البدايات الاستثنائية: انتقاد حنة أرنت لكارل شميت – أندريس كاليفاس / ترجمة: هاجر العبيد

البدايات الاستثنائية: انتقاد حنة أرنت لكارل شميت – أندريس كاليفاس / ترجمة: هاجر العبيد

download

د. أندريس كاليفاس، محاضر في قسم العلوم السياسية


السيدة أرنت و التى كانت منزعجة بشكل واضح من مساندة المفكر السياسي كارل شميت للنظام النازي بعد وصوله إلى سدّة الحكم في عام 1933م، لم تقم بمناقشة أعماله بشكل مباشر. لهذا السبب سوف أبدأ بنقاش تمهيدى مقارن لكل من أرنت و شميت ساعياً لتأسيس مبادئ لحوار لم يحدث على أرض الواقع. يبدو جلياً انتقاد السيدة أرنت للسلطة العليا, مساندتها بشكل خاص للسلطة التأسيسة و نظريتها عن البدايات العفوية إذا ما تم مقارنته بخلفية نظرية كارل شميت السياسية و الدستورية. على سبيل المثال فإن القضية المعقدة الخاصة بالبدايات الاستثنائية و التى كانت أحد الشواغل الرئيسية للسيدة أرنت قد تزامنت بشكل قريب جداً من كتابات شميت الدستورية.كل من السيدة أرنت و السيد شميت قد ركزا على العلاقة بين الفواصل الجذرية, التغيرات الثورية و التحولات الدستورية كما وقع كلاهما أسيرا ًبنفس القدر للسياسات المرتبطة بالمؤسسات الدستورية و الممارسات السياسية1.

على الرغم من أن السيدة أرنت لم تبد آرائها صراحة بخصوص نظريات السيد شميت السياسية, لكن مازال يمكن للمرء أن يتحصّل على بعض التصريحات القليلة المتناثرة عن شميت و التي تعكس أكثر من مجرد اهتمام عرضي من جانب السيدة أرنت ففى أحد التصريحات أبدت أرنت تقدير يحمل قدر من التردد لنظرياته المبتكرة جداً و التى لا تزال تأسر القراء2 بينما فى مناسبات أخرى أشارت لشميت على اعتباره أنه أستاذ القانون الدستوري و الدولى الشهير و أيضاً باعتباره عالم بارز و محكم متميز3 .

على الرغم من ذلك فإنه من غير المعروف ما الذى اعتبرته أرنت “مبتكرا” بخصوص نظريات شميت أو ما هي الصفات في أعماله و التى جعلته مؤهلاً ليكون مشهوراً و بارزاً من وجهة نظر السيدة أرنت. أبرز ما تميّزت به تعليقاتها التلغرافية هى إضفاء طابع الأهمية للبعدين القانوني و الدستوري فى كتاباته4 . فحتى اليوم، ثمة منهجين فى القراءات العامة للعلاقة بين أرنت وشميت. يُركز الأول على أوجه الشبه الكامنة بين المفكرين، و الذي يمكن أن يعزى إلى الوجودية السياسية المشتركة، وأيضاً افتتان مشترك بالحكم الذاتي والنقاء السياسي، والاهتمام المتناظر أيضا بالقرار الغير مبني على أساس (شميت) و العمل الغير مبني على أساس(أرنت)5 . وقد عارض العديد من المتعاطفين مع أرنت هذا التفسير في محاولتهم إثبات أن فكرها ليس متعارضاً فقط مع عمل شميت ولكن أيضا معادياً بل و شديد المعارضة 6.

سوف أنأى بنفسي مسافة عن كلا القرائتين بدلاً من التركيز على شميت و أرنت والوجوديّة السياسيّة المزعومة، وأنتقل ببؤرة الاهتمام إلى كتاباتهم عن الأسس الغير عادية أو الاستثنائية. وبالمثل، بدلاً من مشاهدتها كخصم صريح لشميت، أنظر لها على أنها محاولة لإعادة التفكير في المسألة المحورية حول كيفية احتواء والحد من المخاطر، التعسف، والتجاوزات المتأصلة في السياسات الاستثنائية الخاصة بتأسيس العلمانية. ويبدو أن نهجها ليس متطابق ولا متعارض مع شميت. و لكن يمكن وصف مجهودها بشكل أفضل بأنه تفكيك لتناقضات شميت الداخلية، و إشارة إلى المعضلات و المسائل المحيرة التى واجهها، وأيضاً تقاسم بعض الشواغل والتوجهات القابلة للمقارنة7.

في الواقع، واجه كل من المفكرين مجموعة مماثلة من الأسئلة و المواضيع ذات الصّلة، وعلى الرغم من التماثل في إجابات كل منهم، إلا انهما أيضا تشاركا الاهتمام بتوضيح العلاقة المثيرة للقلق، وأحياناً الغامضة بين السلطة التأسيسية و الحالات الاستثنائية للسياسات الراديكالية أو الأصولية والتجديد السياسي والدستوري.

أرنت، مثل شميت، شرعت في إعادة تعريف فكرة وممارسات الثورات من خلال التأكيد على الميول الانتقائية لفكرة زوال السلطة التقليدية و المتسامية، علمانيّة السياسة الحديثة، وظهور فكرة اعتبار الشعب الفاعل السياسي الشرعي الوحيد، اختراع الدستورية، واضمحلال السياسات. على الرغم من ذلك و على عكس شميت ،كانت في حالة تنبه للمخاطر والتجاوزات المرتبطة بالسياسة الشعبية من البدايات المطلقة التي لا أساس لها، والتي تعزى إلى حد كبير إلى ما كان ركيزة نظرية روسو (و شميت) السياسية: الإرث اللاهوتى للإرادة السيادية. علاوةً على ذلك، فإن تحقيقات أرندت التاريخية، التي كانت تهدف إلى استعادة “الكنز المفقود” في الماضي الثوري، وكان الدافع وراء ذلك في الغالب هو جهودها لوضع نظرية منهجية للحرية بدلا من استكشاف الأصول المشروعة للسيطرة السياسية. ولهذا السبب، أعتقد أنها تمكنت من التعرف على الفوائد أيضا مثل التهديدات التي تفرضها المشاريع الثورية على الحرية. على الرغم من أنها تصارعت بشكل متقطع مع مسألة الشرعية، الا انها كانت مترددة في مواجهتها مباشرة، نظرا لارتباطها بالدولة القومية، والسيطرة، والعنف، والفجوة التي لا يمكن تجاوزها و التي تفترضها بين الحكام والمحكومين8. وبدلا ًمن ذلك، حولت مسائل الشرعية إلى مناقشاتها للسلطة، ومشكلة التبرير المناظرة، والحاجة المتكررة للمطلقات.

ملاحظات أرنت الحادة للتجربة الثورية الحديثة تفضح، “بشكل أفضل من فيبر و شميت”، المفارقات والحيرة من جميع التمزقات التأسيسية التي غالباً مّا تأخذ شكل ما وصفته بـ “حلقة مفرغة” بين السلطة التأسيسية و السلطات المتشكلة، الخالق والخلق، الغير عادي والعادي . إذا لم يتم حلها، فإن هذه الدائرة قد تؤدي بالضرورة الى مشكلة مثيرة للقلق على جانب من التراجع اللانهائي. ويمكن تجنب هذه الحلقة المفرغة ولكن بتكلفة باهظة و التى تتمثل في العودة المحبطة إلى موقف المؤسسين وإلى نشأة الأسباب غير السياسيّة في نهاية المطاف. وهذا الحل، الذي تتنبأ به أرنت، يمثل إنكاراً قاطعاً للتداعيات الجذرية للسياسة الاستثنائية والحرية المرتبطة بها. وأضافت أن مناشدة المبادئ الخارجية ستفرض حدوداً كبيرة على حرية المجتمع السياسي في تحديد أسلوبه الخاص بالتنظيم السياسي، وتأكيد وتشكيل مستقبله الدستوري9.

 

ببساطة، و من ناحية , ترتبط السياسة الاستثنائية ارتباطاً وثيقاً بالحرية بمقدار كون عملية إنشاء نظام دستوري جديد هي عملية مرادفة للقوة الناشئة عن إيجاد “مساحة عامة من صنع الإنسان” أو ” واقع دنيوي، وهو شيء يخلقه الإنسان ليتمتع به الإنسان وليس هبة أو قدرة “10. ومن ناحية أخرى، تواجه السياسة الاستثنائية مشكلة السلطة والاعتراف بأن النظام الجديد لا يمكن أن يعتمد فقط على التعسف بخصوص الأرقام الواقعية والإحجام المطلق للمؤسسين، وبالتالي، فان مصدر السلطة المطلق خارج السياسة، بل و خارج الشعب نفسه، عادة ما يستدعي التبرير لدور المؤسسة المجتمعية 11. ويعكس هذا التوتر صراع أعمق بين الحرية والسلطة، والطوارئ والحتمية، ويكشف عن مفارقة أن الحرية الغير مشروطة أو كامل الحرية يهدّد ويقوّض الحرية نفسها. كما تصيغها أرنت كالتالي: “لا يمكن أن يسمى الفعل حرا إلا إذا لم يتأثر أو يسببه أي شيء يسبقه، ومع ذلك، فإنه يتحول فورا إلى سبب من الأسباب التالية، و يتطلب الفعل تبريراً، و إذا كان ينبغي أن يكون التبرير ناجحا ً,يجب أن يظهر أن الفعل هو بمثابة استمرار لسلسلة سابقة، أي التراجع عن خبرة الحرية والحداثة ذاتها ” 12 ومن مزايا أرنت أنها قد جلبت إلى السّطح العلاقة الغامضة بين الشعب ودستوره، المكون و ما تمّ تكوينه، والتعميم المُدمج في المشاريع التأسيسية العلمانية، ما وصفه كاريه دي مالبرغ في عام 1922 بأنه “حلقة مفرغة”. 13

سعت أرنت لاستكشاف حل لأكثر المشاكل الصعبة في النظرية الدستورية: البعد التعسّفي غير المأذون به فى صنع الدستور خارج نطاق القانون. إن العملية الجمهورية في صنع الدستور تفترض مسبقاً أن للمواطنين السلطة الشرعية للتصديق على دستور جديد. ولكن لأنهم يعملون خارج المؤسسة الشرعية ، فهم يفتقرون إلى هذه السلطة، التي لا يمكن أن تمنح لهم إلا بأثر رجعي من خلال دستور جديد يعترف بهم كسلطة عليا شرعية لجمهورية علمانية.

ولكن في هذه الحالة، فإن تأسيس دستور جديد أمر تعسفي لعدم منح أي تفويض للثوار لصياغة قانون أعلى جديد: أما الذين يتجمعون لتشكيل حكومة جديدة فهم أنفسهم غير دستوريين، أي أنهم ليس لديهم سلطة للقيام بما حددوه لتحقيقه. والدائرة المفرغة في التشريع ليست موجودة في القوانين العادية، ولكن في وضع القانون الأساسي، وقانون الأرض أو الدستور، والذي من آنذاك، من المفترض أن يمثل “القانون الأعلى” الذي تستمد منه جميع القوانين سلطتها في نهاية المطاف.14

كيف يمكن تبرير القوانين العليا إذا كانت المبادئ القانونية والمؤسسية للصلاحية اللازمة لتقييم حق أو الإنصاف في التأسيس الدستوري غائبة في لحظة تأسيسها؟ من خلال طرح مسألة ما إذا كانت السلطة خارج الدستور هو مفهوم مستحيل خارج السلطات المشكلة ونظام قانوني راسخ، تحدت أرنت نسخة شميت عن السياسة الاستثنائية، التي استمدت المبادئ الأساسية لنظام قانوني من الفراغ القضائي، والقانون من انعدام القانون.15 بالنسبة إلى أرنت، ليس من الواضح إطلاقاً أين تقع السلطة المؤسسة أو من يؤسس هذه السلطة16. هل هم الأشخاص غير المعينين الذين ينشئون الدستور (ولكن على أي أساس؟) أم هو الدستور الذي يُضفي حياة قانونية وسياسية ملموسة إلى فئة مجردة وخيالية من الشعب (ولكن في هذه الحالة، من ينشئ الدستور؟)؟ 17 علاوةً على ذلك، كيف يمُكن للمجتمع السياسي السّوي سَنّ المبادئ الأساسية الأولى للأرض بمعزل عن الإجراءات والقواعد الثابتة والمعترف بها والتي لا غنى عنها لتشكيل هذه العملية وتنظيمها وتزويدها بالسلطة ولتحديد من هو متساوٍ ووفقاً لأيّ معايير؟ 18

هل من المنطقي أن نتحدث عن الدستور الحقيقي من دون افتراض إطار مؤسسّي قائم على الحقوق والواجبات المعترف بها على نحو متبادل ينسّق ويضمن نطاقاً سليماً للسّياسات الدّستوريّة ويوجّه عملية التشريع العليا برمّتها؟ 19 هل يمكن صنع قانون أعلى خارج أي شكل من أشكال القانون، بشكل طبيعي؟ و قد سألت أرنت أيضا، هل يمكن أن تستمد سلطة القوى الناشئة من مصدر خارج النطاق الدستوري، كالسّلطة التأسيسية؟ كما أنها وضعت بشكل مدروس في مناقشتها للثورة الفرنسية، “السلطة. . . للقوة الجديدة، الدستورية المتشكلة. . . لا يُمكن ضمانتها من قبل الجمعية التأسيسية، وهي الهيئة المكونة لها، لأن سلطة الجمعية نفسها ليست دستورية ولا يمكن أن تكون دستورية أبدا لأنها سبقت الدستور نفسه “.20

على الرغم من أن أرنت أيّدت واحتفت بالتجربة الثورية الحديثة وأشارت إليها باعتبارها نموذج بديل للسياسة الاستثنائية من أجل الهروب من التعسف والضعف والحيرة والعنف المرتبط بالثورات. وكان مشروعها هو صياغة نظرية بديلة من الاستثنائيات القادرة على التغلب على معضلات التجارب التاريخية السابقة والصياغات النظرية وكسر الدائرة المفرغة من المؤسسات السياسية. والواقع أن أحد الافتراضات الرئيسية لمشروعها السياسي هو الاعتراف بأنه على الرغم من أن التأسيس الحقيقي  للجمهورية العلمانية الجديدة هو أعلى مظهر من مظاهر الحرية السياسية، فإنها في الوقت نفسه أخطر لحظة في السياسة. هذا هو “اللغز” و “الغموض” الذي سعت أرنت إلى حله. 21

سوف أبدأ بتطور مفهوم أرنت للحرية السياسيّة الذي يطرح نقدها لنسخة جاكوبيان للسياسة الدستورية ثم يناقش نسختها الخاصة من السياسة الاستثنائية في الفصل التالي.

إنّ النضج التدريجيّ لفهمها للتّحرر من “الحالة الإنسانية الى إحياء العقل” يُوفّر أيضاً نقطة انطلاق لتحديد شروط النقاش بشأن الاستثنائي بين أرنت وشميت. هذه القراءة الترميمية المقارنة يمكن تحقيقها من خلال محاولتها ربط الحرية بالثورات الحديثة، والممارسات التأسيسية الجماعية، وصياغة دساتير جديدة، أي مع السلطة التأسيسية، وليس بالبراعة الفردية والأداء النضالي الفردى. 22

 

الحرية السياسية كمؤسسة

من المثير للدهشة أن مفهوم الحرية ليس محورياً في دراسة أرنت للجوانب الناهضة والبطولية والنفسية من السياسة، على الرغم من احتفائها الشهير بهذا الفعل في عملها الكتابى “الحالة البشرية”23. والحرية فى دراستها أيضا ليست محددة بشكل واضح أو منهجي 24 ,وقد أشارت أحياناأخري إلى العلاقة الجوهرية بين بدء شيء جديد،الفضاء العام، والحرية، وقالت انها لم تقدم فى أعمالها حساب منهجي للمفهوم الأخير 25 .

فالحرية لا تظهر إلا بشكل هامشي في بعض الأجزاء المنعزلة والمحيطية أو الهامشية، التي تخضع دائما لنموذج فعل درامي ومعبر. 26 وقد استحضرت بشكل رئيسي، ولكن أيضاً بشكل غير مباشر، في تلك الأجزاء التي قدمت فيها رؤيتها المثالية للفعل كمضمار سباق عام يهدف للتميز ، والمجد، والسيادة بين المواطنين، الذين يكشفون من هم أمام أقرانهم من خلال الكلام والأفعال. 27 فالحرية تبدو وكأنها قدرة على الظهور العلني، والقدرة على النضال من أجل الخلود. 28 ليس من قبيل الصدفة أن بعض المعلقون قد وصفوا ، بعد أرنت، مفهومها للحرية بأنه “براعة الأداء”.

 

في تلك الحالات القليلة التي أشارت فيها أرنت صراحة إلى الحرية، كان من أجل ربطها لا بالقدرات الكاشفة والمفصحة للذات ولا بتأسيس جمهوريات جديدة، بل بالأحرى ربطها بالمعنى اليوناني القديم للمصطلح، و على وجه التحديد ارتباطها بتمييز أرسطو بين العام والخاص 30. وقالت أرنت، “لكي تكون حرا”، يعني أن لا تكون خاضعاً لضرورة الحياة أو لتلقى أوامر من الغير ولا أن تكون في القيادة نفسها “. 31 كانت الحرية عند القدماء تتعلق” بوضع الإنسان الحر، الذي يمكنه من التحرك، والابتعاد عن المنزل، والخروج إلى العالم والتعرف على أشخاص آخرين و ممارسة الفعل والكلمة “. 32 عندما تحدثت أرنت عن الحرية في اليونان القديمة أكدت أن: الحرية تعني أنه يمكن للمرء برضا أو قبول ذاتي من نفسه، لا يجبره أمر من سيد أو تجبره بعض الضرورات المادية التي تتطلب العمل من أجل الأجور أو من أجل الحفاظ على الجسم أو بعض العوائق الجسدية مثل سوء الصحة أو شلل الأعضاء. وفقا للغة اليونانية، هذا هو جذر كلمة الحرية ، وفقا ًللتفسير الذاتي اليوناني، ، إليوثريا، أو أن يفعل الإنسان ما يشاء، وليس هناك شك في أن مفهوم الحرية الأساسية كان مرتبط بحرية التنقل فكان الشخص الحر يمكنه أن يتحرك كما يود. 33 وفي جميع المناسبات الأخرى، اقتصرت إشارة أرنت الى الحرية على أنها مهمّة حرجة. وتم نشر هذة المفاهيم لانتقاد  الخلط الحديث للحرية الفردية مع الإتقان الذاتى والإرادة الحرة للأمور السيادية، أو لدحض مفاهيم الحرية الاقتصادية الليبرالية والسعي غير المقيد للمصالح الذاتية الفردية والخاصة 34. وفي معظم الأحيان، كانت تلميحاتها عن الحرية مكرسة في شكل نقد للنظرة التقليدية للحرية كاستقلالية فردية بدلا من توفير رؤية بديلة شاملة لماهية الحرية السياسية أو ما يجب أن تكون عليه. سعت أرنت لتطوير نظرية أكثر منهجية للحرية السياسية في دراساتها اللاحقة حول السياسة الحديثة. على الرغم من الملاحظات النقدية الثاقبة بشأن العصر الحديث، وصعود الظاهرة الاجتماعية، وانخفاض الظاهرة السياسية، وتزايد ظاهرة الاغتراب العالمي، فقد حددت بثقة ان تجربة الحرية تقع في نطاق الحداثة، وعلى الأخص، في نطاق الأحداث الثورية التي بدأت تتكشف من القرن الثامن عشر فصاعداً.

و تعرف الحرية الآن باتصافها بقدر أقل من حيث الأداء الفردي والبراعة الفردية و قدرأكثر من القدرة الجماعية على الشروع فى بدايات سياسية جديدة والمشاركة بشكل متعمد في التأسيس الاستثنائي للدساتير الجديدة.

هناك العديد من التغيرات الهامة التي تمنح الحرية معنى مختلف قليلا عن تلك التي اقترحتها أرنت فى كتابها “الحالة الانسانية”.

في مقالتها “ما هي الحرية؟” و أيضاً فى كتابها “عن الثورة”، فإنّ الحرية السياسية، إلى جانب حرية الحركة والعفوية المطلقة، كان لها بُعد صريح ومتميز، يتجاوز بكثير الكشف عن الذات. ولا ينصب التركيز على براعة و تميز أداء الفرد، على الرغم من أن معيار البراعة لا يزال يلعب دوراً هاماً، و لكن ينصب التركيز أيضا ًعلى القدرة الجماعية على إيجاد مجالات جديدة للمشاركة السياسية وأشكال الحكم الذاتي ومنتديات المداولات العامة التنافسية، وبالتالي تشكيل وعي بوجودها السياسي. وتعرف الحرّية على نحو متزايد بأنها حدث عفوي استثنائي ينفجر في خضم المألوف والذى يحدث كل يوم، و كخبرة في الفعل المفرد الذي، يمثل معجزة، تزعزع النظام القائم مسبقا وتغير جذريا مسار التاريخ المتوقع من خلال فتح إمكانيات جديدة لم تنبثق عن أسباب سابقة.35

إن ما ينبثق عن انطباع أرنت عن الحرية هو “إنتاجيتها الخاصة” والتي تحتل الآن مركز الصدارة في تحقيقاتها حول السياسات الحديثة .36 وبطبيعة الحال، فإن ما يربط هذه الصّيغة السياسية المعدلة بصياغتها السابقة هو مفهوم البدايات الجديدة وفكرة أن تكون حرة و هي “أن ندعو شيئاً إلى الوجود، والذي لم يكن موجوداً من قبل، والذي لم يُعط، ولا حتى كنتاج لكل من الإدراك أو الخيال، والتي من ثم بالمعنى الدقيق للكلمة، لا يمكن أن تكون معروفة”. 37 ولكن ماهية “هذا الشيء الذى قد دعى اليه” يختلف تماماً عن الفهم الوجودي للطبيعة.

وتأتى الحرية بمؤسسات جديدة، ومجالات عامة، وهياكل دستورية – قانونيّة أعلى، وأشكال نظامية.و في هذه الصيغة الأكثر نضجاً من الحرية، يتم إضفاء طابع على الأبعاد المؤسسية، الجماعية، والأبعاد القانونية وليس فقط خصائص وجودها الفردي. في الواقع، فإن البدايات الجديدة بدأت تدريجياً تشبه سياسة شميت الدستورية.

الحرية فى نطاق الحداثة تتجه أكثر نحو قطب الأسس السياسية وتصبح مرادفة للثورات. “لأنه”، كما أكدت أرنت تأكيداً قاطعاً، “الثورات هي الأحداث السياسية الوحيدة التي تجعلنا نتواجه مباشرة وحتماً مع مشكلة البدايات”، ولأن في الثورات الحديثة “بدايات الحرية هى بدايات تتجلى في فعل التأسيس أو الانشاء”، و “إيجابية” مفهوم الحرية. . . تم تحديدها على أساس فعل التأسيس، أي تأطير الدستور “38. ويلاحظ هنا أن الحرية بوصفها فعل تأطير دساتير جديدة ليست سوى صياغة أخرى للسلطة التأسيسية كقوة للتشكيل. أي أن إسهام أرنت الأساسي هو تحديد موقع الحرية في صلب اعتماداتها وإعادة تفسير مفهوم السلطة التأسيسية. ونتيجة لذلك، أضافت: “في حالة التأسيس – الفعل الأعلى هو الذي يشكل معنى المصطلح ” نحن ” ككيان محدد – و يكون المبدأ الملهم للعمل هو حب الحرية” 39. وفي هذه النسخة الأخيرة، أصبحت الحرية بداية جديدة تتجلى تماما من خلال ممارسة عمليات عفوية، مثل تأسيس حكومة جديدة وصياغة دستور جديد. ويصبح المفهوم التالى ذكره مرادفا للسلطة التأسيسية. “هى العواقب العظيمة التي ينطوي عليها مفهوم البداية والأصل بالنسبة لجميع المسائل السياسية البحتة”

كما تقول أرنت ، ” العمل السياسي، مثله مثل كل الأعمال الأخري، هو في الأساس بداية شيء جديد؛ وعلى هذا النحو، فإنه من حيث العلوم السياسية، جوهر الحرية الإنسانية. . . . مركزية المنشأ. . . لا تزال حية تماما. . . [في] عمل التأسيس نفسه – أي بداية واعية لشيء جديد ” 40

وهكذا، على الرغم من أن الحرية لا تزال تعرف بأنها بدايات عفوية جديدة، فإن معناها يتحول من الطبيعة إلى إقامة الأفعال والممارسات التأسيسية. ويُتيح هذا التحول إضفاء طابع سياسي واضح على الحرية لا يمكن الطعن فيه لسببين إضافيين. أولاً، أنه يرسي الشرط الضروري للسياسة العادية، أي وجود الأماكن العامة المستقرة والآمنة والهيئات التداولية، أي أماكن ممارسةالحرية، التي يمكن للمواطنين أن يتصرفوا فيها ويتكلموا ويتنافسوا ويشاركون في مجال الإفصاح المتبادل، وكذلك في “التعبير عن، ومناقشة، واتخاذ قرار”، وهو ما يعني أنشطة إيجابية حرة “. 41 الحرية في التأسيس تعني ضمناً أن الحرية هي التصرف بطريقة تجعلها ممكنا الكشف عنها. وهذا المفهوم الأخير يعتمد بل ويخضع معيارياً للمفهوم الأول. ولكي تكون قادرا ًعلى الكشف عن نفسك أمام جمهور من أقرانك يعني أن هناك حيزاً عاماً للحرية قد تم تأسيسه بشكل صارم، ووضعت القواعد الدستورية لتنظيم سباق جدلي، والحدود التي تشكل الأطر الصحيحة للسياسة المحددة 42.

وبهذا المعنى، فإن مفهوم أرنت للحرية مزدوج، لأنه يتألف من الحرية الاستثنائية فى التأسيس والحرية الطبيعية فى الإفصاح.

وثانياً، والأهم من ذلك، أن هذه الصيغة الجديدة للحرية تؤكد على عنصر العمل بالتنسيق مع مشروع تقرير المصير الذي يقرر بمُوجبه مجتمع من الأفراد المتساويين والمتكافئين وضع الأسس السياسية والقانونية المشتركة التي تحكم السلطة وتؤمن السياسة الطبيعية دون اللجوء إلى أي مصدر خارج السياسة ، أو الميتافيزيقيا، أو أي وكالة خارج نطاق الخبرة.43 و عن طريق إنشاء جمهورية علمانية، يؤكد المواطنون رغبتهم في الحصول على حق متساوي فى التعبير عن الرأي حول وجودهم الجماعي وتشكيل مستقبلهم 44. كما وصفت أرنت أن “العمل السياسي الحقيقي يخرج بوصفه عملاً جماعياً” 45. من صنع الإنسان، أصبحت العمليات التاريخية تلقائية “أو، بشكل أكثر وضوحاً، يبدو أنها تلقائية من وجهة نظر الكثيرين. ومن ضمن هذه الصّيغة للحرية أن الأفراد السّياسيين غير العاديين يرون أنفسهم كفاعلين فى عالمهم السياسي. فيصبحون أطرافاً تاريخيّة واعية. وهم ينتمون إلى مؤسسة مشتركة غير عادية. بالنسبة إلى أرنت، “إن العالم، بشكل مُجمل و مفصل، يتجه بشكل لا رجعة فيه الى التدهور  ما لم يكن البشر مصممون على التدخل و فعل ما هو جديد “. 46 وبذلك، فإنها لا تتحدى فقط الانقسام الداخلي بين الحكام والمحكومين ولكن أيضا تدرك أنها لا تقيدها الضرورة الموضوعية للتاريخ أو القيود السياسية, الاجتماعية ,الأخلاقية والاقتصادية 47 ومن ثم فإن الثورة، بالإضافة إلى كونها عفوية وخلاقة، هي أيضاً ممارسة للسياسة العليا، لأن الفوارق والقيود والتفاوتات التي تفصل المواطنين وتمنعهم من العمل بالتنسيق تفوق مشاركة المجتمع المحلي في المداولات والأنشطة الرامية إلى تفعيل القوة الحقيقية، وإضفاء أساسيات دستورية جديدة.

هذا الاعتراف بالمشاركة الفعالة في الأوقات الثورية هو في صميم فهم أرنت للحرية،و ينظر إليه على أنه عمل غير عادي للمؤسسة الذاتية الجماعية.

من خلال رؤية أنفسهم كمنشئين خالصين لعالمهم الخاص، و الذين لديهم مسؤولية واضحة تجاهه لا يمكن نقلها ، يتدخل أعضاء المجتمع السياسي بوعي و بشكل مباشر في صنع وجودهم الجماعي. وكما كتبت أرنت بوضوح: “لم يحدث إلا خلال ثورة القرن الثامن عشر، أن قد بدأ الناس يدركون أن البداية الجديدة يمكن أن تكون ظاهرة سياسية، وأنه يمكن أن تكون هناك نتيجة لما فعلوه وما يمكن أن يفعلوه بوعي. . . لم تعد الحداثة مصدر فخر، وفي الوقت نفسه، حيازة مخيفة للقلة ” 48

من الواضح أن أرينت تنأى بعيداً عن الحرية التي تعرف بأنها الفرد 49. وعلى الرغم من أن اقتراح كانوفان بأن أرنت رفضت “فكرة تقرير المصير من قبل” الإرادة العامة “(50) يبدو معقولاً، إلا أنه مع ذلك يخالف مفهوم الحرية المؤسسة . فقد رفضت أرنت الإرادة العامة ولكن ليس الممارسات المعيارية والممارسة السياسية لتقرير المصير. ويفترض أنها كانت تبحث عن تعريف آخر للتشريعات الذاتية، خالية من الدلالات الطوعية والعقلانية والأخلاقية التي غالباً ما ترتبط بأعمال وتراث روسو وكانط. وكما رأيت، حاولت أرنت، بعد مواجهات الثورتين الحديثتين، إعادة النظر في فئة تقرير المصير من خلال ربطه باللحظة الاستثنائية في صنع الدستور والمؤسسات السياسية. ففي الثورتين الحديثتين ظهرت على مسرح التاريخ تجربة جديدة من خلال مقدار حرية أعلى: حرية تحديد الوجود السياسي والدستوري مع نظرائه من خلال بدء بدايات قانونية جديدة وتغييرات مؤسسية. 51 الحرية الثورية غير عادية لأنها تتحدى القرارات الاجتماعية، والسوابق التاريخية، والسببية الطبيعية والقيود التي أدت إلى عدم المساواة السياسية والتسلسل الهرمي. وهو يكشف عن القدرة الإبداعية لمجتمع منظم ذاتيا لكسر حالة من الأمور المسبقة وتغيير مسار الأحداث. [52] و كانت أرنت صريحة تماماً فيما يتعلق بهذا الجانب من الحرية عندما وصفت الثورات ليس من حيث العنف الواسع، والاستيلاء على السلطة، أو فواصل غير قانونية، ولكن بدلا من ذلك ” تشكيل مدهش لهيكل جديد للسلطة لا يدين بوجوده إلا للنبضات التنظيمية للشعب نفسه “

إن هذا التصور غير العادي عن الحرية السياسية المؤسسة، باعتبارها “الفعل الذي يشكل”، يشترك في بعض أوجه التشابه مع ويبر و شميت من حيث الفكر السياسي .54 من ناحية، أرنت، و في خطوة تذكرنا بويبر، قدمت طرحية غير عادية ضد التزييف والتحجر للحضارة الغربية الناجمة عن العقلانية الفعالة، والسبب العلمي، وصعود الوضعية. وبهذا المعنى، فإنها تقترب جدا من وجهة نظره في ترشيد الثقافة الغربية والاستغلال المتزايد والبيروقراطي للسياسة.

وفي سياق الحداثة الغربية، جادلت أرنت، و بشكل فيه تكرار لويبر، بأن الركود الثقافي يتم التعبير عنه في أشكال التجانس والتطبيع، أي من خلال التطابق والتوحيد والسيطرة الاجتماعية الناجمة عن بيروقراطية المجتمعات الجماعية الإدارية الحديثة ([55]). من الإنتاج الذي سيطر على الثقافة الحديثة تم تصدير نظرة عالمية مهيمنة تستند حصرا إلى أولوية الوسائل على الغايات، وعلى السلوك الهادف والنجاح الموجه، وعلى مبدأ المنفعة.56 على سبيل المثال، تبعية الغايات للوسائل، بالنسبة لأرنت وكذلك لويبر، تثير معنى خاص، لأنه يقلل في نهاية المطاف من المعنى للقضايا التقنية للوسائل الناجحة. و بالنسبةللعقلية المنطقية فانه “تتغير كل نهاية تنتهي على الفور إلى وسيلة إلى نهاية جديدة، وبالتالي، قد تم تدمير هذا المعنى”. 57 في المقابل، ليس فقط أنها قدأدت إلى “تدهور السياسة إلى وسيلة لشيء آخر ، ولكنها مسؤولة أيضا عن “تفعيل العمل”

على الرغم من رفضها الواضح لنظرية فيبر عن خيبة أمل العالم، فإن أرنت كانت قلقة أيضاً إزاء “تزايد معنى العالم الحديث”، والتهديدات الجديدة للفردية، وتراجع الحرية (59). وينبغي ألا يكون مفاجئاً، أن فواجعها تذكرنا بقلق فيبر بشأن “قفص الحديد” للحداثة.

التكهن التشاؤمي لأرنت حول مستقبل الثقافة الغربية مع اختتامها لروايتها التاريخية حول الحالة الإنسانية الحديثة تذكرنا بملاحظات فيبر الختامية الخاصة حول الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية. في النظرة القاتمة لأرنت، “من المتصوّر تماماً أن العصر الحديث – الذي بدأ بتمثل فيه هذا الاندلاع غير المسبوق والواعد للنشاط البشري – قد ينتهي الى أكثر نهاية سلبية عقيمة عرفها التاريخ”. 60 “الركود” و ” التزوير “هى أحد عوامل هذة السلبية التي تحولت بفعلها السياسة إلى سلسلة من” العمليات التلقائية “، والتي تعرض الاستقلالية السياسية للخطر ، وتهدد إمكانية الحرية، وتقوض البدايات العفوية. 61 وجهات نظر أرنت حول الحداثة الغربية هي صدى لاعتقاد فيبر بأن العصر الحديث قد تطورت فيه أشكالاً أكثر انتشاراً من الهيمنة والتطبيع، مما يثير تهديدات لا تقبل الجدل للفردية (62)

منذ بداية هذا القرن،” لاحظت أرنت، “وقد ترافق ذلك مع غياب معنى فقدان الشعور السليم. . . . إن بحثنا عن المعنى هو في نفس الوقت الذي أحبطنا بسبب عدم قدرتنا على إيجاد المعنى “(63). ومن هذا المنطلق، شاركت أرنت في تشخيص فيبر بأن الحداثة تؤدي إلى فقدان مزدوج للحرية والمعنى (64). كما هو الحال في أطروحة فيبر بشأن الصراع الحديث بين الكاريزما والبيروقراطية، رأت أرنت الحداثة على أنها ذات شقين لا مفرّ منهما: فالحرية والضرورة تتشابكان في تكوين تاريخي معقّد يولد توتر دائم. إن سياسة أرنت، كما يقترح كانوفان بحق، “تتحرك في إطار التباين بين استجابات سياسية بديلة إلى مأزق الإنسانية الحديثة”: الشمولية أو الحرية (65). بالنسبة إلى أرنت، “ما يبقى عادة سليما في عصور التزوير، هي قوة الحرية نفسها، القدرة المطلقة على البدء، والتي تنعكس وتلهم جميع الأنشطة البشرية، وهي المصدر الخفي لإنتاج كل الأشياء العظيمة والجميلة “. 66 القدرة على البدء هي، مثل كاريزما فيبر، مصدراً للمقاومة ضد الميول التأديبية للحداثة الروحانية التي تطارد الكتلة، والمجتمعات الصناعية؛ بل هو أيضاً الأصل الوحيد للابتكار السياسي.

لكن ماهية الكاريزما بالنسبة لفيبر، هي قوة البدايات الجديدة لأرنت: و مصدر التغيير التاريخي الجذري، والإبداع السياسي، والجدة التاريخية. 67 من وجهة نظر سياسية ومؤسسية، فإن تقييمها للحداثة يحل محل نقد ويبر الغالب في الثقافة. إن طابعها السياسي القوي يحد من نقد شميت للحالة الكلية الكمية – على الرغم من أنه لا يزال يعبر عن قلق فيبر إزاء صعود بيروقراطية الدولة الحديثة (68). وبالنسبة لأرنت وشميت، فإن وجود دولة الرفاه الإداري يعتمد على الاستيعاب المتبادل من الدولة والمجتمع. ووفقاً لأطروحة الاندماج هذه، و في حين أن الدولة تحاكي على نحو متزايد الأسرة المعيشية، فإن العلاقات الاجتماعية تديرها الدولة البيروقراطية التي توسع نطاق اختصاصها إلى مجالات الحياة التي اعتبرت تقليديا خارجة عن السياسة (69). وتتحول هذه التغيرات التبعية التدريجية من السياسة إلى “الإدارة البحتة” وتآكل المجال العام لصالح أسرة وطنية جماعية “إدارة عملاقة على مستوى البلاد”. 70 “في العالم الحديث”، قالت أرنت إن “المنطقتين الواقعتين و التى تتدفق باستمرار إلى بعضها البعض مثل التيار الذى لا يتوقف كعملية الحياة نفسها “. 71 ونتيجة لذلك، “المجتمع الحديث يرفض التمييز بين ما هو خاص وما هو جمهوري. . . أي أنه يدخل بين القطاعين العام والخاص مجالا اجتماعيا يعلن فيه القطاع الخاص والعكس بالعكس “(72). وهذا الاختراق بين القطاعين العام والخاص لا يسييس المجال العام ويخصخصه فحسب، بل يقوض أيضا إمكانية الحرية ليحل محل قوة البدايات الجديدة بسلوك مفيد ونفعي، وهو ما يخصها بطبيعتها المضادة للسياسة. حجة أرنت ضد نمو الدولة الحديثة مستمدة من ما وصفته سيلى بنحبيب بشكل صحيح بأنها “أساسيات الظواهر”، وبالتالي هى قليلاً تختلف عن نهج شميت، استنادا إلى أيديولوجية متحفظة.

 

ومع ذلك، فإن كلا التحليليين يشتركان في إطار تفسيري اجتماعي تاريخي مماثل للتغلغل المتبادل بين ما هو عام و ما هو خاص و الشاغل المماثل بشأن تراجع السياسة وصعود قوى غير شخصية وغير مجهولة مسجلة في طبيعة المجتمع الغربي الحديث (74). وبصرف النظر عن هذا النقد المشترك للدولة الاجتماعية، هناك موازاة أخرى بين شميت وأرنت. فقد قام كل من المفكرين باستخدام مفهوم “معجزة” لوصف إمكانات تأسيس السياسة. فى هذا السياق، يمكن وصفهما على أنهما مفكرين للحدث المفرد. في حين استخدمت أرنت مصطلح “معجزة” لتصوير البعد التلقائي غير المحدد لقدرة البدايات الجديدة، نشر شميت ذات المصطلح الذي يميز الآثار الراديكالية والتخريبية للقرار المكون من السيادة (75). وفي مقابل الافتراضات السائدة في الشكلية القانونية، توصل إلى قرار سيادي باعتباره القوة الوحيدة القادرة على الانفصال عن الوضعية القانونية العقائدية والإجرائية الرسمية لشرعية الدولة ، وهو ما كان يعتقد أنه قد غطى لحظة الإنشاء القانوني والدستوري الحقيقي (76). وقال شميت إن القرار السيادي يشبه “معجزة”، لأن “قوة الحياة الحقيقية تكسر قشرة آلية أصبحت فاضحة من خلال التكرار. “وعلى غرار ذلك، بالنسبة إلى أرينت، فإن العمل الحر” الذي ينظر إليه من وجهة نظر العمليات التلقائية التي يبدو أنها تحدد مسار العالم، يبدو وكأنه معجزة “. 78 الحرية تشبه المعجزات لأنه “يكسر من خلالها المقبول و يمكن الوصول إلى الاستثنائي، فيكون كل ما هو قائم بالفعل في الحياة بشكل يومى غير قابل للتطبيق لأنه أصبح كل ما هو موجود فريد من نوعه “. 79 الحرية، بمعنى أخر، تدل على العفوية “التى تكسر المعايير العادية للسلوك اليومي،” و التى من خلالها “تقوم حالات فردية وأحداث فردية، بقطع الحركة الدائرية للحياة اليومية أو أن المسار البشرى المستقيم يقطع حركة دائرية للحياة البيولوجية “80

وكما هو الحال بالنسبة للقرار السيادي، فإن مفهوم العمل الحر الذي تتبناه أرنت “له ميل أصيل إلى فرض جميع القيود وفتح جميع الحدود”. 81 كما أن الثورات هي أحداث سياسية من هذا القبيل لأنها “بحكم تعريفها أحداث تقطع العمليات الروتينية والإجراءات الروتينية”. 82 من وجهة نظر الهيكلية المعمول بها, أكدت أرينت أن الحرية هي معجزة – و أن أي عواقب لها لا يمكن توقعها, إذا كان هذا الإجراء صحيحاً, وبداية و في الأساس نفسه، فإنه يترتب على ذلك أن القدرة على أداء المعجزات يجب أيضا أن تكون ضمن نطاق بشري, و هذا يبدو أغرب مما هو عليه في الواقع. وفي كل بداية جديدة تندلع في العالم , تعتبر البداية “ذات احتماليات لا نهائية”، ومع ذلك فإن هذة الاحتماليات لا تتحقق بشكل بعيد و هذا الذي يشكل الواقع الملموس ذاته لكل ما نسميه حقيقي (83).

يتفق شميت وأرنت مع بعضها البعض بشكل غير متوقع في سياق أبعاد العمل السياسي، حيث “كل حادث يسبب تدمير، سواء للأفضل أو الأسوأ , النمط الذي يتم التنبؤ في إطاره و التى تقع الأدلة فى نطاقه”. 84 وبالنسبة لكلا الكاتبين، ينظر الى هذا الحدث الاستثنائي المفرد كحدث غير متوقع، عفوي الحدوث. وعلى الرغم من أوجه التشابه الهامة هذه، فإن أرنت تخرج عن نموذج شميت للسياسة الدستورية الاستثنائية على الأقل في مجالين هامين: السيادة الشعبية والفواصل المطلقة.

ضد السيادة

يعد مفهوم السيادة سمة تأسيسية للنظريات الديمقراطية الحديثة. من مارسيليوس دي بادوفا إلى باروخ سبينوزا إلى روسو، أصبحت السياسة الديمقراطية تدريجياً تعني نظام السيادة الشعبية. فالشعب، الذي برز على نحو منبثق من حطام الاستبداد والعلمانية في السياسة، و أصبح تدريجياً يعترف به بوصفه المصدر الأعلى للتشريع والسلطة السياسية المشروعة، التي كانت في السابق سمات الملك الخالصة (85). و بالنسبة لشميت، كانت تلك حقيقة تقليدية بديهية تتجاوز النزاع.

ولم يقتصر الأمر بالنسبة لشميت على تعريف الآفاق التي لا مفر من توافرها للتجربة السياسية الغربية الحديثة وطبيعة الديمقراطية ذاتها، وإنما كانت أيضا تمثل نقطة انطلاق لاستكشافاته الدستورية والسياسية. أرنت، من ناحية أخرى، تعتبر استثناء من هذا التقليد. فإن موقفها النقدي تجاه السيادة الشعبية يتميز بأصالة لا مثيل لها. مثل كيلسن، ولكن لأسباب مختلفة، كما قالت إنها تتحدى بجرأة السيادة المعيارية و احتجت على تقاربها الطبيعي مع المثل الأعلى لحكومة حرة. 86 كما أطلقت واحدة من أكثر الهجمات استفزازاً واختراقاً على السيادة.

على الرغم من أن أرنت لم تصرح تماماً بنقدها للسيادة حتى وهي لا تزال دراسة مقارنة بين الثورتين الحديثتين الأولتين، فإن عناصر هذا النقد تظهر لأول مرة في دراستها حول الشمولية وملاحظاتها الحادة حول تشكيل الدولة الحديثة وصعود السيادة الوطنية. و هناك مواجهة أكثر وضوحاً ونظرياً مع مسألة السيادة تظهر في كتابها “الحالة الإنسانية”.

وهنا تظهر كيف أن السيادة تهدد طبيعة السياسة من خلال استبدال الحرية بالسلطة الهرمية والحكم، والاستعاضة عن تعددية المجال العام بالتجانس والمعاينة، واستبدال التعاون الأفقي بين المساواة مع علاقة الطاعة المقننة رأسياً في حين أن في العصور القديمة اليونانية، بالنسبة لأرنت، كانت السيادة تقتصر على المجال الخاص للأويكوس (المفاهيم الثلاثة اليونانية المتمثلة فى العائلة و ملكية العائلة و المنزل)، أما في العصر الحديث فإنها قد غزت الفضاء العام ليصبح المبدأ التنظيمي للسياسة، حيث القيادة والإكراه بين الحكام وخطاب الحكم الخاص بالمشردين و التفاعل المنسجم. وتحول السيادة المواطنين من أقران إلى طائعين ومتلقين تابعين لها. وقد حدث هذا الارتفاع في السيادة المطلقة إلى جانب صعود الدولة القومية الحديثة وتشكيل جهاز بيروقراطي وإداري مركزي. وهذا التطور الموازي يدل على أن الدولة الحديثة على نحو ما مجرد نسخة طبق الأصل، بل و على نطاق أوسع، من حيث السيطرة البطريركية الأحادية الصامتة في معظمها على جميع الأصعدة. وفي كتابات أرنت، تبرز السيادة كقوة غير سياسية، تنتمي إلى مجال السيادة الخاص ,الظلام ,الاعتمادية وعدم المساواة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن السيادة تدمر البعد التعددي، مثل تعدد الثقافات في الأماكن العامة. وبمجرد إدخالها في الخطاب الديمقراطي كسيادة شعبية، فإنها تفترض مسبقاً أن الناس يؤلفون كياناً جماعياً متجانساً متيناً، ويصبح بديلاً عن الخصائص الشخصية للعاهل الساقط. هذا الاحلال منح الشعب السيادي ارادة موحدة قاهرة، و التى تذكرنا بالخصائص الغير قابلة للتجزئة المطلقة و الخاصة بالملك. هنا ينطلق جماح الخيال المحفوف بالمخاطر للشعب الواحد. المشكلة مع الإرادة الجماعية المطلقة، وتصور بأنها “كيان خارق (90) هو أنه، على النقيض من كوكبة من الآراء الجمعية، فإن تلك الارادة تزرع المعاناة، ونتيجة لذلك “لا توجد وساطة محتملة بين الإرادة كما توجد وساطة بين الآراء. . . فإن الإرادة العامة لم تمثل أكثر أو أقل من الشئ الذى يربط الكثيرين في كيان واحد “. 91 ما هو فريد من نوعه حول السياسة، أي تعددية السياسة قد تم القضاء عليه. فإن فكرة السيادة الشعبية “تستبعد جميع عمليات تبادل الآراء والاتفاق النهائي بينهما”

خوف أرنت من وحدانية الإرادة السيادية هو أيضا الخوف من الشمولية. نذكر بأن الشمولية هى “بدائل للحدود وقنوات الاتصال بين الأفراد من الرجال بحزام من الحديد الذي يجمعهم معا بشكل صارم كما لو أن التعددية قد اختفت في فرد واحد ذو أبعاد عملاقة”. 93 أليست تلك هى الحالة حيث يكون للسيادة الشعبية دوافع شمولية متأصلة فيها؟ أم أن طرحية كهذة “تخالف” تعددية المواقع مختلفة، و “الاختلافات في المواقف”، و “المجموعة المتنوعة من وجهات النظر”، والتي تشكل النسيج العام للمجال العام وتحسب الخلاف والمداولات والمنافسات العامة بين المتساويين؟ 94

كانت أرنت مقتنعة بأن الشعب المتجانس السيادي قد يدمر العالم المشترك الذي يتقاسمه جميع المواطنين عن طريق الكلام والفعل ويحطم الفضاء “المنتصف” الذي يربط بين الأفراد والجماعات ويفصلهم عن أنفسهم، مما يهيئ الأرض للسيطرة المطلقة (95). والسيادة هي في نهاية المطاف معادية لطبيعة السياسة لأنها تقوض افتراضات الحرية من خلال فرض التوحيد الأجوف الذي يقلل من المساواة السياسية 96. والسيادة، بالنسبة لأرندت، لها نواة استبدادية.

 

وفي الوقت الذي أنجزت فيه أرنت دراستها حول الثورتين، قامت أيضاً بتطوير نقدها للسيادة. وقد أدركت، في إصداراتها التعريفية للسياسة الاستثنائية، إدراكا ًكاملاً للأخطار الكامنة في السيادة، وعلى عكس شميت، أدركت أن السياسة الاستثنائية ستتعرض لخطر قاتل بسبب وجود سيادة. واستكمالاً لانتقاداتها السابقة، ركزت حينئذ بشكل حصري تقريباً على الآثار السامة للسيادة خلال لحظات التحول الدستوري الجذري.

ومن المعروف أن أرنت رأت أن المسألة الاجتماعية واحدة من أهم القضايا و التى تعتبر ضمن أسباب فشل الثورة الفرنسية. من خلال التركيز حصراً على هذا الجانب الاجتماعى من تفسيرها، ومع ذلك، فلا يجب أن   ننسي عنصراً حاسما آخر، و هو سياسي في هذه المرة، من تحليلها المقارن للثورتين: فإن النتائج الضارة للسيادة الشعبية للسياسة غير عادية. في حين أنها في بعض الأحيان اعترفت أنه في الثورة الأمريكية ” قد كان غياب المسألة الاجتماعية خادعا ًعلى الإطلاق، وأن البؤس القاسي والمهين كان موجودا ًفي كل مكان في شكل العبودية من خلال استعباد الزنوج “(97)، مما يعني أن الفقر لا يمكن أن يكون السبب الوحيد أو الغالب للفشل الفرنسي – و قد قامت أرنت بالتتبع بشكل لا لبس فيه و تعقب أحد المصادر الرئيسية للنجاح الأمريكي ، فعلى المدى الطويل، ربما يكون أكبر ابتكار أمريكي في السياسة على هذا النحو هو . . . الإبطال المستمر للسيادة داخل الهيئة السياسية للجمهورية، التبصر في مجال سيادة الإنسان والاستبداد “. 98 نجح الثوار الأمريكيون بطرد السيادة أيضا من خلال تبديد أسطورة الشعب الواحد. أما بالنسبة لكلمة” الناس “،” لاحظت أرنت بثقة أن ، “الاحتفاظ بهذة الكلمة يمثل معنى كبير لهم في كثير من الأحيان، فهم ينتمون إلى مجموعة لا حصر لها من عدد كبير من الذين عاشوا جلالتهم أو أوقاتهم الزاهرة في ظل تعدديتها “. 99 وفي الوقت نفسه، عزت أرنت إلى السيادة أحد الأسباب الرئيسية للفشل الفرنسي. و أيضا القرار المؤسف ل “رجال الثورة الفرنسية” بوضع الشعب في مقعد الملك “كان مسؤولا جزئياً عن المأساة الفرنسية (100).

والسؤال هو لماذا اعتبرت أرنت السيادة سبب من الأسباب المؤدية لهذه المأساة السياسية؟، وبصرف النظر عن ذلك، و بالطبع،فانها من الأسباب التي سبق أن ناقشتها في كتاباتها السابقة. لماذا تشكل تهديدًا للسياسة الاستثنائية؟ و لماذا لا بد من استبعادها من البدايات الجديدة العفوية؟ وإحدى طرق الإجابة على هذه الأسئلة هي إعادة النظر في مناقشتها لأصول السيادة. في حين أنها في كتابها “الحالة الإنسانية” هي التي قد أسست لولادة مفهوم السيادة في الأويكوس اليونانية القديمة، وقالت انها بعد ذلك تم نقلها في المفهوم اللاهوتي الى ارادة قاهرة و التي تعود إلى الأصول اليهودية المسيحية للحضارة الغربية. 101 في هذه النسخة المنقحة، تعرف السيادة على أنها الإرادة، و أيضا على أنها التحكيم الليبرالي – أي الاختيار الفردي التعسفي بين خيارات معطاة سابقاً والسلطة الإبداعية المطلقة المتسامية (الخالق الإلهي) (102). وبالنسبة لأرنت، على الرغم من أن الإرادة كانت “عبرية الأصل”، عند ظهورها لأول مرة في التقاليد اليهودية جنبا إلى جنب مع المشرع الإلهي و الذى له الحق فى الطاعة، و حتى مجئ بول , لم يكن الأمر قد ارتقى الى مرتبة أكثر استقلالية  103 وقد ولد مفهوم الإرادة في اللحظة التي واجه فيها الإنسان المسألة الأخلاقية المحيرة حول ما إذا كان ينبغي طاعة القانون المتسامح واختيار حرية الخير بدلا من الشر (104). وفي المسيحية، وليس في الأويكوس اليونانية، يجد المرء تاريخاً حقيقياً للسيادة الحديثة كقوة طقسية مطلقة لخلق عرقي، واتخاذ قرار تعسفي بشأن الخيارات المعارضة دون أن تحددها أو تجبرها قوى خارجية (105). و انتقلت هذة القدرة من كونها الإرادة من المسيحية المبكرة إلى الكنيسة المنظمة و من النظام البابوى إلى الملك المطلق حتى وصلت أخيرا و لوثت الجسم السياسي في شكل سيادة وطنية وشعبية (106). وهذا التحول الناقل قد بلغ ذروته خلال الثورة الفرنسية كـ “وحش متعدد الرؤوس، أو كتلة تتحرك كجسد واحد وتتصرف كما لو كانت تمتلك إرادة واحدة”. 107 لم يحدث فقط أن الشعب السيادي قد طمس في مروره كل الاختلافات. و لكن أيضاً مفهوم الإرادة، و الذي يأتي من تقاليد لاهوتية وأخلاقية، قد أهل الشعب الذى تشكل وفقاً لخصائص قوة إلهية لا حدود لها وموجودة خارج قوانين الإنسان (108).

هنا نقد أرنت يتجاوز الثورة الفرنسية. فمن المحتمل أنها وضعت في اعتبارها شميت وأطروحته الشهيرة حول الأصول اللاهوتية للمفاهيم السياسية العلمانية الحديثة. 109 ومن وجهة نظر اللاهوت السياسي، فإن الاعتقاد الديموقراطي – اليعقوبي بأن كل السلطة تأتي من الشعب يأخذ معنى مشابه للاعتقاد بأن كل السلطة الموثوقة تأتي من الله “. 110 لكن بالنسبة لأرنت، فإن هذا التحول لا يمكن أن يتحدى المحتوى اللاهوتي للسيادة الملكية المطلقة، وفي الحقيقة لم يتحدي الافتراضات الميتافيزيقية المرتبطة بقوة فائقة. قد يكون مفهوما أن يكون ذلك مفيداً للثوار في تبرير وشرح العملية الاستثنائية للبدايات الجديدة، والتحايل على مشكلة الانحدار اللانهائي، و لكن ترك لهم تركة ضارة والتي ساهمت في فشل مسعاهم الراديكالي. فالثوار كانوا قادرين على شرح حقيقة تأسيس نظام جديد من خلال تزويد الشعب المطلق بالإرادة المطلقة للكيان الديموقراطي القادر على إنشاء قوانين جديدة دون أي إشارة إلى الأسباب و القرارات المسبقة. وقد واجهوا مشكلة الأسس الجديدة ولغز الأصول القانونية بمساعدة الإرادة الشعبية، التي أعادوا صياغتها كمشرع ذاتي المنشأ أوأعلى، ومن ثم يشكل المؤسس النهائي للسياسة. وكان لهذا الخيار ميزة تمكينهم من التنظير و انشاء أسس استثنائية حال إلغاء السلاسل السببية والتفسيرات الحتمية خلال فترات الاستراحة القانونية: إلى الحد الذي يمكن فيه أن يعزى الكون وكل شيء آخر فيه إلى هذة الأحادية المطلقة، و هى متجذرة في شيء قد يكون وراء السببية العقلية المؤقتة للانسان ولكن لا تزال تملك نوع من الأساس المنطقي من تلقاء نفسها: والحاجة إلى التفسير ليست بأى حال أقوى من وجود حدث جديد غير متصل ينقسم إلى سلسلة متصلة، أو من التسلسل الزمني للأحداث (112). ومن خلال تحديد المشرع الشعبي في الحالة الطبيعية، اعتقد الثوريون أنهم يستطيعون تسوية مشكلة البدايات، لأن “مشكلة البدايات يتم حلها من خلال إدخال المبتدئين الذين لم تعد بداياتهم موضع تساؤل”. 113 ولكن تكاليف تغطية مشكلة الأصول الجديدة من خلال استدعاء صورة خيالية عن القاهر خالق الناس كانت عالية جداً.

 

الرأي القائل بأن “المشرع البشري – الذي أنشئ في صورة الاله نفسه، وبالتالي هو قادر على تقليد الاله – عندما يضع أسس المجتمع البشري، و [يخلق] الظروف للحياة السياسية في المستقبل والتطور التاريخي” كان بعيدا عن كونه لا يقدر بثمن أو تصور ممتاز (114). هذا التخيل يقوض السياسة غير العادية للثوريين الفرنسيين بثلاث طرق حاسمة. أولا، من خلال تخصيص صورة الخالق السيادية المتعالية التي تقع خارج مجال إنشائها، أنتج الثوريون الفرنسيون عقيدة خطيرة حول خارجية السيادة عن جميع القيود القانونية والمعيارية، والتي في كتابات سيييس وشميت تمثلت في نسخة مقلقة بشكل خاص من السيادية المؤسسة و الغير مرتبطة بالأوضاع الطبيعية115. وفي هذه الصياغة، تعمل الإرادة السيادية للشعب، خلال لحظات غير عادية، و غير مقيدة بالقيود القانونية، في فراغ معياري وقانوني. وبالنسبة إلى أرنت، فإن إزالة جميع آثار الشرعية من السياسة الاستثنائية تدعو إلى عودة القوة والعنف غير المقيدين. إن انعدام القانون، وانعدام الأمن، وعدم التمییز القانوني تصبح علامات الثورة. عندما قال الثوريون الفرنسيون أن كل السلطة تقع في الشعب، فهمت القوةعلى أنها قوة “طبيعية” مصدرها ومنشأها خارج المجال السياسي، وهي القوة التي أفرج عن عنفها من قبل الثورة ومثل الإعصار اجتاحت جميع مؤسسات النظام القديم. وقد عانت هذه القوة كقوة عظمى ، وكان ينظر إليها على أنها نتيجة للعنف المتراكم للجمع الخارج عن جميع الروابط وجميع التنظيمات السياسية. تجربة الثورة الفرنسية مع اقحام الشعب فى “الحالة الطبيعية” ارتبطت بلا شك باحتماليةأن قوة الجمع المتضاعفة يمكن أن تنفجر، تحت ضغوط المصيبة، مع العنف الذي لا يمكن للسلطة المؤسسية السيطرة عليه أو أن تصمد أمامه .116 بالنسبة لأرنت، كانت نتائج هذا التصور تثبت الخطورة على السياسة الاستثنائية. و في الأساس، دمرت الشخصية القانونية للمواطنين، وتركتهم عراة و عزلتهم من قبل إرادة جماعية قوية. ويعني مفهوم الفراغ القانوني أن جميع الحقوق والقواعد الموجودة سابقا قد تم محوها.

 

وقد أثر هذا الفراغ على المواطنين في الغالب من خلال تعليق أمر الإحضار أمام المحكمة والضمانات المترتبة على ذلك والحالات المماثلة على حد سواء. وخلال تلك اللحظات من السياسة الاستثنائية، كان المواطنون، المحرومون من حقوقهم، يعتبرون أنفسهم بلا حول ولا قوة بل و منتكسين “خارج نطاق القانون”. [117] و فجأة أصبحوا فريسة لقوة ثورية واقعية. وبالنسبة لأرنت، التي عانت من صعود السلطة النازية وشهدت شخصيا عواقب “عدم اليقين”، فإن الفكرة القائلة بأنه خلال اللحظات المؤسسة تبقى السيادة في حالة طبيعية فكرة مرعبة (118). ومن أجل تجريد المواطن من حقوقه 119، “فإن الخطر الكبير الناجم عن وجود أشخاص أجبروا على العيش خارج العالم المشترك”، كما حذرت، “هو أنهم ألقوا من جديد، في خضم الحضارة، بمعطياتهم الطبيعية و تمايزهم الطبيعى مما يخرجهم من نطاق الانسانية 120 وهكذا، فإن “رجال الثورة الفرنسية” أصروا في تحليلها التاريخي على أنه “لم يكن لديهم مفهوم للشخصية، ولم يكن هناك احترام للشخصية الاعتبارية” والذي يعطيه ويضمنه الجسم السياسي. ولم يعودوا مهتمين بتحرير المواطنين أو بالمساواة بمعنى أن كل شخص يجب أن يتمتع بنفس القدر بشخصيته الاعتبارية وأن يكون محمياً بتلك الشخصية وأن يعمل في الوقت نفسه “من خلالها” “121 و من وجهة نظر الإرادة السيادية غير المعتادة، فإن الإرهاب الثوري لا يمكن أن يظهر كظاهرة عرضية ومعزولة. فلقد شكل جوهر ما كانت عليه الثورة الفرنسية. من خلال تحديد السلطة المكونة السيادية في الحالة الطبيعية، كما خفضت الثورة الفرنسية الاستثنائية إلى حالة من انعدام القانون البحتة واللاإنسانية. كان المجتمع بأكمله يعيش “خارج طائلة القانون” واستنادا إلى الاستنتاجات التي توصلت إليها أرنت في دراستها حول الشمولية، حيث أعلنت أن “الخطوة الأساسية الأولى على طريق الهيمنة الكاملة هي قتل الشخصية الاعتبارية في الإنسان”، فمن الواضح كيف يجب عليها تقييم التجربة الثورية الفرنسية.123

 

وبمجرد إیقاف نظام القوانین القائم وإزالة جمیع القواعد المسبقة، انحدر المجتمع الثوري الفرنسی إلی دولة فوضى “تركت جمیع السکان بدون قناع حمایة للشخصیة القانونیة”. 124 کما لوحظ بشکل صحیح، فإن الفكرة القائلة بأن الاستثنائيات التي تحدث في الحالة القانونية القضائية تفشل في “الدفاع عن هوية وأمن الأفراد في خضم التحول السياسي على نطاق واسع”. 125 وفي كلمات أرنت، “لا يمكن للدولة القومية أن توجد مرة واحدة مبدأ المساواة أمام القانون. وبدون هذه المساواة القانونية، التي كان من المقرر أصلاً أن تحل محل القوانين والأوامر القديمة للمجتمع الإقطاعي، فإن الأمة تذوب في كتلة فوضى من الأفراد المحرومين. “126 وهذا ما حدث بالضبط للثورة الفرنسية. 127 في حين أن الثوار الأمريكيين “خوفا من ما يسمى حالة الطبيعة، التوحش، و عدم التقيد من قبل أي حدود، فضلا عن المبادرة الغير محدودة من الناس و الملزمة من قبل أي قانون”،أما في الحالة الفرنسية , فإن السيادة القبل السياسية بلغت ذروتها كنوع ضار من السياسات غير العادية التي تحولت إلى حرية تقديرية وحضرية وحشية.

كانت أرنت مهتمة بشدة بهذا البعد غير القانوني للسيادة التي هددت بتأمين أمن وحريات مواطنيها في خضم ثوري. و في بعض الحالات، أعربت حتى عن تحفظها حول ما إذا كان هناك أي شكل من أشكال السياسة الاستثنائية من تأسيس جديد يمكن أن تتجنب الانتكاس في الحالة الطبيعية. وبلهجة متشائمة لاحظت أننا “نعلم لسوء الحظ أن الحرية قد تم الحفاظ عليها بشكل أفضل في البلدان التي لم تنفجر فيها ثورة، مهما كانت ظروف السلطات الفاحشة، وأن هناك المزيد من الحريات المدنية حتى في البلدان حيث هزمت الثورة من تلك التي انتشرت فيها الثورات “

وعلاوة على ذلك، فإن أرنت، الذي رددت نقد هيغل لفكرة الإرادة المطلقة بأنها “حرية الفراغ”، الذي يعتبر تحقيقه “الغضب المدمر”، و مقتنع بأن مفهوم السيادة ينطوي بالضرورة على طوعية مفرطة. و عن طريق تلك الطوعية، فإن السيادية تتحول إلى إرادة عابرة وغير مستقرة، وتتغير باستمرار وفقاً لمزاجات لا يمكن التنبؤ بها ورغبات عشوائية. وقد قبل هؤلاء الفقهاء هذا الافتراض و الذين قد حاولوا الحصول على علامات السيادة المفردة.

وقد عرف هوجو غروتيوس، على سبيل المثال، في مقالته عن الحرب والسلام، السيادة المثالية وفقاً للحرية التي تتمتع بها في جميع الأوقات “لتغيير مقاديرها” (131). وبالمثل، فإن سبينوزا، الذي مثله كمثل سيييس و شميت و اللذان يموضعان السيادة في حالة الطبيعة، قدأعلن أن السيادة “بالتالي ملزمة للعيش وفقا لقوانينه، وليس وفقاً لأي شخص آخر، وعدم الاعتراف بأى شخص كقاض، أو كقائد في الدين. في رأيي، هذا هو موقف السيادة، لأنه قد يأخذ المشورة من زملائه البشر، لكنه غير ملزم بالاعتراف بأي قاض، ولا أحد إلى جانب نفسه كمحكم في أي مسألة فى الحقوق “. 132

أما بالنسبة لجون أوستن، فإن إحدى السمات المميزة للسيادة هي قدرتها على “إلغاء القانون بالتراضي”. ويضيف أن هذه الميزة تؤكد “الموقف القائل بأن” السلطة السيادية غير قادرة على الحد القانوني “ستطبق عالميا و بدون استثناء “، وبالتالي فإن وجهة نظر” السلطة العليا التي يقيدها القانون الإيجابي، هي تناقض مسطح من حيث المصطلحات ” 133

ولكن الصيغة الأكثر حيوية تبقى هوبز: فالسّيادة من حيث الثروة المشتركة، سواء كان بالنسبة للجمع، أو لرجل واحد، لا تخضع للقوانين المدنية. ولأن له القدرة على أن يصنع، ويعيد بناء القوانين، فإنه يجوز له أن يلجأ الى تحرير نفسه من هذا الخضوع، بإلغاء تلك القوانين التي تتعثر عليه، و صياغتها من جديد. وبالتالي هو حر و لا يمكن لأي شخص أن يكون ملزما إلا من نفسه.134

واعتمدت أرنت هذا التعريف للسيادة للمطالبة بأن “السيادة. . . لا تلتزم بأي قانون عالمي ولا تعترف بأي شيء متفوق عليها “(135). ولكن بدلاً من ذلك، فإن تأييدها لهذه السمة الرمزية للسيادة، عرضها لنقد شديد لا هوادة فيه. وربطها هذا التصور السيادي مع مسببات فشل الثورة الفرنسية لإصدار نظام دستوري مستقر ودائم. وبالنسبة لأرنت لم يكن هناك شك في أن المسؤول: الإرادة الشعبية السيادية.

كانت طبيعتها الهشة والمتقلبة متناقضة تماماً للنظام والاستقرار. وبما أن السيادة لا تستطيع أبداً أن تحد من نفسها، فإنها لا تستطيع أبداً أن تنشئ نظاما دستورياً دائماً.

وبالتالي، فإن هذا الإصدار من السياسة الاستثنائية السيادية محاصر في النطاق الوهمي الخاص به، والذي يمثل عجز مخفي. فبوصف هذة السياسة على أنها غير سيادية وغير منظمة و غير محدودة، و لا تتشابك ولا حدود لها، فإن السيادة معرضة لتدفقاتها العابرة والمتدفقة لتغرق أخيراً في الإرهاب. وقالت أرنت إن التحول من الجمهورية إلى الإرادة الشعبية “يعني أن الوحدة الدائمة للهيئة السياسية المستقبلية مضمونة ليس في المؤسسات الدنيوية التي اشترك فيها هذا الشعب ولكن في إرادة الشعب نفسه “. من خلال السعي إلى استخلاص أصول السلطة من إرادة سيادية غير مستقرة، لا يمكن للثوريين الفرنسيين فعل شيئا لتجنب” الهشاشة المصيرية وإيمان الحكومات الثورية “. وقد اختتمت هذه الملاحظة الحرجة بحجة قائلة إن “ما يسمى إرادة التعدد (إذا كان هذا هو أكثر من مجرد خيال قانوني) تتغير باستمرار من حيث التعريف، وأنها بنية بنيت على أساس كالرمال المتحركة “137

بالإضافة إلى ذلك، كما تعاقب السيادية آراء الجمع السياسية ، فإن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تعبر عن نفسها، بصرف النظر عن العنف، هي من خلال تضييق الأصوات. وخلافاً للاتفاقية الدستورية في فيلادلفيا، فإن الجمعية الوطنية الفرنسية لم تتجلى إلا من خلال “التصفيق أو التشجيع عند حضور المداولات. . . [والتي] كانت تعبيراً صالحاً عن التأسيس، أو حتى السلطة الموافق عليها من الشعب “. 138 وهنا، كان من الممكن أن تكون أرنت قد هاجمت حجة شميت بأن السيادة التأسيسية لن تعبر عن نفسها إلا بالتزكية. في مناقشتها لنسب الإرادة، ادعت أن التقليد اليهودي المسيحي في مفهوم الإرادة الحرة يتوافق مع الفردية، التعسفية و القدرة على التعبير بلا أو نعم لمجموعة من الخيارات المحددة سلفا (139). وعلى النقيض من الثوريين الأمريكيين الذين “يعرفون أن المجال العام في الجمهورية قد تم تشكيله عن طريق تبادل الآراء بين أطراف متساوية، وأن هذا المجال سيختفي ببساطة في اللحظة التي يصبح فيها التبادل زائدا لأنه اتضح أن الأطراف المتساوية لها نفس الرأي “، فان نظرائهم الفرنسيين واجهوا فشل دستوري. 140 وجاء سقوط دستور 1791″ في تتابع سريع من قبل دستور واحد تلو الآخر حتى في انهيار جلي من الدساتير العميقة في قرننا، تفكك مفهوم الدستور ذاته إلى ما هو أبعد من الاستيعاب “

تلقي أريندت باللوم على تراث روسو الفكري والسياسي فى الوصول لهذه النتيجة، لأن نظريته حول السيادة الشعبية التي تدرس تشكيل الآراء السياسية في المجال الخاص للفرد المعزول تتفادى الاتصالات العامة والحجج (142). ولكن، من المثير للاهتمام، أنها أشارت أيضا إلى دستورية شميت النظرية و السياسية فى اتخاذ القرار و الامتناع عن الخطاب العلني. وفي حاشية ملهمة و التى وضعت في نهاية التعليق على هشاشة الإرادة السيادية وعدم استقرارها، علقت أرنت على مفهوم شميت للسيادة مع ملاحظة أن “كارل شميت هو المدافع الأكثر قدرة عن  مفهوم السيادة. فهو يعترف بوضوح بأن جذر السيادة هو الإرادة: السيادة هي الإرادة والأوامر “143

وأخيرا، فإن آراء أرنت تنتقد أيضاً تعريف شميت للسيادة و التى تميز العدو عن الصديق(144). وبالنسبة لأرنت، يصبح هذا الجانب من السيادة مروعاً بشكل خاص خلال اللحظات الثورية. في نقاشها عن روبسبيري، لم تقتصر على الصيغة الأخلاقية فحسب، بل أشارت أيضاً إلى العواقب الاستبعادية للتحول من السياسة غير العادية إلى الحرب. هذه العسكرة السياسية، التي هي في الأصل مدرجة في جسد الإرادة الشعبية السيادية، تصبح الاتجاه السائد في هذا الإصدار من السياسة الدستورية الثورية. وأحد الأسباب، بطبيعة الحال، يتعلق بالآثار الاستبعادية للسيادة ، والتي تنشأ عن علاقاتها القيادية والطاعة. فالسيادة لا يمكن أن تترتب عليها سوى آثار اللامساواة بسبب العلاقة الهرمية وغير المتماثلة بين الحكام والمحكومين. و قد جادلت أرنت إن مفهوم السيادة، مثلما يقول، ميشال فوكو، يفترض سلفاً أن تكون اللعبة السياسية صفرية المجموع، و توافر مفهوم كمي للسلطة (145). فالمرء يمتلك السلطة وسيادتها أو يظل عاجزا ً في حالة تبعية وإخضاع. وأضافت أرنت أن هذه الصيغة تستند إلى “فكرة أن حرية رجل واحد أو مجموعة أو هيئة سياسية لا يمكن شراؤها إلا بسعر الحرية، و هذا السعر هو سيادة جميع الآخرين”. 146

 

هذا المنطق الثنائي والمعارضة يبعثان على القلق بشكل خاص في الثورات ويحوّلان السياسة غير العادية للمؤسسات من نشاط تعاوني إلى إنشاء وتنظيم هيكل جديد للسلطة في صراع عسكري من أجل إبادة الأعداء. على سبيل المثال فان الثورة الفرنسية هي مثال جديد. فقد “تفككت في الحرب، أو الحرب الأهلية في الداخل. . . ولكن قوة الشعب فازت مؤخراً و إن كانت  لم تتشكل على النحو الواجب فقد تفككت في الفوضى والعنف “

أصبحت السياسة “ساحة قتال” و “كان العنف هو السائد وليس السلطة، وهذا هو الذى قلب المقياس “. 147 ومن المهم بنفس القدر كيف أن ارنت ربطت هذا البعد الاستبعادي للسيادة بالسياسة الدستورية. ولا يمكن تعزيز فكرة السيادة باعتبارها فكرة واحدة ولا يمكن تقسيمها إلا بتفويض عدو “آخر”. 148 السعي إلى التجانس يؤدى منطقياً إلى المعاقبة و تجريم التعددية والاختلافات بحيث ينظر إليها من ناحية، على أنها تهديدات حقيقية وملموسة تجزئ وتضعف السيادة العليا، ومن ناحية أخرى، فإنها تبرر قمع أي شكل من أشكال المعارضة والاختلاف كلما كان هناك احتمال أو تهديد بحدوث انحلال.

مثل فرنسا في الحرب، لا يمكن أن تكون فرنسا قد تسامحت خلال الثورة و فى فترة الانشقاق والانتقادات. كان عليها أن تفترض وجود الاتساق التام للمعتقدات كشرط ضروري لنجاح الثورة. إن هذا الاحتجاج بالعدو، وفقا لأرنت، يفسر لماذا شهدت الثورة الفرنسية مثل هذه الكثافة العالية من العنف والإرهاب. في محاولة لإرساء السيادة الشعبية على أساس مستقر وآمن، افترض الثوار عدو حقيقي أو خيالي اضطروا إلى إبادته. والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أنهم لم يقتصروا على البحث الفضولي عن الأعداء الخارجيين، ولكن من خلال توسيع هذا المنطق المعارض إلى عواقبه النهائية، اكتشفوا أن العدو يمكن أن يكون داخل كل مواطن ظاهر على ما يبدو. و سياسة شميت فى تمييز الصديق من العدو أصبحت داخلية أو هكذا  كان الحال،كما تدعي أرينت، مع روسو و تلميذه المكرس روبسبير، الذي كان يعتقد أن “مثل هذا العدو موجود داخل صدر كل مواطن، أي في إرادته الخاصة واهتماماته. كان الهدف من ذلك هو أن هذا العدو الخفي الخاص يمكن أن يرتفع إلى رتبة عدو مشترك – مما يفرض وحدة على الأمة من الداخل – إذا أضاف المرء كل الإرادة والمصالح الخاصة “. 149 من خلال اختتام هذا العرض لنقد أرنت للشعبية فإنه يمكن القول إن قواعد السيادة، من وجهة نظرها الخاصة، هي العنف، في حين أنها على الصعيد النصي هي السلطة التقديرية والتعسف (150).

 

هذه البدايات المطلقة المستحيلة

أرنت، كما يقول بوني هونيغ، “تبحث في الإعلان الأمريكي و تؤسس لحظة من الشرعية الكاملة”. 151 إذا كان هونيغ محقاً، لن يكون هناك اختلاف كبير بين صيغة شميت للسياسة الدستورية وسياسة أرنت الجمهوريه في التأسيس، وبصرف النظر عن آراءهم المتناقضة بشأن السيادة والإرادة الشعبية. لكن هل أرنت وضعت نظرية “الشرعية الخالصة”؟ 152 لا أعتقد ذلك. فهى تدرك أنه قد يكون ثمة مجازفة و أخطار كامنة في محاولة شميت لتطوير نظرية نقية للشرعية الديمقراطية، أبقت أرنت بعيداً عن هذه الصيغة. فعلت ذلك من خلال رفض فكرة إنشاء الدستور السابق، فضلا ًعن تعريفها للاستثناءات بأنه كسر للمطلق وفجوة قانونية كاملة فاصلة لا رجعة فيها إلى الماضي من الحاضر. النجاح النسبي والمتانة للثورة الأمريكية وفر لها الموارد التاريخية والمادية المفاهيمية المناسبة لاستكشاف نظرية بديلة عن الاستثنائيات. بالنسبة لأرنت، في حين أن إمكانية بداية عفوية جديدة تعني انقطاعا ًعن النظام السياسي والمؤسسي والقانوني السابق، فإنه لا يتوافق مع تمزق مطلق. في تفسيرها لفشل الثورة الفرنسية، وجهت اللوم مباشرة، جنباً إلى جنب مع السيادة، الخيال المروع عن التكسر الكامل والإيمان الأخروي في إمكانية توفر بداية جديدة تماما.153

إن نقد أرنت للبداية المطلقة اتخذ أشكالاً متنوعة و حجج مختلفة. وعلى الرغم من بعض الاختلافات ملحوظة، فقد استرشدت فى جميع ملاحظاتها النقدية بفهم أوسع مفاده أن الفواصل المطلقة، بالإضافة إلى كونها خطرة سياسيا ًوغير ناجحة، هي في نهاية المطاف لا معنى لها ولا يمكن تصديقها. الفكرة القائلة بأن شيئا ما يمكن أن يخرج من القضاء التام على الماضي، أو على التوالي، أن شيئا يمكن أن يبنى حصرا على تبويب المؤسسية والقانونية  كانت تبعا لأرنت وهما مضللا عميقا. [154] “لا أحد يبدأ من جديد”، وأكدت بحزم أثناء مناقشة مفهوم التاريخ على أنه تغيير، لأن “قدرة الإنسان على التغيير” ليست بلا حدود. 155

 

مرة أخرى، قالت شميت أنها تتبعت مغالطة التمزق الكلي إلى التقليد اليهودي المسيحي والعقيدة الميتافيزيقية للقوة الإلهية التي تقطع الوقت وتقسم تاريخ العالم قبل وبعد تدخلات الله. لهذا , فإن التقليد بقى سليماً في العصور الحديثة، على الرغم من تكوينه العلماني المقلوب، و قد عارضت أرنت التجربة الرومانية وفكرة إعادة التجديد. 156 في أي حال، وبغض النظر عن مسألة الأصول التاريخية والمفاهيمية للاعتقاد في “فجوة أسطورية”، فإن العمل لا يمكن أن يحدث في فراغ مؤقت (157). ولا يوجد شيء مطلق ولا شيء طارئ (158). ولا توجد بداية إلا فيما يتعلق بشيء يتم انتقاده. فالسياسة الاستثنائية تفترض وتعتمد على السياسة العادية، التي بدونها لن تكون ممكنة ولا يكون لها أي معنى على الإطلاق.

لهذا السبب، لم تر أرنت أي تناقض بين نظريتها للحرية باعتبارها بداية عفوية غير قابلة للتنبؤ “تحددها طبيعتها وتطيع قوانينها الخاصة” ونقدها للمبادئ المطلقة .159 ومن المؤكد أنها استخدمت أحياناً التعبيرات المضللة عن “جديدة تماما” و “الجدة المطلقة” لوصف الطابع المؤسسي للسياسة الاستثنائية، مما يعطي الانطباع بأنها قد أكدت على وجود بدايات جديدة. 160 ومع ذلك، تتضح حججها،و تتساوي العفوية مع الطوارئ الخالصة.

العفوية ليست مهددة بحد أدنى من الآثار المؤسسية والقانونية للنظام السابق. التهديدات للحرية هي السببية والحتمية والفكرة المقابلة أن شيئا مّا موجود فقط بقدر ما كان مسبباً من خلال شيء سابق له. أي أن الجديد يمكن أن يظهر ضمن إطار موجود مسبقا و لا يعني أنه يتوقف عن أن يكون عفوياً. على سبيل المثال، أن “الجديد يحدث دائما ضد الاحتمالات الساحقة للقوانين الاحصائية ، والتي لجميع الأغراض العملية، اليومية تقتضي اليقين “، لا يعني أن الجديد يظهر خارج هذه القوانين. بل يبرز في علاقته بها، حتى لو كانت هذه العلاقة سلبية وتفاعلية (161)

بداية جديدة تخرج من الداخل وضد المألوف. في هذة الحالة، و بظهور الجديد فى شكل حدث عرضي حبث أن العناصر والعلاقات والأرقام التي تشكل الإطار المحيط لا تحدد أو تسيطر على حدوثها و لا يمكن التنبؤ بها. بل إنها توفر المصفوفة التي يمكن أن يحدث فيها أي حدث من هذا القبيل بصورة مجدية.

 

وفي حالة الانهيار المطلق، كان الحدث نفسه – والذي كان غير مرغوباً فيه – لا يظل غير مفهوم من وجهة نظر العناصر الفاعلة فيه، وكذلك المتفرجين، الذين كانوا يفتقرون إلى الوسائل المعرفية والتقييمية لتقييم هذا التفرد. إن السياق السابق لا يوفر فقط الوسائل المتاحة لمعالجة قضايا الحد من الذات والاستقرار ولكن أيضاً يولد الخريطة الأساسية المعرفية التي تؤهل الجهات الفاعلة التاريخية على تحديد مواقع مشاريعهم وتصبح واعية و لها أهمية فريدة من نوعها و أيضاً استثنائية. وتفقد فكرة الحدث المفرد العفوي تفردها مرة واحدة عندما تنحدر وتنقطع عن الأفاق الخلفية من المعاني. وبدون مثل هذه الأفاق، لا توجد وسيلة للتحقق من خصوصية هذه الظاهرة، وذلك ببساطة لأنه لا توجد معايير قياسية لتقييم والحكم على تفردها فيما يتعلق بكونها أساسية و عادية. في الفراغ، لا يمكن إجراء أي مقارنات، أو مفاضلة، أو تقييمات من أي وقت مضى. فكل الاشياء تتماهى مع بعضها البعض بشكل غامض. في كلمات أرنت، للتفكير في بداية مطلقة يجب “التفكير في ما لا يمكن تصوره” و في جملة القول، اطلعت أرنت على هذا البعد المطلق , فالبدايات التي تبتعد عن أي نظام موجود مسبقاً، تستسلم لما وصفته ببلاغة بـ “الاختناق الحزين” للذات. 163 وقالت أنها كانت تعارض لفشلها في التمييز بين البدايات النسبية و المطلقة، وهو تمييز تميز به القديس أوغسطين فيما يتعلق بالشروط التى تحدد الفرق بين “مبدأ السماء و الأرض ومبادرة الإنسان “. 164 وبغية تطوير هذه الرؤية، خلصت أرنت إلى أن”سمة العمل البشري هي أنه يبدأ دائماً شيئاً جديداً، وهذا لا يعني أنه من المسموح به أبدا أن يبدأ في الإنشاء الأول، . “(165)

وبصرف النظر عن هذه الأفكار الفلسفية الهامة على سخافة بداياتها المطلقة، كانت أرنت أيضا تشعر بقلق بالغ إزاء المخاطر الكامنة وراء هذا التصور البروميثانى عن الفواصل الكارثية. وقد حددت بشكل أساسي، من خلال مناقشتها المقارنة للثورات الفرنسية والأمريكية، خطرين من هذا القبيل: العنف الذي يختبئ وراء أي عمل تمزق خالص؛ والنتيجة المتناقضة للمؤسس المطلق، و الذي، على الرغم من أنه يدعي انكسار لا رجعة فيه الى الماضي، فانه عادة ما ينتهي مع ثورة مضادة أو مع استعادة والعودة إلى النظام القديم من الأشياء.

واحدة من العوامل الأكثر حيوية وراء النجاح الأمريكي تبعا لأرنت كما أكدت مراراً وتكرارا ًعلى عدم وجود مثل هذا الاعتقاد في تمزق المطلق.

 

و قد كان هذا الغياب يعزى إلى حقيقة أن الثورة الأمريكية كانت أقرب إلى التقاليد الرومانية والإرث الجمهوري، بالنسبة إلى أرنت، كما بالنسبة أيضاً للتراث اليهودي المسيحي. وقد سمح ذلك للثوار الأمريكيين بتجنب العنف المرتبط بالمؤسسات المطلقة. وكما اقترحت أرنت ، “لم تكن هناك فجوة، ، بل كان هناك بالكاد منفذ بسيط للتنفس إبان حرب التحرير، ومحاربة الاستقلال و الذي كان شرط الحرية، ودستور الدولة الجديدة”. 166 وعلاوة على ذلك، فإن الإعلان عن الاستقلال وتأطير الدستور، بدلا ًمن الادعاء بأنها  أمور سابقة لعهدها، ببساطة فإنها قد أكدت وقننّت على كينونة الجسم السياسي الموجود بالفعل بدلا ًمن خلقها لنظام جديد. وهكذا نجا الفاعلون في الثورة الأمريكية من جهود “بدء نظام جديد للأشياء” تماماً؛ أي أنهم نجوا من تنفيذ العمل الوحيد و الذي قال عنه ماكيافيلي فى أحد المرات “لا يوجد شيء أكثر صعوبة في القيام به ولا مشكوك في  نجاح عواقبه أكثر من هذا الفعل، ولا أيضاً أكثر خطورة فى التعامل معه”. 167

إن الارتياب المفاجئ أو وخز الضمير الذى أصاب أرنت مع بداياتها الإجمالية كان مستمدا ًمن علاقتها الجوهريّة بالعنف.168 وقد طورت هذه الحجة باستكشاف العواقب المترتبة على إضفاء الصبغة على أسس التصنيف و الاستعاضة عن الفعل (يصنع) بصيغة أخري أكثر تعبيراً. وهذا التحول يولد بالضرورة العنف والإكراه. إن فكرة التأسيس المطلق تساند المجتمع السياسي باعتبار أفراده و كأنهم فنانين أو ديكتاتوريين أقوياء، و من خلال كلا الوصفين فكلاهما يطمح إلى إعادة تصميم الهيكل القانوني والمؤسسي والسياسي للمجتمع منذ البداية (169). وبتقليص السياسة إلى نشاط صنع القرار، واستخدام الثوار الفرنسيون استخداماً واسع النطاق للعقلانية المنطقية ومنطق الوسائل والغايات. فلقد وضعوا أنفسهم في الصورة على اعتبارهم “المهندسين المعماريين”، و الذين هم قادرين على الاستغناء عن الكلام والفعل، وبناء نظام حكم جديد بطريقة مماثلة لتلك التي يقدر بهالفنان على إنشاء عمل فني جديد 170

وبصرف النظر عن حقيقة أن مضاهاة السّياسة بفعل الإنشاء هو على غير المأخذ السياسي، حيث أن الخطة الأولية موجودة فقط في ذهن خالق صامت خارج المجال العام من المظاهر والإقناع والعمل المشترك، كما يدعو  الى العنف، كما يتم تحويله إلى عمل إكراه يمارس على الكائنات الحيّة فى المجتمع الإنساني من أجل تحقيق شيء جديد تماماً، أي أن يتلاءم مع الواقع في الأنماط الجامدة للتصميم الفكري الكبير (171).

بالنسبة الى روبسير و جاكوبينز، على وجه التحديد فانهم قد ابتعدوا عن ممارسة الأسس النسبية وسعوا إلى تحقيق تمزق كامل مع الماضي و انعزال تام عنه  “، و فهم فعل التأسيس تماماً و المتمثل فى صورة الصنع. و لذلك فإن السؤال و الذي كان مطروح أمامهم هو حرفياً ” كيفية “جعل أوإانشاء” جمهورية موحدة أو فرنسية، وتبرير ممارساتها من العنف واستلهام مصداقيتها المتأصّلة من الحجة الكامنة وراءها: فمثلاً لا يمكنك صنع طاولات دون قتل الأشجار، لا يمكنك عمل عجة بدون كسر البيض، و لا يمكنك أن تؤسس لجمهورية دون قتل الناس “. 172

أن الثوريين الأميركيين كانوا قادرين على تجنب لغة وممارسات التمزق المطلق ويرجع ذلك إلى أنهم اعتمدوا على طبقة قانونية موجودة مسبقاً تتألف من المواثيق الملكية والشراكية، والقانون العام، والاتفاقات الاستعمارية، التي ظلت سليمة خلال كامل تلك الفترة (173). وبرفضهم القضاء عليها، ظل الثوار الأمريكيون في نطاق القانون حتى خلال هذه اللحظات الاستثنائية (174) وقد هربوا من انعدام القانون وفراغ السلطة التي كان من المفترض أن ينشأ عنها انقطاع كامل (175). ولم تنقض الشرعية السابقة؛ إلا و قد كان كل موطئ قدم يتم اسغلاله لتأمين بداية جديدة. وبالتالي، لم يولد الجديد,  لا من كسر كامل من الماضي, ولا على نحو سلس، نتاجاً عن تطور طبيعي بسيط أو شكل من أشكال النمو العضوي. وظهرت بشكل غير متوقع بعض من آثار الممارسات والعلاقات القانونية الماضية لتصبح حقيقة مستقلة من تلقاء نفسها.

و في صياغة جيمس  ماديسون، فإن بقاء القانون الاستعماري والقوانين الاستعمارية “يفسر بحجة أن الانفصال عن  بريطانيا العظمى يلقى بنا في حالة الطبيعة كما يلغى جميع الحقوق والالتزامات المدنية”. 176 وكما تشير استعارة الحالة الطبيعية، فان البداية النسبية تعني أنه “في كل حالة يأتي شيء جديد إلى عالم قائم بالفعل” بالإضافة إلى ذلك، اعتمد الثوار الأمريكيون أيضا على وجود الهيئات الحكومية للحكم الذاتي  و التي سبقت الثورة. من خلال الحفاظ على هذه الأماكن العامة التشاركية، تمكنوا من مناقشة، مجادلة، الاختلاف ، إقناع بعضهم البعض، التناظر، والاتفاق على قضايا مشتركة دون اللجوء إلى العنف.

 

هذه المسافات المشتتة بين الحرية والمظهر وفرت إطارا ًللخطاب والفعل السّياسي ، ومن ثم للمنافسة والتعاون، كما شكّلت النّسيج التعددي و دعمت عملية التواصل التي استمرت بالتوازى مع عمليات السياسة غير العادية من خلال توليد القوة اللازمة لتنفيذها. 178 هنا، فإن حجج أرنت تستدعى أفكار مونتيسكو, الفيلسوف الفرنسي المعروف، لأنه بدون هذه العوالم العامة التي سبق حلّها، والتي كانت بدايات مطلقة قد تم تدميرها كما فعلت الثورة الفرنسية عن طريق حل جميع الهيئات السياسية الوسيطة و المنظمة ذاتياً و تحولها إلى كتلة غير متبلورة، فمن المرجح أن الأميركيين استسلموا لنضالات السلطة المماثلة والمعارك الداخلية.

هذه الحجة نابغة للغاية لسبب إضافي واحد. و هو أن أرنت لم ترفض فكرة السلطة التأسيسية كما قيل.179 كما أشار نغري بشكل صحيح، “أعطتنا أرنت أوضح صورة للسّلطة التأسيسية في راديكاليتها وقوتها”. 180 فلقد رفضت نسخة سييس (و شميت) من السلطة التأسيسية، التي كانت قد تحدّدت معالمها من خلال الدولة ذات السّيادة أو الإرادة الشعبية، و وقوعها في حالة طبيعية لا قانون منظّم لها. وخلافاً لهذا الإصدار، سعت إلى إبعاد السلطة التأسيسية عن طريق نقلها الي نطاق العديد من الأماكن العامة التشاركية. وتزعم أن تفرد الثورة الأمريكية كان مستمدا من حقيقة “أنه لم يكن هناك أي استجواب أو تساؤل حول السلطات التأسيسة المخولة الى أولئك الذين وضعوا دساتير الدولة “. 181 وبدلا من السّعي لاستبدال الجودة الشاملة والجمعية للسلطة التأسيسية المتمتعة بإرادة مطلقة غير عادية، قبل الثوريون الأمريكيون بل و دمجوا في نظامهم الاتحادي مواقعها المتعددة، في” عدد الهيئات الفرعية المرخص لها حسب الأصول – المقاطعات و والبلدات و المدن الصغيرة “(182). وبفعل ذلك، حقق الأمريكيون شيئين: أولاً، إضفاء طابع السلطة التأسيسية إلى السيادة، ونقلها في تجمعات متعددة قد تم استبدالها بشكل مسبق؛ وثانياً، ربطوها بعمليات المداولة، والإقناع المتبادل، والحوار العام، أي عمليات تشكيل الرأي الخطابي وصنع القرار (183).

إن فحوى هذه الحجة مدهش حقاً. فلم تنتقد أرنت الثورة الفرنسية و سيييس (أو شميت) لفرض عقيدتهم للسلطة التأسيسية على الأحداث الثورية. و لكن بدلاً من ذلك، كانت تتناقض معها من أجل تحريف، وبالتالي تدمير فكرة السلطة التأسيسية. و بإدراكها التمايز مع الأماكن العامة، هى ترى أنهم قد أساؤوا استخدامها وأهدروا إمكاناتها القائمة. وكما أكدت بقوة، “لو كانت الاتفاقية الاتحادية قائمة، بدلاً من إنشاء وتشكيل السّلطة الاتحادية الجديدة، التي تم اختيارها للحدّ من سلطات الدولة وإلغائها، كان من الممكن أن يتعامل المؤسسون فوراً مع حيرة زملائهم الفرنسيين؛ و الذين كانوا قد فقدوا السلطة التأسيسية المخولة لهم “. 184 لكنهم لم يفعلوا ذلك. في الواقع، مع هذه الحجة، أكدت أرنت أن الثوريين الأميركيين ليسوا قادرين فقط على الحفاظ على سلامة وفعالية السلطة التأسيسية، لكنهم تجنبوا أيضاً الحلقة المفرغة للسياسة التأسيسية. ومن خلال إنقاذ السلطة التأسيسية، أنقذوا السياسة الاستثنائية. 185 إن موقفها تجاه السلطة التأسيسية يتفق تماماً مع مفهومها المفرد للسلطة. نذكر أنه بالنسبة لأرنت، يتم توليد الطاقة فقط من “حيث لا تكون الكلمة و الفعل فى شراكة مقسمة و جزئية”. 186 وهذه هي واحدة من الوظائف الرئيسية للهيئات السياسية قبل تشكيلها: فهي تتألف من الإطار العام الذي يمكن الثوار من الاجتماع، والمناقشة والتناظر، والعمل، ومن ثم توليد قوة تأسيسية، أي سلطة تشكيل حكومة وقوانينها.187

وبالنسبة إلى أرنت، فإن السلطة التأسيسية لا تكون فعالة إلا عندما تكون ثابتة في أماكن عامة غير دستورية. إن الفكرة القائلة بأنها تقع في حالة طبيعية في شكل سيادي، تتألف من عدد لا حصر له من الأفراد المعزولين وغير الكلاميين، إما تتناقض مع المصطلحات التي لا يمكن أن تمثل مصادر هذه السلطة أو حتى الأجهزة البلاغية لديها، في حين أن الاعتراف بوجود السلطة التأسيسية، يدمرها في نهاية المطاف عن طريق انقطاعها عن العلاقات المتبادلة للإقناع. بالنسبةإ لى أرينت، فإن فكرة أن السلطة التأسيسية في حالة من الطبيعة الغير مقيدة بقانون يجب أن تبدو وكأنها كناية بدلاً من التبني الصادق والمبدئي لاحتمالاتها الراديكالية. إن استدعاء السلطة التأسيسية بالتوازي مع رفض الهيئات السياسية ذات التنظيم الذاتي النابض بالحياة والتي يمكن أن تصبح سلطة حقيقة واقعة، تقوض سياسة الاستثنائيات في حد ذاتها. بيد أنها كانت حذرة في الوقت نفسه لتمييز موقفها عن الحجج الإصلاحية أو التطورية البسيطة التى يمكن أن تهدد مفهومها عن البدايات الجديدة.

 

لهذا السبب، أصّرت أرنت على أن تقترب من شميت هذه المرة من خلال كتابات توماس باين، أن السلطة التأسيسية، على الرغم من أنها يجب أن تكون موجودة في الهيئات العامة بشكل مسبق، لا تزال لا سابقة لها قبل النظام الدستوري: “المساحة الخاصة بالمظهر يتم إيجادها كلما قام البشر بشكل جماعي بالكلام والعمل، وبالتالي استباق كل الدستوريات الرسمية للمجال العام ومختلف أشكال الحكومة، أي مختلف الأشكال التي يمكن أن تقوم بتنظيم الحكومة “. 188

وهكذا، عندما تكون السلطة التأسيسية خارج الدستور و أيضا ًسابقة لشكل حكومي معين، فإن هذه السلطة التأسيسة لا تجد نفسها في حالة طبيعية قبل  أن تكون سياسية. ممّا يعني، أولاً، رفض أرنت بشدة الخلط بين جميع السياسات والسياسة المؤسسية، وتجنب التحرير الليبرالي للسياسة وإعادة صياغة الدستور؛ وثانياً، تجنبت خطأ تقويض جميع السياسات خارج الدستور إلى فراغ قانوني ومؤسسي. ووجود “جماعات منظمة” موجودة خارج الدولة، ولكنها ليست في حالة طبيعية غير محددة بقانون منظم لها (189). وفي هذا السياق، اختارت أرنت نسخة لوك عن المجتمع الأصلي الوسيط الذى يقع بين الدولة الطبيعية والسياسية ضد التمييز الواضح لهوبس بين السياسية و ما قبل السياسية. هذا الجانب من نقد أرنت للبدايات المطلقة مثير للإعجاب. وهي تسعى لإثبات ليس فقط أن البداية الكاملة غير مفهومة وخطيرة وعنيفة، وفي نهاية المطاف مستحيلة ولكنها أيضا فشلت في حل الحيرة حول السياسات غير العادية للمؤسسات الجديدة. ومن وجهة نظرها كمنظرة للبدايات الجديدة النسبية، فإن نقدها للثورة الفرنسية يفهم بشكل أفضل. على سبيل المثال، في ضوء أفكار شميت وريد ولكن مع اختلاف المنطق، وقالت أنها انتقدت نواب الجمعية الوطنية التأسيسية الفرنسية بسبب السّعي إلى احتكار السلطة التأسيسية “بدلاً من اتخاذ قراراتهم والمداولات مرة أخرى مع الشعب، و عزل أنفسهم بعيداً عن السّلطات التأسيسية “. 190

الجزء الثاني من نقد أرنت لنقاط التأسيس المطلقة لا جدوى منه. فعلى الرغم من أنه يبدو أنه يمثل انقطاعاً لا رجعة فيه عن الماضي، إلا أنه عادة ما يتبعه ثورة مضادة أو استعادة: “من المعروف أن أكثر الثوريين راديكالية سيصبح محافظاً في اليوم التالي للثورة”. 191

ولسوء الحظ، لم تكرس أرنت الكثير من الوقت في توضيح أسباب هذا الفشل. ومع ذلك، فإن فحوى تحليلها واضح: فمعظم الثورات التي شهدها العالم من بعد الثورة الفرنسية قد ضلت طريقها،لأنه و من بين أمور أخرى، تم تصورها على أنها مؤسسات غير عادلة. 192

جنباً إلى جنب مع هذه الفكرة الخاصة بالتمزق الكامل تأتي حقيقة أنه ” لم يبق هناك أي شيء لـ”المبتدئين” للاستمرار فيه. “193 وبما أن النظام الجديد يطمح إلى أن يولد من العدم، فإنه لا يجد أي دعم ملموس يمكن أن يحافظ عليه و على استمراريته. فقد تم تعليق أسسه و دعائمه في فراغ مؤسسي وتاريخي وقانوني، و في الفراغ الناجم عن التمايز المطلق و القاطع بين مصطلحى “لم يعد” و “ليس بعد”. 194 عدم الاستقرار والانهيار في نهاية المطاف هو ما يمكن أن نتوقعه من مثل هذا النظام الجديد، بقدر ما أن “البداية، كما كانت، ليس بها شيء على الإطلاق يمكن التمسك به, كما لو أنها خرجت من أي مكان و في أي وقت “. 195 كانت سياسة البداية المطلقة هشة بشكل مأساوي. والدعوة إلى اشتقاق شئ جديد من الفراغ الفلسفى يفسر آفاق الدساتير الجديدة المزعجة والقصيرة الأجل. كما تنقطع السلطة عن المراسي الخطابية في العوالم العامة السابقة التأسيس، فإنها أيضا تذوب بشكل استثنائي في الهاوية التي أعدتها لنفسها. فإن انتفي كل الواقع السابق، انتفت هذة النتائج المتوقعة في نهاية المطاف. بالنسبة لأرنت، فبوجود الشرعية فى صورتها النقية، و باعتماد وتيرة شميت و أخذها في الحسبان، لا يمكن أبداً إنشاء نظام قابل للحياة من الشرعية؛ فإنه سيتم امتصاصه مرة أخرى إلى الفراغ الذي حاول الانبثاق عنه.

البدايات المطلقة تقترب بشكل خطير من العدم المطلق. وهكذا، فإنها تمثل مسار مؤلم لاستعادة وتأكيد النظام القديم من الأشياء. إن رؤى أرنت المختلفة يمكن أن تتضح بشكل أفضل فى ظل ما وصفه ألبرت هيرشمان، و الذي يعتمد على توكيفيل المؤرخ الفرنسي، الذى وصفت أطروحته بأنها “أطروحة غير ذات جدوى”. 196 و كما نرى من وجهة نظر هيرشمان أنه يمكن إعادة صياغة نقد أرنت على أنه يشير إلى أن الثورة تتطلع إلى الانقطاع التام و الكامل عن الماضي، مما يرجح أن يتحول هذا الماضي الي أشكال أخري. كما لو كان هذا الماضي متأثر بقانون لا مفر منه مثل قانون الجاذبية التي تقوم بسحبه مرة أخرى، فالبدايات السابقة تتحول بشكل مثير للسخرية إلى إعادة التأكيد على حقائق الماضي.و مع هذة الجدلية المتناقضة، فإن تلك البدايات ما هى الا مجرد استمرارية: و بالإضافة إلى الشروع فى التغيير , لم يحدث شئ و بقي كل شئ كما كان عليه.197

 

 


 الهوامش:

1 – أراتو, المجتمع المدنى و الشرعية. ص 17 و لمنهجية مماثلة و التى لسوء الحظ توقفت سريعاً عن استنباط استنتاجات مناسبة , قم بمراجعة “والتر أل ادامسون” ما بعد الاصلاح أو الثورة , ملاحظات حول التربية السياسية عند جرامشي, هابرماس و أرنت , النظرية و المجتمع 6:3 (1978), صفحات من 429 الى 460.

2- أرنت “أصول الشمولية” صفحة 339.

3- أرنت “رجال فى أوقات صعبة” صفحة 252 , هانا أرنت , صورة الجحيم ,  EU , صفحة 201.

4- من المثير للاهتمام أن نلاحظ أنه اعتبارا ً إلى اليوم ,قد كتب القليل عن العلاقة بين أرنت وشميت. فعلى حد علمى خارج العالم الناطق باللغة الإنجليزية، هناك نقاش نقدي شامل واحد فقط لأرنت وشميت, راجع إنريك سيرانو جوميز Consenso y conflicto. Schmitt, Arendt y la definicio´n de lo politico, المكسيك, مركز الدراسات السياسية المقارنة A C, 1998.

5- مارتن جاي، “الوجودية السياسية لهانا أرنت” في المنفيين الدائمين: مقالات عن الهجرة الفكرية من ألمانيا إلى أمريكا، نيويورك: مطبعة جامعة كولومبيا، 1985، صفحات من  237 الى 256. وقد جادل جورج الكاتب بأن نظرية أرنت حول المشاركة السياسية لها جانب خفى مظلم متعلق بافتتانها بالحالات الحدودية الوجودية، لا سيما، مع الموت باعتباره الأكثر تطرفا، أصالة، وتركيزاً كشكل من اشكال التضحية الذاتية الفردية للمجتمع. راجع جورج كاتب، “الموت والسياسة: هانا أرنت “انعكاسات عن الدستور الأمريكى”، “بحث مجتمعى”، 54: 3 (1987)، صفحات من 612 الى 613.

6- على سبيل المثال، راجع ماوريتسيو باسيرين دإنترفيس، “الفلسفة السياسية لحنا أرنت”، لندن: روتلدج، 1994، ص. 86-87؛ فيلا، أرنت و هيدغر، صفحات من  111 الى 117.

7- تعتمد المقارنة الناقدة بين أرنت وشميت في هذا الفصل على أراتو “أشكال صنع الدستور ونظريات الديمقراطية”، ص 191-231، و ويليام شويرمان “الثورات والدساتير: تحدي حناأرنت لكارل شميت، فى ديزنهاوس، القانون كسياسة، صفحات 280-225.

8- بن حبيب، الحداثة المترددة لحنة أرنت، ص. 200.

9- أرنت، “عن الثورة”، ص. 161، 166، 183-184؛ حنا أرندت، “ما هى السلطة ؟”، BPF، ًص. 139- 140؛ حنا أرنت، “الارادة”، LOM، ص. 202-203، 214-215.

10- أرنت، “عن الثورة”،ص 124.

11- أرنت، ” عن الثورة”،ص 182.

12- أرنت، “عن الثورة”،ص 210.

13- ريموند , كار دي مالبيرج، المساهمة فى النظرية العامة للولاية، المجلد الثانى, باريس، حرية المجتمع لريكويل سيري،ص 494.

14- أرنت، “عن الثورة”، ص. 183-184.

15-  أرنت، “عن الثورة”، ص. 183-184.

16- للاطلاع على عرض للمفارقة التأسيسية، انظر شيلدون س. ولين، “الهوية الجماعية والسلطة الدستورية”، في وجود الماضي، الصفحات 12-13.

17- جاك دريدا، “إعلان الاستقلال،” العلوم السياسية الجديدة، 15 (1986)،صفحات من 7 الى 15. للاطلاع على نقاش مقارن ثاقب حول أرنت ودريدا فيما يتعلق بحيرة الأسس، انظر هونيغ، النظرية السياسية ونزوح السياسة، الصفحات 86-109.

18 – وقد طبق فرانك ميشلمان هذه المفارقة على الديمقراطية، مدعياً أن هناك مفارقة أعمق، وهو ما يطلق عليه “مفارقة الالتزام الديمقراطي” ميشلمان، برينان والديمقراطية، ص 33-34.

19-  للاطلاع على مناقشة تفصيلية لهذه المشكلة، ضد نسخ ديريدا و هونيغ من حيرة الأسس، انظر ديفيد إنغرام، “محاكمة الحداثة أو حكاية الثورتين”، أو في حنا أرنت: عشرين عاما في وقت لاحق، إد. لاري ماي أند جيروم كوهل، كامبريدج، MIT، 1996، pp.222-250.

20-  أرندت، “عن الثورة”،ص 163.

21- أرنت، “الارادة،” ص. 214، 203.

22- للاطلاع على مفاهيم أرنت العديدة، انظر الفلسفة السياسية لحنا أرنت، ص. 64-100.

23- ومن المثير للاهتمام، أنه في كتاب أرنت “أصول الشمولية” تعرف الحرية “كقدرات داخلية. . . متوافقة مع القدرة على البدء “. لاحظ هنا أنه على الرغم من أوجه التشابه الواضحة مع تعريفاتها في وقت لاحق، و التى كانت أكثر منهجية، فان القدرة على البدء تعتبر قدرة داخلية و ليست القدرة على الكشف عن العالم وبناء العالم. كماعرفت الحرية السياسية، على النقيض من ذلك بأنها “مشابهة لحرية الحركة بين البشر” أرنت، أصول الشمولية،ص 473.

24- نظراً لغموض أرنت فيما يتعلق بمفهوم الحرية، انظر بيتكين، الهجوم من النقطة، ص. 245 – ويرى أسمايكل غوتسيغن بحق أنه “في مناقشة أرنت بشأن الحرية، تجدر الإشارة إلى أن هناك بعض الغموض ينشأ عن استخداماتها للمصطلح “مايكل غوتسيغن، الفكر السياسي حول حنّا أرنت، ألباني: جامعة الولاية لصحافة نيويورك ، 1994، ص. 39.

25- أرنت، “الحالة الانسانية”، ص 177-178، 231 – وفي دراستها عن الشمولية، صرحت أرنت بأنه ” فى البداية و قبل أن يصبح حدثاً تاريخياً، فإن القدرة العُليا للإنسان؛ سياسياً، متطابقة مع حرية الإنسان. و كما قال أوغسطين. وتضمن هذه البداية كل ولادة جديدة “. أرنت، “أصول الشمولية”،ص 479.

26- تستخدم أرنت مفهومي الحرية والعمل بالتبادل. كما أنها وضعت هذا المفهوم باعتبار، “المبرر للسياسة هي الحرية و. . . هذه الحرية في المقام الأول يجب تجربتها بالفعل، “و قد قامت بإضافة بضع صفحات في وقت لاحق لتكتب فيها “أن تكون حراً هو أن تكون قادراً على الفعل” أرنت، “ما هي الحرية؟ ” و “بين الماضى و المستقبل”، ص. 151، 153.

27- أرندت، “الحالة الانسانية”،49-55، 205-207.

28- أرندت، “الحالة الانسانية”، ص. 179، 194.

29-  فيلا، أرينت و هيدغر، 1996،.445، 54-55؛ هونيغ، النظرية السياسية و إحلال السياسة، ص 4، 3. من أجل الحرية والتميز في أرينت، انظر أرنت، “ما هي الحرية؟ “الصفحات 158 و 153 و 154 و 163؛ أرنت، “عن الثورة”، ب. 70، 119.

30 أرنت، “الحالة الانسانية”،12 ، 30-31.

31 أرنت، “الحالة الانسانية”،ص 32.

32 أرنت، “ما هي الحرية؟” ص 148.

33 أرنت، “الارادة”، 19 – وفي نص سابق، عرفت أرنت الحرية بأنها حرية التنقل، التي وفقاً لها، هي أقدم تعريف للحرية التي نملكها: “أن نكون قادرين على الرحيل إلى حيث سنكون و تلك هى الاشارة النموذجية لكون المرء حرا، على سبيل المثال لا الحصر كانت حرية التنقل منذ زمن بعيد شرطا مسبقا للاسترقاق. وحرية التنقل هي أيضاً شرط لا غنى عنه للعمل، “أرنت،” عن الإنسانية فى الأوقات الحالكة “، الرجال فى الأوقات الحالكة، نيويورك: كتاب هارفست، 1968، 9.

 34 أرنت، “الحالة الانسانية”، ص 234-235، 32.

35- أرنت، “ما هي الحرية؟”ص 170؛ أرنت، “الحالة الانسانية”،ص 246.

36- أرنت، ” الحالة الانسانية”،ص 191.

37- أرنت، “ما هي الحرية؟”ص 151.

38- أرنت، “عن الثورة”، 21، 167، 234.

39- أرنت، “الارادة”،ص 203؛ أرنت، “ما هي الحرية؟” ص 146؛ أرنت، “عن الثورة”، 234.

40- أرنت، “الفهم و السياسات،” ، ص. 320-321 (التأكيد مضاف).

41 – أرنت، “عن الثورة”،ص 235.

42 – أرنت، “عن الثورة”،ص 126؛ غوتسيغن، أفكار هانا أرنت السياسية،ص 133.

43- بناءً على فهم مختلف للعلاقة بين الديمقراطية والبدايات الجديدة في عمل أرنت، انظر باشن ماركيل، “حكم الشعب: أرنت، Arche، والديمقراطية”، استعراض العلوم السياسية الأمريكية، 100: 1 (2006)، ص 11-13.

44 – أرنت، “ما هي الحرية؟” ص 168.

45- حنا أرنت، “عن حنا أرنت”، عن حنا أرنت: استرجاع الكلمة العامة، إد. ملفين A. هيل، نيو يورك: St. مارتن’s بريس، 1979، 310.

46 -أرنت، “أزمة التعليم”، بين الحاضر و المستقبل، 192.

47 – “لقد أكدت الثورة أن” الثورة “قد أزلت. . . التمييز القديم بين الحاكم والمحكوم “. أرنت، “عن الثورة”، 237.

48 – أرنت، عن الثورة، ص. 46-47.

49 – أرنت، الحالة الانسانية، 194.

50 – كانوفان، حنا أرنت: اعادة تفسير أفكارها السياسية، 212.

51 – أرندت، عن الثورة، ص. 11-13، 21، 27-29.

52- هذا الجانب من فكر أرنت تم التحقيق فيه بعناية من قبل بيتكين، الهجوم من النقطة، ص 194-200.

53 أرنت، عن الثورة، 257 – وفي كلمات الكاتب ذات الصلة، تأتي الحرية السياسية لوصف نسخة أرنت عن “السياسة الكبرى”. جورج كاتب، هانا أرنت: السياسة، الضمير، الشر، توتوا، ن.ج .: رومان & ألانكيلد ، 1983، 18.

54 -أرنت، عن الثورة، 145.

55 -أرنت، الحالة الانسانية، ص. 40-44؛ هانا أرنت، “بعض الأسئلة من الفلسفة الأخلاقية،” بحث اجتماعى، 61: 4 (وينتر 1994)، 777-748.

56 -أرنت، الحالة الانسانية، p. 305.

57 -أرنت، “مفهوم التاريخ”، بين الحاضر و المستقبل، 80.

58 -أرنت، الحالة الانسانية. 230، 180.

59 – تنتقد أرنت خيبة ويبر للعالم من أجل إضفاء الطابع الرومانسي على الماضي والإسقاط برؤية شاملة ومجردة للتاريخ تلغي نتائج الأعمال الإنسانية، ووضعها ضمن سرد كبير للقوى غير الشخصية. أرنت، “مفهوم التاريخ “، ص 63-64، 78.

60 – أرنت، الحالة الانسانية، ص. 322 أرنت، “مفهوم التاريخ”، ص. 90.

61 – أرنت، “ما هي الحرية؟” ص 168، 169.

62 – أرنت، الحالة الانسانية،ص 40.

63 – أرنت، “الفهم و السياسات”، 313-314.

64 – على عكس فيبر، أرنت لا تبحث عن حل في حركة كاريزمية أو زعيم و الذي سوف يعيد العالم من خلال نشر القيم والمعتقدات الجديدة وإنتاج جديد من الهويات الجماعية. أرنت، أصول الشمولية، ص. 250-266، 341-388؛ هانا أرنت، “عن العنف”، ص. 134- ويلاحظ أراتو على نحو صحيح أن “أرنت لا تظهر شيئا سوى ازدراء من أجل صنع دستور رئاسي أو استباقي – كاريزمي”. أراتو، “أشكال صنع الدستور و نظريات الديمقراطية “، ص. 206- وللاطلاع على مناقشة مقارنة موجزة لأرندت ويبر، انظر دي إنترفيس، الفلسفة السياسية لحنا أرنت، الصفحات 24-26.

65- كانوفان، حنا أرنت: A إعادة تفسير أفكارها السياسية،ص 62.

66 -أرنت، “ما هي الحرية؟” ص 169.

67- كلود ليفورت و الذي قارب مفاهيم أرنت أكثر من فيبر فيما يتعلق بالتعطيل، وإقامة إمكانيات العمل السياسي على خلفية المجتمعات الصناعية الحديثة. فان ليفورت يفسر لها التمييز بين القطاعين العام والخاص باعتبارها وحدة “بين عالم مسحور من السياسة والحياة الركيكة. . . [] و التمييز الذي يقع على تعزيز المجال المرئي،و مساعدته في ظهور الفضاء العام “. كلود ليفورت،” حنا أرنت والسياسي “، في الديمقراطية والنظرية السياسية، مينيابوليس: جامعة منيسوتا، 1988، p. (51) قدم شميت حجة مماثلة في مقالة قصيرة ولكنها حاسمة، نشرت قبل بضعة أشهر من نشوء النازية إلى السلطة والتزامه بالاشتراكية الوطنية. شميت، ”  مزيد من التطوير من إجمالي الدولة في ألمانيا ،”. 211-213؛ شميت، LL، ص. 100-108.

69 -أرنت، الحالة الانسانية، 33.

70 -أرنت، الحالة الانسانية، 28؛ الحالة الانسانية، “عن العنف”، 178.

71 -أرنت، الحالة الانسانية، 33.

72 -حنا أرنت، “أزمة التعليم”، بين الحاضر و المستقبل، 188.

73 -بنهابيب، الحداثة المترددة لهانا أرنت، ص 123-124.

74- للاطلاع على مناقشة لأطروحة أرنت، انظر كوهين وأراتو، المجتمع المدني والنظرية السياسية، الصفحات 181-187. للاطلاع على مناقشة مماثلة في شميت، انظر كريستي، كارل شميت و ليبرالية الاستبدادية، ص 179-199؛ ثورنيل، النظرية السياسية فى ألمانيا الحديثة، ص. 66، 84-86، 88-89.

75- للاطلاع على مناقشة لهذا التشابه بين أرنت وشميت، انظر أندرياس كاليفاس، “من القانون إلى القرار: حنا أرنت ومسألة اتخاذ القرار”، النظرية السياسية، 32: 4 (2004)، الصفحات 320-346.

76- شميت، PT، ب. 36-38.

77- شميت، PT،.15، 49-51.

78- أرنت، الحالة الانسانية، ص 246، 247.

79- أرنت، الحالة الانسانية، 205.

80- أرنت، الحالة الانسانية،. 206؛ أرنت، “مفهوم التاريخ”، ص. 43.

81 أرنت، الحالة الانسانية، 190.

82 أرنت، عن الثورة، ص. 27، 172-173؛ أرنت، “عن العنف”، ص. 109، 27.

83 أرنت، “ما هي الحرية؟” ص 169، 170-171؛ حنا أرنت، “مقدمة”، بين الحاضر و المستقبل، ص 5. كانوفان يفصل المعجزات من المؤسسات. ويركز تفسيرها على الأصول المسيحية لمفهوم المعجزة، مع وضع الأسس السياسية وأشكال الدستور في التركة السياسية الرومانية. في قراءة كانوفان، يتم تنفيذ المعجزات فقط من قبل الأفراد. كانوفان، حنا أرنت:اعادة تفسير أفكارها السياسية، 146-147.

84 أرنت، “عن العنف”،ص 109.

85 أوتو جيرك، النظريات السياسية في العصر الوسيط، . F. W. ميتلاند، كامبريدج: صحافة جامعة كامبريدج ، 1900،.33-61

86- انظر هانز كيلسن، مشكلة السيادة، توبنغن: J.C.B. موهر، 1920؛ هانز كيلسن، النظرية العامة للدولة، فيينا: ناشدروك، 1993، ب. 102-119.

87- بنهابيب، الحداثة المترددة حنا أرنت، ص 205-209.

88 -أرنت، “عن العنف”،ص 139. وفي اليونان القديمة، وفقا لأرسطو، كان يعتقد أن السيادة تقام على الرعايا من خلال علاقة الهيمنة التي يمارسها رئيس الأسرة على زوجته وأطفاله أو سيد على عبيده. أرسطو، السياسة،. H. ، المجموعة الكلاسيكية، كامبريدج، ماس: صحافة جامعة هارفارد، 1990، I. i. 7-9، 9.

90 -أرنت، عن الثورة،ص 60.

91 -أرنت، عن الثورة، 776، 77.

92 -أرنت، عن الثورة،ص 76.

93 -أرنت، أصول الشمولية، ص. 465-466.

94 -أرنت، الحالة الانسانية،ص 57.

95 -أرنت، الحالة الانسانية، ص. 52، 182، 198-199.

96 – وعلى الرغم من هذة الإدانة القوية للسيادة، فإن استنتاجات أرنت ليست دائما لا كما تبدو ففى حين رفضت في البداية فئة السيادة فى حال اعتبارها قدرة غير سياسية، أو حتى سياسية، كانت في بعض الأحيان تكافح من أجل استكشاف تصور بديل لا يهدد التعددية والفردية والحرية.

أرندت، الحالة الانسانية، ص 235، 245. ومن المؤكد أن بيتكين كان محقاً في وصف وجهة نظر أرنت بشأن السيادة بأنها “متناقضة وغامضة” كما تنطوي على “توتر لا مفر منه” بين تأييد فكرة تقرير المصير السياسي مع رفض مبدأ السيادة. بيتكين، الهجوم من النقطة، ص. 200.

97 – أرنت، عن الثورة،ص 70.

98 – أرنت، عن الثورة ،ص 153.

99 – أرنت، عن الثورة ،ص 93.

100 – أرنت، عن الثورة ، ص. 156، 94.

101 -أرنت، “عن العنف”،. 138.

102 -أرنت، “الارادة”،. 208.

103 -أرنت، “الارادة،” ص. 63، 66؛ أرنت، عن الثورة، ص. 188-190، 194، 206.

104 -أرنت، “الارادة”،. 68.

105 -أرنت، “الارادة،” ص. 69، 207-208؛ أرنت، “ما هي الحرية؟”. 161.

106 -ومن المثير للاهتمام أن أرنت، مرة أخرى، تقترب جداً من مناقشة كيلسن للإرادة. مثل أرنت، عزا كيلسن هذه القوة الطموحة للإرادة إلى التقاليد اللاهوتية اليهودية المسيحية. ومثل أرنت، أدان هذه الصيغة، مما يذكرنا بالنقد الخاص للإرادة. انظر كلسن، “أسس الديمقراطية”، ص 19-20.

107 -أرنت، عن الثورة،  94.

108 -أرنت، عن الثورة،  183

109 -شميت، PT، ص. 36-52.

110 -شميت، CPD، 31.

111 -أرنت، عن الثورة، 155؛ أرنت، الحالة الانسانية، 17.

112 -أرنت، “الارادة”، 208.

113 -أرنت، عن الثورة، 206.

114 -أرنت، “الارادة”، ص. 208؛ أرنت، عن الثورة، 186.

115 – أرنت، عن الثورة،.180-181. أرنت، ومع ذلك، لا يذكر واحد من أهم الدوافع وراء اختيار سيييس لتحديد السلطة التأسيسية في دولة قضائية فى الحالة الطبيعية. وإلى جانب الإشارة إلى نظرية الشرعية الديمقراطية، سعى سييس كذلك لتطوير نظرية للحرية السياسية. وكما بينت أرنت، فإن هذه الصيغة تثير العديد من الأسئلة المثيرة للقلق. وفي الوقت نفسه، محاولة سيييس تستحق أن تلاحظ لأنه يكشف عن التوترات بين الحرية السياسية والنظام القانوني والتحديات من وجهة نظر ليبرالية تقليدية مفادها أن الحرية لا يمكن أن توجد إلا في واقع قائم. بمعنى، يمكن تفسير مشروع سيييس على أنه محاولة لتوسيع حدود السياسة و استيعاب أشكال التدخل السياسي التي تتجاوز حدود النظام القانوني. سيييس، كوي “ما الثلاثة المملوكة للدولة؟” ص. 183.

116 – أرنت، عن الثورة، 181 .

117 – أرنت، عن الثورة، 107؛ أرنت، أصول الشمولية، ص. 294-295.

118 -أرنت، “وطن الأقلية و غير ذوى الحالة المعرفة”، أصول الشمولية، ص. 269-290.

119 -أرنت، أصول الشمولية، ص. 295-296. ولمناقشة ممتازة لموقف أرنت المتناقض تجاه الحقوق، والذي يكشف عن نقاط القوة والقيود في نهجها، انظر جان كوهين، “الحقوق والمواطنة في حنا أرنت. معضلات الجمهوريات الأرنتية “المجموعة، 3: 2 (1996)،.164-189.

120 -أرنت، أصول الشمولية، ص. 302، 297.

121 -أرنت، عن الثورة،ص 108.

122 -أرنت، “وطن الأقلية و غير ذوى الحالة المعرفة”، أصثول الشمولية،ص 277.

123 -أرنت، أصول الشمولية، 447.

124 – أرنت، عن الثورة، 108.

125 – أراتو، “أشكال صنع الدستور ونظريات الديمقراطية”، ص. 226.

126 – أرنت، أصول الشمولية، 290.

127 – أرنت، عن الثورة، 181.

128 – أرنت، عن الثورة، 167.

129 – أرنت، عن الثورة، 115.

130 – هيغل، عناصر فلسفة اليمين، ص. 38-39.

131- هوجو غروتيوس، قانون الحرب و السلام، باريس:  1999، I، الفصل. 3، الفقرة. 7، 98.

132- بينيديكت دي سبينوزا، A الأطروحة السياسية اللاهوتية،. R.H. إلويس، نيو يورك: دار نشر دوفر ، 1951، 211.

133 جون أوستن، مقاطعة الفقه المصممة واستخدامات الفقه، إنديانابوليس: هاكيت، 1998، ص. 255، 254.

134 -هوبز، ليفياثان، إد. ريتشارد تاك، كامبريدج: صحافة جامعة كامبريدج ، 1992، الجزء E، فصل. 26، 184.

135 -أرنت، أصول الشمولية، 230.

136 -أرنت، عن الثورة، 77.

137 -أرنت، عن الثورة  163.

138 -أرنت، عن الثورة ،  125.

139 -أرنت، “الارادة”، 83.

140 -أرنت، عن الثورة ، ب. 93، 144، 159.

141 -أرنت، عن الثورة ، 125.

142 -أرنت، “ما هي الحرية؟” 163.

143 -أرنت، “ما هي الحرية؟” p. 296n21. وبطبيعة الحال، فشلت أرنت في رؤية الاختلافات الكبيرة بين روزيو وشميت حول مفاهيم السيادة، ولا سيما البعد المؤسس لهذا الأخير. نسخة شميت تدمج المشرع والشعب بدلا من جعلها منفصلة، كما فعل روسو.

144 -شميت، CP، 39. جيريمي والدرون يفتقد هذا الجانب من نظرية أرنت عندما يؤكد أنها اعتمدت على فهم شميت للعداوة. والدرون، “السياسة الدستورية لأرنت،” ص. 206. لإجراء مناقشة مضيئة لرفض أرنت للتمييز بين الصديق و العدو ديانا، فيلا، السياسة, الفلسفة و الإرهاب: مقاطع من أفكار حنا أرنت، برينستون:صحافة جامعة برينستون ، 1999،.81، 109، 123.

145 -أرنت، الحالة الانسانية، 200.

146 – أرنت، عن الثورة، 164.

147 – أرنت، عن الثورة،  91.

148 – أرنت، عن الثورة،  77.

149 – أرنت، عن الثورة،  78.

150 – أرنت، عن الثورة،  175.

151 -هونيغ، النظرية السياسية ونزوح السياسة، ص 107، 9.

152 -هونيغ، النظرية السياسية ونزوح السياسة، ص. 107.

153 -أرنت، “الارادة”، . 205؛ أراتو، “أشكال صنع الدستور ونظريات الديمقراطية”، ص 209-210.

154 -أرندت، “ما هي الهيئة؟”  141.

155-  حنا أرندت، “المدنية الغير مطيعة”، CR، ص. 79، 78.

156-  أرنت، “الارادة”، الصفحات 203-205، 211؛ أرنت، “ما هي الهيئة؟” 140.

157 -أرنت، “الارادة”،  204.

158 -أرنت، “الارادة”،  146.

159 -أرنت، “الارادة”، 62.

160 -أرنت، عن الثورة، ص. 21، 212.

161 – أرنت، الحالة الانسانية، 178.

162 – أرنت، “الارادة”،ص 208.

163 – أرنت، “مفهوم التاريخ”، ص. 89.

164 – أرنت، “الارادة”، 110.

165 – حنا أرنت، “الكذب في السياسة،” CR، 5.

166 – أرنت، “الارادة”، 141.

167 – أرنت، “ما هي الهيئة؟” ص 140-141.

168 – أرنت، عن الثورة، ص. 20، 37، 39.

169 – بالنسبة للعلاقة بين المؤسسات المطلقة، ونموذج صنع، والاستبداد، انظر أرنت، “ما هي السلطة؟”ص 112.

170 – أرنت، عن الثورة،ص 208.

171 – أرنت، الحالة الانسانية، ص. 227، 305-306؛ أرنت، “ما هي الهيئة؟”ص 111.

172 -أرنت، “ما هي الهيئة؟” 139، هانا أرنت، “البيض يتحدث”،  270- 284. ولهذا السبب ولتجنب هذه العواقب، جادلت أرينت في بعض الأحيان، على الرغم من أنه كان بشكل غير حاسم، أنه لا ينبغي الخلط بين هذا العمل والإبداع. أرنت، الحالة الانسانية، 296؛ أرنت، “على أهبة الاستعداد”، ص. 217.

173 – أرنت، عن الثورة، ص. 168، 177-178.

174 – أرنت، عن الثورة، 92.

175 – أرنت، عن الثورة، 148.

176 –  جيمس ماديسون، “خطاب الى جورج واشنطن، أكتوبر 18، 1787″، فى الكتابات، إد. جاك راكوف، نيو يورك: تحرر أمريكا، 1999، 141.

177 – أرنت، “ما هي الحرية؟” 167

178 – أرنت، عن الثورة، ص. 168، 175-176.

179 – هنا أختلف بشدة مع حجة ألان كينان بأن أرنت رفضت تماما فكرة أن السلطة التأسيسية مرتبطة ارتباطا لبس فيه تماس مع مفهوم الإرادة الوطنية. على الرغم من أنه تم التأكيد على خلاف أرنت مع السلطة التأسيسية و الإرادة الوطنية، وقال انه من الخطأ عندما يدعي أنها رفضت السلطة التأسيسية في حد ذاتها. كما أرى، سعت أرنت إلى إعادة صياغة مضمون ونطاق وموقع السلطة التأسيسية من أجل إنقاذ إمكانياتها الراديكالية للحرية السياسية، و التي اعتقدت أنها طمست من قبل سييس (وربما من قبل شميت) نسخة. آلان كينان، “وعود، وعود. هاوية الحرية و فقدان السياسات , عمل لهانا أرنت، “النظرية السياسية، 22: 2 (1994)،ص 310.

180 – نيغري، التمرد، 19.

181 – أرنت، عن الثورة، 165.

182 – أرنت، عن الثورة، 165.

183 – أراتو، المجتمع المدني، الدستور، والشرعية، ص. 39.

184 – أرنت، عن الثورة، 165.

185 – أرنت، عن الثورة،  166.

186 – أرنت، الحالة الانسانية،  200.

187 – أرنت، عن الثورة،  145.

188 – أرنت، الحالة الانسانية، 199 (التأكيد مضاف).

189 – أرندت، عن الثورة، 166.

190 – أرنت، عن الثورة، 126.

191 – أرنت، “العصيان المدني”، ص. 78.

192 – أرنت، “ما هي الهيئة؟” 141.

193 – أرنت، “الارادة”،ص 208.

194 – أرنت، عن الثورة،ص 205؛ أرنت، “على أهبة الاستعداد”، ص. 203.

195 – أرنت، عن الثورة،ص 206؛ أرنت، “عن الانسانية في ظل الأوقات الحالكة”،ص  11.

196 – ألبيرت أو. هيرسشمان، جدلية رد الفعل: الشذوذ , عدم الجدوي و المخاطرة، كامبريدج، ماس: صحافة جامعة هارفارد ، 1991.

197 – هيرسشمان، جدلية رد الفعل،ص 43.

 

 

error: المحتوى محمي