بنغلادش كنموذج للنيوليبرالية – آنو محمد / ترجمة: فؤاد ريان

بنغلادش كنموذج للنيوليبرالية – آنو محمد / ترجمة: فؤاد ريان

prof_anu_muhammad

بنغلادش كنموذج للنيوليبرالية

حالة مؤسّسات التمويل الأصغر والمؤسسات غير الحكومية[1]

 

[2]تأليف: آنو محمد

[3]ترجمة: فؤاد ريان

في عام 2006، وبعد أشهر قليلة من إعلان مَنح جائزة نوبل للسلام لمحمد يونس وبنك غرامين (Grameen Bank)، كنت حينها في زيارة إلى ألمانيا. وبشكل أتفهمه تماما، وجدت البنغاليين غير المقيمين هناك مغمورين بالسعادة والفخر لهذه الجائزة. ونظر العديد من الألمان، بمن فيهم أكاديميون ونشطاء يساريون، إلى المسألة كانتصار على النيوليبرالية. وقد دعاني أحد الألمان من الناشطين في مجموعة مسرحية إلى عرض لمسرحية درامية  جديدة بعنوان “تسليما والقروض الصغرى”. وقد لفت العرض انتباهي إلى مسألة مهمة: أدركت المدى الذى وصل إليه سوء الفهم في الغرب حول بنك غرامين، وكيف أن الحملات الاعلامية وفعاليات العلاقات العامة، بما فيها دراسات مضمّنة، قد خلقت أسطورة حول بنك غرامين وحول محمد يونس.

تدور أحداث المسرحية في قرية بنغالية نائية، فيها الكثير من الفقراء وقلة من ملّاك الأراضي. وهناك بنت فقيرة إسمها تسليما (Taslima) تعيش مع والديها، وفي أحد الأيام وصل مستشار البنك الدولي المتأنق جداً وفي جعبته مشروع “تنموي” لينقذ الفقراء ويحقق التنمية في القرية! وبعدها بقليل، وكالمعتاد، فقد جلب مشروع البنك الدولي الخراب للقرية، حيث أصبح الفقراء اكثر فقراً والأثرياء اكثر ثراءاً،  بالاضافة إلى تفاقم الكارثة الطبيعية. فزيادة الفيضانات وإنجراف النهر جعلت عائلة تسليما تخسر كل شيء. وفي تلك اللحظة حدثت معجزة: لقد وصلت نجدة بنك غرامين. فقد تلقّى الرّيفيون الفقراء معلومات عن التمويل الأصغر، الطريق إلى الإزدهار والتمكين! فشكلت تسليما وآخرون مجموعة للحصول على التمويل، ولأنهم كانوا  أربعة أعضاء فقط، فقد إحتاجوا شخصا آخر لتشكيل مجموعة مؤهلة للحصول على قرض. وفي تلك الأثناء أدرك مستشار البنك الدولي دوره الكارثي، وبعد أن عثر على تسليما، بعد بحث طويل، قرر بدء حياة جديدة وإنضم إليها، تاركا خلفه عالم البنك الدولي المتأنق. وها قد أصبحوا الآن خمسة أعضاء يمكنهم تشكيل مجموعة مؤهلة لدخول عالم القروض الصّغرى، وقد عاشوا بعدها حياة سعيدة مديدة!

وقد طلب مني منظمو المسرح الإنضمام إلى حلقة نقاش بعد العرض. وإذ وجدت نفسي واقفا أمام جمهور مفتون بالتجربة، وجب علي أن أخبرهم الحقيقة المرّة بالوقائع والأرقام. وقلت، بالرغم من تمنايتهم الطيبة، إلا أنهم كانوا يقومون بخطأ فادح، لم يكن بنك غرامين يوما بديلا عن النموذج الاقتصادي النيوليبرالي المقحم للبنك الدولي، بل ولد وجلب ليكون أداة مكملة ضرورية له.

لذلك من الضروري فحص نموذج التمويل الأصغر والمؤسسات غير الحكومية في السياق الأشمل، بالإضافة الى الصِّلات بين عمليّة إنتشار وتوسع المؤسسات المالية (financialization) في الرأسمالية العالمية وبين الإصلاح النيوليبرالي التي خلقت، في الواقع، المجال لإزدهار عالم التمويل الأصغر. ومن الضروري أيضا تفحُّص طبيعة وإتجاهات التمويل الأصغر في بنغلادش- تأثيره على حياة وعيش الفقراء، بالإضافة إلى واقع الاقتصاد الكلي.

العولمة، وإنتشار وتوسّع مؤسّسات وأسواق التمويل، والخصخصة

ليست العولمة ظاهرة مفاجئة من نتائج الرأسمالية، فلطالما كانت ديناميكيّة الرأسمالية غير منتظمة في البعد العالمي. وقد حدد بول سويزي (Paul Sweezy)، في التاريخ الحديث للرأسمالية، “أهم ثلاثة إتجاهات أساسية للرأسمالية”، والتي بدأت مع الركود الاقتصادي في 1974-1975: (1) تباطؤ المعدل الكلي للنمو؛ (2) إنتشار عالمي للمؤسسات الاحتكارية متعددة الجنسية؛ (3) ما يمكن أن يسمى بـ”عملية توظيف تراكم رؤوس الأموال من خلال مؤسسات التمويل.”[i]

لقد كانت النيوليبرالية نتيجة لهذه الديناميكيّات. وقد إجتاحت العالم على ثلاث مراحل: (1) لقد بدأت في السبعينيات، ولاحقا في الثمانينيات تم دفعها إلى الأمام  بدعم قوي من رونالد ريغان ومارغريت تاتشر. (2) لقد خلق إنهيار الإتحاد السوفييتي فرصا لا مثيل لها للايديولوجيا النيوليبرالية لتسيطر على الفكر التنموي. (3) منذ العام 2001 دعّم ما يعرف بالحرب على الإرهاب سلطة الشركات وعقلَنَة إستخدام القوة لأغراض جيوسياسية.

لقد توسعت التجارة العالمية في العقود القليلة الماضية بشكل سريع. وقد أصبحت معظم الاقتصاديات العالمية أكثر إندماجا في نظام اقتصادي عالمي واحد. وقد تسارعت وتيرة تطور أنطمة المعلومات والاتصالات بسبب سرعة تطور تكنولوجيا المعلومات. وبالرغم من بقاء القيود على حرية حركة العمالة على حالها، فقد حدثت اجراءات اصلاحية كثيرة دوليا ومحليا لضمان حرية حركة رؤوس الاموال. فالعولمة في هذه المرحلة تختلف عن الرأسمالية الاحتكارية العالمية، فقد أُدمجت دول الأطراف في نظام عالمي واحد يخضع لشروط الدول القوية.

إن عملية إنتشار وتوسع المؤسسات والأسواق المالية للرأسمالية العالمية من ناحية، وتسارع عمليات الخصخصة للسلع العامة والأملاك العامة من ناحية ثانية، قد سهلت إعادة هيكلة النيوليبرالية العالمية في العقود الثلاثة الماضية. حيث أصبح موضع الدولة في المقعد الخلفي. فقد استبدلت الاصلاحات الهيكلية (على سبيل المثال، الاصلاحات بخصوص ملكية الاراضي والاصلاحات المؤسسسية) بالتكيف الهيكلي في إطار إجماع واشنطن (Washington Consensus). فقد تم إعتبار النفقات العامة على التعليم والرعاية الصحية والمياه الصالحة للشرب والطاقة كأعباء على الدولة. وجاءت سياسات التقشف كسلاح موجه ضد الفضاء العام. بينما تم الحفاظ على الميزانية العسكرية، ودعم الشركات العملاقة، وتسهيلات ضريبية  لخدمة مصالح الاثرياء.[ii]

وبحسب ديفيد هارفي (David Harvey) فإن هذه التخفيضات الانتقائية في الموازنة نابعة من ضغوطات تشكلت عبر فترات طويلة داخل النظام نفسه بسبب أنه ” لطالما كان رأس المال يواجه إشكاليات في إحتواء تكاليف إعادة الانتاج الاجتماعي (رعاية الشباب، والمرضى، والمعاقين، والمسنين، وتكاليف الضمان الاجتماعي، والتعليم والرعاية الصحية).”[iii]  وببساطة فقد كان الحل المقترح من النيوليبرالية هو أن يدفع هؤلاء المتضررين  تلك التكاليف بأنفسهم. وهذا قد تطلّب توسّع عالم التمويل؛ وكما يقول سمير أمين فان انتشار وتوسع مؤسسات وأسواق التمويل ” ليس إنحرافا يمكن أن يتم تصحيحه ببعض الاجراءات التنظيمية؛ إنه غير قابل للانفصال عن مستلزمات بقاء النظام نفسه.”[iv]

يجادل البعض بأنه لو كان هناك إجراءات تنظيمية أكثر صرامة في التسعينيات وبداية الالفية الثالثة لما وقعت الأزمة المالية العالمية. وفي المقابل يجادل البعض بأن عملية تخفيف الاجراءات التنظيمية قد فاقمت  فقط الأزمة الرئيسية التي كانت في طريقها إلى الوقوع أصلا، وهذه نقطة جوهرية. من المهم ملاحظة أنّ السبب الضمنى كان فقاعة الديون التي قادت الولايات المتحدة الامريكية إلى حافة الركود العظيم في مستويات الديون في سنة 1989.”[v] وقد سار العقدان التاليان إلى ما هو أبعد من ذلك. ومن خلال عملية إنتشار وتوسع مؤسسات وأسواق التمويل “ظهرت أسواق جديدة غريبة، تلك التي أصبحت رائدة بما يعرف بنظام “الظل المصرفي” حيث سمحت بالاستثمار في  المقايضة بالإئتمان (credit swaps)، ومشتقات العملات (currency derivatives) وأمور أخرى مماثلة…من المتاجرة بحقوق التلّوث (pollution rights)، الى المقامرة بالطقس (betting on the weather).”[vi]

يجب عدم التغاضي عن الدوافع السياسية القوية وراء الاصلاحات النيوليبرالية، بما فيها إجراءات التقشف الحديثة المتخذة حتى في ظروف عدم وجود أزمة. فقد اعترف لاحقا آلان بود (Alan Budd)، كبير المستشارين الاقتصاديين لمارغريت تاتشر “أنّ سياسات التصدي للتضخم في الثمانينات  بالضغط على الاقتصاد من خلال تخفيض النفقات العامة كانت مجرد غطاء لسحق العمال،” ولخلق “جيش إحتياط صناعي”  سيقوض القوى العاملة المنظّمة ويسمح للرأسماليين من جني الأرباح بيسر بعد ذلك.[vii] إنّ دعم وترويج نموذج المؤسسات غير الحكومية ومؤسسات التمويل الأصغر هي أيضا وسائل يسلكها الاقتصاد السياسي للطبقة المسيطرة.

مسار الاصلاحات النيوليبرالية في بنغلادش

لم تصمد بنغلادش طويلا، بعد إستقلالها عام 1971، حتى تقع فريسة لشبكة رأس المال العالمية، أي؛ مصيدة الإصلاح المنبثقة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكما الحال في كثير من بلدان الأطراف، فقد تم إستهداف بنغلادش ببرامج التصحيح الهيكلي، والتي  شكلت لاحقا العمود الفقري لاجماع واشنطن، ما يسمى بالانضباط المالي، واعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، والخصخصة، وتخفيف الاجراءات التنظيمية، والتي كانت دائما المبادئ الاساسية لبرامج التصحيح الهيكلي وإجماع واشنطن.[viii] وبعبارات بسيطة، فإن الهدف هو جعل كل ما “تحت الشمس” في متناول القطاع الخاص، وتحويل أي نشاط إلى شيء مربح، وفتح كل الفضاءات والملكيات العامة لمصلحة الشركات الكبرى. وبالنسبة للايديولجيا المهيمنة فقد رُوِّج لهذه الإجراءات على أنّها “فعّالة وعقلانية”!

وقد كان أثر هذه الاصلاحات كبيراً في بنغلادش حيث:

  • فُكِّكت المؤسسات العامة الكبيرة؛ وتم إستبدال المطاحن الكبيرة بمناطق تجهيز صادرات، ومراكز تسوق ضخمة، وعقارات.

  • أصبحت مصانع الملابس الموجهة للتصدير هي عماد التصنيع، والحوادث مثل إنهيار [بناية مصنع نسيج] رانا بلازا (Rana Plaza) في إبريل 2013 بيّنت مدى القسوة والجشع في أفخاخ الموت هذه.[ix]

  • تم إستبدال الوظائف الدائمة في المصانع بنظام العمل المؤقت والعمل الجزئي والاستعانة بمصادر خارجية، ووظائف بلا أمان وظيفي.

  • لقد أصبح المصدر الأكبر للنقد الأجنبي يأتي من خلال الحوالات المالية، جنبا إلى جنب مع تدفق ضخم للمصادر إلى الخارج من خلال أسعار التحويل وتدفق الأرباح إلى الخارج من خلال الشركات الأجنبية. ونقل الثروة المتراكمة من خلال مجموعات الأعمال المحلية، بطرق شرعية وغير شرعية.

  • لقد أصبح عدد العمال العاملين في الخارج الآن أكثر من العمال العاملين في المصانع المحلية، حيث إضطروا إلى العمل في الخارج بسبب قلة فرص العمل المحلية.

  • وهناك ظاهرة جديدة ألا وهي تأنيث الطبقة العاملة (feminization of the working class)، والتي حدثت بسبب إنخفاض القوة الشرائية وإنعدام الأمن الوظيفي، وهذا قد ضغط على العائلات لتعمل لساعات أطول والانضمام إلى القوى العاملة باكثر من فرد من أفراد الأسرة بما فيهم الأطفال.

  • لقد تمت خصخصة مصادر الطاقة الكهربائية بشكل ممنهج.[x] فقد اصبحت الطاقة سلعة مكلفة وبذلك ارتفعت تكاليف القطاع الإنتاجي، بينما أصبحت مصادر الطاقة مهددة بالنسبة للأغلبية. وقد أثّر ذلك سلباً على الفلاحين، واضظر الكثير منهم للانضمام إلى سوق العمل المحلي أو الخارجي.

  • وقد تم إقتلاع الكثير من البشر بسبب عمليات الاستحواذ على الأرض، وإحتلال الفضاء العام من قبل القطاع الخاص، وعمليات إقتلاع الغابات.

  • تم إغلاق فروع البنوك المملوكة للدولة في المناطق الريفية، وضاقت خيارات الوصول إلى تمويل رخيص للقرويين، واضطر الكثير منهم للجوء الى مؤسسات الإقراض الصغير، والتي تتقاضى نسبة فائدة أعلى.

  • وقد أدّى ظهور فاحشي الثراء وأباطرة المافيا وهيمنتهم على صانعي السياسات إلى تسهيل عمل المؤسسات الدولية في ترويج أجنداتها؛ وعلى سبيل المثال، فإن عمليات الخصخصة تعطي فرصا هائلة لهذه الطبقة للاستحواذ على الملكية العامة، فأكبر مختلسي البنوك هي أكبر مجموعة أعمال في الدولة. وصاحب البنك، الذي أتهم باستنزاف المليارات من التاكا (Taka) [عملة بنغلادش] إلى الخارج من خلال التلاعب بالأسهم، ما زال هو المستشار الاقتصادي لرئيس وزراء الدولة.[xi]

تشير إحدى الدراسات غير المنشورة من قبل وزارة المالية إلى أن حجم الاقتصاد السرّي يبلغ من 40 الى 50 بالمئة في حده الادنى، و83 بالمئة كحد أقصى من الناتج المحلي الاجمالي (GDP).[xii] ويشمل هذا الاقتصاد على: الرشاوى، الجريمة، والأذرع المسلحة، وتوظيف المجرمين المحترفين, والفساد، والاستيلاء على المصادر الطبيعية، والاتجار بالنساء، والعمولات من صفقات مشبوهة، والاختلاسات من مشاريع حكومية مختلفة، خصوصا “المشاريع الممولة من الخارج”.

والمثير للسخرية أن الاصلاحات النيوليبرالية قد بدأت في بنغلادش، كما في أي مكان أخر، بإسم مكافحة الفساد، وتعزيز الكفاءة والشفافية، وزيادة الوظائف المحترمة. وتقليل الفقر. ولكن بدل ذلك، فقد زادت هذه الاصلاحات من مدى وشرعية الفساد، والجرائم، والاستيلاء على المصادر، والعمولات من الصفقات الفاسدة، ومن الممارسات العصاباتية. وعملية تراكم رأس المال هذه تشبه في كثير من النواحي بما كتبه ماركس حول تراكم راس المال البدائي في أوروبا. حيث إستولت النخب القديمة والجديدة على المصادر العامة وحوّلتها إلى ملكية خاصة.[xiii] وفي بنعلادش، فان برامج الاصلاح النيوليبرالية ونموذج تراكم رأس المال البدائي يعملان كتوأمين: يساعدان بعضهما، ويعقلنان بعضهما، ويقويان بعضهما البعض.

نيوليبرالية للفقراء: نموذج المؤسّسات غير الحكومية/مؤسّسات التمويل الأصغر

ولفتح المجال لأشكال مختلفة من الخصخصة وتوسع وإنتشار مؤسسات التمويل، فقد شُنّت حملة أيديولوجية تشيطن مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها. حيث تَرَك الانسحاب التدريجي لهذه المسئوليات معظم المواطنين مكشوفين للجوع، والفقر المدقع، وإنعدام الأمن الوظيفي، والمرض.

ركّز البنك الدولي منذ بداية السبعينيات على برامج التخفيف من حدة الفقر. ومن حينها إرتفعت نسبة الفقر واللامساواة، نتيجة “الاثر الإنتشاري” (trickle down) لعملية التحديث مما أدى الى إستياء واسع الإنتشار. ولذلك، أدت هذه الاجواء الملائمة  لبزوغ ونمو المؤسسات غير الحكومية فيما يخص التمويل ودعم السياسات. وقد كانت بنغلادش، الدولة حديثة الاستقلال لكن المنكوبة بالفقر، حقل تجارب مثالي وأرض خصبة للمؤسسات غير الحكومية.

في عام 1974، بدأت مؤسسة براك (BRAC) برنامج الإقراض الأصغر بمنهجية إستهداف المجموعات (للريفيين الفقراء)، وقد أصبحت لاحقا أكبر مؤسسة غير حكومية في البلاد.[xiv] وفي عام 1978 تأسّست مؤسّسة آسا (ASA) وهي مؤسسة تمويل أصغر أخرى. وقد أسّس محمد يونس نواة بنك غرامين كمشروع في عام 1976؛ وقد أصبحت الآن مؤسسة التمويل الأصغر (microfinance organization) الأكثر شهرة في العالم.[xv] وقد أدّى تحّول في السياسات في عام 1983 بالتأثير على وضع البنوك الخاصة مما أدى الى تسهيل إمكانية تأسيس بنك غرامين.[xvi]

وسرعان ما تبين أن نموذج المؤسسات غير الحكومية للتنمية كخيار مقنع للعمل مع الفقراء، وفي نفس الوقت تجنب الحلول الهيكلية للفقر. وقد صار وجود المؤسسات غير الحكومية شرطا لتلقي المساعدات من الدول والمؤسسات المانحة.  ولذلك وفي حضم مرحلة هجوم النيوليبرالية (1980-1995)، صارت المؤسسات غير الحكومية جزء لا يتجزأ من عملية صنع القرار. وقد تم إستخدامها كمصدر وكنظام لتوزيع الخدمات في الدول الطرفية، حيث أصبحت أداة فعّالة من عملية الخصخصة.[xvii] وما لاحظه كل من جيمس بتراس (James Petras) وهنري فلتماير (Henry Veltmeyer) في أميركا اللاتينية بهذا الخصوص ينطبق تماما على بنغلادش أيضا. ” إن تكاثر المؤسسات غير الحكومية لم يؤدّ إلى تقليل البطالة البنيوية أو النزوح الجماعي للفلاحينن أو توفير أجور تمكّن من العيش لجيش العمالة غير الرسمية المتنامي، ما فعلته هذه المؤسسات هو تزويد طبقة صغيرة جداً من المهنيين بدخل بالعملات الصعبة الذي يمكنهم من الهرب من التلف الذي سببته السياسات الاقتصادية النيوليبرالية على بلدهم وشعبهم والتسلق داخل البنية الطبقة للنظام الاجتماعي القائم.[xviii]

في البداية بدأت المؤسسات غير الحكومية بإلتزام واضح  للتصدي الى المشكلات الاجتماعية كاللامساواة، ونقص الرعاية الصحية، ودعم الفقراء في مواجهة الاستغلال والحرمان وبنية القوى المهيمنة.[xix] على كل حال، فقد تراجع معظمهم عن وعودهم الأولية وقاموا بالتركيز على عمليات الأقراض الأصغر. وحدث هذا بسبب الاجراءات الملزمة للحكومة على المؤسسات غير الحكومية، وخطورة العداوة مع بعض الفاعلين الاقوياء، وشروط المانحين.

منذ بداية التسعينيات، صار قطاع المؤسسات غير الحكومية مستقطبا جداً، فقد أصبح عدد قليل منها مسيطراً على مصادر القطاع كله، ومعظم قواه العاملة، والدعم الدولي وشبكة الممولين، بينما تموضعت معظم المؤسسات الأخرى في حالة متعاقدين مع تلك المؤسسات القليلة.[xx] وقد راكمت هذه المؤسسات القليلة الضخمة كميات ضخمة من رأس المال من خلال نشاطات التمويل الأصغر، وتدريجيا فتحت هذه المؤسسات أعمالا خاصة، من ضمنها مشاريع مشتركة مع شركات متعددة الجنسية. ويتضح مدى قوتهم من خلال بناياتهم متعددة الطوابق، وثقافة الشركات الكبيرة لديهم وتأثيرهم في الاعلام والسياسات الحكومية.

وقد أحدث هذا الإستقطاب تحولاً مهما في بعض المؤسّسات غير الحكومية، فيما أود تسميته بـ”خصخصة المؤسسات غير الحكومية”، وقد أصبح بنك غرامين و براك (BRAC) من اللاعبين العالميين، والدخول في مشاريع مشتركة مع شركات متعددة الجنسية مثل البنك الدولي، وتحويل بعض المجموعات الى شركات مساهمة بشكل رسمي أو غير رسمي. وهناك ظاهرة جديدة هي تأسيس “الشركات غير الربحية”، ليس فقط في قطاع المؤسسات غير الحكومية، ولكن في عالم الشركات أيضا. والذي نتج عنه شكل جديد من الملكية الخاصة الإحتكارية/إحتكار القلة لنواح تجارية معينة.

القروض الصغرى: تحويل المؤسّسات غير الحكومية إلى مؤسّسات تمويل

إنّ إنتشار وتوسّع مؤسّسات وأسواق  التمويل في الرأسمالية العالمية، وجوعها لأسواق جديدة نتيجة عدم التطابق بين عرض البضائع والقدرة الشرائية للأغلبية في العالم، أدى إلى خلق فضاء مفتوح لمؤسسات التمويل والإقراض الأصغر، كسوق مالي للفقراء. لذلك يجب أن لا ننظر إلى مؤسّسات التمويل الأصغر كمجرد ” مبالغ صغيرة من المال يتم التعامل بها من خلال حركات مالية بسيطة” ولكن كـ”جزء من نظام تمويل يمكن تمييزه عن أنظمة تمويل أخرى. فالتمول الأصغر يختلف عن إقراض المال أو  وساطة الرهن؛ فهو متطور أكثر من ناحية مالية، فهو يتضمن ماكنات وحاسبات، ويستخدم نفس اللغة والمنطق للنظام المالي العام لكن لإقراض الناس الفقراء.”[xxi]

منذ بداية الثمانينيات، إنتشرت مؤسسات الإقراض الأصغر\برامج التمويل بشكل سريع في بنغلادش.[xxii] وتلك نفس الفترة التي تدفق فيها عدد لانهائي من العمّال العاطلين عن العمل إلى سوق العمل بسبب إغلاق أو خصخصة المنشآت الصناعية واقتلاع مزارع الفلاحين. ونشأ العديد من البرامج التي تستهدف الفقراء كـ”شبكة الأمان” لإنقاذ ضحايا برامج التصحيح الهيكلي. وقد توسع القطاع غير الرسمي، بسبب كونه الخيار الوحيد المتبقي للمقتلَعين، والعاطلين عن العمل، وغير المحميين. وقد إستولت مؤسسات الإقراض الأصغر على هذا السوق.

لم يعترف البنك الدولي في البداية بأهلية مؤسسات التمويل الأصغر لتتلقى دعمه، لأنها كانت مدعومة [من الحكومة] و”قليلة الخيرة.” ولكن سرعان ما أدرك البنك الدولي هذه الموجة الجديدة “حيث كانت مؤسسات التمويل الأصغر متناغمة تماما في الواقع مع التفويض العام للبنك الدولي لمخاطبة الفقراء وفي نفس الوقت فرصة لإقحام السياسات النيوليبرالية من خلالها. وبناء عليه، فقد تحول البنك الدولي بشراسة إلى عالم التمويل الأصغر في بداية التسعينيات، وتحديدا من خلال ذراع البنك، مؤسسة التمويل العالمية (IFC). وفي الواقع، فإن البنك الدولي سرعان ما “أخذ القيادة في دفع الموجة الجديدة لنموذج التمويل الأصغر”.[xxiii] وفي عام 1995، أنشأ البنك الدولي المجموعة الإستشارية لمساعدة الدول الأكثر فقراً (CGAP)، وفي عام 1997 عُقدت القمة الأولى للإقراض الأصغر في واشنطن. وقد صار عالم التمويل الأصغر ذراعا قويا من مجموعة أدوات إنتشار وتوسع مؤسسات وأسواق التمويل وعولمتها.

والتمويل الأصغر اليوم عبارة عن صناعة حجمها المالي 90 مليار دولار، بأكثر من 200 مليون مقترض. وفي أحد التقديرات، ” فقد تم تسديد ما مقداره 19.583 مليار من قبل المقترضين ” لهذه الصناعة في 2010.[xxiv] إن جلب هذا العدد الضخم من فقراء العالم إلى شبكة التمويل قد ساهم في “تحويل القيمة إلى قيمة معولمة”  والذي جعل قوة عملهم تحت طائلة الرأسمال العالمي.[xxv]

بالرغم من قرع الطبول المهللة لنجاح مؤسسات الإقراض الأصغر والمؤسّسات غير الحكومية، فقد كشفت الكثير من الدراسات المحلية عن محدودية مؤسسات التمويل الأصغر كأداة للحد من الفقر. وفي إحدى الدراسات “من عينة مقدارها 1489 عائلة من 15 قرية، فقد وجد أنّ من 5 الى 9 بالمئة من المقترضين فقط لجؤوا الى مؤسسات الإقراض الأصغر لأغراض تحسين أوضاعهم الاقتصادية، وكثير من هؤلاء لديه مصادر أخرى للدخل كذلك.”[xxvi]

وفي دراسة أخرى قام  بها ق. ك. أحمد وآخرون تبين أن 1189 من أصل 2501 مستجيب لم يتمكنوا من تسديد الدفعات المستحقة لقروضهم في وقت السداد. ووجد أحمد أن 72.3 بالمئة منهم اضطروا للاقتراض من مقرضين آخرين بنسب فائدة عالية، بينما أضطر 10 بالمئة لبيع بعض ممتلكاتهم، كالاغنام، لتسديد القرض.[xxvii]

وبالنسبة لبنغلادش، فإن عدد المقترضين وكمية القروض أخذت في الإنحدار من بداية عام 2009. وفي دراسة لتقدير الفقر قام بها البنك الدولي بينت أنه ، غي الأعوام من 2003 إلى 2008، فإن معدل النمو السنوي للأعضاء الفاعلين كان يتراوح بين 12.50 و 17.85 بالمئة. وهذا لم يكن ليستمر إلى الأبد،. وبشكل ملحوظ، فمنذ بداية 2009 تراجعت العضوية في هذا التقرير من 0.55 بالمئة في 2009 الى 3.04 بالمئة في 2010.[xxviii]

ومع ذلك، فإن بنك غرامين ومؤسّسات تمويل أصغر أخرى لديهم قصص نجاح باهرة. ولكن هذا النجاح ليس يخصّ التخفيف من حدة الفقر، ولكنه توسع في الشركة وتأسيس شكل جديد من الصناعة المالية. على سبيل المثال، فشركة غرامين للهاتف هي الآن أكبر شركة للهاتف المحمول في بنغلادش، بحصة تصل لأكثر من 62 بالمئة مملوكة لشركة تيلينور (Telenor)، وهي شركة نرويجية. وشركة غرامين تيليكوم (Grameen Telecom) (وهي شركة أخرى تربطها صلة وثيقة ببنك غرامين) تملك بقية الأسهم.[xxix] وفي البداية، فقد بدأت شركة غرامين فون عملياتها من خلال شبكة غرامين للقروض الصغرى؛ وتم تزويد القروض من خلال بنك غرامين للحصول على زبائن لسوق شركة غرامين فون.

وشركة غرامين دانون وغرامين فيولليا المحدودة للمياه هي أمثلة أخرى حيث تم تأسيسها كمبادرات شراكة مع شركات عالمية وأصبحت ذات إنتشار من خلال إستغلال إسم الفقراء، وهي ليست مملوكة من أعضاء غرامين. فشركة غرامين فيوليا المحدودة للمياه هي عبارة عن مبادرة مكرّسة لتعمل كإستراتيجية طويلة المدى لخصخصة المياه. ونحن نعرف أن هذا القطاع الخاص المغَرمَن (نسبة إلى غرامين) لم يجلب شيئا مختلفا.  فنحن ببساطة نواجه لغة خطابية جديدة تخفي خلفها توسع الشركات الكبرى بارتدائها حجاب دعم الفقراء.[xxx]

الحد من الفقر و الترويج لصورة جديدة عن  بنغلادش

تقدم بنغلادش بعض الأرقام التي تبدو جيدة/جميلة للعالم. فالجميع من الحكومة، والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وبنك التنمية الآسيوي، ومجلة الاكونوميست، إلى الإعلام المحلي والمستشارين،  يطبخون هذه الارقام ليبينوا أن برادايم التنمية المحلي ينتج نتائج إيجابية وأن نموذج المزاوجة بين الخصخصة والمؤسسات غير الحكومية يقوم بأداء جيد.[xxxi] نعم، فالبلد لديها 6 في المئة نسبة نمو في الناتج الاجمالي المحلي السنوي لأكثر من عقد من الزمن،  ومعدل الدخل الفردي تجاوز 1000 دولار في 2013، وهناك نمو ملحوظ في حجم الصادرات، وأرباح من الحوالات المالية من الخارج، وهناك توسع كبير في شبكات الطرق والاتصالات. لكن هذه الارقام الجيدة “الدرامية”  في متغيرات الاقتصاد الكلي ( macroeconomic) لا يمكنها أن تغير الصور القاتمة لحياة الناس والبيئة، وفي الحقيقة، فقد وجدنا تدهورا في حياة كثير من الناس عبر المجتمع.

هناك الكثير من الدهاء والمكر في خطاب مكافحة الفقر. فلقد أصبحت أرقام “الحدّ” من الفقر مسألة قابلة للتصديق بشكل كبير، بالاعتماد على فرضية “لا بد أن  شيئا ما قد حدث”. فمسوح 2010 للدخل الاسري والإستهلاك، والتي جمعت بيانات أعوام 2005 و 2010  لمراجعة تقديرات 2010، بينت أن حصّة النّاس الذين يعيشون تحت الخط الأعلى للفقر قد إنخفض من 40 في المئة عام 2005 الى 31.5 بالمئة عام 2010.[xxxii] ومع ذلك، فالمنهجية، وجودة البيانات، ونقص الإتساق قد أثارت العديد من التساؤلات بين الباحثين المستقلين.[xxxiii]

لقد إعترف البنك الدولي بأن نسبة النّاس الواقعين تحت خط الفقر إرتفعت بشكل كبير فقط عند تطبيق إختلافات صغيرة في المقياس. وحسب التقرير الأخير للبنك الدولي حول بنغلادش، وإذا أخذنا خط الفقر لدخل الفرد، فإن الدخل اليومي هو 1.09 دولار، فإن نسبة الواقعين تحت خط الفقر تصبح 31.5 بالمئة، ولكن إذا زدناه إلى 1.25 دولار لليوم، فإن النسبة ترتفع الى 43.3 بالمئة، وإذا حسبناها على 2 دولار لليوم، فإن النسبة ترتفع إلى 75.8 بالئة.[xxxiv] على الرغم من أن البنك الدولي يعترف بحدود قياساته لخط الفقر، فإنه ما زال مستمراً في إستخلاص نتائج بناءً على هذه القياسات.[xxxv]

كشفت دراسة حديثة أنه إذا تم حساب مستوى خط الفقر بتكاليف الحاجات الأساسية، مع إرتباطها بالأسعار الحالية، فإن نسبة الفقر تختلف بشكل كبير عن بيانات الحكومة.[xxxvi] ويبيّن أحد المسوح الحديثة بأن 57 بالمئة من الأُسر في المناطق الريفية في بنغلادش لا يملكون أرضاً، وبالمجمل فإن 82 بالمئة من السكان الريفيين يمكن تسميتهم ـبـ”فقراء الموارد”.[xxxvii] فهذه هي الحقيقة على أرض الواقع حتى بعد عقود من تدخلات المؤسسات غير الحكومية ومؤسسات القروض الصغرى “المساندة للفقراء”.

وتظهر الحقائق الأكثر دهشة في وثيقة حكومية حديثة، بأن بنغلادش لديها أعلى نسبة ممن يعيشون تحت خط الفقر في جنوب آسايا كلها. وحسب تقديراتهم، فبينما يعيش 31.5 بالمئة تحت خط الفقر الرسمي، فإن المعدلات في الدول المجاورة هي 29.8 في الهند، و 25.2 في النيبال، و 23.2 في بوتان، و 22.3 في باكستان، و8.9 في سيري لانكا.[xxxviii] ولا يوجد هناك أي تفسير متوفر لماذا تقع بلد المؤسسات غير الحكومية ومؤسسات الاقراض الأصغر خلف تلك الدول بكثير!

كل هذه البيانات تشير إلى شيء واحد: لقد زاد الناتج المحلي الاجمالي والدخل الفردي دون أي تحسّن يذكر على حياة الفقراء والمحرومين في بنغلادش. بل إنه حتى ربما تم المزيد من إفساد ظروف حياة الكثيرين.  فالفلاحين في الزراعة، والعمال في مصانع النسيج، والعمالة المهاجرة هم الذين يبذلون دمهم وعرقهم من أجل الحفاظ على أرقام النمو هذه مرتفعة. وبسبب الخصخصة فإن تكاليف التعليم والرعاية الصحية أصبحت أكثر كلفة، ولذكل فقد تناقصت إمكانية الوصول إلى كليهما بالنسبة للأغلبية، بالرغم من النمو في هذه الخدمات التابعة للقطاع الخاص. وكثير من المشاريع التنموية التي رفعت الدخل القومي كانت على حساب اقتلاع أرزاق الناس وتدمير أنظمة الأنهار والبيئة الفريدة في بنغلادجش. لذلك فإن برادايم التنمية في بنغلادش هو بكل وضوح مسار نيوليبرالي للنمو “مغلّف بشكل جذاب” بمؤسسات غير حكومية ومؤسسات إقراض أصغر تدعي أنها “صديقة للفقراء”.

خلاصة

لقد صار الاقتصاد الريفي البنغالي الآن خاضع لسياسات السوق أكثر بكثير من السابق. وأصبحت علاقات السوق هي المسيطرة. ومع عوامل داخلية وخارجية أخرى، فإن التحويلات المالية هي المسبب الرئيسي خلف هذا كله، بينما يشكل إنتاج النسيج (الموجّه للخارج) سببا آخر. وقد لعبت مؤسسات الإقراض الأصغر دوراً في زيادة وفي توجيه الاقتصاد الريفي نحو اقتصاد السوق. فقد كان نمو التجارة الصغيرة والمقرضين الصغار نتيجة للتحويلات المالية ومؤسسات الإقراض الأصغر معاً. وقد كان سبب إزدياد حرية حركة المرأة، المهلّل له، بسبب صناعة النسيج أكثر منه إلى مؤسسات الإقراض الأصغر. وإنّ تطوير البنية التحتية وتوسيع شبكة الكهرباء قد فتحت الفرص أمام العديد من المهن، والأعمال، والهجرة قصيرة الأمد. لذلك فقد إستنتجت العديد من الدراسات، آخذة كل هذه العوامل بعين الإعتبار، بأنّ ظروف الفقراء الريفيين لم تختلف كثيراً بين من إقترضوا من مؤسسات الإقراض وبين من لم يقترضوا.[xxxix]

وتكشف العديد من الدراسات، أيضا، بأن مؤسسات التمويل\الإقراض الأصغر لم تستطع التحسين من ظروف الفقراء الذين ليس لهم مصادر دخل أخرى. بل على العكس، حيث يبين تقرير حديث كيف إزداد ضعفهم بعد أن وقعوا في مصيدة حلقة الديون اللانهائية. وفي المحاولة للإفلات من هذه الدائرة، فحتى، في بعض الحالات، تم إجبار المقترضين على بيع أعضائهم، حيث المعاناة التي يمكن منعها اذا لم يكن الموت المبكر.[xl] فالنمو العالي للهجرة من الريف إلى المدينة والتدفق الدائم للنسساء والرجال ليملؤوا شوارع وعشوائيات دكا (slums of Dhaka ) للبحث عن عمل، وقدرهم المحتوم في مصانع مصائد الموت والأعمال غير الرسمية، بالاضافة إلى الهجرة الى البلاد الأجنبية، تبين مدى فشل نموذج المؤسسات غير الحكومية\مؤسسات التمويل الأصغر.

جوهريا، فإن نموذج المؤسسات غير الحكومية والتمويل الأصغر يتماشى جيداً مع الايديولوجية النيوليبرالية وبرادايم التنمية السائد والذي ينتج ويعيد إنتاج الفقر للكثيرين ويزيد من ثراء القلة، ويدمر الطبيعة وحياة الناس، من أجل تعظيم أرباح الشركات الكبيرة. وفي الوقت ذاته، وعلى أي حال، فالبلاغة الخطابية حول “مساعدة الفقراء” و “البدائل للناس” تخلق وهما حول المؤسسات غير الحكومية ومؤسّسات التمويل الأصغر. وبينما يقوم هذا الوهم بخدمة الرأسمال العالمي، فإنه يضعف السياسات والرؤية لبدائل حقيقية لسيادة الناس وإنعتاقهم.

 

 


Notes

  1. Paul M. Sweezy, “More (or Less) on Globalization,” Monthly Review 49, no. 4, September 1997, 1–4.
  2. A new study by the Tax Justice Network estimates that “there is as much as 32 trillion dollars, which is over twice the entire US national debt, hidden away offshore not paying taxes.” See Mark Blyth, Austerity: The History of a Dangerous Idea (New York: Oxford University Press, 2013).
  3. David Harvey, The Enigma of Capital and Crises of Capitalism (Profile Books, 2011), First South Asian Edition, 265.
  4. Samir Amin, The Law of Worldwide Value (New York: Monthly Review Press, 2010).
  5. Steve Keen, Debunking Economics (New York: Zed Books, 2011), 395.
  6. Harvey, The Enigma of Capital and Crises of Capitalism, 21.
  7. Ibid, 15.
  8. William Easterly, “What Did Structural Adjustment Adjust? The Association of Policies and Growth with Repeated IMF and World Bank Adjustment Loans,” Journal of Development Economics 76 (2005): 1–22.
  9. For discussion on the worst factory collapse that killed at least 1,134, see my recent article “Bangladesh RMG: Global Chain of Profit and Deprivation,” May 17, 2013, http://opinion.bdnews24.com. For analysis of the whole industry “Wealth and Deprivation: Readymade Garments in Bangladesh,” Economic and Political Weekly, August 20, 2011, 23-27, http://epw.in.
  10. For details, Anu Muhammad, “Natural Resources and Energy Security, Challenging the ‘Resource-Curse’ Model in Bangladesh,” Economic & Political Weekly, January 25, 2014. 59-67, http://epw.in.
  11. Prothom Alo, the largest circulated daily in Bangladesh, has published number of reports on the Beximco group on its loan default. Recently the daily reports about the group’s more than USD 670 million unpaid loans mostly from state owned banks and the special privilege given to it. Monjur Ahmed, “Beximco grouper jonyo bishesh subidha” (Special Privilege for Beximco Group), Prothom Alo, December 15, 2014.
  12. The Finance Minister stated this in the post budget press conference on June 8, 2012, FE Report, “It’s a People’s Budget,” Financial Express 20, no. 260, June 9, 2012, http://thefinancialexpress-bd.com.
  13. And which, as Harvey argues, continues as “accumulation by dispossession.” See Harvey, The Enigma of Capital and Crises of Capitalism, 40–57.
  14. BRAC was known formerly as the “Bangladesh Rehabilitation Assistance Committee” and then as the “Bangladesh Rural Advancement Committee”; currently, it is not an acronym. See http://brac.net.
  15. The Association for Social Advancement (ASA) was established in 1978. For more information see http://asa.org.bd.
  16. For details see http://grameen.com.
  17. This process was earlier discussed by S.R. Osmany, “Limits to the Alleviation of Poverty Through Non-farm Credit,” Bangladesh Development Studies XVII (1989): 1-19. And also by David J. Lewis: “Catalyst for Change? NGOs, Agricultural Technology and the State in Bangladesh,” Journal of Social Studies, no. 65 (1994): 1–35.
  18. James Petras and Henry Veltmeyer, Globalization Unmasked: Imperialism in 21st Century (New York: Zed Books, 2001), 129.
  19. I began studying the NGOs from their emergence. After field-level investigations, I wrote about their limitations in 1980 and later in 1982 under the title “Samrajyabadi songstha, NGO, O Krishok Mukti” (“Imperialist organizations, NGO and Peasant Emancipation”) an article in Anu Muhammad, Biswa Pujibad O Bangladesher Anunnayan (Dhaka: Karim Prakashani, 1983) before publishing a book on development crisis and the NGO model, Bangladesher Unnyan Songkot ebong NGO Model (Dhaka: Prochinta, 1988). By the time the second edition of this book was published in 2000, the polarization of the NGOs and their integration with the ruling structure was even more evident.
  20. If we consider command over microcredit only, we find that “The three largest MFIs—Grameen Bank, BRAC and ASA—account for 62 percent of all borrower accounts and 69 percent of outstanding portfolio. The top 15 serve 82 percent of all accounts and provide 82 percent of all outstanding portfolios.” In Abdul Bayes, ed., Bangladesh at 40 Changes and Challenges (Dhaka: AHDPH, 2012), 284.
  21. Philip Mader, The Political Economy of Microfinance: Financialising Poverty (London: Palgrave, 2014), 137.
  22. As the government document shows, “In Bangladesh, there are four main types of institutions involved in microfinance activities. These are: Grameen Bank, more than thousand non-government organizations, out of which about 500 are licensed MFIs, commercial and specialized banks, and Government sponsored microfinance programs.” Microcredit Regulatory Authority, “Microfinance Regulations in Bangladesh: Development & Experiences,” position paper presented in the International Conference on Microfinance, Dhaka, March 15–17, 2010.
  23. Milford Bateman, Why Doesn’t Microfinance Work? The Destructive Rise of Local Neoliberalism (London: Zed Books, 2010), 16.
  24. Philip Mader, The Political Economy of Microfinance, 140.
  25. Amin, The Law of Worldwide Value, 84.
  26. Anu Muhammad, “Grameen and Microcredit: A Tale of Corporate Success,” Economic and Political Weekly, August 29, 2009, 35-42, http://epw.in.
  27. K. Ahmed, ed., Some Findings on Micro Credit at Micro Level: Socio-economic and Indebtedness Related Impact of Microcredit in Bangladesh (Dhaka: University Press Limited, 2007).
  28. World Bank, Bangladesh Poverty Assessment, Bangladesh Development Series, June 2013, 128. http://documents.worldbank.org.
  29. Quoting different sources, Philip Mader noted that “Telenor had also made a major donation of 14 million Norwegian Crowns to the Nobel Peace Centre two years before. The man who nominated Yunus for the Prize worked for Telenor as a consultant.” Philip Mader, Financialising Poverty, The Transnational Political Economy of Microfinance’s Rise and Crises, unpublished PhD dissertation, Max Planck Institute for the Study of Societies, Cologne, 2012, 49.
  30. This term has been used by Grameen Bank founder Muhammad Yunus on many occasions; recently very often in connection with his latest mission of “social business.” See Muhammad Yunus, Building Social Business: The New Kind of Capitalism that Serves Humanity’s Most Pressing Needs (New York: Public Affairs, 2010). Also for his ideas and experience with Grameen loan, see Muhammad Yunus, Banker to the Poor (New York: Public Affairs, 1999).
  31. The Economist, in particular, gives credit to BRAC through and NGO model in general for “poverty reduction”! See “Bangladesh Development: The Path the Fields,” Economist, November 3, 2012. http:// economist.com.
  32. Ministry of Finance, Government of Bangladesh, Bangladeshe Daridro o Oshomota (Government Poverty Report in Bangla), June 2013, 5.
  33. See for excellent analysis on problems of official poverty lines for India, similar to Bangladesh, Utsa Patnaik, “Poverty Trends in India 2004–5 to 2009–10,” Economic and Political Weekly, October 5, 2013, 43–58.
  34. The World Bank, Bangladesh Development Series, Vol II, Bangladesh: Towards Accelerated, Inclusive and Sustainable Growth—Opportunities and Challenges, June 2012, http://documents.worldbank.org.
  35. “The $1 and $2 a day poverty estimates described here are useful only as indicators of global progress, not to assess progress at the country level or to guide country policy and to program formulation.” World Bank, World Development Report 2000/2001: Attacking Poverty, 17, https://openknowledge.worldbank.org.
  36. For details see Saiful Malek Ansary, Poverty and Self Employment, A Study on 20 Villages, PhD dissertation, Jahangirnagar University, 2014.
  37. IFPRI-USAID, Bangladesh Integrated Household Survey 2011-2012, Dhaka, April, 2013, http://usaid.gov.
  38. Ministry of Finance, Government of Bangladesh, Bangladeshe Daridro o Oshomota (Government Poverty Report in Bangla), June 2013, 39–41.
  39. Anu Muhammad, “Grameen and Microcredit: A Tale of Corporate Success,” Economic and Political Weekly, August 29, 2009, 35-42, http://epw.in; also, World Bank, Bangladesh Poverty Assessment, Bangladesh Development Series, June 2013, http://documents.worldbank.org.
  40. The Bangladesh Poor Selling Organs to Pay Debts,” BBC News, October 27, 2013, http://bbc.co.uk.

[1] النص الاصلي بالانجليزية: Anu Muhammad,” Bangladesh—A Model of Neoliberalism: The Case of Microfinance and NGOs,” Monthly Review, Vol 66 (2015).

[2] استاذ الاقتصاد في جامعة (Jahangirnagar).

[3] مترجم من  فلسطين.

 

 

error: المحتوى محمي