اليقين – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: عبير الجربوع

اليقين – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: عبير الجربوع


حول اليقين، أنواع اليقين، ومفاهيم اليقين، والبعدان لليقين؛ نص مترجم للـد. بارون ريد، مراجعة وتدقيق: مصطفى حفناوي، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة. نسخة PDF


     يُعد اليقين خاصيةً معرفيةً للمعتقدات مثل المعرفة. (بطريقة ثانوية، اليقين هو خاصية معرفية للأفراد أيضا: S متيقن من P فقط في حالة أن S يعتقد بأن P متيقن). ورغم اعتقاد بعض الفلاسفة بعدم وجود فرقٍ بين المعرفة واليقين؛ إلا أن التمييزَ بينهما أصبح شائعًا بشكلٍ متزايد. وفقًا لهذا المفهوم، فاليقين إذًا، هو إما أعلى شكل للمعرفة، أو هو الخاصية المعرفية الوحيدة المتفوقة على المعرفة. أحد الدوافع الرئيسة للسماح بأنواع من المعرفة أقل من اليقين، هو الإحساسُ الشائع بأن الحجج المتشككة تنجح في إظهار أننا نادراً ما نملك معتقداتٍ يقينيةً (انظر أنجر: Unger 1975 لهذا النوع من الحجة المتشككة) ولكننا لا ننجح في إظهار أن معتقداتنا كاملة من دون قيمةٍ معرفية (انظر على سبيل المثال: ليهرر Lehrer 1974، وليامز Williams 1999، وفيلدمان Feldman 2003، انظر فيميرتون Fumerton 1995؛ للبرهنة على أن التشكيكَ يقوّض كل حالة معرفية يملكها الاعتقاد؛ وانظر كلاين Klein 1981؛ للبرهنة على أن المعرفة تتطلب اليقين، وهو ما يمكننا الحصول عليه).

     وكما هو الحال مع المعرفة، فمن الصعب تقديم تحليلٍ لليقين غيرِ مثيرٍ للخلاف؛ وذلك لعدة أسبابٍ، أولُها، هو أن هنالك أنواعًا مختلفةً لليقين يمكن دمجها بسهولةٍ. وثانيها، أنه من الصعب الإمساك بالقيمة الكاملة لليقين. والسبب الثالث هو أن هناك بعدين لليقين، اعتقاد يمكن أن يكون يقينًا في لحظةٍ، أو اعتقاد يكون يقينًا في زمن أطولَ.

  1. أنواع اليقين

  2. مفاهيم اليقين

  3. بعدان لليقين

  • المراجع

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مقالات ذات صلة


  1. أنواع اليقين

     هناك أنواع مختلفة من اليقين، الاعتقاد هو يقين نفسيٌّ؛ عندما تكون الذات التي تملكه مقتنعةً جدًا بحقيقته، واليقين بهذا المعنى يشبه الرسوخ، وهو الخاصية التي وُجد الاعتقادُ بسببها، كما أن الذات غير قادرة على التخلي عنها، لكنّ اليقينَ النفسيَّ ليس هو نفسه الرسوخ، يمكن أن يكون الاعتقاد يقينًا بهذا المعنى، دون أن يكون راسخا؛ قد يحدث هذا على سبيل المثال عندما تتلقى الذات قدرًا قويًّا جدًا من الأدلة المضادة للاعتقاد اليقينيّ (السابق) وتتخلى عنه لهذا السبب. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يكون الاعتقاد راسخًا دون أن يكون يقينًا نفسيًّا. على سبيل المثال، قد تكون الأم غيرَ قادرةٍ على التخلي عن الاعتقاد بأن ابنَها لم يرتكبْ جريمةَ قتلٍ فظيعة؛ ولذا يمكنُ أن تتعذبَ بالشكوكِ؛ بسبب هذا الاعتقاد الذي لا يُمكن إخمادُه.

     النوع الثاني من اليقين معرفيٌّ، بشكل تقريبيّ. الاعتقاد هو يقين بهذا المعنى؛ عندما يمتلك أعلى حالةٍ معرفيةٍ ممكنة. غالبا ما يقترن اليقين المعرفيّ باليقين النفسيّ، ولكن ذلك يجب ألّا يكون؛ فمن الممكن أن يكون للذات اعتقاد بأعلى حالة معرفية ممكنة، لكنه لا يدرك ذلك.

(بشكل أكثر عموميةً، أن تكون الذات متيقنة من P؛ لا يترتب عليه أن تكون متيقنة من أنها متيقنة من P، في هذا الصدد انظر فان كليف Van Cleve 1979، وانظر ألستون Alston 1980 على مستوى الارتباك في نظرية المعرفة). وفي مثل هذه الحالة، قد تشعر الذاتُ بعدمِ الثقة الكاملة بأن موقفَها المعرفيَّ مُبررٌ. سأتحدث أكثر أدناه عن تحليل اليقين المعرفي وعلاقته باليقين النفسي.

     يستفيد بعض الفلاسفة أيضًا من مفهوم اليقين الأخلاقيّ (انظر ماركي Markie 1986). في النسخة اللاتينية من الجزء الرابع من مبادئ الفلسفة على سبيل المثال، يقول ديكارت Descartes إن: “بعض الأشياء تعتبر يقينًا أخلاقيًّا، أي يقينًا كافيًا؛ للتطبيق على الحياة العادية، رغم أنها قد تكون غير متيقنة في العلاقة مع القوة المطلقة: الله”. (PW 1، ص289-90). ومن ثم فإن اليقين الأخلاقيَّ يبدو معرفيًّا في طبيعته، رغم أنه في وضع أقل من اليقين المعرفيّ. لكن ديكارت Descartes يقول في النسخة الفرنسية، إن: “اليقين الأخلاقي هو اليقين الذي يكفي لتنظيم سلوكنا، أو الذي يرقى إلى مستوى اليقين في الأمور المتعلقة بسلوك الحياة، التي لا نشكك فيها عادةً، رغم أننا نعلم أنه من الممكن بكل تأكيد أن تكون خاطئة” (PW 1، ص289 رقم 2). إن فهمنا بهذه الطريقة لا يبدو أنه نوع من المعرفة، بالنظر إلى أن الاعتقاد يمكن أن يكون يقينًا أخلاقيًّا، لكنه خاطئ (كونترا ماركيcontra Markie  1986، ص 36). فمن وجهة النظر هذه، ليكون الاعتقاد يقينا أخلاقيًّا؛ يجب أن يكون عقلانياً إلى درجةٍ عاليةٍ.

     ورغم أن جميع أنواع اليقين الثلاثة، مثيرةٌ للاهتمام من الناحية الفلسفية، إلا أن اليقين المعرفيَّ هو الذي يحتل أهميةً مركزيةً. وفيما يلي سأركز بشكل أساسيّ على هذا النوعِ من اليقين.

  1. مفاهيم اليقين

     كان هناك العديد من المفاهيم المختلفة لليقين. وكلُّ مفهوم منها يجسد جزءًا أساسيًّا من فهمنا البسيط لليقين، لكن كما سنرى لا يوجد مفهوم خالٍ من الإشكاليات.

     وغالبا ما يُفسر اليقين بالشيء الذي لا يرقى إليه الشك، ويحدث هذا بطرق عدة.

     يقترح ديكارت Descartes أحد القيم البارزة لليقين من خلال عرضه لنقطة أرخميدس الشهيرة “cogito” (أنا أفكر، إذن أنا موجود). في التأمل الثاني يستعرض ديكارت Descartes الشكوك الواسعة في التأمل الأول، قبل أن يقول إنه حتى لو “كان هناك مخادع مُنْكِرٌ للقوة العليا يخدعني بشكل متعمد ودائم” إلا أنه “لن يغير حالة أنني لا شيء طالما أنا شيء” (PW 2، ص17). ثم يخلص ديكارت Descartes إلى أن الافتراض بأنه هو نفسه موجود حقيقيٌّ كلما فكر به. غالبًا ما يُعتقد أن “cogito” له حالة معرفية فريدة بفضل قدرته على المقاومة، حتى مقاومة الشكوك “المتسمة بالغلوّ” المثارة في التأمل الأول (انظر ماركي Markie 1992 وبروفتون Broughton 2002). ومع ذلك حتى، لو أخذ ديكارت Descartes هذا الرأي عن يقين “cogito“، فإنه لم يقبل الادعاء العام بأن اليقين يستند إلى عدم قابلية الشك. في التأمل الثالث، يقول ديكارت Descartes إنه متيقن من أنه شيء مفكر، ويشرح يقين هذه “الفقرة الأولى من المعرفة”. (من غير الواضح ما إذا كان يعتبرها متميزة عن “cogito“) بوصفها نتيجة للحقيقة؛ أنه إدراك واضح ومتميز (PW 2، ص24). (ومع ذلك الأمور معقدة بسبب أن ديكارت Descartes يقول أيضًا في التأمل الثالث، أن اليقين يعتمد على معرفةِ أن الله موجودٌ وليس مخادعًا).

     يبدو أن لودفيج فيتجنشتاين Ludwig Wittgenstein يربط بين اليقين وعدم الشك. يقول: “إذا حاولت الشك في كل شيء؛ فلن تصل إلى ما يمكن أن تصل إليه عند الشك في أي شيء، إن لعبة التشكيك بحد ذاتها تستلزم اليقين”(1969، §115). ما يجعل الشك ممكنا هو “حقيقة أن بعض الافتراضات معفاةٌ من الشك، كما لو كانت مفصلات يعاد عليها”. (1969، §341).

     رغم أن وجهة نظر فيتجنشتاين Wittgenstein تُعتبَر ردًّا معرفيًّا مُرضيًّا للشكوكية في بعض الأحيان (أو تقدِّم الأساسَ لرد معرفي مُرْضٍ). (انظر على سبيل المثال، رايت Wright 2003 و2004)، إلا أنه من الصعب أن نرى نوع اليقين الذي يصفه بأنه معرفيّ، أكثر من كونه مجرد نفسيّ بطبيعته (في هذا الصدد، انظر بريتشارد Pritchard 2005). وعندما يقول فيتجنشتاين Wittgenstein: “إن الصعوبة تكمن في أننا ندرك عدم منطقيةِ معتقداتنا” (1969، §166)، يبدو واضحًا أن ما يسمى بالافتراضات المفصلية؛ هي تلك التي لا نكون قادرين نفسيًّا على التشكيك بها. وهذا بالطبع متوافق مع كونها زائفة.

     بشكلٍ عام، ستواجه كل قيمة لليقين غير قابلة للشك مشكلة مماثلة. قد تُطرح المشكلة على أنها معضلة: عندما تجد الذات نفسها غير قادرةٍ على الشك في أحد معتقداتها، فإما أن يكون لديها أسبابٌ وجيهة لعدم قدرتها على الشك في ذلك، أو ليس لديها. إذا لم يكن لديها أسباب وجيهة لعدم قدرتها على الشك في المعتقد؛ فإن نوع اليقين المعنيّ يمكن أن يكون نفسيًّا فقط، وليس معرفيا بطبيعته. من ناحيةٍ أخرى، إذا كان للذات أسبابٌ وجيهةٌ لعدم تمكنها من الشك في الاعتقاد، فقد يكون الاعتقاد يقينًا معرفيًّا.
لكن في هذه الحالة، ما يجعل الاعتقاد يقينًّا؛ سيكون هو سبب الذات للتمسك به، وليس حقيقةَ أن هذا الاعتقاد غير قابل للشك.

     هناك مشكلة ثانية تتعلق بقيمة اليقين، عدم القابلة للشك، وهي أنه من ناحيةِ حتى المعتقدات التي هي يقينٌ معرفيٌّ، يمكن أن تكون موضعَ شكٍّ معقول. سأذكر المزيد عن هذا في §3 أدناه.

     ووفقًا لتصور ثانٍ، فإن اعتقاد الذات يكون يقينًا فقط في حالة أنه ليس من الممكن أن يكون خاطئًا – أي كاذبًا (انظر على سبيل المثال، لويس Lewis 1929). وبدلاً من ذلك، فإن اعتقاد الذات يكون يقينًا عندما تكون صحته مضمونة. هذا ما يسميه رودريك فيرث Roderick Firth الشعور “بتقييم الحقيقة” بمعنى اليقين (1967، ص. 7-8). مع معرفة P، يتم التيقن أن P يستلزم حقيقة P. لكن اليقين أقوى بكثير من أشكال المعرفة الأقل. في الحالات التي تعرف فيها الذات P دون أن تكون متيقنة، يكون P حقيقيًّا رغم أنه قد يكون خاطئًا. لكن عندما تكون الذات متيقنة من P، لا يتحول فقط إلى كونه حقيقيًّا أن P – بل في بعض الحالات لا يمكن حدوث العكس.

     إن صعوبة مفهوم اليقين هذه، هي تحديد المعنى الدقيق الذي لا يمكن أن يكون الاعتقاد فيه باطلاً. ما هو مقصود لا يمكن أن يكون ما يسمى بالميتافيزيقية أو بشكل عام الاستحالة المنطقية. رغم أن بعض المعتقدات اليقينية النموذجية صحيحةٌ بالضرورة بهذا المعنى، إلا أن العديدَ منها ليست كذلك. على سبيل المثال، رغم أنني متأكد من حقيقة الـcogito، فإنه ليس صحيحًا بالضرورة أنني موجود (بالمعنى الميتافيزيقي). أي أنه من الممكن أنني ربما لم أكن موجودًا. قد نحاول حل هذه الصعوبة بالقول بأن صحة الاعتقاد مضمونة لدى الذات التي أسست لها (انظر على سبيل المثال أودي Audi 1998، ص. 218-9). لكن هذا يثير مشكلتين إضافيتين لهذا المفهوم من اليقين، أولاً، إذا كانت حقيقة الاعتقاد مضمونة لدى الذات التي أسست للتمسك به؛ فيبدو الأمر كما لو أن يقين الاعتقاد يجب أن يعزى إلى تلك الأسس أيضًا. بمعنى أن الاعتقاد سيكون يقينا؛ ليس بحكم كون حقيقته مضمونةً، بل بحكم علاقته بالأسس التي تجعل هذا الضمان ممكنًا. وسيكون هذا بسبب أن الأسسَ ستوفر تفسيرًا أعمقَ ليقينِ الاعتقاد، أكثر من حقيقة أن الاعتقاد مضمون الصحة.

     المشكلة الثانية تشبه إلى حدٍّ كبير تلك التي ظهرت للفلاسفة الذين يحاولون تقديم قيمةً للمعرفة اللامعصومة (التخطيئية) (أي المعرفة الأقل من اليقين). وفقا للقيمةِ المعيارية، فإن الذات لديها معرفة لامعصومة (تخطيئية) أن P عندما تعرف أن P على أساس بعض التبرير هو J، ومع ذلك يمكن أن يكون اعتقاد الذات خاطئًا في حين أنه لا يزال قائمًا على أسس J (راجع على سبيل المثال، بونجور BonJour 1985، ص 26، وليهرر Lehrer 1990، ص 45). بدلا من ذلك، تعرف الذات P على أساس بعض التبرير J، لكن J لا يترتب على حقيقة P (انظر على سبيل المثال كوهنCohen  1988، ص 91؛ فوغيلن Fogelin 1994، ص88-9؛ وجيشيون Jeshion 2000، ص334-5). تكمن المشكلة في القيمة المعيارية، في كلتا النسختين، في أنه لا يسمح بالمعرفة اللامعصومة (التخطيئية) للحقائق الضرورية. إذا كان من الصحيح بالضرورة P، فإن اعتقاد الذات بأن P لا يمكن أن يكون خاطئا، بغض النظر عما قد يكون عليه تبريرها. وإذا كان صحيحًا بالضرورة P، فإن كل شيء – بما في ذلك تبرير الذات لإيمانها- سوف يستلزم أو يضمن P.
إن محاولتنا لتعليل اليقين تصادف المشكلة المقابلة: أنها لا تسمح للذات بأن يكون لديها اعتقادٌ بخصوص حقيقة ضرورية لا تُعدُّ يقينًا. إذا كان الاعتقاد صحيحًا بالضرورة؛ فلا يمكن أن يكون خاطئًا – حتى عندما تكون الذات قد وصلت إلى التمسك بإيمانها لسببٍ سيء جدًا (على سبيل المثال نتيجة للتخمين أو التمني). ونظرًا إلى أن المعتقدات هي صحيحة بالضرورة، فإن حتى هذه الأسس السيئة للتمسك بالاعتقاد، سوف تستلزم أو تضمن أنها صحيحة.

     إن أفضل طريقة لحل مشكلة تحليل المعرفة اللامعصومة (التخطيئية) هي التركيز، ليس على العلاقة التراتبية، بل على العلاقة الاحتمالية القائمة بين مبرر الذات والافتراض الذي تعتقده (انظر ريد Reed 2002).
عندما تعلم الذات أن P على أساس التبرير J، وأن P (P /J) أقل من 1، تكون معرفة الذات لامعصومة (تخطيئية). (رغم أن علماء المعرفة سيختلفون حول المفهوم المناسب للاحتمالية، وهنا مثال صريح على كيفية ظهور الاحتمالية في نظرية المعرفة اللامعصومة ]التخطيئية[. سيقول أحد التاريخيين الأساسيين الموثوقين، أن الاعتقاد له ما يبرره فقط في حال تم إنتاجه من خلال عمليةٍ أسفرت عن رجحان اعتقاد حقيقيّ، إذن، إذا أسفرت العملية عن اعتقاد حقيقيّ، لنقل 90٪ من الوقت، فإن احتمال أن الاعتقاد المقبل سيكون صحيحًا هو 90٪؛ وهذا هو الحال، حتى إذا كان المعتقد المعني صحيح بالضرورة، واستُنتج منطقيًّا من مجموعةٍ من المعتقدات، كل منها صحيح بالضرورة). لتكييف هذا الحل لمشكلة اليقين، يمكننا القول:
إن الذات متيقنة أن P إذا كان P (P /J) = 1، حيث J هو مبرر أو أساس الاعتقاد (انظر فان كليف Van Cleve 1977 ولويسLewis  1952). لكن لكي ينقل J الاحتمالية من 1 إلى P، يجب أيضًا أن تكون P (J) = 1. وهذا يعني أن J يجب أن يكون يقينًا للذات قبل أن يجعل أي شيء آخرَ يقينًا.

     ولكن إذا أردنا أن نفسر اليقين بأن P بالاستناد إلى اليقين بأن J، فإننا نقع في تراجع باطل. الطريقة الوحيدة لوقف ذلك هي السماح لبعض المعتقدات بأن يكون لديها احتمالية جوهرية لـ 1 (انظر راسل Russell 1948، ص396، وفان كليف Van Cleve 1977). لكن من الصعب رؤية كيف أن الاحتمال الجوهري من هذا النوع ممكنٌ (طبعا باستثناء القيم الذاتية للاحتمالية، والتي يمكن أن تتمسك باليقين النفسيّ فقط).

     وفقا لمفهوم ثالثٍ من اليقين، فإن اعتقاد الذات أن P هو يقين عندما يكون مبررًا في أعلى درجة. هذا ما يسميه فيرث “مذكرة تقييم” معنى اليقين (1967، ص. 8-12). وهكذا يقول برتراند راسل Bertrand Russell إن: “الافتراض يكون يقينًا؛ عندما يكون لديه أعلى درجة من المصداقية، سواء في جوهره أو نتيجة للحجة” (1948، صفحة 396). هناك طرق مختلفة لفهم ماذا يعني أن يكون المعتقد ذا مصداقيةٍ، أو مبررًا في أعلى درجة. قد يعني ببساطة أن هذا الاعتقاد له ما يبرره تمامًا، مثل أي اعتقاد تتمسك به الذات. ولكن في الحالات التي لا يكون فيها للذات أيةُ معتقدات مبررة بدرجة عالية، فإن هذا يعني ضمنًا، أن الاعتقاد ذا المبرر المنخفض نسبياً، يكون أكيدًا من الناحية المعرفية. ربما يمكننا القول بدلاً من ذلك أن الاعتقاد له ما يبرره، إلى أقصى درجةٍ؛ عندما يكون مبررًا مثل أي اعتقاد تحمله أيُّ ذات. ولكن هذا أيضا يترك الباب مفتوحًا، لاحتمال أن يكون الاعتقاد بمبررات منخفضةٍ نسبيًا يقينًا من الناحية العلمية: إذا كانت كل الذوات الموجودة في حالة من الجهل العام، فإن جميع معتقداتهم – حتى أفضلها – سيكون لها مستوى منخفض من التبرير. ربما، إذن، يجب أن نقول: إن الاعتقاد مبررٌ في أعلى درجة؛ عندما يكون لديه أعلى مستوى ممكن من التبرير. لكن حتى هذه القيمة غير مرضية. لنفترض أن الشكوك العالمية صحيحة بالضرورة: إنها حقيقة ضرورية أنه لا يوجد ذاتٌ قادرةٌ على تبرير الكثيرِ من معتقداتها. رغم أنه قد يبدو لنا، وكأن قدرًا كبيرًا من التبرير ممكنٌ؛ إلا أن هذا في الواقع غيرُ صحيحٍ. عندها سيكون من الصحيح بداهةً أن نقول أن كل اعتقادٍ لا يرقى إلى مستوى اليقين، رغم أن قيمة اليقين قيد النظر لن تسمح بذلك. قد نشك بالطبع في أن التشكيك في هذا التنوع القويَّ صحيح، مع ذلك لا ينبغي استبعادها بوصفها مسألة قضية للتعريف.

     يقدم رودريك تشيزهولم Roderick Chisholm اختلافًا حول المنهج السابق. طبقًا لتعريفه الأول لليقين (حيث H، S، T متغيرات، للافتراضات والذوات، والأوقات، على التوالي):

H هو يقين بالنسبة لـ S على T = df (I) يعتبر قبول H أكثر منطقية من S على T من حجب H (على سبيل المثال عدم قبول H وعدم قبول أن لا H). و(II) لا يوجد I، مثل قبول I أكثر منطقيةً بالنسبة ل S على T من قبول H. (1976 ، ص27)

     فقرة (I) تضمن أنه قد يكون للذات بعض المقاييس للمبررات الإيجابية لـ H – إذا لم يكن لديها مبرر لذلك؛ سيكون من الأفضل لها أن تحجب ما يتعلق بـ H.  ثم تقول الفقرة (II) أن معتقدات هذه الذات هي يقين وهي في أعلى مستويات التبرير لها، ومع ذلك، لا يزال هذا يترك الاحتمال التالي مفتوحًا: H هو أعلى المعتقدات المبررة التي تمتلكها هذه الذات، ولكنها لا تزال غير مبررة بدرجة كبيرة (على سبيل المثال قد لا يكون حتى مبررًا بشكل كافٍ لعدها معرفة).

     ربما لهذا السبب، قدم تشيزهولم Chisholm في وقت لاحقٍ تعريفًا مختلفا لليقين:

P يقين لـ S= df بالنسبة لكل Q، اعتقادا بأن P مبررٌ أكثرَ لـ S من الإمساك بـQ ، واعتقادًا بأن P هو مبررٌ على الأقل لـ S كما هو اعتقاد Q. (1989، ص12)

     لا يزال هذا التعريف معادلًا للفقرة (II) أعلاه، ومن ثم يتطلب من الاعتقاد الذي هو يقين للذات، بأن يكون هو أكثر اعتقادٍ مبررٍ لها. لكن التعريف الثاني يبدو أكثر نجاحًا؛ عند تَطلُّب أن يكون P مبرراً بدرجة كبيرة. لكن الاعتقاد بأن P يجب ألا يكون فقط أكثر تبريرًا للذات من الإمساك بـP، يجب أن يكون أيضًا مبررًا أكثر من الإمساك فيما يتعلق بأي افتراض آخر. هناك العديد من الافتراضات التي يمكننا تقبلها – على سبيل المثال، الافتراض بأن عدد الأشخاص الذين يعيشون في هذه اللحظة الدقيقة هو متكافئ – بينما لا يوجد أدنى سبب يجعلنا نعتقد أنها صحيحة أو خاطئة (رغم أنه بالطبع قد يكون صحيحا أو خاطئا). في الواقع نظراً للافتقار التام للأدلة فيما يتعلق بافتراضات من هذا النوع، فإن تعريف تشيزهولم Chisholm يجعل معيار اليقين مرتفعا أكثر من اللازم، لأنه من الصعب أن نرى كيف يمكن أن يكون هناك أيُّ افتراض أكثرَ تبريرًا في الاعتقاد من افتراض آخر ممسك بالاعتقاد فيما يتعلق -على سبيل المثال- بتكافؤ عددِ من الناس الذين على قيد الحياة في هذه اللحظة بالذات.

     ومع ذلك، تجدر الإشارةُ إلى أن تعريف تشيزهولم Chisholm يعمل فقط من خلال الاعتماد ضمنا على ما هو سمة مرتبطة بوضعنا المعرفيّ. يحدث أننا نجد أنفسنا في موقفٍ من الجهل التام فيما يتعلق ببعض الافتراضات. ولكنْ هذه الحاجةُ لم تكن هكذا. كان من الممكن أن ينتهيَ بنا المطافُ في عالمٍ يوجد فيه قدرٌ معتدل من الأدلة، سواء لصالحِ أو ضدِّ كل افتراض. إذا كان أحد معتقدات الذات قد حصل على تبريرٍ أكثرَ من غيره؛ فإنه سيقابل تعريف تشيزهولم Chisholm لليقين، رغم أنه قد لايزال لديه ما يمكن أخذه بدهيًّا؛ ليكون أقل من المستوى المثاليّ للتبرير.

     هناك مشكلة أخرى في كل من تعريفيْ تشيزهولم Chisholm؛ لأن كليهما يَنْسِبُ اليقينَ إلى ذاتٍ معينة؛ مما يجعل الوضع التالي ممكنًا: تعتقد كل من هاتين الذاتين P، وفي كل حالة يُبرر الاعتقاد إلى درجة N. بالنسبة للذات الأولى، يعتبر الاعتقاد يقينًا؛ لأن أيًّا من معتقداتها الأخرى ليس لها مستوى أعلى من التبرير. ولكن بالنسبة للذات الثانية، فإن الاعتقاد المعنيَّ ليس يقينًا؛ لأن لديها اعتقادَا آخرَ أكثر تبريرًا. إذا كان اليقين يستند فعلاً إلى مبررات معرفية؛ فإن هذا لا يمكن أن يكون ممكنًا. إذا كان هناك تبريرٌ معين يجعل المعتقد يقينا لذات واحدة؛ فإنه يجب أن يفعل ذلك للجميع.

     هناك منهج آخر قد يتخذه تشيزهولم Chisholm. وفقا للتخصصية، وهي أسلوبه المفضل في نظرية المعرفة، يجب علينا استخدام حالات خاصة من المعرفة والتبرير ليكون دليلنا في صياغة نظرية المعرفة. (تشيزهولم Chisholm 1973 و1989، ص6-7). (على النقيض من ذلك، تبدأ المنهجية بمعايير للمعرفة، والتبرير، ثم تحاول التحقق مما إذا كان لدينا أي معرفة أو معتقدات مبررة فعلًا، ضمن هذه المعايير) ومن خلال تكييف هذا النهج مع قلقنا الحالي، فإن الاقتراح هو أن نقوم بصياغة قيمةٍ لليقين في ضوء الحالات النموذجية من المعتقدات التي وصلت إلى أن تكون يقينا. وهكذا، بعد إعطاء التعريف الثاني أعلاه ، يقول تشيزهولم Chisholm إن مفهوم اليقين يتضح من خلال افتراضات حول ما يسميه الحالات العقلية “التي تقدم نفسها” وببعض المسلمات المنطقية والميتافيزيقية (1989، ص12).

     رغم أن هذا النهج المحدد هو الطريقة التي غالبًا ما يفكر بها معظم الفلاسفة باليقين، إلا أنه يواجه العديد من الصعوبات، أحدها هو أن نظرية المعرفة بداهة أبعدُ ما تكون عن الوضوح. وبالنظر إلى أننا على ما يبدو لا نتفاعل سببيًّا مع الحقائق الضرورية، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن لعقولنا الوصول إليها. هناك صعوبة أخرى تتعلق بالمعرفة، للحالات العقلية الخاصة بنا – والتي يشار إليها أحيانًا، بالمعرفة الاطلاعية acquaintance. وفقًا لمشكلة “الدجاجة المرقطة”، هناك جوانب من حالاتنا العقلية، مثل التفاصيل الغنية للتجربة البصرية الحالية للمرء، والتي لا نستطيع معرفتها – على سبيل المثال، إذا نظر المرء إلى دجاجة مرقطة، سيكون هناك عدد محدد من البقع في تجربة المرء البصرية، والتي لن يكون المرء قادرًا على معرفتها فقط من خلال امتلاك الخبرة (أيارAyer 1940، تشيزهولم Chisholm 1989، فيمرتون Fumerton 2005). لكن تلك الجوانب التي لا يمكننا أن نعرفها فقط، من خلال إدراكنا لها، هي جزء من خبرتنا الواعية، بنفس الطريقة التي يفترض أن نكون قادرين على معرفة تلك الجوانب؛ الصعوبة هي تحديد الفرق الجوهريّ بين الاثنين. يمكن أن يقال الكثير عن المشكلتين الأولى والثانية، لكنها تقع خارج نطاق هذه المقالة. والصعوبة الثالثة هي أنه يبدو، على الأقل ظاهريًا

prima facie، أن المعرفة بالحالات العقلية للمرء، تختلف نوعًا ما، عن معرفةِ الحقائق الضرورية. ليس من الواضح في البداية، أننا نضمن أن نأخذها لتكون اقتراحات نموذجية لنوع معرفيٍّ حقيقيٍّ.

     ووفقًا لمفهوم رابعٍ لليقين، دافع عنه بيتر كلاين Peter Klein، فإن الاعتقاد “هو يقين بالتأكيد، فقط في حالة كونه محصنًا من الشك ذاتيًّا وموضوعيًا “(1992، ص63). ويوضح ذلك بالطريقة التالية:

P هو يقين بالتأكيد لـ S إذا فقط كان (1) P مُبرَرَ لـ S و(2) S مُبرَر في رفض أي عرض، G، بحيث إذا تم إضافة G إلى معتقدات S ، يتم تقليل مبرر P لـ (حتى لو كان بشكل قليل جدا)، و(3) لا يوجد افتراض حقيقي، D، بحيث إذا تم إضافة D إلى المعتقدات الحقيقية لـ S ، يتم تقليل مبرر P لـ (حتى ولو كان بشكل قليل جدا). (1992، ص63).

     يقول كلاين Klein أن الشرط الثاني هو ما يجعل الاعتقاد ذاتيَ الحصانة ضد الشك؛ ذلك لأن المعتقدات والخبرات التي تشكل المنظور الذاتي لـ S تجعلها مبررةً في إنكار جميع الافتراضات التي من شأنها أن تقلل مبررات P. ومع ذلك، قد يحتوي نظام الاعتقاد لـS على معتقدات خاطئةٍ يمكن أن تبررها في إنكار كل G ذات صلة بـ P – حتى في بعض الحالات، حيث يكون G نفسه صحيحًا، ومن ثم فإن اعتقادها بأن P قد تفي بالشرط (2) ومع ذلك لا تزال خاطئة. الشرط (3) يهدف إلى منع هذا الوضع؛ إذا كان P خاطئًا، فإن الاعتقاد الحقيقي بأن ~P يمكن إضافته إلى نظام اعتقاد S، ومن ثم فإن تقليل مبرر S لـ P. عند تحقيق الشرطين (2) و (3)، فإن القيمة تركز على المعتقدات حيث تكون حالة الذات الموضوعية متوافقة بشكل صحيحٍ مع البنية الموضوعية للأسباب (لرؤية مماثلة، انظر بولوك Pollock 1986).

     هناك نوعان من الصعوبات الرئيسة تواجه رأيًا من هذا النوع.
أولاً، ليس من الواضح تبيان كيف يُفترض لاعتقاد أن يقلل من مبررات اعتقاد آخر. لنفترض أنني أعتقد بشكل صحيح أن لدي صداعًا وأن اعتقادي هو، في حدس بديهيّ، يقينٌ تماما. الشرط الأول من قيم كلاين Klein محقق: الاعتقاد له ما يبرره استنادًا إلى معاناتي من الصداع، لكن هل الشرط الثاني محقق أيضًا؟ أي هل سيكون هناك مثلا ما يبرر إنكاري لافتراض أنه ليس لدي صداعٌ في الواقع؟ إذا كان هذا اعتقادًا مضافًا إلى نظامي الاعتقادي، فستكون لدي بالطبع معتقدات متناقضة. هل يستلزم ذلك أن المبرر لكلا الاعتقادين يجب أن يتقلص؟ إذا كان الجواب نعم، فإن اعتقادي بأنني مصابٌ بصداعٍ ليس يقينًا تمامًا. علاوةً على ذلك، من الصعب أن نرى كيف يمكن أن يكون أيُّ اعتقاد يقينًا تمامًا، نظرًا لأننا نستطيع دائمًا أن نضيف إلى أنظمة معتقداتنا التناقض في أي من معتقداتنا. إذا كان الجواب لا، يجب أن يكون هناك بعض التفسير لماذا يمكن رفض افتراض أنه ليس لدي صداع. من المحتمل أن التفسير سيكون له علاقة بتعرضي للصداع. ولكن ما يوضح يقينَ الاعتقاد هو حقيقةُ أنه يرتكز على التجربة. إن حصانة الاعتقاد الذاتية من الشك، هو مجرد نتيجةٍ لكونه يقينًا؛ وليس لتفسيره. وهذا يعني تحول تركيز وجهة النظر من الحصانة الذاتية للشك إلى نوع من التبرير الخاص. ولكن كيف يمكن أن يكون هناك مثل هذا المبرر الخاص، رغم أنه يحتاج إلى قيمة. لتوضيح هذه النقطة، لاحظ أن الحصانة الذاتية للشك ستكون ممكنةً فقط في حالات معيَّنة، عندما يكون اعتقاد الذات (بشكل حدسيّ) يقينًا بالتأكيد.
لأي اعتقاد B أقل من كونه يقينًا، يمكن إضافة الاعتقاد التالي إلى نظام الاعتقاد للذات: التبرير لـB  يمكن أن يكون مضلِّلا. هذا الاعتقاد قد يقلل من مبرر الذات بالنسبة لـ B (حتى ولو بشكل قليلٍ فقط) لو تمت إضافتها إلى نظام معتقداته، ولكنه ليس افتراضًا يمكن للذات أن ينكره؛ دون أن يكون متيقنا تمامًا أن B صحيح. إذن النتيجة هي أن الحصانة الذاتية للشك ليست مناسبةً تمامًا، للعب دور في قيمة اليقين. بدلا من ذلك، يبدو كما لو أن فهمنا للحصانة الذاتية للشك؛ يعتمد على فهم مسبق لماهية اليقين.

     الصعوبة الثانية لها علاقة بالشرط (3)، الذي من المفترض أن يؤمِّن الحصانة الموضوعية للشك. رغم أنه لا يمكن إنكار أن الذات التي تحقق الشرط (3) ستكون في وضع مرغوب، لا يبدو أنه يمكن نسبته لها بالطريقة الصحيحة – وبالأخصّ، ليس بالطريقة التي نتوقع بها أن يكون اليقين منسوبًا للشخص المتيقن. حتى نرى ذلك؛ لنفترض أن مبرري للاعتقاد بأن P هو فقط جيد باعتدال. ومع ذلك، يحمي ملاكي الحارس اعتقادي، من خلال التأكد من أن أي افتراض من هذا القبيل -إذا كان صحيحًا- سيؤدي (إذا أضيف إلى نظام معتقداتي) إلى تقليل مبرري لـ P، فهو غير صحيح. وهذا يعني أن ملاكي الحارس يتأكد من إزالة جميع ما يمكن أن يحبط اعتقادي. لنفترض مثلا أنني أرى شيئا يشبه الصقر من مسافة كبيرة. يبيد ملاكي الحارس على الفور جميع الأجسام الطائرة في المنطقة، غير الصقور؛ أما الإحباط المحتمل لاعتقادي، فهو أن هناك كائنات تحلق بالقرب، لا يمكن تمييزُها عن الصقر، ومن ثَمَّ تم التسليمُ بأنها خطأ.

رغم أن هذا من شأنه أن يجعلَ اعتقاديَ بأن P له حصانةً موضوعيَّةً من الشكِّ، وبقدر ما (3) محقق؛ فإنه لا يبدو كما لو كان سيجعل اعتقادي أقرب إلى اليقين. حقيقةَ أن مبرر اعتقادي هو فقط جيدٌ باعتدال، يجعل العمل الذي يقوم به ملاكي الحارسُ غير ذي صلةٍ بالعالم خارج معتقداتي. (كما لا يمكن تعزيز الوضع إذا حددنا أن الشرط (2) محققٌ أيضًا؛ نظرًا لأن نظامي الاعتقاديّ قد يحتوي على العديد من المعتقدات الخاطئة التي قد تبرر رفضي لجميع ما يمكن أن يحبطه، قد يكون اعتقادي ذا حصانةٍ ذاتيةٍ وموضوعيةٍ ضد الشك – ومع ذلك يملك درجة منخفضة نسبيا من التبرير).

     قد يكون من الممكن تحسينُ أحدِ مفاهيمِ اليقين الأربعة التي نوقشت أعلاه للإجابة عن جميع الاعتراضات.

ولكن إلى أن يحدث ذلك، من الآمن القول إنه لا يوجد تصور مرضٍ تماماً لليقين في الوقت الحاضر.

  1. بعدين لليقين

     عادةً ما يهتم علماءُ المعرفة بالظروف التي قد تعرف فيها الذات أو تكون متيقنة من P في لحظةٍ معينة، لكن من المثير للاهتمام، أن هناك قضايا مختلفة لليقين نشأت على مدار الوقت.  وبما أن هذا كان مصدرَ قلقٍ رئيسٍ لديكارت Descartes، الذي يخبرنا في التأمل الأول،
أنه يريد تأسيسَ شيءٍ “في العلوم التي كانت مستقرةً وغالبًا ستستمرُ” يمكننا أن نرى كيف تظهر هذه القضايا في سياقِ نظرية المعرفة لدى ديكارت Descartes (PW 2، ص12).

     في المجموعة الثانية من الاعتراضات، يطرح ميرسين Mersenne المشكلة التالية: رغم أن ديكارت Descartes قد جادل بأن قدرتنا على معرفة أي شيء؛ يعتمد على معرفتنا الأولى، بأن الله موجودٌ، وأنه ليس مخادعاً، فمن الواضح أن عالم رياضيات ملحد يمكن أن يكون له نوع المعرفة الرياضية نفسها إذا كان مؤمنًا. رداً على ذلك، يسمح ديكارت Descartes بأن يكون للملحد وعيٌ واضحٌ (cognitio) لحقائق رياضية بسيطة، لكنه ينكر أن يكون هذا الوعيُ الواضح هو “المعرفة الحقيقية[scientia] ” (PW2، ص101). للوهلة الأولى، يبدو أن ديكارت Descartes يميز بينcognitio وscientia بالتحديد؛ حتى ينكر وجود اليقين عند عالم الرياضيات الملحد. ولكن هناك سببٌ وجيهٌ للاعتقاد بأنه ليس هذا ما يدور في خَلَدِه.

     لاحظْ أنه إذا لم يسمح ديكارت Descartes للملحِد باكتساب المعرفة من خلال إدراك واضح ومتميزٍ، فسوف يسقط فيما يسمى الدائرة الديكارتية Cartesian Circle. تظهر هذه المشكلة -التي حددها أرنولد Arnauld لأول مرة- في المجموعة الرابعة من الاعتراضات، إذا احتفظ ديكارت Descartes بكل من الادعاءات التالية: (I) أستطيع فقط أن أعرف أن تصوري الواضح والمميز حقيقيٌّ؛ إذا علمت أولا أن إلها غيرَ مخادع موجودٌ، (II) أستطيع أن أعرف أن إلها غير مخادع موجود، فقد إذا علمت أن تصوري الواضح والمميز حقيقي؛ لأن معرفة شيء واحد هو شرط مسبق لمعرفة الآخر، والعكس صحيح، لا أستطيع معرفة أي منهما عند عدم معرفة الآخر. في الواقع، لا يبدو الأمر كما لو أن ديكارت Descartes وقع في الدائرة. رغم أنه من الواضح أنه ملتزم بـ (I) – في التأمل الثالث، يقول: “إذا كنت لا أعرف [ما إذا كان هناك إله غير مخادع]، فيبدو أنني لا أستطيع أن أكون متيقنا من أي شيء آخر” (PW 2، ص25) – لا يوجد سبب يجعله ملتزمًا بـ (II). ديكارت Descartes على استعداد للسماح للمتأمل باستخدام تصوره الواضح والمميز، قبل أن يعرف أنه صحيح بشكل عام. أوضحُ مثالٍ بالطبع، هو الـcogito. أولاً، يصل المتأمّل لمعرفة أنه موجود بوصفه شيئا مفكِّرًا، ولا يصل إلى معرفة أن معرفته بالـcogito مؤسسة على وضوحها وتميزها إلا لاحقًا. الشيء نفسه إذن يمكن أن يقال عن معرفة المتأمّل – التي ترتكز على بعض المبادئ المدركة السببية الواضحة والمميّزة – بوجود الله. في استخدام هذه المبادئ، لا يحتاج المتأمّل أولاً إلى معرفة عامةٍ بأن التصورات الواضحة والمميزة صحيحة (انظر فان كليف Van Cleve 1979).

     ومع ذلك، قد يعترض بعض الفلاسفة على أن المتأمل ليس له علاقةٌ باستخدام مبادئ لا يعرف حقيقتها. لن يكون ديكارت Descartes متعاطفا مع هذا الاعتراض. كما يقول في محادثته مع بورمان Burman، طالما أن المتأمل يستخدم المبادئ السببية، “فهو في الواقع يهتم بها، وطالما أنه يهتم بها، فهو على يقين من أنه لا يُخدع، وأنه مضطرٌ لإعطاءِ موافقته عليها”(PW3، ص334؛ انظر أيضا PW2، ص25، 48؛ وانظر أيضا كوتنغهام Cottingham  1986، ص67). لذا، فإن الشك الذي يثيره ديكارت Descartes فيما يتعلق بالمفاهيم الواضحة والمميزة لا يمتد إلى أهمية ما يتمتع به المرء في الواقع. بدلًا من ذلك، هناك شكٌّ بأن قد لا يكون الإدراكُ الواضحُ والمميزُ مصدرًا موثوقًا للمعتقدات (كيني Kenny 1968، ص 194). عندما يقدم ديكارت Descartes فرضية الشيطان الشريرة في التأمل الأول، فإنه يهدف إلى تغليف جهله بأصله، وعلى وجه الخصوص، الجهل ببناء عقله. من دون معرفة أن الله الغير مخادع موجود، من الممكن للمتأمل أن يعمل ذهنه بطريقةٍ؛ تجعله يقع في الخطأ، حتى عندما يتفكر في أبسط الأسئلة. يذهب هذا الشك عندما يتفكر بالفعل في مثل هذا السؤال، لكنه يمكن أن يعود بسهولةٍ في وقت لاحقٍ؛ عندما تتحول أفكاره إلى مكانٍ آخرَ. هذا هو المعنى الذي يكون فيه cognitio عالم الرياضيات الملحد، أو الوعي الواضح له، غيرَ كامل. رغم أنه يقين في الوقت الذي يملك فيه الملحد إدراكًا، فإنه يمكن دائمًا أن يكون مشكوكًا فيه في وقت آخر. ليس للمؤمن أيةُ ميزةٍ على الملحد؛ إذا كان كل منهما يتمتع بإدراك واضح ومتميز. بدلًا من ذلك، تكمن ميزة المؤمن في حقيقة أنه -مسلحًا بيقينِ وجودِ إلهٍ غيرِ مخادع- سيبقى دائمًا خاليًا من الشك (ديكارت Descartes PW2، ص48؛ انظر أيضًا كيني Kenny 1968، ص193). ومن ثم، سيكون قادرًا على بناء نظرياته العلمية دون الوقوع فريسة للمخاوف، حول ما إذا كان لعمله قيمةٌ، و- ربما ما هو أكثر أهمية- أنه سيكون في موضعٍ يمكنه من وضع حدٍّ نهائيٍّ للخلافات النظرية مع الآخرين. (الرواقيون يبدون تمييزًا مماثلًا؛ انظر Cicero On Academic Scepticism ص84.)

     بالنظرِ إلى هذه القيمة لنظرية المعرفة لديكارت Descartes، يمكننا الآن أن نرى أن كلا من الـcognitio والـscientia هما نوعان من المعرفة ومن اليقين كذلك. وهذه نقطة هامة ينبغي ملاحظتها؛ لأنها تعني أن اليقين لا يمكن تمييزه بشكل مباشرٍ وفقًا لعدم قابلية الشك. حتى يكون الإيمان المعروف بشكل يقينيٍّ محصنًا من الشك – ليس فقط في لحظة واحدة بل على الإطلاق – يجب أن يكون جزءًا لا يتجزأ من نظام اعتقاديٍّ متماسكٍ (للحصول على تحليل مماثل لنظرية المعرفة لديكارت Descartes، انظر سوسا Sosa 1997 رغم أن سوسا Sosa يأخذ الـcognitio ليكون درجةً أقل من المعرفة أي من الـscientia؛ وانظر أيضا، لوب Loeb 1992 في أهمية الاستقرار لنظرية المعرفة ديكارت Descartes).
تمثل الـScientia، أو اليقين المنهجيّ، هدفًا مثيرًا للإعجابِ، لكنه غيرُ قابل للتحقيق! إذا كان البشرُ قادرين على اليقين، بشكلٍ دائمٍ، فمن المؤكد أنه سيكون يقينًا من النوع الذي يمكن أن تخالطه شكوك.


المراجع

  • Alston, William. 1980. “Level Confusions in Epistemology,” Midwest Studies in Philosophy 5: 135-50.
  • Audi, Robert. 1998. Epistemology. London: Routledge.
  • Ayer, A.J. 1940. The Foundations of Empirical Knowledge. New York: Macmillan.
  • –––. 1956. The Problem of Knowledge. London: Penguin.
  • BonJour, Laurence. 1985. The Structure of Empirical Knowledge. Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Broughton, Janet. 2002. Descartes’s Method of Doubt. Princeton, NJ: Princeton University Press.
  • Chisholm, Roderick. 1966. Theory of Knowledge. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
  • –––. 1973. The Problem of the Criterion. Milwaukee, WI: Marquette University Press.
  • –––. 1976. Person and Object. La Salle, IL: Open Court.
  • –––. 1989. Theory of Knowledge, 3rd. ed. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
  • Cicero. 2006. On Academic Scepticism, C. Brittain (tr.). Indianapolis, IN: Hackett.
  • Cohen, Stewart. 1988. “How to Be a Fallibilist,” Philosophical Perspectives 2: 91-123.
  • Cottingham, John. 1986. Descartes. Oxford: Blackwell.
  • Descartes, Rene. 1984. [PW 2] The Philosophical Writings of Descartes, Vol. 2, J. Cottingham, R. Stootfhoff, and D. Murdoch (eds.). Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––. 1985. [PW 1] The Philosophical Writings of Descartes, Vol. 1, J. Cottingham, R. Stoothoff, and D. Murdoch (eds.). Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––. 1991. [PW 3] The Philosophical Writings of Descartes, Vol. 3, J. Cottingham, R. Stoothoff, D. Murdoch, and A. Kenny (eds.). Cambridge: Cambridge University Press.
  • Feldman, Richard. 2003. Epistemology. Upper Saddle River, NJ: Prentice Hall.
  • Firth, Roderick. 1967. “The Anatomy of Certainty,” Philosophical Review 76: 3-27.
  • Fogelin, Robert. 1994. Pyrrhonian Reflections on Knowledge and Justification. Oxford: Oxford University Press.
  • Fumerton, Richard. 2005. “Speckled Hens and Objects of Acquaintance,” Philosophical Perspectives 19: 121-39.
  • Jeshion, Robin. 2000. “On the Obvious,” Philosophy and Phenomenological Research 60: 333-55.
  • Kenny, Anthony. 1968 [1995]. Descartes: A Study of his Philosophy. Bristol: Thoemmes Press.
  • Klein, Peter. 1981. Certainty: A Refutation of Scepticism. Minneapolis: University of Minnesota Press.
  • –––. 1992. “Certainty,” in A Companion to Epistemology, J. Dancy and E. Sosa (eds.). Oxford: Blackwell, 61-4.
  • Lehrer, Keith. 1974. Knowledge. Oxford: Clarendon Press.
  • –––. 1990. Theory of Knowledge. Boulder, CO: Westview Press.
  • Lewis, C.I. 1929. Mind and the World Order. New York: Dover.
  • –––. 1946. An Analysis of Knowledge and Valuation. La Salle, IL: Open Court.
  • –––. 1952. “The Given Element in Empirical Knowledge,” Philosophical Review61: 168-75.
  • Loeb, Louis. 1992. “The Cartesian Circle,” in The Cambridge Companion to Descartes, J. Cottingham (ed.). Cambridge: Cambridge University Press, 200-35.
  • Malcolm, Norman. 1963. Knowledge and Certainty. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
  • Markie, Peter. 1986. Descartes’s Gambit. Ithaca, NY: Cornell University Press.
  • –––. 1992. “The Cogito and Its Importance,” in The Cambridge Companion to Descartes, J. Cottingham (ed.). Cambridge: Cambridge University Press, 140-73.
  • Moore, G.E. 1959. “Certainty,” in his Philosophical Papers. London: George Allen & Unwin, 227-51.
  • Pollock, John. 1986. Contemporary Theories of Knowledge. Totowa, NJ: Rowman & Littlefield.
  • Pritchard, Duncan. 2005. “Wittgenstein’s On Certainty and Contemporary Anti-Scepticism,” in Readings of Wittgenstein’s On Certainty, D. Moyal-Sharrock and W.H. Brenner (eds.). London: Palgrave Macmillan, 189-224.
  • Reed, Baron. 2002. “How to Think about Fallibilism,” Philosophical Studies 107: 143-57.
  • Reichenbach, Hans. 1952. “Are Phenomenal Reports Absolutely Certain?” Philosophical Review 61: 147-59.
  • Russell, Bertrand. 1948. Human Knowledge: Its Scope and Limits. New York: Simon and Schuster.
  • Sosa, Ernest. 1997. “How to Resolve the Pyrrhonian Problematic: A Lesson from Descartes,” Philosophical Studies 85: 229-49.
  • Unger, Peter. 1975. Ignorance: A Case for Scepticism. Oxford: Clarendon Press.
  • Van Cleve, James. 1977. “Probability and Certainty: A Reexamination of the Lewis-Reichenbach Debate,” Philosophical Studies 32: 323-34.
  • –––. 1979. “Foundationalism, Epistemic Principles, and the Cartesian Circle,” Philosophical Review 88: 55-91.
  • Wittgenstein, Ludwig. 1969. On Certainty, G.E.M. Anscombe and G.H. von Wright (eds.). New York: Harper & Row.
  • Wright, Crispin. 2003. “Wittgensteinian Certainties,” in Wittgenstein and Scepticism, D. McManus (ed.). London: Routledge, 22-55.
  • –––. 2004. “On Epistemic Entitlement: Warrant for Nothing (and Foundations for Free)?” Proceedings of the Aristotelian Society: Supplement 78: 167-212.

أدوات أكاديمية

How to cite this entry.
Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).
Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

[Please contact the author with suggestions.]

مقالات ذات صلة

Descartes, René: epistemology | epistemology | knowledge: analysis of | knowledge: by acquaintance vs. description

[1] Reed, Baron, “Certainty”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2011 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2011/entries/certainty/>.

error: