراد حتى وإن كنا نحن من ينجز تلك الأفعال. يبدو واضحاً تأثير التصور السياقي والديناميكي للقصدية كما طرحه فتغنشتاين في بحوثه: «إن التوقع متضمن في الوضعية»[71]. فمهما كان التوقع أو أية حالة قصدية، فإن نقل التتويج إلى وضعية أخرى يكون فيها الذهب مبتذلا والمعاطف رخيصة سيقلل من قيمة عملية التتويج، بل سيغير من طبيعتها([72]). «إن ما يحدث الآن له دلالة- في هذا السياق. إن السياق يعطي لما يحدث أهميته»[73]. وما يقصده فتغنشتاين بالسياق هو الممارسة الاجتماعية التي توفر السياق الذي يحدث فيه الفهم الفردي. ويهدف فتغنشتاين من ذلك إلى توضيح أنه لا يمكن وصفُ فعلٍ أو حدثٍ معزولٍ وصفاً صحيحاً، كالتسمية أو الامتثال لقاعدة أو الفهم، فقط باللجوء إلى معياره أو قاعدته نظراً لأن استعمال المعيار و لقاعدة هو ما يضع السياق الذي يمكن بداخله لعلامة الإرشاد أن تشير إلى شيء ما، وللمتوالية الحسابية أن تُتْبَعْ، وللأوامر أن تطاع.

لن تخفى على قارئ فطن القرابة القائمة بين القصدية السياقية عند فتغنشتاين  و«القصدية بدون قصد» عند بورديو[74]. وإذا كان الفيلسوف النمساوي قد وجد حلاًّ لهذه المفارقة في مفهوم «الممارسة»، فإن عالم الاجتماع الفرنسي وجد هذا الحل في مفهوم «الحس العملي» كمعرفة كامنة في الجسد.

  1. المعرفة بالجسد

اهتم بورديو بالجسد كمكان للمعرفة العملية وسعى إلى فهم كيف تصبح الأجساد محمَّلة بالمعارف، أي بمهارات إتقان الأفعال والأقوال. وقد ذهب بورديو عكس معظم الدراسات السوسيولوجية للسلوك لأنه افترض أن «الفعل والسلوك والتفاعل والممارسة والبراكسيس تكتسي بعداً جسدياً وبعدا عقلياً، دون أن يتضمن هذا الافتراض أن هاذين البعدين يصدران من أصلين أو “جوهرين” مختلفين»[75]. علاوة على ذلك، يشدد بورديو على فكرة أن الجسد ليس أداة لتنفيذ أهدافٍ تتم صياغتها عن وعي (كما يعتقد “المذهب الذاتي التفكري”)، بل هو مصدر الفهم والقصدية، بمعنى أن «الحس العملي» يوجد على مستوى الجسد: “ليس الاعتقاد العملي “حالة عقلية”، وأكثر من ذلك، ليس نوعاً من الانخراط الاعتباطي في نسق من المعتقدات والمذاهب القائمة (“الاعتقادات”)، بل هو بالأحرى حالة جسدية إن صح التعبير”[76].

تتحول المعرفة المنتشرة في العالم الاجتماعي إلى معرفة كامنة في الأجساد نظراً لأن “الجسدُ موجودٌ في العالم الاجتماعي ويوجد العاَلمُ الاجتماعي في الجسد. ويشكل الاستدماج الجسدي للاجتماعي الناتج عن التعلم أساسَ الحضور في العالم الاجتماعي الذي يستلزمه الفعلُ الناجح اجتماعيا والتجربةُ العادية لهذا العالم كشيء بديهي”[77]. ففي الوضعيات الاجتماعية التي يعبئ فيها الفاعلون حِسَّهُم العملي من أجل الفعل، يعرف الجسدُ ما يجب عليه فعله دون أن يكون على صاحبه التفكير في ذلك نظراً لأن “الفاعل المنخرط في الممارسة يعرف العالَم، لكنها معرفة، كما بين ذلك موريس ميرلوبونتي، لا تكمن في وعيٍّ عارفٍ خارجي. إنه يفهم العالمَ فهماً جيداً، دون مسافة موضوعية، كشيء بديهي نظراً بالضبط لأنه يوجد فيه، نظراً لأنه يشكل معه جسداً واحداً، ونظراً لأنه يسكنه كلباس أو سكن مأـلوف”.[78]

وبهذا المعنى، يجد الحس العملي أنموذجه في الفهم العملي ما قبل انعكاسي للرياضي والموسيقي والراقص[79]. إذ “بخلاف العوالم السكولائية، تتطلب بعض العوالم، كالرياضة والموسيقى والرقص، انخراطاً عمليّاً للجسد، وبالتالي تعبئة ‘الذكاء’ الجسدي الذي يحدِّد تحوّلاً بل وقلباً للتراتبات العادية”، وبالتالي فإن الحس العملي لهؤلاء الفاعلين يصدر عن “أجسادهم المهندسة”[80] أو عن “جغرافيتهم الطبيعية”[81].

يقوم الحس العملي عند بورديو بنفس الدور الذي يقوم به الجسد المعيش عند ميرلوبونتي في مشروع تجاوز الثنائيات التقليدية بين الذات والموضوع، بين الفكر والواقع، بين الروح والجسد، الخ. ولهذه الغاية بالفعل، جاء بورديو بمفهوم الهابتوس ليستبدل الذات المتعالية بجسدٍ مُمَوْضَعٍ مدرَكٍ كمصدر للقصدية العملية وكقدرة على بناء الواقع الاجتماعي، مما يستتبع كون الهابتوس “يعيد للفاعل قدرة على الانتاج والتوحيد تقوم بدور البناء والتصنيف، ويذكرنا في نفس الوقت بأن هذه القدرة على بناء الواقع الاجتماعي، المبنية اجتماعياً هي أيضاً، ليست خاصة بذات متعالية، وإنما خاصة بجسد منشّأ اجتماعياً، مندمج في ممارسة مبنية اجتماعياً تنظم المبادئ التي يتم اكتسابها في مجرة تجربة اجتماعية محددة بالزمان والمكان”[82].

إن ما يوحِّدُ الفاعلَ بعالمه هو “المعرفة بالجسد”[83]. ذلك أن «الهابتوس عندما يدخل في علاقة مع العاَلم الاجتماعي الذي أنتجه، فإنه يكون كسمكة في الماء ويبدو له بديهيّاً»[84]. فالفاعل يقيم مع العالم الذي «يسكنه» علاقةَ امتلاكٍ متبادلٍ تقوم على نوع من “التواطؤ الأنطولوجي الذي، كما يقترح ذلك هايدغر وميرلوبونتي، يُوحِّد بين الفاعل (الذي ليس لا ذاتاً ولا وعياً، وليس مجرد منفِّذٍ لدورٍ أو تحييناً لبنية أو وظيفة) والعالَم الاجتماعي الذي ليس أبداً مجرد شيء، حتى وإن كان عليه أن يكون مبنياً كشيء في المرحلة الموضوعية للبحث”[85].

خاتمة

اعتُبِرَ بورديو مفكراً مناهضاً للفلسفة؛ وكان يلح هو نفسه على أنه ليس فيلسوفاً، بل عالم اجتماع وإناسة. بيد أنني أعتقد أن علاقته بالفلسفة لم تنقطع أبداً مند تكوينه الأول في المدرسة العليا للأساتذة التي تخرج منها مُبَرِّزاً في الفلسفة إلى أواخر حياته التي نشر فيها كتابه تأملات باسكالية الذي يمكن اعتباره سيرة ذاتية فكرية طرح فيها المرجعيات الفلسفة لصرحه الفكري. علاوة على ذلك، شكل العديدُ من الفلاسفة مصدرَ إلهامٍ حقيقي لنظرية الممارسة البورديوية، أمثال باسكال ولابينتز وهايدغر وفوكو وميرلوبونتي وهوسيرل وفتغنشتاين وأوستين وغيرهم كثير.

وقد شغل فتغنشتاين من بين هؤلاء الملهمين لبورديو مكانة متميزة بالنظر إلى عمق التأثير الذي مارسه على هذا الأخير، وخصوصا فيما يتعلق بمحاولة تجاوز التعارضات الثنائية التي اعترضت بناء علم اجتماع ملائم يجمع في مقاربته البعدين الذاتي والموضوعي للحياة الاجتماعية. فكما أن فيلسوف فيينا استطاع التغلب على التعارض الزائف بين المذهب الكانطي والمذهب السيكولوجي بتركيزه على السياق الاجتماعي للمعنى والقاعدة، استطاع عالم الاجتماعي الفرنسي تجاوز التعارض الزائف بين البعد الرمزي والبعد الموضوعي (المادي) للواقع الاجتماعي بتشديده على  السياق الاجتماعي للممارسات المعرفية للفاعلين. وبالفعل، عثر بورديو في أعمال فتغنشتاين الثاني على ما مكّنه من تصفية إرثه البنيوي الذي جعل منه «بنيويّاً سعيداً»[86] بسبب التأثير الكبير الذي كانت تمارسه بنيوية دوسوسيور وستروس على الحقل الفكري خلال فترة تكوينه وبداية اشتغاله كإتنوغرافي في منطقة القبائل الجزائرية. كما استطاع بفضله أن يصفي حساباته مع الإرث الفينومينولوجي الذي كان يقتسم الهيمنة على المشهد الفكري الفرنسي في تلك الفترة، وخصوصا وجودية جون-بول سارتر.

لقد لعب الإرث الفتغنشتايني المتأخر دوراً حاسماً في انقلاب بورديو على مأزق «إما الفاعل وإما البنية» من خلال إضعاف دور القاعدة ودور المعرفة في توليد الممارسات الاجتماعية. حيث صادر مند كتاباته الأولى حول الجزائر على أن بناء علم اجتماعي ملائم للحياة الاجتماعية مشروط بضرورة تجاوز التعارضات التي أقامها العلم الاجتماعي الكلاسيكي بين الفرد والمجتمع، بين الذاتي والموضوعي، بين البنيات الذهنية والبنيات الموضوعية. وبالتساوق مع هذا الموقف السلبي، صادر بورديو على أن «لحظتي» البحث  السوسيولوجي (لحظة القطيعة الابستمولوجية مع الحس المشترك ولحظة إعادة إدماج الحس المشترك في البحث كمكون أساسي للواقع الاجتماعي) تسعيان معاً إلى تحديد العلاقة الجدلية القائمة بين أساليب نشاط الفاعلين الفرديين وإعادة إنتاج/تغيير البنيات الموضوعية، وهي العلاقة التي تتمظهر في الممارسات الاجتماعية التي ينتجها الهابتوس الذي يتكوَّن من خطاطات للإدراك والفعل الكامنة في الأجساد البشرية، مما يجعل منها معرفة عملية يسترشد بها الفاعل في إنجازه لممارساته في حقل اجتماعي معين.

 

 

 


بيبليوغرافيا

Ambroise Brono,  «Bourdieu et Wittgenstein: contributions a une critique de la vision scolastique», Europe, 2004: 258-271.

Bloor David, Wittgenstein, Rules and Institutions, London: Routledge, 1997.

Bourdieu Pierre, La distinction. Critique sociale du jugement, Paris, coll. «Le sens commun », Ed. de Minuit, 1979.

Bourdieu Pierre, Le sens pratique, Paris, coll. «Le sens commun», 1980.

Bourdieu Pierre, Leçon sur la leçon, Paris, Minuit, 1982.

Bourdieu Pierre, Choses dites, Paris, Minuit, 1987.

Bourdieu, P. (1992) (avec Wacquant, L.) Réponses. Pour une anthropologie réflexive, Paris, Seuil.

Bourdieu, P. (1997) Méditations pascaliennes, Paris, Le Seuil.

Bourdieu, P. (2000) Esquisse d’une théorie de la pratique: Précédé de Trois études d’ethnologie kabyle, Paris, Seuil, Coll. «Points Essais».

Bouveresse, J., Philosophie, mythologie et pseudo-science. Wittgenstein lecteur de Freud, Paris, Edition de l’Eclat, 1991.

Bouveresse, J. (1995) «Règles, dispositions et habitus », Critique, vol. 51, n° 579-580, août-sept. 1995, pp. 135-162.

Bouveresse, J., Bourdieu, savant et politique, Marseille, Agone, 2003.

Rogers Brubaker, «Rethinking Classical Theory: The Sociological Vision of Pierre Bourdieu », Theory and Sociology, 14(6), 1985, pp. 745-775.

Chauviré, C. (1995) «Des philosophes lisent Bourdieu. Bourdieu/Wittgenstein: la force de l’habitus», Critique, vol. 51, n° 579-580, août-sept. 1995, pp. 548-553.

Chauviré, C., Le moment anthropologique de Wittgenstein, Paris, Edition Kimé, 2004.

Crossley, N. (2007) «Researching Embodiment by Way of ‘Body Technique’», Sociological Review, 55 pp. 80-94

Guerrans, P., «Tacit Knowledge, Rule-Following and Pierre Bourdieu’s Philosophy of Social Science», Anthropological Theory, vol. 5(1), 2005, pp.53-74.

Harris, R. (1981) The Language Myth, London: Duckworth.

Mounier, P. (2001) Pierre Bourdieu, une introduction, Paris, Pocket/La Découverte.

Taylor, C. (1985) Philosophy of The humain science: Philosophical papers 2, Cambridge: Cambridge University Press.

Williams, M. (1999) Wittgenstein, Mind and Meaning. Towards a Social Conception of Mind, London & New York: Routledge.

Wittgenstein, L. ([1929] 1963) Tractatus Logico-Philosophicus, translated by David Pears and B. F. McGuinness, London: Routledge.

Wittgenstein, L. (1953) Philosophical Investigations, Oxford: Blackwell.

Wittgenstein, L. The Blue and Brown Books, Oxford: Blackwell, 1958.

Wittgenstein, L. (1961) Notebooks 1914-1916, edited by G. H. von Wright and G. E. M. Anscombe, New York: Harper.

Wittgenstein, L. (1969) On Certainty, translation by Denis Paul and G. E. M. Anscombe, Oxford: Blackwell.

*   باحث في إبستيمولوجيا العلوم الاجتماعية- المغرب

[1] Bruno Ambroise, «Bourdieu et Wittgenstein: contributions a une critique de la vision scolastique», Europe, 2004: 258-271.

[2] Pierre Bourdieu, Choses dites, Paris, Minuit, 1987 p.19.

[3] Christiane Chauviré, «Des philosophes lisent Bourdieu. Bourdieu/Wittgenstein: la force de l’habitus», Critique, vol. 51, n° 579-580, août-sept. 1995: 548-553.

[4] Jacques Bouveresse, «Règles, dispositions et habitus », Critique, vol. 51, n° 579-580, août-sept. 1995: 135-162.

[5] Ludwig Wittgenstein, On Certainty, translation by Denis Paul and G. E. M. Anscombe, Oxford: Blackwell, 1969, p.4.

[6] Pierre Bourdieu, Méditations pascaliennes, Paris, Le Seuil, 1997, p. 42-43.

[7] op. cit., p. 221.

[8] Ludwig Wittgenstein, Philosophical Investigations, Oxford: Blackwell, 1953, §202.

[9]  إن تصور فتغنشتاين للغة كصورة للواقع تعود إلى مرحلته الفكرية الأولى المتمثلة في كتاب رسالة منطقية فلسفية الذي نشره سنة 1929. فقد كان يعتقد، قبل التحول الفكري الذي تمظهر في كتابه بحوث فلسفية، أن اللغة هي البنية المنطقية للواقع، حيث أن كل قضية أولية تطابق واقعة ذرية. يقول فتغنشتاين: “يمكن لقضية ما أن تكون صادقة فقط إذا كانت صورة للواقع” .

Ludwig Wittgenstein, Tractatus Logico-Philosophicus, translated by David Pears and B. F. McGuinness, London: Routledge, ([1929] 1963), § 4.06.

“إن [القضية] تُصوِّرُ [الواقعة].

بهذه الطريقة وحدها يمكن للقضية أن تكون صادقة أو خاطئة: يمكنها فقط أن تكون متوافقة أو غير متوافقة مع الواقع من خلال كونها صورة لوضعية معينة.

Ludwig Wittgenstein, Notebooks 1914-1916, edited by G. H. von Wright and G. E. M. Anscombe, New York: Harper, 1961, § 2.0.10.14.

 

[10] Meredith Williams, Wittgenstein, Mind and Meaning. Towards a Social Conception of Mind, London & New York: Routledge, 1999, p. 169.

[11] Wittgenstein, Philosophical, § 241.

[12] Bourdieu,  Méditations, p. 75.

[13] Pierre Bourdieu, Esquisse d’une théorie de la pratique: Précédé de Trois études d’ethnologie kabyle, Paris, Seuil, Coll. «Points Essais», 2000: 71-128.

[14] Pierre Bourdieu,  Le sens pratique, Paris, coll. «Le sens commun», 1980.

[15] Op. cit, p. 26.

[16] Op. cit., p. 83.

[17] Bourdieu, p. 182.

[18] يعرف بورديو الدوكسا كما يلي: “إنها مجموعة من المعتقدات الأساسية التي لا تحتاج إلى أن ترسخ نفسها كمذهب صريح وواع بذاته” (Bourdieu, Méditations, p. 30). إنها “مجموعة من المفترضات المعرفية والتقييمة معا التي يستلزم الانتماءُ [إلى الحقل] قبولَها” (op. cit., 145). ويقدمها في تعريف آخر على النحو التالي: “إنها مخزون من البداهات المقتسمة بين الجميع التي تضمن، في حدود حقل اجتماعي معين، إجماعاً أساسياً حول معنى العالم، إنها مجموعة من الأفكار النمطية (بالمعنى العام)، المقبولة ضمنياً، التي تجعل المواجهة والحوار، بل والصراع، أموراً ممكنة” (op. cit., 151).

[19] Bourdieu, Le sens,». p. 113.

[20] Op. cit., p. 86.

[21] Bourdieu, Esquisse, p. 81.

[22] Pierre Mounier, Pierre Bourdieu, une introduction, Paris, Pocket/La Découverte, 2001, p. 29.

[23] Bourdieu, Le sens, p. 67.

[24] Bourdieu, Méditations, p. 163.

[25] Wittgenstein, Certitude, §45-47.

[26] Ludwig Wittgenstein, The Blue and Brown Books, Oxford: Blackwell, 1958, § 81.

[27] Chauviré, C., Le moment anthropologique de Wittgenstein, Paris, Edition Kimé, 2004, p. 19.

[28] Bouveresse, J., Philosophie, mythologie et pseudo-science. Wittgenstein lecteur de Freud, Paris, Edition de l’Eclat, 1991, p. 19.

[29] Bourdieu, Le sens, p. 67.

[30] Op. cit., p. 68.

[31] Philip Guerrans, «Tacit Knowledge, Rule-Following and Pierre Bourdieu’s Philosophy of Social Science», Anthropological Theory, vol. 5(1), 2005: 53-74, p. 57.

[32] Bourdieu, Le sens.

[33] Jacques Bouveresse, Bourdieu, savant et politique, Marseille, Agone, 2003, p. 307.

[34] Bourdieu, Esquisse, p. 307.

[35] Bourdieu, Le sens, p. 67.

[36] Rogers Brubaker, «Rethinking Classical Theory: The Sociological Vision of Pierre Bourdieu », Theory and Sociology, 14(6), 1985: 745-775, p. 715.

[37] Bourdieu, Le sens, p. 233-234.

[38] Pierre Bourdieu, La distinction. Critique sociale du jugement, Paris, coll. «Le sens commun », Ed. de Minuit, 1979, p. 482-484.

[39] Bourdieu, Le sens, p. 88.

[40] Bourdieu, Esquisse, p. 175.

[41] Bourdieu, Le sens, p. 88-89.

[42] op. cit., p. 137.

[43] op. cit., p. 160.

[44] op. cit., p. 93.

[45] op. cit., p. 120-121.

[46] Bourdieu, Esquisse.

[47] Bourdieu, Le sens, p. 8-9.

[48] Bourdieu, La distinction, p. 195.

[49] Bourdieu, Esquisse, p. 179.

[50] Bourdieu, Le sens, p. 111.

[51] op. cit., p. 94.

[52] op. cit., p. 96.

[53] Wittgenstein, Philosophical, § 241.

[54] op. cit., § 289.

[55] op. cit., p. 219.

[56] op. cit., p. 289.

[57] David Bloor, Wittgenstein, Rules and Institutions, London: Routledge, 1997, p. 52.

[58] Charles Taylor,  Philosophy of The humain science: Philosophical papers 2, Cambridge: Cambridge University Press, 1985, p. 26.

[59] Pierre Bourdieu, Choses dites, Paris, Minuit, 1987, p. 81.

[60] Wittgenstein, The Blue, § 258.

[61] Op. cit., § 139.

[62] Wittgenstein, Certitude, p. 457.

[63] Roy Harris, The Language Myth, London: Duckworth, 1981, p. 9.

 

[64] Bourdieu, Choses, p. 21.

[65] Bourdieu, Le sens, p. 115.

[66] Wittgenstein, The Blue, § 202.

[67] Bourdieu, Esquisse, p. 167.

[68] op. cit., 303.

[69] op. cit., p. 304.

[70] op. cit., 307.

[71] Wittgenstein, The Blue, § 581.

[72]يتحدث فتغنشتاين عن علاقة القصدية بسياقاتها في عدة فقرات من بحوث فلسفية: «لكن يمكن الآن طرح السؤال: ما الذي سيحدث عندما يأتي؟- سيُفتَحُ الباب، وسيدخل شخص، الخ-. ما الذي سيحدث عندما أتوقع قدومه؟- سأقطع الغرفة ذهابا وإيابا، وأنظر إلى الساعة في كل لحظة، الخ-. إلا أنه لا يوجد شبه بين الحدثين! فكيف يمكن إذن استعمال نفس الكلمات لوصفهما؟- لكن ربما قلت وأنا أمشي ذهابا وإيابا: “إنني أتوقع دخوله”-. الآن يوجد شبه من ناحية ما. لكن أي نوع من الشبه هو؟»(§444) . «إن التوقعَ وحدوثَه يلتقيان في اللغة» (§445).

 

[73] op. cit., § 583.

[74] Bourdieu, Choses, p. 20.

[75] Nick Crossley, «Researching Embodiment by Way of ‘Body Technique’», Sociological Review, 55, 2007: 80-94, p. 85.

[76] Bourdieu, Le sens, p. 115.

[77] Pierre Bourdieu, Leçon sur la leçon, Paris, Minuit, 1982, p. 38.

[78] Bourdieu, Choses, p. 170.

[79] Bourdieu, Méditations, p. 72.

[80] Bourdieu, Esquisse, p. 321.

[81] op. cit., p. 294.

[82] Bourdieu, Méditations, p. 164.

[83] op. cit., p. 185.

[84] Pierre Bourdieu, (avec Loïc Wacquant) Réponses. Pour une anthropologie réflexive, Paris, Seuil, 1992, p. 103.

[85] op. cit., p. 103.

[86] Bourdieu, Le sens, p. 22.

error: المحتوى محمي