“النهضة المستحيلة”: عرض نقد أم نقض غزل – محمود الحفيان

“النهضة المستحيلة”: عرض نقد أم نقض غزل – محمود الحفيان

screenshot-2016-11-16-05-32-43ما بعد المراجعة: “النهضة المستحيلة” (1)

عرض نقد أم نقض غزل، قراءة الخوالف ورقى المعوقين

ابو محمد محمود الحفيان*

 


مقدمة اولى

ليس الغرض من هذه المقالة الدفاع على الاستاذ ابي يعرب وانما الوقوف على حقيقة الزعم باستحالة النهضة وفق الرؤية اليعربية. ذلك ان قراءة ‘النهضة المستحيلة’ قراءة عادية لا تعدوها تبين لنا بما لا يدع مجالا للشك بان العنوان لم يصدقه المضمون بل خانه وشانه مما يجعل القول باستحالة النهضة وفق العلاج اليعربي مجرد دعوى مثلما يقول المناطقة (وعلماء الجدل). ذلك ان القول المتعلق بالانسانيات، بغض النظر عن الشاكلة التي يخرج عليها (في حالتنا عرض- لكتاب- ممزوج بانتقاد مظنون نقدا) ، لا يكون من جنس القول والجدل العلميين حتى يتوفر، في تقديري، على شرطين: التحليل المصحوب بالنقد السليم والنافذ دفعاً وقوّةً والتأويل المصحوب بالعقد القويم والغير النافد مَعيناً وطلباً2.

وهذه المراجعة ستتناول بالنظر المخمس الاتي الا انها لن تقف عنده بل ستتعداه الى ما بعده.

ا- لغة ‘النهضة المستحيلة’

ب- التماسك المنطقي وجودا وعدما

ج- تاثير زاد الكاتب من فقه اللغة في منطق القارئ-الكاتب

د- اثر منطقه في بضاعته من فقه اللغة

ه- والجامع لكل ذلك او الكشف عن لبوس منطق بهرج او عدله؛ اعني بيان ان مقال ‘النهضة المستحيلة’ لم يف بمطلوبه.

من البين اني تعمدت استخدام طريقة استاذي في التخميس (3) الا انني لن اتبع هذه الخطة على هذا الترتيب اذ قد تتزاحم عناصر الخطة في موضوع  التشريح .  كما انه من البين اني تعمدت ان لا استشهد ولو بنص من كتاب ابي يعرب  ‘افاق النهضة’.

اما الجديد في المراجعة فهو تذرع المراجعة اللسانية- المنطقية والمضمونية لضرب من القول التصويري يكون الحِجاج فيه حجّا الى جنس ادبي او ضربا من الكوميديا.

 

مقدمة ثانية

يبدا الدكتور رضوان زيادة عرضه لافكار الاستاذ ابي يعرب الواردة في كتابه ‘افاق النهضة’ بمقدمة عن هاجس النهضة الذي ارق المثقفين العرب، ثم يتعرض لتصنيف من يسميهم تيارات تصدت لهذه الاشكالية، تيارات حصرها في اربعة لكي يخلص الى تمييز ابا يعرب عن اربعتها فيكون هو بدوره صنفا خامسا من ‘المثقفين’  الذين عالجوا اشكالية النهضة.

وهذا التقديم توصيفا وتصنيفا يؤكده مضمون ‘افاق النهضة’ (بل وجل الكتابات التي تناولت النهضة) ولذلك فهو لائق بالمقدمة لكن ما يؤاخذ على هذا التقديم هو اعتبار كل الذين عالجوا مشكلة النهضة مثفقين فهل هذه التسمية جديرة بابي يعرب ام انها تغمط الرجل حقه؟ قد يبدو هذا السؤال غريبا سيما ان عورض من قبل المتحذلقين بان الامر متعلق بالنصوص لا باصحابها وبان قراءة التلميذ لاستاذه غير قراءة من لم يتتلمذ عليه وما جانس هذا من شبائه الاعتراضات وتحصيل الحاصل.

الحقيقة ان تسمية المثقف بعامة غدت اليوم موضة بالية، خلت ايامها؛ وابو يعرب لا يمكن ان نسميه بهذه التسيمة لانه يتجاوزها بكثير فمن يعرفه شخصيا ويعرف كتاباته الاكاديمية والنضالية ومن له دراية بمنازل اهل العلم ومعايير العلم لا يمكن ان يصفه بالمثقف، فنحن ازاء رجل مفكر بل عالم (4) لا مجرد هذاء في المقاهي وفي الصالونات او متكد باحث عن النجومية بمجرد تلقف المفاهيم ومضغها.

اما لماذا اسميه بالعالم فهذا بيّن لمن عرف العلم ما هو وميز بين العقول الحوامل والعقول ذوات الحمل الكاذب. وكون الرجل عالما تكفي فيه الاشارة الى ما قدمه للمكتبة العربية وللانسانية بعامة وهو قبل ذلك استاذ منصف يقرا النصوص وينصف اهلها ويضيف وينقد متى كان ذلك فعلا ممكنا لا مجرد الادعاء بلوك المفاهيم، هذا علاوة على اخلاقه مع طلبته: يشجعهم وينصفهم وان خالفوه ويتواضع لهم؛ وهذه هي اخلاق المتسمين بالعلم من دون ان يدعوا امتلاكه ولكنهم بجهدهم يطلبونه ويحققون منه ما هو في وسعهم. بل لو اعتبرنا نقده لثلاثية الدكتور الجابري رحمه الله لوقفنا على الحقيقة المقررة هنا واذا قارناها بجهد صاحب “نقد نقد العقل” لتبين لنا الفارق المميز: من يطلب الفهم والحقيقة ومن يطلب مجرد الانتصار على من يتخذه درية لسهام انتقاده وان توسل مراكمة الادوات الاكاديمية (مراجع، مقارنات، فحص، نقد وتحليل وتاويل فضلا عن ادعاء ممارسة مناهج علمية..)

وعلاوة على ذلك فان مراجعة ابي بعرب لنظرية بيرس في الرمز(5)  تدل عند من قرا لا- اقول- كل اعمال بيرس بل اهم اعماله المنطقية واعمال من سبقه و/ او عاصره ولمن تلاه في المنطق اننا لسنا ازاء مجرد المثقف الحامل لهموم ثقافته وامال والام امته بل اكثر من ذلك؛ فلسنا ازاء العمى الايديولوجي ولا العموميات المبتذلة ولا التسطيح  كما اننا لسنا ازاء الاستاذ المكتفي بمجرد عرض وتبليغ ما فقهه بل ازاء عالم مدرك لما يتكلم فيه ومتحرك وفق خطة واضحة المعالم؛ فمراجعته لنظرية بيرس تشاجن فيها الهمان المعرفي (التبديهي) والقيمي (الاكسيولوجي) بلحمة وسدى الهم الوجودي ببعديه الفلسفي والديني والاكثر اهمية من ذلك هي ثمرة لاجتهاد انطلق من افق ومنظور حضاريين عربيين اسلاميين منفتحين على نظيريهما لدى مبدعي الغرب.

ولمزيد الاحتجاج باننا ازاء عالم ولسنا بصدد القراءة لمثقف تجدر الاشارة الى ما اضافه للثقافة العربية الاسلامية خاصة وللانسانية عامة(6)  اعني اساسا التفسير الفلسفي للقرآن الكريم وكتاب “الشعر المطلق” واسهاماته في فلسفة التاريخ وفلسفة الدين فنحن اذا ازاء فيلسوف عالم وان كان الرجل لم يدع يوما هذه الصفة. والتاريخ يثبت ذلك وسيثبته. ولا اقول هذا تعصبا لاستاذي الذي لا يعرفني لاني لما درست عنده لم اكن من الذين يتقربون اليه او الى غيره من الاساتذة بالرغم من ان منزلته عندي كانت ولا تزال كبيرة وهو الوحيد، من بين من درسوني، الذي اكن له وافر المودة والتقدير منذ ان عرفته لانه صاحب فضل علي(7).  والاعتراف بهذا لا يحول دوني وانصاف الدكتور رضوان زيادة.

المسالة اذن ليست تعصبا لاستاذي ولا دفاعا عنه لانه في غنى عن دفاع امثالي فنحن مثلما اننا مدينون اليه فاننا مدينون ايضا للاستاذ المرحوم الجابري ومدرسته المغربية والدكتور حسن حنفي وغيرهم (من اصحاب المشاريع) الا اننا ادركنا الفارق النوعي بين كتابات كل هؤلاء المفكرين واسهامات ابي يعرب فلا نوافق على وسم ابي يعرب بالمثقف لسبب بسيط مؤداه الالتزام الخلقي بتنزيل الناس منازلهم وعدم غمطهم ما لهم وكنا ننتظر من الدكتور رضوان زيادة ان لا يقع في مثل هذا الاختزال والتسطيح.

مقدمة ثالثة

“النهضة المستحيلة” قراءة وان احاطت ببعض اطروحات وافكار ابي يعرب الواردة في ‘افاق النهضة’ الا انها قراءة قاصرة، ليس لانسياقها وراء الاحكام فحسب بل لانها ايضا ‘قراءة’ لكتاب مظنون عديم الصلة بما سبقه وما تلاه من كتابات ابي يعرب معتبرة موضوع قراءتها مغلقا بصفة نهائية فلم تستوعب مقروءها؛ كما لا يحكمها منطق متماسك يؤهلها للقول باستحالة وامتناع النهضة وفق منظور ابي يعرب. وعل مرد ذلك الى توسّل الدكتور زيادة للمنطق الجهوي Modal Logic في قراءته؛ فمن هذه الجهة أوتيت قراءته لانها توسلت اداة غير ملائمة للغرض الذي ترومه وتدعيه. والادهى من ذلك ان ‘افاق النهضة’ قد اعتُبر من جهة الكتابة النضالية ظنا انها عند ابي يعرب خالية من العلاج العلمي (اي من جنس كتابات سكارى الزبيبة ممت يعدون مثقفين).. ولذلك فانه من المشروع ان نسال هذا السؤال: انى لقراءة لا يحكمها منطق صارم بل ومنطق غير ملائم لموضوعه ان تفضي الى القول بما يقوله العنوان؟

وهذه المحاولة بيان لذلك وفق مسلك التقفر والتتبع فقرة بفقرة. واختيار هذا المسلك البسيط يبرره موضوع مراجعتي وبه سأكشف واسوغ حكم انعدام المنطق الكفيل بالقول بالاستحالة والامتناع.

-I-

القول السائب… والمنطق الخائب

استسمح جميع القراء بعامة وصاحب القراءة خاصة في الوقوف على لغة النص الذي نحن بصدده لان ذلك اول ما يستوقفنا وسيكون عملي من جنس عمل المصححين للنصوص(8) الا اني قد اتجاوز هذا الضرب من العمل الى تقييم المضمون (المنطقي) لـ’النهضة المستحيلة’ متى اقتضي الامر ذلك. علما واني ساعرض اخطاء وفق خطة تلتزم التدرج وترتيب ينطلق مما هو جدير بالتغافل من الناحية الاخلاقية ولكنه غير جدير به من وجهة نظر معرفية تاخذ ما يشاكل في الرياضيات متناهي الصغر ومسألة حساب الاخطاء الصغيرة (في علم الطبيعة الرياضي) علاوة على ان قراءة الدكتور زيادة تقتضي منا تحقيق الرقابة بمعناها المنطقي عند بيرس.

  1. يعرض لنا الدكتور رضوان زيادة في الفقرة الخامسة عرضا مقتضبا وموجزا ‘لقراءة’ ابي يعرب لعمليْ ابن تيمية وابن خلدون اللذين ‘يشد اليهما ابو يعرب الرحال دوما’ على حد تعبيره الا ان المفهوم منها “تعظيم” الدكتور زيادة للرجلين اذ يفصّل لنا القول ‘وقد عمل الاول واعني ابن تيمية على… والثاني ابن خلدون عمل على… وقد كان هدفهم السعي …. لكنهم كما يرى (ابو يعرب) فشلوا..’ . تلاحظون ان الرجل اخطأ في استخدام الضمير المناسب اذ استعاض بضمير الجمع عن ضمير التثنية (هدفهم… لكنهم فشلوا) (9) ونحن ازاء احد امرين فاما

 ا) ان الرجل قد تعلم اسلوبا للبيان نادر في لساننا فحدثنا عن اثين بضمير الجمع لاجل ذلك قلت بانه يعظمهما واضيف: ربما اكثر ممن يتهمه بشد الرحال اليهم. ولا يخفى عن احد البون الشاسع بين اسلوب القران مثلا في كلامه عن الواحد بضمير التثنية (جنتين من اعناب… دخل جنته؛ وواضح ان البيان القرآني هنا لا يخلو من الفرقان بمعناها الرياضي والمنطقي لمن تدبر) او عن كلامه عن اثنين بضمير المفرد (قولا انا رسول..). اما ان كان الامر غير ذلك فـ

ب) اي ان لم يكن اجلالا لهما، فنحن ازاء سقطات ‘المبرزين’ ولا يخفي عليكم وقع هذه الصغائر اذا روكم بعضها على بعض أفلا تودي الى وأد منطق النحو فضلا عن منطق التاليف سيما وان عنوان المقالة يدعي ان له مواتّا بالمنطق وليس من جنس الكتابات الادبية التي يستساغ فيها مثل هذه الامور بالاضافة الى المعنى حينا والى اللفظ حينا اخر.

وان كان الامر الاول ثمرة لافتراض صحبة مع القران (وهو افتراض او احتمال مرجوح) فان الثاني هو ثمرة افتراض لاحسان اللغات الثواني التي لا تتوفر على ضمير التثنية (وهو الراجح) وعدم اخذ اللغة العربية ماخذ الجد وهي الملاحظة الثانية

2- يستهل الدكتور زيادة مقالته بالكلام عن “سبل وطرائق مطروحة”، ولعمرك ان هذا تجاوز للمجاز وللحقيقة لانه قول ينم عن تفكير خارج عن اطر اللسان العربي؛ ذلك ان المتعارف عليه ان السبل تخط وتمهد وتستبان وان الطرائق تتخذ او تتبع او تبتدع؛ والسبل والطرائق تسلك وتنتهج فلا تطرح(10) وانما تقترح الا انها قد تُطّرح بحق او بباطل: تطّرح بحق للعلم بما تؤدي اليه ان كانت سبلا غير سالكة او غير مفضية الى المطلوب؛ اما اطّراحها باطلا فليس لصفة ذاتية لها (اي ليس لبطلانها مثلما هو الشان في اطراحها بحق وعدم اتخاذها سبيلا) بل لما يتصف به مطّرحها من الصد عن الحقيقة وابتغاء العوج.

فلنتياسر ونقبل بطرح السبل والطرائق ولنمض قدما في القراءة بمعناها الادنى لفهم ما تقوله ‘القراءة’ بمعناها الراقي لدى الدكتور رضوان زيادة لاني لا ادعي مزاحمتة في ميدانه وفي قراءاته بل اني اضعه في مقام اعلى من مقامي بكثير ولا ادعي ان اشق له غبارا فضلا على ان اعد نفسي نظيرا له الا ان موقفي هذا لا يحول دونني وقول ما اراه صوابا.

ولكن طلبا للانصاف اذا تخلينا عن افق هذا الفهم الى افق اخر فاننا نفهم انه يتحدث عن مثقفين ‘يطرحون’ في معالجاتهم النظرية لمشكلة النهضة ‘سبلا وطرائق’ بمعنى يعرضونها ويقدمونها على نظرائهم من اهل الفكر او اهل العمل . فلكأن ما كان مطويا مقبوضا في اذهان وفي افئدة المثقفين نشر وبسط في فضاء ثقافتهم فصار كالنجوم متفاضلة في تلالئها. وهذا معنى الطرح عند صاحبنا. الا انه حتى من جهة هذا الافق نصطدم بسدود هي عين هذا التصور للطروحات او لـ’لتازيس’ التي اختارها كل مثقف او كل تيار منهم. فهم بهذا لكأن عقولهم حملت لكنها طرحت حملها ولم تضعه اما لفقدان القابلة او لعلة اخرى، فكان طرحهم لما يطرحون كالولادة السابقة لاوانها او لغير تمام الامر الذي يجعل من طروحاتهم من جنس ما يعبر عنه بالدارجة بـ ‘السبوعي’ اي الذين ولدوا لسبعة اشهر وليس لهم حظوظ في العيش الا بان يوضعوا في انابيب الطب الحديث لانقاذه.. والانابيب فيما يتعلق بـ ‘السبل والطرائق المطروحة’ لا تعدو حظوظ بعضها بان تتبناه ‘دولة’ متأدلجة… هذا في احسن الحالات وان كانت صروف الزمان مساعدة .

اما ان كانت الاخرى فالسبل والطرائق تكون سقطا او من جنس المولودة جيفة اما لارحام متعفنة او لظروف نفسية مضادة لحمل ووضع عادي اولغير ذلك مما يقدر طبيا.

اما وان دققنا النظر وضربنا عن كل ذلك صفحا فاننا، وبحق ما، نجد انفسنا امام امر اخر لا علاقة له بما جنّ واستكنّ؛ فلسنا ازاء الحَمل الكره والوضع الكره عند الامهات بل من جنس الحِمل الذي يكون للمتاع المحمول والذي يطرح، يوضع او يطّرح حالما تدرك المراحل او المنازل (بمعنى منازل البريد في ثقافتنا القديمة) كذا هو طرح المثقفين ‘للسبل والطرائق’ التي حدثنا عنها الدكتور زيادة. وهو حمل من جنس ‘انا حملنا اوزارا من زينة القوم’ فمآلها وقصارى مبلغها هو صيرورتها ‘عجلا له خوار’ اجله المحتوم تحريق الامة المستانفة لدورها الكوني ونسفه في يم شبائه الحلول لانها عديمة العلم بسنن العمران. اما ان لم يكن تأويلها عجلا له خوار فعلّها صائرة لا محالة الى لحم حُوار فتكون الطروحات طبخا لما لا يستمرئه العرب (وعل عرب اليوم على خلاف هذا) وجهلا بما ألفوه في غذائهم (بمعنيي الغذاء).

اما رجالات امتنا وفحول نظارها فتأبى نفوسهم مضاهاة من ‘حملوا التوراة ثم لم يحملوها..’ وتابى اراداتهم المتحررة وعقولهم المستنيرة ان تحمِل الى امتهم اجداثا وان تحمَل فيها بها ايا كانت نسبة تلك الاجداث: الى الاصلانية الدينية المتسلفة زعما للتاصيل مع توسل فرض ما تظنه حلا ام الى الاصلانية ‘المتحدثة’ زعما للتحديث مع تذرع القسر والارغام لظنهم انهم وكلاء علينا.

وايا كان افق الفهم وايا كانت فضاءات المعاني فان المباني المتزلزلة لا بد من ان تجعل المعاني تمور مورا سيما واننا علمنا ان “ضروب التعبير ثمثل انماط حياة (عيش)’ (فتعنشتاين) وهذا الضرب من التعبير يمكننا ان نعده اثِّقالا الى الارض واخلادا اليها وليس حركة فيها- كالمتقلع منها- طلبا للخلود فيما يتعالى عليها.

3- الفقرة الاخيرة من ‘النهضة المستحيلة’ الفقرة رقم 17 يقول فيها الدكتور زيادة بان ‘ما يغيب عن المرزوقي دائما زمن الحاضر ذلك انه دائما ينوس بين زمنين  الماضي… والمستقبل  … وما بينهما الذي هو حال الزمن الراهن لا يهمه كثيرا…”(11) فمن يقرا هذه الفقرة يدرك مصيبتنا في مثقفينا الذين بالرغم من معالجتهم لنصوص كتبت بالعربية الا ان الظاهر انهم يحسنون الالسنة الثواني وينسون لغتهم. كيف ذلك؟

انه العجب العجاب فلولا السياق وكلية القراءة لقلنا بان الدكتور رضوان على ‘جلالة قدره’ قد هوى في غياهب مهواة لا مطمع له في الخروج منها فاذا اعْتُبرت البنية اللسانية للسطر الاول والشاكلة التي اخرج عليها نجد انفسنا امام جملة تقول امرا معاندا لما قصد قوله في الفقرة بل امرا متعارضا مع غرض المقال كله؛ اذ الجملة تطالب بمكمّل عزب عن فكر القارئ المحيل للنهضة وفق منظور ابي يعرب فجاء معناها نشازا بالاضافة الى ما تلاها.

لنقرا معا: “ما يغيب عن المرزوقي دائما زمن الحاضر” فـ ‘ما’ الموصولة قد زُلزلت وُصلتها وفصم موصولها فلكأنها صارت نافية (للحال) بعد ان كانت للوصل (لولا ما تلاها). ومعلوم ان نفيها للحال يسقط حكم الماضوية ويعمي عيونا تدعي رؤية ما يوجد ‘الآن’ و’الها هنا’ وما هو مقبل من ‘ها هناك’. اي يعمي عيونا مبصرة بما هو في الحال والاستقبال لانه حالّ “هنا” او “هنا” حلت بوادره المؤذنة بكونه مستقبل آت لا راد لاقتحامه. الا ان الصورة لا بد لها من مزيد توضيح، فهذه العيون المبصرة بما أمامها فقط لكانها قد ركبت في رؤوس ثابتة مثبتة غير قادرة على الالتفات الى الوراء او لكأنها اذا التفت اصحابها بكامل ابدانهم الى اخلافهم اصيبت بغشاوة او لكاننا ازاء رهط من الناس مضروب بينهم وبين اخلافهم بسور تغشاه ظلمات او لأن النور الذي امامهم مبهر الى حد الاعشاء فاذا داروا باجسامهم غشيت ابصارهم الظلمات. فنحن لسنا ازاء من وصفهم افلاطون. لان اولئك تعودوا على رؤية الخيالات والظلال . اما اصحاب المستقبل والمستقبليات فالظلام كل الظلام من خلفهم والنور كل النور من بين ايديهم فأنى لهم ان يلتمسوه وراءهم؟ فلكأنهم خصوا من دون سائر الحيوان المبين بالنور فلا يفيض الا عليهم ولا ينير لهم الا ما امامهم؛ اذ المكان بالنسبة لهم غير المكان بالنسبة الينا فلكاننا واياهم في غير المكان وفي غير الزمان… بل اطرح كل ذلك وقل بانك امام امة من الناس تجسد فيهم ما عددناه قد دحض وفند ببصريات ابن الهيثم فعيونهم هي التي تنير كل ما في الوجود لكن ليس باطلاق بل باضافة الى ‘الامام’ لانهم اذا التفتوا انسلخوا من الصورة الادمية وصاروا كطيور الليل (كروانات، بوم، اصداء او وطاويط) لا تبصر في ضوء النهار. لكأن ‘المن خلفهم’ و’ما وراءهم’ هو من جنس السجن المظلم الذي عبر عنه العرب باالمطبق.

فانت ازاء قوم اذا اقبلوا عليك اشرقت لوجوهم ظلمات المستقبل، الا انها اشراقات من جنس الكشف الصوفي الخاص بهم لا طاقة لنا نحن ‘العامة’ بها، اما اذا اضطروا الى الالتفات الى التاريخ فان ‘انوارهم’ تكسف كل نجوم الماضي بل تنكسف هي ايضا او قل هي وجوه اذا اقبلت عليك حسبتها الشمس واذا ادبرت اسودت لكان الوراء (التاريخي) لا ورى فيه ولا ورْي فلذلك فانهم يتبرمون من ‘الماضويين’ من جنس ابي يعرب اذ يبشرونهم ‘بولادة ما’ كتبرم وعبوس من بشر بالانثى من عرب الجاهلية مع فارق مهم هو ان اولئك ‘يتوارون من سوء’ البشرى اما هؤلاء فيستقبلونك بصلف ‘المستقبليات’ .

مستقبليات مليئة بالملقايات التي تظن احجارا كريمات وهي من جنس البليات فشتان بين المستقي(اهل المستقبليات) والساقي (مبدعي المستقبل) وشتان بين استباق الخيرات المشدود الى ‘المثل والامثال’ واستباق الابواب… المُفتّحة لمثقفين يريدون اغواء شعوبهم وشعوبهم التي تعتصم بقيمها.

والعجب كل العجب من منطقهم، فبالرغم مما اختصوا به من عجب الرؤية صار منطقهم تمتمة حير الطبيب الحاذق لان تمتمتهم ليست لخلل وظيفي بل لمراسهم لتجربة الانخطاف الوجدانية التي هي من جنس ‘ما لا ينقال’ فنسبة تمتمتهم الى البيان كنسبة لغة اهل الطلسمات الى لغة الرياضيات. الا ان الاولى هي علم مزعوم في الانسانيات و’الشرائع’ وفي الطبيعيات و’الطبائع’ تأثيرا وتغييرا موهوما والثانية علم اداة في الطبيعيات يؤتي اكله كل حين.

ولقد علمنا من طيور الليل ان هذا الضرب من المنطق قد جمع بين لغة الرموز والاشارات (الصوفية)  ولغة رياضيات خالصة لمستقبليات محضة علمها من علمها وجهلها من جهلها! فلهذه الخاصية التي تميزت بها هي توهب وتورث للمصطفين من اهل الصفا المحدثين ممن نجحوا في ازالة البرزخ بين علوم الطبيعة وعلوم الانسان او الروح او الثقافة فلا مشاحة في الاسماء.. فتراهم يستخدمون المنطق الجهوي في غير موضعه ويقتصرون منه على القول بالاستحالة والضرورة.. استسمح القارئ في هذا القوس فلنعد الى ‘تمتمتنا’ نفك رقيمها لكن لا تعترض علي بالقول ما دمت قادرا على فك رقيم اهل الصفا المحدثين فلا شك انك منهم.. فاجيبك باني عُلّمت منطق هذا الجنس من الطير الليلي بفعل كثرة وقوعهم (بمعنيي الوقوع) في ديارنا وما حوت وفي زماننا وما جلب الا اني لا ادعي اني سليمانا جديدا.. ذاك جوابي على اعتراضك فلنرجع.

عاد الى العليل جسمه

“ما يغيب عن المرزوقي دائما زمن الحاضر” تمتمة. والمنطق السليم يقتضي ويستلزم ضميرا يعود على “الذي يغيب عن المرزوقي دائما”. فلنعد صياغة الجملة “ما يغيب عن المرزوقي دائما هو زمن الحاضر” افلا يرد الضمير الامور الى نصابها ويزحزح بل يزيح تعاند جملة افتتاح الاختتام بما تلاها؟ وانقلوا معنى الجملة الى اللغات التي تعرفونها فهل يمكن لكم ان تتخلوا عن ‘الكوبولا’ او فعل الوجود مصرفا مع ضمير المفرد الغائب(او الرابطة بلغة فارابية)؟ الا ترى معي بان الامر لا علاقة له حتى بالالسنة الثواني؟ اذا ما الامر؟

قد تجيبني بان الامر الذي صيرته قبة هو مجرد حبة وتختم قولك بالتسبيح ‘سبحان من لا يسهو’. نعم هذا ما يجود به الكرم. وما اخالني تسفلت الى منزلة اللئام لكني ربيت على حب هذا اللسان وقرات بالسنة اخرى فوجدت انها لا تقل ابانة عنه فكررت القراءات فوقفت على انه يفوق غيره ابانة وبحق ما سمي ‘لسانا مبينا غير ذي عوج’ والسر ليس في عجز اهل الالسنة الاخرى بل الفضل يعود فيه سلبا للمترجمين العرب من اهل الحداثة وما بعدها بنقولاتهم العرجاء ولابي يعرب المرزوقي ونظريته في الترجمة ايجابا اما من القديم فاحيل الى احالات ‘الشعر المطلق’ اعني ابن جني والجرجاني وصاحب معنى اللبيب وقواعد الاعراب.

4- ورد في الفقرة الخامسة للنهضة المستحيلة ما يكشف لنا بجلاء عن بضاعته الغير مزجاة من فقه اللغة والمنطق في آن؛ اذ ورد فيها “.. ولذلك فقد كان هم كل من ابن تيمية وابن خلدون هو التحرر من مؤسسات المجتمع الوسطى المتجاوزة لكل دولة بمهامها السامية وقيمها المتعالية تحررها من نزوات المستحوذين على السلطة السياسية” فهذه عينة من لغة القارئة، عينة كاشفة لعوج منطقه اذ ان ما يقصده هو  ان “هم كل من ابن تيمية وابن خلدون هو تحرير المؤسسات الوسطى من..” لانه يشرح لنا التحرر الذي نسبه الى الرجلين (خطأ) باضافته الى تلك المؤسسات (بنفس الملاحظة) “تحررها من نزوات..” ومن دون هذا الاصلاح لمنطقه لا يستقيم ما قاله بل يعد من التخليط الذي لا يمكن ان تكون له قدم صدق في الاقوال لسانا ومنطقا؛ اذ كيف يمكن ان يكون هم الرجلين هو التحرر من “المؤسسات الوسطى” هو عينه تحررها هي مما وصف؟ كيف يتحرر الرجلان من امور وصفت بانها متجاوزة “لكل دولة بمهامها السامية وقيمها المتعالية” وهما يرومان تحريرها من مضادات السمو والتعالي؟ فحتى وان انحطت تلك المؤسسات الى حضيض التوظيف السياسي الملغي او/ والمحرف لدورها فان الرجلين او اي عاقل لا يتحرر منها ان كان فعلا يريد تحريرها. اي حتى مع التياسر محاولة منا فهم ما يقول الدكتور رضوان زيادة على هذا النحو فانه لا يستقيم. وتلاحظون اننا لسنا بحاجة الى الاستشهاد بمقتطفات من كتاب ابي يعرب. وقل ربي زدني علما.

اما لو حاولت تتبع ذاك الكلام ومخضه وفق منطقه الداخلي لاخرجت زبدة سامة للعقول ولاضحكت كل حزين ولكني عندها سأتجاوز الحد الذي وضعته لنفسي لكني ادعو الجميع الى قراءة نظرية الدولة عند ابي يعرب. ما دخل هذا بذاك؟ اعترف باني اكتفيت بالاشارة الى امر يبدو بعيدا ولذلك فلا اجد باسا من التوقف عند عتبة لا اعدوها: ق) هم ابن خلدون وابن تيمية واحد (حسب الدكتور) وهو التحرر من مؤسسات المجتمع الوسطى. ك) تحرر هذه الاخيرة من نزوات المستحوذين على السلطة السياسية.

لا شك ان الرجلين يقولان بان المؤسسات المتجاوزة للدولة بمهامها السامية اذا خضعت لنزوات.. فهي تصبح منحطة ومنتجة للعبيد لانها صارت من جنس الاماء او السبايا مثل من يقومون عليها من المفسدين لمهامها. نعم. لكن هل من الممكن ان نقدر انها صارت بالاضافة الى الرجلين مما يجب التحرر منه لا تحريره واستصلاحه؟ اذ لا مناص من التمييز بين استحالة تلك المؤسسات الى ذاك المآل وبين القائمين عليها (المستحوذين عليها)؟ فهل كان الرجلان بمثل هذه البلادة وهذا الجمود يرومان بخلط كهذا اعادة الخلق ‘اكس نهيلو’ لمؤسسات هي (من جنس الخانات التي تملأ بالقائمين عليها؛ ابو يعرب. والاشارة كانت لمن لهم دراية باداة التناسب)؟ فماذا يعني تحررها وماذا يعني تحررهما منها حسب الدكتور زيادة؟ لا نطلب جوابا على هذه الاسئلة وانما هي للاستنكار الذي لا يمكن حتى لمحيل النهضة ان يجحد محمولاته ومجاريه ومراسيه. بكلمة انه الخلف.

واخيرا اخترت تسمية القضية الاولى بقاف وليس بالف والثانية بكاف وليس بباء لان الحرفين المليسين اذا وصلا (لو وردا في هذا الترتيب) افادا (اب) ولا يكون ‘س’ ابا الا لانه انجب وانتج وولد، بل لو رمزت اليهما مع قلب الترتيب لافادا ‘با’ ولصرنا مصوتين باصوات الاغنام الا ان اصواتها قابلة للتاويل عند الرعاة والمربين.. اما ان وصل الحرفان ‘المؤيسان’ (وفق الترتيب الوارد)  فلن ينتجا ما يفيد لقرب مخرجيهما فاخترتهما للدلالة على سقم التعبير(قك/كق). والحمد لله على نعمة البيان.

5- القارئ للمقدمة يجد في السطر الرابع منها وما يتلوه الى اخر ها كتابة داحضة منزلقة، وما يتعجب له المرء هو هذا الانزلاق منذ البداية(12): اقرؤوا معي الفقرة (كاملة) التي استهل بها قراءته لـ ‘افاق النهضة العربية ‘ وانتبهوا جيدا منذ ان تصلوا الى السطر الرابع منها الى آخرها “…، ورغم  تباعد السبل في النظر الى النهضة…..وانقسامهم (المثقفين العرب) تيارات شتى….  اذ يصر البعض على وسمها.. .  اذ هي مازالت تتراوح … وفريق اخر …. اما الفريق الثالث … اما الفريق الرابع…(الى)  اثارها (اخر كلمة للمقدمة)” فهل هذا كلام تام المعنى علما واني لا اتكلم عن تصنيفه للتيارات..؟

الجواب من دون تجنّ على الرجل هو قطعا بالنفي اذ اين ما تقتضية، تستلزمه، وتدعيه ببيّنتها وببنيتها كلمة ‘ورغم’ من القول المتمم للمعنى؟ اقرؤوها جيدا فلن تجدوه. لقد كسفها التصنيف. فحرف ‘اذ’ المتقدم على “يصر البعض” وما تلاه هو تعليل لـ “تباعد السبل … وانقسام التيارات” التي يواصل الدكتور زيادة في تفصيلها غير انه تعليل لا حول له ولا قوة في متعلق ‘ورغم’ الذي اعدم ‘بقدرة قادر’ وعلى القارئ ان يضيفه او يقدره.

فغياب ما يقتضية الحرف المذكور هو من جنس الحذف الذي لا يستساغ ومن التقدير الذي لا يرام بيانا ومعنى بل هو اطّراح للبيان وللمعنى في آن. اهي الغفلة ام النسيان والسهو؟ الله اعلم فنحن ازاء نص لا ازاء حالات الكاتب صحوا او سكرا، غفلة او سهوا. فلم لم يسه عند وضعه العنوان حتى نعلم انه ممن رفعت عنهم اقلام القارئين الكاتبين؟.

ولا اجد تفسيرا مقبولا لاعدام متعلق الحرف المذكور غير اطالة الذكر من دون اجالة الفكر. وهذه الملاحظة مما لا طاقة للدكتور زيادة لدفعها. وانظروا الى الفقرة الثانية حيث استعمل ‘ورغم’ كيف عبر عن مقصوده وفهمه “ورغم انه لا يتجاوز مستوى التوصيف النظري ….. الا انه …” فجاء المعنى تاما. والغرض من هذه الملاحظة ذات الطبيعة اللسانية ليس لغويا بل ما بعد لغوي والامر جلي لمن يتمنطق على بينة. فهذا الاخير يمارس رقابة على ما يكتب وما يقول ولا يسترسل فهو يحذر من القول السائب والمنطق الغير صائب.. بهذه الملاحظة اختم وهو ما بدأ به فكان كل من المجرى والمرسى في هذا القسم عكس مجرى ومرسى ‘النهضة المستحيلة’ وهو للانصاف مما تعلمته من ابي يعرب اذ علمنا ان نقرأ النصوص من اخرها الى اولها او نقدم عرضا يجعل اخر النص واوله اول العرض واخره ولا اعلم تفكيكا جديرا بهذا الاسم غير هذه العملية..

 

 

 

 


الهوامش والحواشي

 

المقدمات

[1]) نشر موقع ‘حكمة’ في القسم المخصص للدراسات مقالا للدكتور رضوان زيادة بعنوان “النهضة المستحيلة: قراءة النهضة بعيون الماضي (ابو يعرب المرزوقي)” وسبق للمقال ان نشر في مجلة الاجتهاد بتاريخ 2002 اي سنة ظهور كتاب ابي يعرب ‘افاق نهضة العرب ومستقبل الانسان في مهب العولمة’.

2) تلاحظون ان هذه ‘النظرية’ (اجتهاد الطلب واجتهاد الدفع) لها علاقة بما عرف في الثقافة العربية الاسلامية بجهاد الطلب وجهاد الدفع الا ان الامر هنا لا بد فيه من مراعاة الاختلاف . واستسمح القارئ في عدم التفصيل لان ذلك يخرج المقالة من غرضها وينحرف بها الى غير مرساها.

3) علما وان التخميس موجود عند الغزالي وان كان غير معمم اذ نجد منه عينة في معيار العلم الا ان ابا يعرب قد تمكن من تعميمه لخيار خلقي معرفي وربما لخيار شهودي وجودي. واذكر، لما كنت بالجامعة، انه ذات مرة قال في الامر بان أقل ‘البناء من خمسة’.

ليس في الامر محاكاة ولا تقليدا مثلما سيتبين للقارئ لكن استخدام لعنصر من عناصر اداة منهجية قابلة للخضوع للتجريب والتمرين. اما علاج المواضيع فلا يمكن ان تقع فيه القدم على القدم. ثم ان التخميس له علاقة بالشكل وبالبنية وكلاهما له علاقة بالهندسة. وتكفي هذه الصفة كي نمارس هذا الضرب من هندسة النصوص والفضل فيها يعود للغزالي ولابي يعرب الذي جددها وتطورها. ولمَ لا يعاب على من يملا شدقيه بالتفكيك والـ ‘هرمنطقة’ والـ”فنملجة’ (ما اثقلها على اللسان) ويعاب على من رام مثل هذه ‘الاداة’ حتى وان اعترفنا بان الهرمينوطيقا والفينومينولوجيا يتجاوزان الادة المنهجية الى ما هو من ثمراتها او الى كونهما فلسفة تطمح ان تصير “علما”؟

4) عل التذكير بان العالم ليس فوق النقد من نافلة القول (في ثقافتنا التي نسيت حتى طرق اهل الحديث) اذ يكفي التذكير بمقولة ‘كل واحد يؤخذ من كلامه ويرد’.. ومثلما يقول ابن الهيثم في الشكوك على بطليموس :  “والواجب على الناظر في كتب العلوم اذا كان غرضه معرفة الحقائق ان يحعل نفسه خصما لكل ما ينظر فيه ويجيل بفكره في متنه وفي جميع حواشيه ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه ويتهم ايضا نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه…’ ص 4 تحقيق عبد الحميد صبرة ود. نبيل الشهانبي مع تصدير للدكنور ابراهيم مدكور القاهرة 1971. اما من الحديث فاكتفي بالاحالة الى ديكارت ومقاله في المنهج.

اما اعتراض المعترض بـ ‘من تكون حتى تسند الالقاب؟’ فالرد عليه يسير ولا اجد غضاضة في القول باني بالرغم من كوني لست عالما ولا انتمي الي اية جماعة علمية ما لعدم انتاجي شيئا يدخلني في زمرتهم الا انني ازعم اني قادر على التمييز بين العالم والمثقف. ومن ثمة فليس الرجل عالما بالاضافة لي وحدي بل هو كذلك بمعايير العلم. فالاعتراض هو من الاسفاف لانه لا يقبل على الشخص ويعرض عن حقيقة الامر كمن لا تقع عينه الا على الحقة المهزولة من بين سائر البعير السائر ولا يرى سائر الجمال ولا جَمال الاحقاف.

5) الباب الخامس والاخير من  “ما بعد الاخلاق” بعنوان  ‘ملاحظات حول نظرية بيرس في الرمز والمقولات”. لا بد من التذكير باننا ازاء امر في غاية الاهمية لانه ذو مدى نظري عملي وما بعدهما.. ليس من جنس الرد على المنطقيين وان اشترك معه في المنظور. وما بعد الاخلاق لا يمكن ان ينتجه من لم يفقه إ) مجلوب شيخ الاسلام في ‘نظرية العلم’، ب) ارث العلامة في نظرية ‘علم العمل’ د) شرط إ+ب دور ومنزلة وقيمة مؤسس ‘المدرسة النقدية’/ حجة الاسلام، ا) الارث الفلسفي العلمي السابق على الغزالي واللاحق (رابوع العقم) و ع) سر الوصلة بين المدرسة النقدية ومآل الفكر الفلسفي والعلمي لدى حملة مشعل الحضارة الغالبة اليوم ومخمس ‘إ ب د ا ع’ يجد اساسه في اً) تجاوز اصناف التفسير الاربعة الى تحقيق الوعد السينوي المخلف او المعلق (التفسير الفلسفي للقران) اي اتخاذ وطن لكينونة حالة مرتحلة او مقيمة ظاعنة: القران الكريم المحيل الى ايات الانفس وايات الافاق والمحيي للوجدان والمحرك للفرقان… فهذا نتاج ‘الظلامي الماضوي’ بالاضافة الى طيور الليل المخلدة الى الراحة ودعة الاحلام في عز النهار وفي خربها فاذا جن الليل ابصرت واذا ابصرت ظنت ان ما سمعته في ليلها(نهارها بالاضافة الينا) هو من جنس اضغاث الاحلام فلا تهتم به لانه مضى ولا يجديها نفعا فتعرض عنه لانه يشغلها عن كسب قوتها وان تناهى اليها امر من جنس المسموعات (ليلا) طوال يقظتها قد تنزعج منه او تنشغل به فتجتهد سدى لدفعه اذ لا طاقة لها بذلك..

6) فالجلي في التفسير لا بد له من الصيرورة موضوع دراسات وبحوث في الجامعات الغربية وغيرها (وعل هذا الامر بصدد الطريان بعد)  التي تدرس الفكر والفلسفة العربيين وان كانت تلك الدراسات هي من الصعوبة بمكان لما تقتضية من معرفة باللسان العربي، بالتاريخ، بالمنطق وبالتفكير الرياضي علوما ادوات كما تستلزم المعرفة بجميع علوم الملة فقها وكلاما واصول عقائد وتصوف وفلسفة وتفسير وكل ذلك مشروط بالقدرة على الترجمة علاوة على مجلوبات العلوم الانسانية مناهجا وعلاحا. وان كان هذا محتمل الوقوع وامرا راجحا فليس ذلك بعديم العلة لاننا ازاء نتاج اجتهادات وسعت الافاق وساهمت بوسع الطاقة في انصهارها ومعلوم ان ذلك ثمرة للوقوف على حقيقة ومدى كونية هذا الانتاج ولا يبلغ امر هذه الدرجة الا اذا كان له من مقومات العلم ما لا ينكره الا جاحد.

7) علما وان ابا يعرب كان سببا غير مباشر لتركي الجامعة اثر الخصومة التي افتعلها زملاؤه سنة 1990…

 

 

I

 

(8)  وهو من الاعمال التي امارسها احترافا ومطالعة.

(9) وللانصاف لا بد من افتراض ان الخطا هو من اخطاء الرقن فلم نؤاحذه؟ لعجلته ولمنطقه وللاسباب المذكورة.

(10) تعبير من هذا الجنس نجده عند الدكتور فتحي المسكيني في مقال نشر له في موقع ‘مومنون بلا حدود’ بعنوان “ريكور والجنس” اذ جاء فيه “…مخافة أن نخرج من ساحة المعنى التي نصبتها الإنسانية الغربية كطريق ملكيّة نحو القيم الكونية،…” والمقال خصصت له ايضا مراجعة منطقية لسانية لا لاجل مثل هذه التعابير بل لامر اخر يستفز كل من مت الى الفلسفة بنسب ولو بعيد: فان نفكر مع الكبار لا يعني ان نتخلى عن مناظير ممكنة واكثر خصوبة واثمارا لصالح من نقرا لهم ونفكر معهم كما لا يعني التحلي بمناهجهم بل التفكير معهم فيما فكروا فيه والاهم من ذلك هو ان لا نستقل مركبا كلما غير وجهته فتغير تسارعه وجدنا انفسنا خاضعين للقوة النابذة عن المركز عوض ان نستخدم هذه المعرفة للحفاظ على توازننا ولمقاومة هذه القوة؛ اعني هنا خلب الحداثة وافاعيلها على متفلسفينا الجدد. واعني علاقتنا بثقافتنا واساسا بالتراث وعلاقتنا بالاخر (من حيث هو انا) ومعلوم ان  ‘انا’ هنا منونة والا لفقدت معانيها اذ لو كانت هنا من دون تنوين لوقعنا في شناعة القول بوحدة الذوات الانسانية الجنيسة لوحدة الوجود الصوفية. فعلاقتنا بتراثنا لم تكن علاقة من يدرك ‘ثروة الامم’ بل التراث في علاقته بمسالة (الجنس والجنسانية’  لم يعد وفق التصور المسكينوي راس مال قابل للتحريك والتثمير بل جمد واصبح محتلا لمكان لا بد من ان يخليه ليترك لراسمال متحرك ياخذ مكانه لمجرد اننا عاجزين على تحويله بالرغم من اننا اليوم نقرأ امهات الكتب بألستنها الاصلية ونقارنها يترجماتها الى لغات اخرى مما ييسر علينا نقلها.. فراكمنا الادوات (المنهجية) ولا زلنا نمارس التمرن على استخدامها..

(11) لو ان الرجل اخذ موضوع قراءته ماخذ الجد ولو انه كان فعلا مدركا لمن ‘يقرا’ ولو كان غير متعجل لما سولت له نفسه ان يكتب كلاما كهذا ذلك ان من يقرا لابي يعرب يعلم انه قد خمس الزمن الحضاري فكيف يغيب هذا عن الدكتور زيادة؟ ومن البين بنفسه ان من ثمرات ذاك التخميس جعل الحاضر بؤرة الابعاد الاخرى فهو مصب ومعين في آن، مصب للماضي من حيث هو ‘حدث وحديث’ ومعين للمستقبل من جهة كونه حديث يهيء لحدث.

(12) مما يجعلنا والله نضحك والمقام مقام حزن لكن لا بد لنا من تغليب الفرح لاننا ازاء عبارتين تونسيتين بامتياز: ا-‘على وضوك يا سي خليفة!’ والعبارة من لغة التداول اليومي وفيها اضمار ‘انتقض وضوءك’ حتى لا نترجمها بلغة تفيد السخرية و ب-‘يا فتاح يا رزاق!’ اذا حصل ما هو غير مرغوب فيه في بداية امر من الامور.

 

وسيط ثقافي ومترجم مقيم بايطاليا. *