النيوليبرالية والذّات الأنثوية – يوهانا أوكسالا / ترجمة: العنود سعد

النيوليبرالية والذّات الأنثوية – يوهانا أوكسالا / ترجمة: العنود سعد

يوهانا أوكسالا

يوهانا أوكسالا، باحثة في مجالات الفلسفة، والتاريخ، والثقافة في جامعة هيليسنكي في فنلندنا


 

       تتمثّل أشدّ إسهامات فوكو أصالةً في النظرية النسويّة، وفلسفة الجسد بصفةٍ عامّة، في ادّعاءه المهم القائل بضرورة توجّه أي تحليلٍ للتجسّد إلى استكشافِ: الطريقةِ التي تشكّل علاقاتُ القوّة من خلالها الذواتَ المتجسّدة ضمنها. تُظهر دراساته حول تقنيات الانضباط، على سبيل المثال، كيف يتشكّل الأفراد كذواتٍ منتميةٍ إلى نوعٍ محدّدٍ من خلال عاداتهم وأساليبهم اليومية البسيطة. كما تُوضّح التوظيفات النسويّة لفِكْره، على نحوٍ مماثلٍ، كيف تتخلّق الذوات الأنثويّة بواسطة الممارسات البطريركية الانضباطية. ومن أجل توضيح هذه العملية، سأنظر في القسم الأوّل من هذه المقالة في شرح ساندرا بارتكي القيّم للطريقة التي يتكوّن في أثنائها الجسد الأنثوي الوديع من خلال ممارسات الانضباط المتّصلة بموضوع الجمال.

      يقدّم القسم الأوّل خلفيةً تمهّد لأطروحة المقالة الرئيسة: لقد أخذت في العقود الأخيرة آلياتٌ ومبرّراتٌ جديدةٌ ومختلفةٌ اختلافًا جوهريًا للسلطة بتشكيل أجسادنا وتقنيات الجندر. سأوظّف مفهوم فنون الحكم عند فوكو[1]، بالأخص فنون الحكم النيوليبرالي، إطارًا بديلًا للانضباطية من أجل دراسة مفهوم الجسد الأنثوي، إذ أزعم بأنّ تحليل فنون الحكم النيوليبرالي التي تهيمن على مجتمعنا سيمدّنا بإطارٍ مفاهيميٍ أشمل لتفسير مفهوم الجسد الأنثوي في صورته الحاليّة.

 

1

      لقد كان مقال ساندرا بارتكي “Foucault, Femininity and the Modernization of Patriarchal Power”، المنشور عام 1988، مقالًا بالغ التأثير، وكثيرًا ما أعيد نشره ضمن المختارات، إذ يعدّ أحد أوّل الملائمات لمفهومِ فوكو عن السلطة الانضباطية التي تناولت القضايا النسويّة [2]. قدّمت فيه عرضًا آسرًا حول كيفية انبناء ذاتٍ أنثويةٍ وديعةٍ من خلال ضبط الجسد الأنثوي. تستقي بارتكي ادّعائها الرئيس من فوكو، والذي يرى بأنّ الوصول إلى فهمٍ مناسبٍ لطبيعة الاضطهاد الواقع على النساء يتطلّب مراعاةً للمدى الذي تؤسّس فيه مجموعةٌ من السلوكيات الانضباطية لا أدوار النساء الاجتماعية فحسب، بل حتّى أجسادهن أيضًا.

      يذكر فوكو في كتابه المراقبة والعقاب أنّ الانضباط عبارة عن تقنيةِ سلطةٍ ذاتِ سياقٍ تاريخيٍ محدّد، برزت في القرن السابع عشر، وعملت من خلال الجسد. بحيث يجري عبر الممارسات الانضباطية تفكيك العادات وأنماط السلوك، وبناؤها في أشكالٍ جديدةٍ وأكثر إنتاجية بما يتناسب مع أهداف المجتمعات الصناعية الحديثة. ويضمّ الانضباط تقنياتٍ متنوعة تقصد إلى جعل الجسد وديعًا ونافعًا. بحيث يتحوّل الجسد البشري إلى آلةٍ يمكن رفع أدائها إلى أقصى حد، وتقديره، وتحسينه عبر استبطان أنماطٍ سلوكيةٍ معيّنة[3].

      تقرّ بارتكي بمواطن القوّة في تحليل فوكو، لكنها تجده قد غفل عن الانضباطات التي تنتج نمطَ إخضاعٍ أنثويِ بخاصّة. فهي تحلّل سلوكياتٍ مثل اتّباع الأنظمة الغذائية أو ممارسة التمارين الرياضية باعتبارها ممارسات ضبطٍ مفروضةٍ على النساء بغرض إنتاج جسدٍ أنثويٍ مثالي. بحيث تستهدف ممارسات الضبط على الأنوثة هذه تحقيق تنظيمٍ شاملٍ مستمرٍ لحجم الجسد، ومعالمه، وشهيته، ووضعيّته، وتعبيراته، وسلوكه، ومظهر كلّ عضوٍ مرئيٍ من أعضاءه. وتخلق الخطابات المتخصصّة في طريقة المشي والكلام وتسريح الشعر والعناية بالبشرة ووضع مساحيق التجميل عاداتٍ تساعد على تهيئة مقتضيات الأنوثة الخاضعة: فهي تدرّب الحركة والوجوه الأنثوية على التعبير عن الإذعان. وترى بارتكي أنّ مبرّر هذه الجاهزيّة الضبطية واضح: فهي ترمي إلى تحويل النساء إلى “رفيقاتٍ وديعاتٍ منقاداتٍ للرجال بنفس الطريقة التي يستهدف فيها الجيش تحويل الملتحقين الجدد إليه إلى جنود[4].”

     أرى ضرورة تحديث هذا التحليل المتماسك الذي تقدمه بارتكي في ظلّ التغيّرات الجذرية التي طرأت على الطرائق التي تتكوّن الذات الأنثوية من خلالها، والتي أخذت تحدث في نفس الوقت الذي نشرت فيه مقالتها عام 1988. فقد كانت هذه السنوات الحاسمة الفترةَ التي ترسّخت على مدارها الهيمنة النيوليبرالية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا. كما أزعم بأنّنا إذا سلّمنا بفكرة فوكو الأساسية التي تقول بارتباط أشكال السلطة بأشكال الذات ارتباطًا لا يمكن إغفاله، نجد بأنّ تغيّر تقنيات الحكومة يستلزم تغيّرًا في صورة الذات التي تقابلها.

 

2

      تركّز محاضرات فوكو حول “مولد السياسة الحيوية”، التي قدّمها في الكوليج دو فرانس عام 1979، على نشأة فنون الحكم الليبرالي والنيوليبرالي، وهما نوعان من التفسيرات السياسية المهتمّة بحكومة الدولة الحديثة[5]. إنّ المميّز في معالجة فوكو للنيوليبرالية في هذه المحاضرات أنّه لا يحللها بوصفها نظرية اقتصادية بشكلٍ رئيس، بل باعتبارها ممارسةً حكوميةً مؤسِّسةً لشكلٍ خاصٍ من الذات التي تتلازم وإيّاها: فهي تنتج ذاتًا اقتصاديةً مبنيةً من ميولٍ وتفضيلاتٍ ودوافع مختلفة عن تلك التي ينبني منها المواطن السياسي أو القانوني في المجتمع الانضباطي أو السيادي. فالذات الليبرالية عبارة عن فردٍ ذريٍ تجب رعاية وتعزيز نفعيّته وميلِه الغريزي إلى المنافسة في سبيل تحصيل ربحٍ اقتصاديٍ[6].

      يوضّح فوكو أنّ تحوّل تقنية السلطة المهيمنة في القرن الثامن عشر من الانضباطية إلى فنون الحكم لم يكن إبدالًا للأخيرة مكان الأولى، إنّما امتدادًا لها. لذا لم يؤدّ هذا التحوّل إلى إبطال التقنيات التي تستهدف التأثير على سلوك الفرد، مثل آليات الضبط، إبطالًا تامًّا، بل عنى إمكانية تعريف إحدى مستويات السلوك كسلوكٍ اقتصادي، والتحكّم به وفقًا لذلك. فمفهوم الذات لا يقتصر على استجابتها إلى العقوبات والمكافئات الاجتماعية فحسب، بل إلى المكاسب والخسائر الاقتصادية في المقام الأول أيضًا. إذ لم تعد تستهدف العادات التي أصبحت جزءًا من الذات تحويل صاحبها إلى آلةٍ وديعةٍ فعّالة بشكلٍ رئيس، بل أن تجعل منه مستهلكًا و رائد أعمال.

      هذا يعني أنّ الذات الاقتصادية عبارة عن فردٍ يمكن التحكّم به، ولكن بواسطة آلياتٍ تختلف عن الآليات التي تنتج الذات الوديعة في المجتمع الانضباطي: فصاحبها شخصٌ يضع مصالحه نصب عينيه دائمًا، كما أنّه طيّعٍ إلى درجةٍ عالية –لا برغم ذلك، لكن بسببه حرفيًا-. فهو يستجيب على نحوٍ ممنهجٍ ومتوقعٍ إلى التغيّرات الاستراتيجية التي يتمّ إحداثها في البيئة بصورةٍ غير طبيعية، والمتمثلة على هيئة بواعث اقتصادية.

       ونظرًا لهيمنة فنون الحكم الليبرالي وشيوعها في المجتمع المعاصر خلال العقود الأخيرة، سأسأل فيما يلي عن آثارها على تكوين الذات الأنثوية. هل يمكن لنموذج ممارسة السلطة هذا المساهمة في فهم الذات الأنثوية؟ إن كان الجسد الأنثوي الوديع مرتبطًا بالتطبيقات الانضباطية، فأي جسدٍ أنثويٍ يقابل ممارسات الحكم النيوليبرالي؟

 

3

      لا شكّ في أنّ تطبيقات الجمال الأنثوي المعيارية التي تصفها بارتكي أخذت تتزايد في كلٍ من حجمها وتنوّعها تزايدًا رهيبًا منذ 1988. فقد سجّلت صناعة مستحضرات التجميل ارتفاعاتٍ مهولةً في الأرباح عالميًا، وتوسّعت العديد من شركات مستحضرات التجميل المتعددة الجنسيات إلى مناطق جديدةٍ مثل الصين، وباتت الاختراعات التكنولوجية في مجال الجراحة التجميلية ووسائل محاربة تقدّم السن، مثل حقن البوتكس، متاحةً على نطاقٍ شاسع، وغدت تمثّل جانبًا من روتين التجميل المعتاد عند الكثير من النساء. كما أصبحت كلٌ من اليافعات والمتقدمات في السنّ ضمن الفئة المستهدفة من قبل مستحضرات التجميل والتقنيات المعيارية الأخرى التي تهتمّ بشكل الجسد الأنثوي، مثل اتّباع الأنظمة الغذائية وممارسة الرياضة وإزالة الشعر. ولا يبدو أن هناك أي علاماتٍ تشير إلى انحسار تقنيات الضبط التي قامت بارتكي برصدها ووصفها على نحوٍ موفق، أو حتّى إلى تصاعد انتقادها من قبل المجتمع المعاصر.

      أودّ أن أشير إلى حدوث تغيّراتٍ في التبرير الذي تستند إليه هذه التقنيات، والتي رافق ظهورها صعود الذات الاقتصادية النيوليبرالية. لقد أصبحت النساء في ظلّ فنون الحكم النيوليبرالي وتركيزها المفرط على الجانب الاقتصادي، كما هو ظاهر، ذواتًا ليبرالية بكل ما يحويه المصطلح من معنى: فهن لسن ذواتًا فردية تمتلك حقوقًا سياسية فحسب، بل ذواتًا مغرورةً تبحث عن مصالحها أيضًا. فهنّ، بعبارةٍ أخرى، لا يملكن الحقوق التي تضمنها لهم الليبرالية السياسية فحسب، بل أصبحن الآن الذوات التي تفترضها الليبرالية الاقتصادية أيضًا- أفرادًا يسعون إلى تحقيق مصالحهم الخاصّة، ويستجيبون إلى الربح والخسارة الاقتصاديين قبل كل شيء-. لقد أصبح من الوارد ألّا تتفق مصلحة الزوجة مع مصالح زوجها وأبنائها: فالنساء أيضًا يجري تصويرهن بشكلٍ متزايدٍ على أنّهن ذوات ذرّية مستقلة ونفعية تتنافس تنافسًا حرًا لنيل الفرص الاقتصادية المتوافرة.

      يدل ذلك على أنّ النساء أيضًا قد أصبحن الآن محكومات ومخضعات بواسطة آليات جديدة، أي من خلال التحكّم بمصالحهن الاقتصادية. فمن الجدير بالملاحظة أنّ الأنوثة المعيارية باتت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالربح الاقتصادي بصورةٍ جديدة. إذ تقوم النساء بصفةٍ متزايدةٍ بتبرير ممارستهن العادات الأنثوية المعيارية من منطلقٍ اقتصاديٍ لا دخل له باهتمامات الرجل: فلم تعد النساء، مثلًا، يطِلن أظافرهن ويطْلينها لأنّ شركائهن الرجال يجدون الأمر مثيرًا وجذابًا، إنّما لأنّه قد أصبح علامةً تدل على النجاح المهني والمالي، أي علامةً من الراجح أنّها ستساعد على الارتقاء الوظيفي. كما نجد، على المنوال نفسه، أنّ أحد الأسباب الرئيسة التي دفعت بعض النساء إلى إجراء جراحاتٍ تجميلية، حسب ما أوردنه في مقابلاتٍ معهن، يعود إلى اعتقادهن بأنّها قد تساهم في رفع مستواهن الوظيفي[7]. لقد أضحى المظهر الأنثوي أداةً مهمّةً ترفع النساء به رأس مالهن البشري. فالذات النيوليبرالية تستثمر المظهر الأنثوي وجسدها، أكثر فأكثر، من أجل تحصيل العائدات التي ترغب فيها. وهذا يعني أنّ ممارسات الأنوثة المعيارية لم تعد تستند إلى مجرّد آليات الضبط الدقيقة التي تصفها بارتكي –كتوظيف نظام العقوبات والمكافآت الاجتماعية مثل الخزي والإعجاب الجنسي-، بل تقوم أيضًا على تفسيرٍ يرتكز على منطق الخسارة والربح المالي.

      وفي حين تلاحظ بارتكي أنّ تأمين جسدٍ جميلٍ أو مثيرٍ يعود على النساء بالاهتمام والإعجاب، بينما لا يكسبهن قوةً اجتماعيةً معتبرة، نجد أنّ الوضع قد تبدّل في ظاهره تبدّلًا كبيرًا. فقد غدا الارتباط بين الأنوثة المثالية والنجاح الاقتصادي وثيقًا ومتداولًا. ولم يعد اتّباع المظهر الأنثوي المتميّز يرمز إلى الخضوع –مثل النادلات، ومضيفات الطيران، والسكرتيرات-، إذ تتبعه اليوم نساءٌ في مناصب السلطة والمال: مثل مديرات التنفيذ والسياسيّات. لقد أصبحنا نعيش في عالمٍ تطغى فيه أهميّة المظاهر أكثر من أي وقتٍ مضى، وتعي المستهلكة الأنثى الحديثة هذا الواقع جيدًا.

 

4

      يجب ألّا يوهمنا هذا الكلام، على أيّة حال، بأنّ معنى الأنوثة الثقافي وارتباطه العميق بالخضوع والإيثار والاعتماد على الغير قد اختفى تمامًا. كما أنّه لا يعني زوال ما نجده في الليبرالية من اعتمادٍ بنيويٍ على الآخرين –المنتمين إلى نطاق الإيثار والاعتماد العائلي جاعلين استقلال غيرهم وأنانيتهم أمرًا ممكنًا-. ما دامت حياتنا تتمحور حول الأسرة والتقسيم الجندري لمشاعر الذات ونشاطاتها، فإنّ الذات الأنثوية النفعيّة البحتة التي أتت بها النيوليبرالية قد تكون إشارةً على انهيار نظامنا الاجتماعي، والذي ليس باديًا بأي شكل. ففيما تتعالى أصواتُ المدافعين عن القيم الأسرية إعلانًا عن انهيارٍ كهذا، يجب علينا أن نقرّ بأنّ الأنوثة المعيارية الخاضعة ما زالت مستمرةً إلى حدٍ بعيد في تقديم الدعم الضروري الذي يحتاجه النظام السياسي والاقتصادي النيوليبرالي. لم تعد الثنائيات المتعارضة التي تقوم عليها الليبرالية السياسية- الفرد/الأسرة، الاستقلال/الاعتماد، المصلحة الخاصة/الإيثار- متوزّعةً بين الجِنْدَرَين بوضوح، بل أصبحت الآن تميّز، أكثر فأكثر، الحياة النفسية للنساء العاملات اللاتي تمزقهن مطالب الأنوثة المتضاربة، وتسِم الانقسامات بين جماعات النساء المختلفة. لقد أصبح في الإمكان اشتراء المنفعة الشخصية لبعض النساء ما بإخضاع واستغلال غيرهن: فالمرأة التي حبيت بوظيفة ناجحة تستطيع شراء العناية بأطفالها والمساعدة في شؤون المنزل التي تقدمها نساءٌ أخريات[8].

     لكن من المهمّ التنبّه إلى أنّ فنون الحكم النيوليبرالي تعمل وفق منطقٍ مختلفٍ فيما يخصّ الإخضاع القائم على الجندر. فعوضًا عن ضبط الذات الأنثوية من خلال العادات المعيارية المتّصلة بالخزي والعقوبات الاجتماعية والمكافآت الجنسية، تقوم هذه الفنون بصبّ السلوكيات التي تقيم الأنوثة المعيارية، أكثر فأكثر، بواسطة مبرّرها الاقتصادي، حيث أصبح التركيز موجّهًا إلى المتغيّرات البيئية التي تحدّد سلوك النساء وتقيّده في صورتهن كمستهلكات ورائدات أعمال. كما لا بدّ من التنبّه إلى أنّ الحرية الشخصية والاختيار التي تتضمّنها فنون الحكم النيوليبرالي جانبٌ أساسيٌ من جوانب هذه التقنية السلطوية. إذ ينجح مفهوم الاختيار الشخصي في تقنيع أبعاد السلطة الممنهجة –مثل النفوذ، والهرميّة الاجتماعية-، والتي تمنح الذوات حريّة الاختيار من بين خياراتٍ متعددة، في حين تحرمهم من أي إمكانيّةٍ فعليّةٍ تتيح لهم تحديد هذه الخيارات ورسمها.

     ربما كان هذا التركيز المفرط على الاختيار الحر أشدّ سمات فنون الحكم النيوليبرالي ضررًا على الذات النسويّة. إذ أصبح مقياس تحرّر النساء يقوم على حجم الخيارات الفردية التي يمكننا اختيارها: أي ما إذا كانت إحدانا قادرةً على الاختيار بين أن تصبح مديرة تنفيذية أو بائعة هوى، أن تحظى بزواجٍ تقليديٍ أو تلجأ إلى شراء المواد الإباحية. لقد تصاعد تفسير السلطة على أنّها –ببساطةٍ- أمرٌ من بين الأمور التي تستطيع النساء اختيارها. فوفقًا لهذا الإطار، وبشكلٍ مباشر، يُعتبر مكوث النساء في المنزل أو سعيهن وراء وظيفةٍ متطلّبة وذات أجرٍ مرتفعٍ أمرًا نابعًا عن اختيارٍ شخصيٍ حر بحت، فيما تعدّ العقبات التي تقف عائقًا أمام نجاحهن اجتماعيًا وسياسيًا عقباتٍ ذات طابعٍ شخصي أو نفسيٍ لا ذات بعدٍ سياسي. فبما أنّ الذات الليبرالية الذريّة الحرة النفعيّة مسؤولةٌ مسؤوليةً كاملةً عن تسيير النطاق الاجتماعي بواسطة حساب التكلفة والفائدة، فإنّه ما بيَدِ من يفشل في تحقيق النجاح إلّا أن يلوم نفسه لا غير.

     تكمن المشكلة الجليّة في التركيز المفرط على قيمة الاختيار في عجز النساء عن اختيار القوّة مقارنةً بقدرتهن على التخيّر بين فساتين الزفاف بأشكالها. فمساحة الاختيار المتاحة للنساء مقيّدة من قبل شبكةٍ من علاقات القوّة غير المتساوية، والتي لا تكتفي بتحديد إمكاناتهن وخياراتهن، بل تعمل على تشكيل ذواتهن أيضًا. فالرأي الذي يقول بأسبقية الذات الأنثوية صاحبة المصالح المحدّدة والهوية الثابتة على خياراتها وعلاقات القوّة التي تقع ضمنها يسدل الغشاوة على جوانب سلطة الذكر الممنهَجة والمؤسِّسة، ممّا يعني، للمفارقة، أنّ إيمانها بالإمكانات غير المحدودة وحريّة الاختيار يجعل صاحبتها عرضةً للتحيّز الجنسي أكثر من ذي قبل.

 

 

 


الملاحظات

* النصّ الأصلي:

Oksala, Johanna. “Neoliberalism and the Feminine Subject”. Public Seminar. 19 December 2014. http://www.publicseminar.org/2014/12/neoliberalism-and-the-feminine-subject/#.V9iprfkrK00.

[1] أستعمل “فنون الحكم” ترجمةً لمصطلح Governmentality، وذلك اتّباعًا لتفضيل الزواوي بغوره في كتابه: مدخل إلى فلسفة ميشيل فوكو، دار الطليعة، بيروت، 2013. المترجمة.

[2] Bartky, Sandra Lee ‘Foucault, Femininity and the Modernization of Patriarchal Power’ in I. Diamond and L. Quinby (eds.), Feminism and Foucault: Paths of Resistance (Boston: Northeastern University Press), 61-85, p. 75.

للاطّلاع على المزيد من التوظيفات النسويّة لمفهوم السلطة الانضباطية عند فوكو، يُنظر على سبيل المثال:

Susan Bordo, ‘The Body and the Reproduction of Femininity: A Feminist Appropriation of Foucault’ in Allison Jaggar and Susan Bordo (eds.),Gender/Body/Knowledge (New Brunswick: Rutgers, 1989), pp. 13-33 and ‘Feminism, Foucault and the Politics of the Body’ in C. Ramazanoglu (ed.), Up against Foucault (London: Routledge, 1993), pp. 179-203.

[3] Michel Foucault, Discipline and Punish: The Birth of the Prison, trans. A. Sheridan (London: Penguin, 1991).

يقول فوكو بأنّ الجندي في القرن السابع عشر، مثلًا، كان يتعلّم معظم وظيفته من خلال خوض قتالاتٍ فعليّة يثبت فيها شدّة بأسه وشجاعته العالية، أمّا في القرن الثامن عشر فقد أصبح الجندي آلة قتال، شيئًا يمكن بناؤه من خلال التدريب السليم.

[4] See Bartky, op. cit., p. 75.

[5] Michel Foucault, The Birth of Biopolitics. Lectures at the College de France 1978-1979(Basingstoke: Palgrave, 2008).

[6] يُنظر على سبيل المثال:

Jason Read, ‘A Genealogy of Homo-Economicus: Neoliberalism and the Production of Subjectivity’ in Foucault Studies, no. 6, pp. 25-36.

[7] A. Elliott, Making the Cut: How Cosmetic Surgery is Transforming our Lives (London: Reaktion Books, 2008).

[8] يُنظر على سبيل المثال:

Wendy Brown, States of Injury: Power and Freedom in Late Modernity(Princeton: Princeton University Press, 1995), p. 164.