“النهضة المستحيلة”: عرض نقد أم نقض غزل – محمود الحفيان

“النهضة المستحيلة”: عرض نقد أم نقض غزل – محمود الحفيان

screenshot-2016-11-16-05-32-43


«فانهم –الفلاسفة- تصوروا الامور على قدر ما وجدوه وعقلوه وما لم يألفوه قدروا استحالته» الغزالي؛ المنقذ من الضلال

 

          ليس الغرض من هذه المقالة الدفاع على الاستاذ ابي يعرب وانما الوقوف على حقيقة الزعم باستحالة النهضة وفق الرؤية اليعربية. ذلك ان قراءة ‘النهضة المستحيلة’ قراءة عادية لا تعدوها تبين لنا بما لا يدع مجالا للشك بان العنوان لم يصدقه المضمون بل خانه وشانه مما يجعل القول باستحالة النهضة وفق العلاج اليعربي مجرد دعوى مثلما يقول المناطقة (وعلماء الجدل). ذلك ان القول المتعلق بالانسانيات، بغض النظر عن الشاكلة التي يخرج عليها (في حالتنا عرض- لكتاب- ممزوج بانتقاد مظنون نقدا) ، لا يكون من جنس القول والجدل العلميين حتى يتوفر، في تقديري، على شرطين: التحليل المصحوب بالنقد السليم والنافذ دفعاً وقوّةً والتأويل المصحوب بالعقد القويم والغير النافد مَعيناً وطلباً2.مقدمة اولى

وهذه المراجعة ستتناول بالنظر المخمس الاتي الا انها لن تقف عنده بل ستتعداه الى ما بعده.

ا- لغة ‘النهضة المستحيلة’

ب- التماسك المنطقي وجودا وعدما

ج- تاثير زاد الكاتب من فقه اللغة في منطق القارئ-الكاتب

د- اثر منطقه في بضاعته من فقه اللغة

ه- والجامع لكل ذلك او الكشف عن لبوس منطق بهرج او عدله؛ اعني بيان ان مقال ‘النهضة المستحيلة’ لم يف بمطلوبه.

من البين اني تعمدت استخدام طريقة استاذي في التخميس (3) الا انني لن اتبع هذه الخطة على هذا الترتيب اذ قد تتزاحم عناصر الخطة في موضوع  التشريح .  كما انه من البين اني تعمدت ان لا استشهد ولو بنص من كتاب ابي يعرب  ‘افاق النهضة’.

اما الجديد في المراجعة فهو تذرع المراجعة اللسانية- المنطقية والمضمونية لضرب من القول التصويري يكون الحِجاج فيه حجّا الى جنس ادبي او ضربا من الكوميديا.

 

مقدمة ثانية

يبدا الدكتور رضوان زيادة عرضه لافكار الاستاذ ابي يعرب الواردة في كتابه ‘افاق النهضة’ بمقدمة عن هاجس النهضة الذي ارق المثقفين العرب، ثم يتعرض لتصنيف من يسميهم تيارات تصدت لهذه الاشكالية، تيارات حصرها في اربعة لكي يخلص الى تمييز ابي يعرب عن اربعتها فيكون هو بدوره صنفا خامسا من ‘المثقفين’  الذين عالجوا اشكالية النهضة.

وهذا التقديم توصيفا وتصنيفا يؤكده مضمون ‘افاق النهضة’ (بل وجل الكتابات التي تناولت النهضة) ولذلك فهو لائق بالمقدمة لكن ما يؤاخذ على هذا التقديم هو اعتبار كل الذين عالجوا مشكلة النهضة مثفقين فهل هذه التسمية جديرة بابي يعرب ام انها تغمط الرجل حقه؟ قد يبدو هذا السؤال غريبا سيما ان عورض من قبل المتحذلقين بان الامر متعلق بالنصوص لا باصحابها وبان قراءة التلميذ لاستاذه غير قراءة من لم يتتلمذ عليه وما جانس هذا من شبائه الاعتراضات وتحصيل الحاصل.

الحقيقة ان تسمية المثقف بعامة غدت اليوم موضة بالية، خلت ايامها؛ وابو يعرب لا يمكن ان نسميه بهذه التسيمة لانه يتجاوزها بكثير فمن يعرفه شخصيا ويعرف كتاباته الاكاديمية والنضالية ومن له دراية بمنازل اهل العلم ومعايير العلم لا يمكن ان يصفه بالمثقف، فنحن ازاء رجل مفكر بل عالم (4) لا مجرد هذاء في المقاهي وفي الصالونات او متكد باحث عن النجومية بمجرد تلقف المفاهيم ومضغها.

اما لماذا اسميه بالعالم فهذا بيّن لمن عرف العلم ما هو وميز بين العقول الحوامل والعقول ذوات الحمل الكاذب. وكون الرجل عالما تكفي فيه الاشارة الى ما قدمه للمكتبة العربية وللانسانية بعامة وهو قبل ذلك استاذ منصف يقرا النصوص وينصف اهلها ويضيف وينقد متى كان ذلك فعلا ممكنا لا مجرد الادعاء بلوك المفاهيم، هذا علاوة على اخلاقه مع طلبته: يشجعهم وينصفهم وان خالفوه ويتواضع لهم؛ وهذه هي اخلاق المتسمين بالعلم من دون ان يدعوا امتلاكه ولكنهم بجهدهم يطلبونه ويحققون منه ما هو في وسعهم. بل لو اعتبرنا نقده لثلاثية الدكتور الجابري رحمه الله لوقفنا على الحقيقة المقررة هنا واذا قارناها بجهد صاحب “نقد نقد العقل” لتبين لنا الفارق المميز: من يطلب الفهم والحقيقة ومن يطلب مجرد الانتصار على من يتخذه درية لسهام انتقاده وان توسل مراكمة الادوات الاكاديمية (مراجع، مقارنات، فحص، نقد وتحليل وتاويل فضلا عن ادعاء ممارسة مناهج علمية..)

وعلاوة على ذلك فان مراجعة ابي بعرب لنظرية بيرس في الرمز(5)  تدل عند من قرا لا- اقول- كل اعمال بيرس بل اهم اعماله المنطقية واعمال من سبقه و/ او عاصره ولمن تلاه في المنطق اننا لسنا ازاء مجرد المثقف الحامل لهموم ثقافته وامال والام امته بل اكثر من ذلك؛ فلسنا ازاء العمى الايديولوجي ولا العموميات المبتذلة ولا التسطيح  كما اننا لسنا ازاء الاستاذ المكتفي بمجرد عرض وتبليغ ما فقهه بل ازاء عالم مدرك لما يتكلم فيه ومتحرك وفق خطة واضحة المعالم؛ فمراجعته لنظرية بيرس تشاجن فيها الهمان المعرفي (التبديهي) والقيمي (الاكسيولوجي) بلحمة وسدى الهم الوجودي ببعديه الفلسفي والديني والاكثر اهمية من ذلك هي ثمرة لاجتهاد انطلق من افق ومنظور حضاريين عربيين اسلاميين منفتحين على نظيريهما لدى مبدعي الغرب.

ولمزيد الاحتجاج باننا ازاء عالم ولسنا بصدد القراءة لمثقف تجدر الاشارة الى ما اضافه للثقافة العربية الاسلامية خاصة وللانسانية عامة(6)  اعني اساسا التفسير الفلسفي للقرآن الكريم وكتاب “الشعر المطلق” واسهاماته في فلسفة التاريخ وفلسفة الدين فنحن اذا ازاء فيلسوف عالم وان كان الرجل لم يدع يوما هذه الصفة. والتاريخ يثبت ذلك وسيثبته. ولا اقول هذا تعصبا لاستاذي الذي لا يعرفني لاني لما درست عنده لم اكن من الذين يتقربون اليه او الى غيره من الاساتذة بالرغم من ان منزلته عندي كانت ولا تزال كبيرة وهو الوحيد، من بين من درسوني، الذي اكن له وافر المودة والتقدير منذ ان عرفته لانه صاحب فضل علي(7).  والاعتراف بهذا لا يحول دوني وانصاف الدكتور رضوان زيادة.

المسالة اذن ليست تعصبا لاستاذي ولا دفاعا عنه لانه في غنى عن دفاع امثالي فنحن مثلما اننا مدينون اليه فاننا مدينون ايضا للاستاذ المرحوم الجابري ومدرسته المغربية والدكتور حسن حنفي وغيرهم (من اصحاب المشاريع) الا اننا ادركنا الفارق النوعي بين كتابات كل هؤلاء المفكرين واسهامات ابي يعرب فلا نوافق على وسم ابي يعرب بالمثقف لسبب بسيط مؤداه الالتزام الخلقي بتنزيل الناس منازلهم وعدم غمطهم ما لهم وكنا ننتظر من الدكتور رضوان زيادة ان لا يقع في مثل هذا الاختزال والتسطيح.

مقدمة ثالثة

“النهضة المستحيلة” قراءة وان احاطت ببعض اطروحات وافكار ابي يعرب الواردة في ‘افاق النهضة’ الا انها قراءة قاصرة، ليس لانسياقها وراء الاحكام فحسب بل لانها ايضا ‘قراءة’ لكتاب مظنون عديم الصلة بما سبقه وما تلاه من كتابات ابي يعرب معتبرة موضوع قراءتها مغلقا بصفة نهائية فلم تستوعب مقروءها؛ كما لا يحكمها منطق متماسك يؤهلها للقول باستحالة وامتناع النهضة وفق منظور ابي يعرب. وعل مرد ذلك الى توسّل الدكتور زيادة للمنطق الجهوي Modal Logic في قراءته؛ فمن هذه الجهة أوتيت قراءته لانها توسلت اداة غير ملائمة للغرض الذي ترومه وتدعيه. والادهى من ذلك ان ‘افاق النهضة’ قد اعتُبر من جهة الكتابة النضالية ظنا انها عند ابي يعرب خالية من العلاج العلمي (اي من جنس كتابات سكارى الزبيبة ممن يعدون مثقفين).. ولذلك فانه من المشروع ان نسال هذا السؤال: انى لقراءة لا يحكمها منطق صارم بل ومنطق غير ملائم لموضوعه ان تفضي الى القول بما يقوله العنوان؟

وهذه المحاولة بيان لذلك وفق مسلك التقفر والتتبع فقرة بفقرة. واختيار هذا المسلك البسيط يبرره موضوع مراجعتي وبه سأكشف واسوغ حكم انعدام المنطق الكفيل بالقول بالاستحالة والامتناع.

-I-

القول السائب… والمنطق الخائب

استسمح جميع القراء بعامة وصاحب القراءة خاصة في الوقوف على لغة النص الذي نحن بصدده لان ذلك اول ما يستوقفنا وسيكون عملي من جنس عمل المصححين للنصوص(8) الا اني قد اتجاوز هذا الضرب من العمل الى تقييم المضمون (المنطقي) لـ’النهضة المستحيلة’ متى اقتضي الامر ذلك؛ علما واني ساعرض اخطاء وفق خطة تلتزم التدرج وترتيب ينطلق مما هو جدير بالتغافل من الناحية الاخلاقية ولكنه غير جدير به من وجهة نظر معرفية تاخذ ما يشاكل في الرياضيات متناهي الصغر ومسألة حساب الاخطاء الصغيرة (في علم الطبيعة الرياضي) علاوة على ان قراءة الدكتور زيادة تقتضي منا تحقيق الرقابة بمعناها المنطقي عند بيرس.

  1. يعرض لنا الدكتور رضوان زيادة في الفقرة الخامسة عرضا مقتضبا وموجزا ‘لقراءة’ ابي يعرب لعمليْ ابن تيمية وابن خلدون اللذين ‘يشد اليهما ابو يعرب الرحال دوما’ على حد تعبيره الا ان المفهوم منها “تعظيم” الدكتور زيادة للرجلين اذ يفصّل لنا القول ‘وقد عمل الاول واعني ابن تيمية على… والثاني ابن خلدون عمل على… وقد كان هدفهم السعي …. لكنهم كما يرى (ابو يعرب) فشلوا..’ . تلاحظون ان الرجل اخطأ في استخدام الضمير المناسب اذ استعاض بضمير الجمع عن ضمير التثنية (هدفهم… لكنهم فشلوا) (9) ونحن ازاء احد امرين فاما

 ا) ان الرجل قد تعلم اسلوبا للبيان نادر في لساننا فحدثنا عن اثين بضمير الجمع لاجل ذلك قلت بانه يعظمهما واضيف: ربما اكثر ممن يتهمه بشد الرحال اليهم. ولا يخفى عن احد البون الشاسع بين اسلوب القران مثلا في كلامه عن الواحد بضمير التثنية (جنتين من اعناب… دخل جنته؛ وواضح ان البيان القرآني هنا لا يخلو من الفرقان بمعناه الرياضي والمنطقي لمن تدبر: فدخول الجنتين لا يمكن ان يكون الا بدخول احداهما) او عن كلامه عن اثنين بضمير المفرد (قولا انا رسول..). اما ان كان الامر غير ذلك فـ

ب) اي ان لم يكن اجلالا لهما، فنحن ازاء سقطات ‘المبرزين’ ولا يخفي عليكم وقع هذه الصغائر اذا روكم بعضها على بعض أفلا تودي الى وأد منطق النحو فضلا عن منطق التاليف سيما وان عنوان المقالة يدعي ان له مواتّا بالمنطق وليس من جنس الكتابات الادبية التي يستساغ فيها مثل هذه الامور بالاضافة الى المعنى حينا والى اللفظ حينا اخر.

وان كان الامر الاول ثمرة لافتراض صحبة مع القران (وهو افتراض او احتمال مرجوح) فان الثاني هو ثمرة افتراض لاحسان اللغات الثواني التي لا تتوفر على ضمير التثنية (وهو الراجح) وعدم اخذ اللغة العربية ماخذ الجد وهي الملاحظة الثانية

2- يستهل الدكتور زيادة مقالته بالكلام عن “سبل وطرائق مطروحة”، ولعمرك ان هذا تجاوز للمجاز وللحقيقة لانه قول ينم عن تفكير خارج عن اطر اللسان العربي؛ ذلك ان المتعارف عليه ان السبل تخط وتمهد وتستبان وان الطرائق تتخذ او تتبع او تبتدع؛ والسبل والطرائق تسلك وتنتهج فلا تطرح(10) وانما تقترح الا انها قد تُطّرح بحق او بباطل: تطّرح بحق للعلم بما تؤدي اليه ان كانت سبلا غير سالكة او غير مفضية الى المطلوب؛ اما اطّراحها باطلا فليس لصفة ذاتية لها (اي ليس لبطلانها مثلما هو الشان في اطراحها بحق وعدم اتخاذها سبيلا) بل لما يتصف به مطّرحها من الصد عن الحقيقة وابتغاء العوج.

فلنتياسر ونقبل بطرح السبل والطرائق ولنمض قدما في القراءة بمعناها الادنى لفهم ما تقوله ‘القراءة’ بمعناها الراقي لدى الدكتور رضوان زيادة لاني لا ادعي مزاحمتة في ميدانه وفي قراءاته بل اني اضعه في مقام اعلى من مقامي بكثير ولا ادعي ان اشق له غبارا فضلا على ان اعد نفسي نظيرا له الا ان موقفي هذا لا يحول دونني وقول ما اراه صوابا.

ولكن طلبا للانصاف اذا تخلينا عن افق هذا الفهم الى افق اخر فاننا نفهم انه يتحدث عن مثقفين ‘يطرحون’ في معالجاتهم النظرية لمشكلة النهضة ‘سبلا وطرائق’ بمعنى يعرضونها ويقدمونها على نظرائهم من اهل الفكر او اهل العمل . فلكأن ما كان مطويا مقبوضا في اذهان وفي افئدة المثقفين نشر وبسط في فضاء ثقافتهم فصار كالنجوم متفاضلة في تلالئها. وهذا معنى الطرح عند صاحبنا. الا انه حتى من جهة هذا الافق نصطدم بسدود هي عين هذا التصور للطروحات او لـ’التازيس’ التي اختارها كل مثقف او كل تيار منهم. فهم بهذا لكأن عقولهم حملت لكنها طرحت حملها ولم تضعه اما لفقدان القابلة او لعلة اخرى، فكان طرحهم لما يطرحون كالولادة السابقة لاوانها او لغير تمام الامر الذي يجعل من طروحاتهم من جنس ما يعبر عنه بالدارجة بـ ‘السبوعي’ اي الذين ولدوا لسبعة اشهر وليس لهم حظوظ في العيش الا بان يوضعوا في انابيب الطب الحديث لانقاذه.. والانابيب فيما يتعلق بـ ‘السبل والطرائق المطروحة’ لا تعدو حظوظ بعضها بان تتبناه ‘دولة’ متأدلجة… هذا في احسن الحالات وان كانت صروف الزمان مساعدة .

اما ان كانت الاخرى فالسبل والطرائق تكون سقطا او من جنس المولودة جيفة اما لارحام متعفنة او لظروف نفسية مضادة لحمل ووضع عادي اولغير ذلك مما يقدر طبيا.

اما وان دققنا النظر وضربنا عن كل ذلك صفحا فاننا، وبحق ما، نجد انفسنا امام امر اخر لا علاقة له بما جنّ واستكنّ؛ فلسنا ازاء (ما شاكل) الحَمل الكره والوضع الكره عند الامهات بل نحن امام الحمل الظاهر اي الحِمل الذي يكون للمتاع المحمول والذي يطرح، يوضع او يطّرح حالما تدرك المراحل او المنازل (بمعنى منازل البريد في ثقافتنا القديمة) كذا هو طرح المثقفين ‘للسبل والطرائق’ التي حدثنا عنها الدكتور زيادة. وهو حمل من جنس ‘انا حملنا اوزارا من زينة القوم’ فمآلها وقصارى مبلغها هو صيرورتها ‘عجلا له خوار’ اجله المحتوم تحريق الامة المستانفة لدورها الكوني ونسفه في يم شبائه الحلول لانها عديمة العلم بسنن العمران. اما ان لم يكن تأويلها عجلا له خوار فعلّها صائرة لا محالة الى لحم حُوار فتكون الطروحات طبخا لما لا يستمرؤه العرب (وعل عرب اليوم على خلاف هذا) وجهلا بما ألفوه في غذائهم (بمعنيي الغذاء) .

اما رجالات امتنا وفحول نظارها فتأبى نفوسهم مضاهاة من ‘حملوا التوراة ثم لم يحملوها..’ وتابى اراداتهم المتحررة وعقولهم المستنيرة ان تحمِل الى امتهم اجداثا وان تحمَل فيها بها ايا كانت نسبة تلك الاجداث: الى الاصلانية الدينية المتسلفة زعما للتاصيل مع توسل فرض ما تظنه حلا ام الى الاصلانية ‘المتحدثة’ زعما للتحديث مع تذرع القسر والارغام لظنهم انهم وكلاء علينا.

وايا كان افق الفهم وايا كانت فضاءات المعاني فان المباني المتزلزلة لا بد من ان تجعل المعاني تمور مورا سيما واننا علمنا ان “ضروب التعبير ثمثل انماط حياة (عيش)’ (فتعنشتاين) وهذا الضرب من التعبير يمكننا ان نعده اثِّقالا الى الارض واخلادا اليها وليس حركة فيها- كالمتقلع منها- طلبا للخلود فيما يتعالى عليها.

3- الفقرة الاخيرة من ‘النهضة المستحيلة’ الفقرة رقم 17 يقول فيها الدكتور زيادة بان ‘ما يغيب عن المرزوقي دائما زمن الحاضر ذلك انه دائما ينوس بين زمنين  الماضي… والمستقبل  … وما بينهما الذي هو حال الزمن الراهن لا يهمه كثيرا…”(11) فمن يقرا هذه الفقرة يدرك مصيبتنا في مثقفينا الذين بالرغم من معالجتهم لنصوص كتبت بالعربية الا ان الظاهر انهم يحسنون الالسنة الثواني وينسون لغتهم. كيف ذلك؟

انه العجب العجاب فلولا السياق وكلية القراءة لقلنا بان الدكتور رضوان على ‘جلالة قدره’ قد هوى في غياهب مهواة لا مطمع له في الخروج منها فاذا اعْتُبرت البنية اللسانية للسطر الاول والشاكلة التي اخرج عليها نجد انفسنا امام جملة تقول امرا معاندا لما قصد قوله في الفقرة بل امرا متعارضا مع غرض المقال كله؛ اذ الجملة تطالب بمكمّل عزب عن فكر القارئ المحيل للنهضة وفق منظور ابي يعرب فجاء معناها نشازا بالاضافة الى ما تلاها.

لنقرا معا: “ما يغيب عن المرزوقي دائما زمن الحاضر” فـ ‘ما’ الموصولة قد زُلزلت وُصلتها وفصم موصولها فلكأنها صارت نافية (للحال) بعد ان كانت للوصل (لولا ما تلاها). ومعلوم ان نفيها للحال يسقط حكم الماضوية ويعمي عيونا تدعي رؤية ما يوجد ‘الآن’ و’الها هنا’ وما هو مقبل من ‘ها هناك’. اي يعمي عيونا مبصرة بما هو في الحال والاستقبال لانه حالّ “هنا” او “هنا” حلت بوادره المؤذنة بكونه مستقبل آت لا راد لاقتحامه. الا ان الصورة لا بد لها من مزيد توضيح، فهذه العيون المبصرة بما أمامها فقط لكانها قد ركبت في رؤوس ثابتة مثبتة غير قادرة على الالتفات الى الوراء او لكأنها اذا التفت اصحابها بكامل ابدانهم الى اخلافهم اصيبت بغشاوة او لكاننا ازاء رهط من الناس مضروب بينهم وبين اخلافهم بسور تغشاه ظلمات او لأن النور الذي امامهم مبهر الى حد الاعشاء فاذا داروا باجسامهم غشيت ابصارهم الظلمات. فنحن لسنا ازاء من وصفهم افلاطون. لان اولئك تعودوا على رؤية الخيالات والظلال . اما اصحاب المستقبل والمستقبليات فالظلام كل الظلام من خلفهم والنور كل النور من بين ايديهم فأنى لهم ان يلتمسوه وراءهم؟ فلكأنهم خصوا من دون سائر الحيوان المبين بالنور فلا يفيض الا عليهم ولا ينير لهم الا ما امامهم؛ اذ المكان بالنسبة لهم غير المكان بالنسبة الينا فلكاننا واياهم في غير المكان وفي غير الزمان… بل اطرح كل ذلك وقل بانك امام امة من الناس تجسد فيهم ما عددناه قد دحض وفند ببصريات ابن الهيثم فعيونهم هي التي تنير كل ما في الوجود لكن ليس باطلاق بل باضافة الى ‘الامام’ لانهم اذا التفتوا انسلخوا من الصورة الادمية وصاروا كطيور الليل (كروانات، بوم، اصداء او وطاويط) لا تبصر في ضوء النهار. لكأن ‘المن خلفهم’ و’ما وراءهم’ هو من جنس السجن المظلم الذي عبر عنه العرب باالمطبق.

فانت ازاء قوم اذا اقبلوا عليك اشرقت لوجوهم ظلمات المستقبل، الا انها اشراقات من جنس الكشف الصوفي الخاص بهم لا طاقة لنا نحن ‘العامة’ بها، اما اذا اضطروا الى الالتفات الى التاريخ فان ‘انوارهم’ تكسف كل نجوم الماضي بل تنكسف هي ايضا او قل هي وجوه اذا اقبلت عليك حسبتها الشمس واذا ادبرت اسودت لكان الوراء (التاريخي) لا ورى فيه ولا ورْي فلذلك فانهم يتبرمون من ‘الماضويين’ من جنس ابي يعرب اذ يبشرونهم ‘بولادة ما’ كتبرم وعبوس من بشر بالانثى من عرب الجاهلية مع فارق مهم هو ان اولئك ‘يتوارون من سوء’ البشرى اما هؤلاء فيستقبلونك بصلف ‘المستقبليات’ .

مستقبليات مليئة بالملقايات التي تظن احجارا كريمات وهي من جنس البليات فشتان بين المستقي(اهل المستقبليات) والساقي (مبدعي المستقبل) وشتان بين استباق الخيرات المشدود الى ‘المثل والامثال’ واستباق الابواب… المُفتّحة لمثقفين يريدون اغواء شعوبهم وشعوبهم التي تعتصم بقيمها.

والعجب كل العجب من منطقهم، فبالرغم مما اختصوا به من عجب الرؤية صار منطقهم تمتمة حير الطبيب الحاذق لان تمتمتهم ليست لخلل وظيفي بل لمراسهم لتجربة الانخطاف الوجدانية التي هي من جنس ‘ما لا ينقال’ فنسبة تمتمتهم الى البيان كنسبة لغة اهل الطلسمات الى لغة الرياضيات. الا ان الاولى هي علم مزعوم في الانسانيات و’الشرائع’ وفي الطبيعيات و’الطبائع’ تأثيرا وتغييرا موهوما والثانية علم اداة في الطبيعيات يؤتي اكله كل حين.

ولقد علمنا من طيور الليل ان هذا الضرب من المنطق قد جمع بين لغة الرموز والاشارات (الصوفية)  ولغة رياضيات خالصة لمستقبليات محضة علمها من علمها وجهلها من جهلها! فلهذه الخاصية التي تميزت بها هي توهب وتورث للمصطفين من اهل الصفا المحدثين ممن نجحوا في ازالة البرزخ بين علوم الطبيعة وعلوم الانسان او الروح او الثقافة فلا مشاحة في الاسماء.. فتراهم يستخدمون المنطق الجهوي في غير موضعه ويقتصرون منه على القول بالاستحالة والضرورة.. استسمح القارئ في هذا القوس فلنعد الى ‘تمتمتنا’ نفك رقيمها لكن لا تعترض علي بالقول ما دمت قادرا على فك رقيم اهل الصفا المحدثين فلا شك انك منهم.. فاجيبك باني عُلّمت منطق هذا الجنس من الطير الليلي بفعل كثرة وقوعهم (بمعنيي الوقوع) في ديارنا وما حوت وفي زماننا وما جلب الا اني لا ادعي اني سليمانا جديدا.. ذاك جوابي على اعتراضك فلنرجع.

عاد الى العليل جسمه

“ما يغيب عن المرزوقي دائما زمن الحاضر” تمتمة. والمنطق السليم يقتضي ويستلزم ضميرا يعود على “الذي يغيب عن المرزوقي دائما”. فلنعد صياغة الجملة “ما يغيب عن المرزوقي دائما هو زمن الحاضر” افلا يرد الضمير الامور الى نصابها ويزحزح بل يزيح تعاند جملة افتتاح الاختتام بما تلاها؟ وانقلوا معنى الجملة الى اللغات التي تعرفونها فهل يمكن لكم ان تتخلوا عن ‘الكوبولا’ او فعل الوجود مصرفا مع ضمير المفرد الغائب(او الرابطة بلغة فارابية)؟ الا ترى معي بان الامر لا علاقة له حتى بالالسنة الثواني؟ اذا ما الامر؟

قد تجيبني بان الامر الذي صيرته قبة هو مجرد حبة وتختم قولك بالتسبيح ‘سبحان من لا يسهو’. نعم هذا ما يجود به الكرم. وما اخالني تسفلت الى منزلة اللئام لكني ربيت على حب هذا اللسان وقرات بالسنة اخرى فوجدت انها لا تقل ابانة عنه فكررت القراءات فوقفت على انه يفوق غيره ابانة وبحق ما سمي ‘لسانا مبينا غير ذي عوج’ والسر ليس في عجز اهل الالسنة الاخرى بل الفضل يعود فيه سلبا للمترجمين العرب من اهل الحداثة وما بعدها بنقولاتهم العرجاء ولابي يعرب المرزوقي ونظريته في الترجمة ايجابا اما من القديم فاحيل الى احالات ‘الشعر المطلق’ اعني ابن جني والجرجاني وصاحب معنى اللبيب وقواعد الاعراب.

4- ورد في الفقرة الخامسة للنهضة المستحيلة ما يكشف لنا بجلاء عن بضاعته الغير مزجاة من فقه اللغة والمنطق في آن؛ اذ ورد فيها “.. ولذلك فقد كان هم كل من ابن تيمية وابن خلدون هو التحرر من مؤسسات المجتمع الوسطى المتجاوزة لكل دولة بمهامها السامية وقيمها المتعالية تحررها من نزوات المستحوذين على السلطة السياسية” فهذه عينة من لغة القارئة، عينة كاشفة لعوج منطقه اذ ان ما يقصده هو  ان “هم كل من ابن تيمية وابن خلدون هو تحرير المؤسسات الوسطى من..” لانه يشرح لنا التحرر الذي نسبه الى الرجلين (خطأ) باضافته الى تلك المؤسسات (بنفس الملاحظة) “تحررها من نزوات..” ومن دون هذا الاصلاح لمنطقه لا يستقيم ما قاله بل يعد من التخليط الذي لا يمكن ان تكون له قدم صدق في الاقوال لسانا ومنطقا؛ اذ كيف يمكن ان يكون هم الرجلين هو التحرر من “المؤسسات الوسطى” هو عينه تحررها هي مما وصف؟ كيف يتحرر الرجلان من امور وصفت بانها متجاوزة “لكل دولة بمهامها السامية وقيمها المتعالية” وهما يرومان تحريرها من مضادات السمو والتعالي؟ فحتى وان انحطت تلك المؤسسات الى حضيض التوظيف السياسي الملغي او/ والمحرف لدورها فان الرجلين او اي عاقل لا يتحرر منها ان كان فعلا يريد تحريرها. اي حتى مع التياسر محاولة منا فهم ما يقول الدكتور رضوان زيادة على هذا النحو فانه لا يستقيم. وتلاحظون اننا لسنا بحاجة الى الاستشهاد بمقتطفات من كتاب ابي يعرب. وقل ربي زدني علما.

اما لو حاولت تتبع ذاك الكلام ومخضه وفق منطقه الداخلي لاخرجت زبدة سامة للعقول ولاضحكت كل حزين ولكني عندها سأتجاوز الحد الذي وضعته لنفسي لكني ادعو الجميع الى قراءة نظرية الدولة عند ابي يعرب. ما دخل هذا بذاك؟ اعترف باني اكتفيت بالاشارة الى امر يبدو بعيدا ولذلك فلا اجد باسا من التوقف عند عتبة لا اعدوها: ق) هم ابن خلدون وابن تيمية واحد (حسب الدكتور) وهو التحرر من مؤسسات المجتمع الوسطى. ك) تحرر هذه الاخيرة من نزوات المستحوذين على السلطة السياسية.

لا شك ان الرجلين يقولان بان المؤسسات المتجاوزة للدولة بمهامها السامية اذا خضعت لنزوات.. فهي تصبح منحطة ومنتجة للعبيد لانها صارت من جنس الاماء او السبايا مثل من يقومون عليها من المفسدين لمهامها. نعم. لكن هل من الممكن ان نقدر انها صارت بالاضافة الى الرجلين مما يجب التحرر منه لا تحريره واستصلاحه؟ اذ لا مناص من التمييز بين استحالة تلك المؤسسات الى ذاك المآل وبين القائمين عليها (المستحوذين عليها)؟ فهل كان الرجلان بمثل هذه البلادة وهذا الجمود يرومان بخلط كهذا اعادة الخلق ‘اكس نهيلو’ لمؤسسات هي (من جنس الخانات التي تملأ بالقائمين عليها؛ ابو يعرب. والاشارة كانت لمن لهم دراية باداة التناسب)؟ فماذا يعني تحررها وماذا يعني تحررهما منها حسب الدكتور زيادة؟ لا نطلب جوابا على هذه الاسئلة وانما هي للاستنكار الذي لا يمكن حتى لمحيل النهضة ان يجحد محمولاته ومجاريه ومراسيه. بكلمة انه الخلف.

واخيرا اخترت تسمية القضية الاولى بقاف وليس بالف والثانية بكاف وليس بباء لان الحرفين المليسين اذا وصلا (لو وردا في هذا الترتيب) افادا (اب) ولا يكون ‘س’ ابا الا لانه انجب وانتج وولد، بل لو رمزت اليهما مع قلب الترتيب لافادا ‘با’ ولصرنا مصوتين باصوات الاغنام الا ان اصواتها قابلة للتاويل عند الرعاة والمربين.. اما ان وصل الحرفان ‘المؤيسان’ (وفق الترتيب الوارد)  فلن ينتجا ما يفيد لقرب مخرجيهما فاخترتهما للدلالة على سقم التعبير(قك/كق). والحمد لله على نعمة البيان.

5- القارئ للمقدمة يجد في السطر الرابع منها وما يتلوه الى اخر ها كتابة داحضة منزلقة، وما يتعجب له المرء هو هذا الانزلاق منذ البداية(12): اقرؤوا معي الفقرة (كاملة) التي استهل بها قراءته لـ ‘افاق النهضة العربية ‘ وانتبهوا جيدا منذ ان تصلوا الى السطر الرابع منها الى آخرها “…، ورغم  تباعد السبل في النظر الى النهضة…..وانقسامهم (المثقفين العرب) تيارات شتى….  اذ يصر البعض على وسمها.. .  اذ هي مازالت تتراوح … وفريق اخر …. اما الفريق الثالث … اما الفريق الرابع…(الى)  اثارها (اخر كلمة للمقدمة)” فهل هذا كلام تام المعنى علما واني لا اتكلم عن تصنيفه للتيارات..؟

الجواب من دون تجنّ على الرجل هو قطعا بالنفي اذ اين ما تقتضية، تستلزمه، وتدعيه ببيّنتها وببنيتها كلمة ‘ورغم’ من القول المتمم للمعنى؟ اقرؤوها جيدا فلن تجدوه. لقد كسفها التصنيف. فحرف ‘اذ’ المتقدم على “يصر البعض” وما تلاه هو تعليل لـ “تباعد السبل … وانقسام التيارات” التي يواصل الدكتور زيادة في تفصيلها غير انه تعليل لا حول له ولا قوة في متعلق ‘ورغم’ الذي اعدم ‘بقدرة قادر’ وعلى القارئ ان يضيفه او يقدره.

فغياب ما يقتضية الحرف المذكور هو من جنس الحذف الذي لا يستساغ ومن التقدير الذي لا يرام بيانا ومعنى بل هو اطّراح للبيان وللمعنى في آن. اهي الغفلة ام النسيان والسهو؟ الله اعلم فنحن ازاء نص لا ازاء حالات الكاتب صحوا او سكرا، غفلة او سهوا. فلم لم يسه عند وضعه العنوان حتى نعلم انه ممن رفعت عنهم اقلام القارئين الكاتبين؟.

ولا اجد تفسيرا مقبولا لاعدام متعلق الحرف المذكور غير اطالة الذكر من دون اجالة الفكر. وهذه الملاحظة مما لا طاقة للدكتور زيادة لدفعها. وانظروا الى الفقرة الثانية حيث استعمل ‘ورغم’ كيف عبر عن مقصوده وفهمه “ورغم انه لا يتجاوز مستوى التوصيف النظري ….. الا انه …” فجاء المعنى تاما. والغرض من هذه الملاحظة ذات الطبيعة اللسانية ليس لغويا بل ما بعد لغوي والامر جلي لمن يتمنطق على بينة. فهذا الاخير يمارس رقابة على ما يكتب وما يقول ولا يسترسل فهو يحذر من القول السائب والمنطق الغير صائب.. بهذه الملاحظة اختم وهو ما بدأ به فكان كل من المجرى والمرسى في هذا القسم عكس مجرى ومرسى ‘النهضة المستحيلة’ وهو للانصاف مما تعلمته من ابي يعرب اذ علمنا ان نقرأ النصوص من اخرها الى اولها او نقدم عرضا يجعل اخر النص واوله اول العرض واخره ولا اعلم تفكيكا جديرا بهذا الاسم غير هذه العملية  او ما شاكلها من الوقوف على مفاصل النص..

-II –

النطاق المحزوم … والمنطق المخروم

1- ابو يعرب اذن يمثل تيارا خامسا الا ان “ما يرغب في قوله هو خروجه عن التيارات الاخرى ليكتب قولا خاصا به” فكل هذا من تحصيل الحاصل؛ اذ كل واحد من كل تيار يكتب قولا خاصا به فاي عجب او اي فائدة ترجى من القول باختصاص ابي يعرب بقوله وبكتابته سيما وان القول الخاص بكل كاتب لا يتصور انتفاؤه حتى ولو كان مشاركا في منهج وافكار تيار ما فضلا عمن نصب اجتهادا (النظر في منأى عن التقليد) وجهادا (عملا على علم)؟

فليس قول ابي يعرب في ‘افاق النهضة العربية’ هو لمجرد التميز عمن تكلم في ذات الاشكالية وان كان تميزه هو الذي يجعل من قوله خاصا به. فالكلام عن رغبة الكاتب امر لا يليق بما يسمى ‘قراءة’ تدعي القول المنطقي استحالة ومنعا في حين انها لا تتجاوز تحصيل الحاصل. ثم ان حصر تلك الرغبة في مجرد الخروج عن التيارات الاخرى هو من التعسف على محتوى الكتاب وليس وقوفا على فحوى الخطاب.. بل اكثر من ذلك اذ من يعرف المنطق ما هو يدرك تمام الادراك بان الكلام عن القصود والرغبات هو خارج عن اهتمام المنطقي وتقييمه. وغاية ما في الامر ان ابا يعرب استثمر منهج ‘التصديق والهيمنة’..

2) والقول الخاص بابي يعرب في النهضة هو “قول لا يتجاوز مستوى التوصيف النظري للتخلف العربي الى طرح الحلول او تقديم الاجابات.. ” بالرغم من انه ” قول يتصف بالشمولية النظرية” حسب القارئ (الفقرة 2). جيد. الا اننا نصطدم بمضمون الفقرة 12 من ‘النهضة المستحيلة’ : فهذا الذي لم يطرح حلولا ولم يقدم اجابات قدم “قراءة” هي في الفقرة 12 وصفت وصفا مشروطا بانها ‘صادقة شكلا’ وبانها “منتفية عمليا وواقعا”(13) (جواب الشرط). فما المفهوم من ان القرءة ‘منتفية عملا وواقعا’؟ اليس ذلك انها قراءة مفقودة في الواقع وفي العمل؟ فكيف صارت تيارا خامسا؟ هل ان الرجل في ‘قراءته المستحيلة’ تدنخت فصارع مجرد الاوهام؟ الاجابة- المهرب هنا يسيرة : انه (يصارع) تيار الماضوية والطوباوية. واعلم انه يريد ان يقول لنا باننا ازاء نظرية ماضوية غير قابلة للتطبيق. فهذا حاصل ما اراد قوله وتناسى ان تعبيره هذا عن فهمه وما عناه نعى الينا منطقا ‘مهماها’ ناء بالمنطق (العلم الاداة) ونآ عنه فكان منطقه ‘مضرطا لنصه’(14).

فاذا تدنخت فما علاقة العمل والواقع بدنختته والحال انه قد تحيز الى الوهم وتحرّف الى منطق تفرد به؟ افلا نجد انفسنا مضطرين لنسبة الحق الى اهله وشد الرحال الى ابن تيمية وابن خلدون بل والى الغزالي اذ ميزوا بين ما في الاذهان وما في الاعيان والى من حصروا الوجود في مداركهم؟. لكن ما الذي ينفيه العمل والواقع اذن؟ اينفي ما سماه توصيف القراءة ‘المقبولة شكلا’؟

لكن هذا وان كان كلاما معقولا الا انه يكتسب معقولية اكثر اذا قلنا ان ‘الواقع’ قد يوقّع ويحقّق قولا نظريا كان بالامس من جنس ‘هذا المنفي’ بمعنييه، المفقود الغير موجود والمكذب من قبل مجاري الامور، وقد يكذّب قولا كان بالامس مظنونا من ‘الواقعات’ بشهادة التجربة (الغفل)؛ اذ لا مانع من كل ذلك لمن له ادنى معرفة بمجاري النظر وبمراسي العمل ولا مانع منه لمن يعرف العلم ما هو. فما الذي يبقى من هذا ‘النقد’ اذا لم نغفل عنصر الحركية وديناميات التاريخ؟ لا شيء غير اكتشاف انه بهرج.

3) بعد ان علمنا بان قراءة ابي يعرب لا تعدو التوصيف وبانها لا تطرح حلولا ولا تقدم اجابة بالرغم من الشهادة لها بالشمولية النظرية تقول لنا الفقرة الثالثة امرا يعارض هذا القول: “يبقى (ابو يعرب) دائما محكوما بارجاع الازمة الراهنة الى جذورها الماضية (الى آخر الفقرة)”  افلا نرى بان هذا الذي يرد الازمة الى جذورها قد تجاوز التوصيف الى طرح حل لاشكالية النهضة والى الاجابة عن سؤال او اسئلة النهضة ولو بمجرد التنبيه على معوقاتها او على علاجها اذا سلمنا بمقولة التوصيف المعاندة للقول بعدم تقديم الحلول والاجابات؟. بل ألا يعني ذاك الارجاع باننا قد وُضعنا امام اصل الداء فاصبح مكشوفا امام “اطباء الحضارة”- ومن ثم صار تدخلهم المشروط بوضوح مكمن الداء تدخلا جراحيا في محل الداء لا ضربا في عماية او اعمالا لمشارط الجراحة عمل المجرمين الممثلين بقتلاهم (بالسكاكين)؟. وكل هذا يصدقه وصف الدكتور زيادة لتوصيف ابي يعرب بالشمولية. واذ قد تبين هذا مما يقوله محيل النهضة وفق الرؤية اليعربية فلا يمكن ان نسلم له بان قراءة ابي يعرب لمشكلات النهضة لم تقدم حلولا ولا اجابات. وهذا لامرين ولعلاقتهما: ا) لانه قول من جنس انغاض الرؤوس الذي هو في نفس الان ثمرة واصل لصناعة الرمز المضلل- المعبر عنه بالانتفاء العملي والواقعي والمتوسل لذريعة المنطق الجهوي-  والذي يحيلنا الى رمز المريض الذي يستنكف من الدواء المر او الذي لا يكاد يستساغ فيرى علاجه فيما يهلكه لا فيما يمتعض منه قليلا وتعقبه العافية. وب) لان القارئة اعترف لقراءة ابي يعرب بالشمولية النظرية وبالصدق الشكلي وهو من جنس “لقد علمت ان هؤلاء لا ينطقون” وج) كيف نجمع بين الامرين ونكون متماسكين منطقيا واسوياء وجدانيا؟ (ساعود الى المسالة في القسم الثالث).

لكن هل يخلو علم ما من مستوى وصفي عند من يعرف العلم ما هو؟ ثم باي معنى نفهم ‘التوصيف” أبمعناه العلمي (الطبي مثلا، علم الاعراض او وصف الظاهرات وصفا دقيقا..)؟. وهذا يشهد له مضمون الكتاب ولا يعترف به القارئة ام بغير هذا المعنى (الوصف الادبي مثلا او من جنس علم الطبيعة الوصفي القديم) المدحوض لغة واسلوبا في المقروء والمدحوض كرها بكلام الدكتور زيادة نفسه؟  لا اظن ان الدكتور زيادة قد عنى غير الاول والا لكان من المكابرين وانئذ لا يكون وصفه ‘قراءة’ ابي يعرب بالشمولية ‘النظرية’ اي معنى. وما دلالة تخصيص الشمولية بالنظرية؟ هل ان توصيفه (الطبي) تكلم عن مجردات لا قيام لها الا في ذهنه ام عن اعراض لها وجود في الخارج؟. واليكم شهادة القارئ على هذا الخبط والاضطراب اذا لم تكتفوا بمنطق القول: فابو يعرب “يرى- وفق المنطق الذي وقف عليه الد. زيادة- انه علينا النظر الى الوسائل (يشير اليها لاحقا)… واستلهام هذه الافكار وتوظيفها..” فلنسلم معه بهذا، اليست هذه حلولا واجابات (انظروا في الافعال المستخدمة)؟ فلم نفاها في الفقرة السابقة؟

لاحظوا اني لم ادخل في جدل حول فهم الدكتور زيادة لاطروحات ابي يعرب لاني ارى ان ابا يعرب هو الذي له الكلمة الفصل فيما يتعلق بفهم اطروحاته فهما سليما او خاطئا اذ ليس هذا من اغراض ما اقوله.

اذن حتى ان جهلنا او تجاهلنا مضمون ‘افاق النهضة’ واكتفينا بقراءة (النهضة المستحيلة) يستوقفنا ما تقوله فالافعال التي استخدمها ‘النظر الى الوسائل.. استلهام افكار محددة وتوظيفها‘ تجعلنا نفترض ان القراءة التي تروم نقد مقروئها تنقض غزلها. لان الذي لا يقدم حلولا والاحرى ان نقول علاجا اذا اردنا ان نلتزم بمنطق الدكتور زيادة الذي يتكلم عن توصيف يقول عنه بانه قال لنا يحق عليكم

ا) النظر الى الوسائل (التي استخدمت في نهضة العرب في الماضي

ب) طلب الالهام من “افكار” و

ج) توظيف تلك الافكار.

فلو سلمنا بانتفاء الحلول، اعني العلاج او الدواء للادواء التي تنخر كيان الامة، ولو زدنا جرعة التياسر وسلمنا بان ما قاله لنا هو عين ما قاله ابو يعرب (وهو مشكوك فيه) فما دلالة القول بعلينا بتلكم الافاعيل التي ينسبها لمن نفى عنه ‘طرح الحلول’؟ فالحل الوحيد لهذا الخبط هو ان نفترض ان صاحب ‘النهضة المستحيلة’ لا يوافق على اطروحات ابي يعرب وهذا من حقه الا ان ما يتجاوز حقه هو ان لا يحصر الحلول في رؤيته لها- مثلما ان ابا يعرب لم يقل يوما ان الحل هو ما يراه بل هو يقدم ما رآه على انه احد الحلول اذ لا يمكن لمن ادرك التعدد في التفسيرات العلمية والتعدد المذهبي في الملة الاسلامية ان يقول ذلك. والاهم من ذلك ان يحافظ القارئة على تماسك منطقه فلا ينفي امرا ثم يوحي بايجابه حتى لا اقول يوجبه. اليس هذا من التهافت الذي اصاب الذات والموضوع في نفس الوقت وان بمعنيين مختلفين لواحد واحد منهما؟ اذ من البين بنفسه بالنسبة لاهل لساننا الاختلاف بين تهافت الاشخاص او الذوات الاعيان على امر ما وتهافت منطق موضوع ما علما وان معنيي التهافت بينهما شجنة اذا تعلق الامر بجل المثقفين العرب (الاخلاد الى الارض والعبارة قرانية ولا اعلم احدا فلقها غير رجال التفسير لسانا وابو يعرب فرقانا(15))

لنعد الى ‘رد الازمة الى جذورها’ فما المانع من ذلك لمن اراد ان يفهم ويستبين سبيل من سبقه وينتهج طريقا خاصا به؟ فاي امر لا يقبل الرد الى جذر او اصل؟ فحتى الفقاقيع لا بد لها من شروط وتربة ومناخ هي كلها بمثابة الاصل الذي يجعلها ممكنة فضلا على ‘بعائد الامور’ من الانسانيات. ولمَ نجوز الكلام عن اصل الانواع في الطبيعيات ونحيل الكلام عن جذور المشكلات في الانسانيات؟ علّ مرد ذلك الى حكمين متظاهرين متناوبين تصريحا واضمارا اعني ‘الماضوية والطوباوية’ والى ما يثمرانه وما هما من ثمراته. لكن قول الدكتور زيادة هو تمهيد للفقرة الرابعة .

4) “لذلك نجده يشد الرحال دوما الى اثنين من المفكرين…. وهو لذلك غالبا ما يكيل النقد لابن رشد على عكس العديد من المثقفين العرب….” فما دلالة هذه الاشارة الى نقد ابي يعرب لابن رشد لمجرد انه يختلف عن ‘العديد من المثقفين العرب’ المادحين لابن رشد؟ فلكأن صاحب ‘فصل المقال’ فوق النقد لمجرد ان العديد من المثقفين العرب “يرون في نص ابن رشد نصا فلسفيا عميقا”. فوفق هذا المنطق فان ‘اختزال’ ابي بعرب ‘فصل المقال’ في كونه فتوى لصالح الفلسفة بالرغم من مدح سائر المثقفين لهذا النص المهم يعني خروج ابي يعرب عن زمرة المجمعين على عمق الكتاب وخروجه عن ‘الجوقة’(16) كاف لاعاقة قراءته لاشكاليات النهضة العربية والاسلامية والحكم عليها بالاستحالة بمنطق لا قيام ذاتي له.

ثم ان الدكتور رضوان زيادة يبدو انه يرى القول بان “فصل المقال هو مجرد فتوى” حط من شان الكتاب واستنقاص من شأن ابن رشد بل الامر اكثر من ذلك اذ يلجئ د. زيادة قارئيه الى التساؤل عن معنى الفتوى عنده اهو عينه مفهومها في العربية ام هو ما يظن انه مفهوما لها (مجرد الاجتهاد الفقهي تحليلا او تحريما وبالتالي لا علاقة له بالفلسفة ولا بالعلم)(17) ؟ هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فما قاله الاستاذ بايجاز بليغ عن ‘الفصل’ هو ما يقوله عنوان الكتاب نفسه اذ ان حق الفلسفة في المواطنة في فضاء “التعابير الثقافية” استوجب قضاء العقل الذي لم يقطع مع النقل في مشروعية ممارسة الفلسفة فقال ابن رشد رحمه الله كلمة (يرى انها) فصلا للخلاف في شانها حسما للامر وقطعا للشغب بلغة اهل الجدل.

هكذا وضعنا الدكتور زيادة امام ما رآه تعارضا بين مجمعين على الحكم بالعمق على نص ابن رشد (المثقفين العرب) وبين ابي يعرب الذي يقول عنه بانه فتوى. فلكان الذي يقول بانه فتوى قد غمط ابن رشد ولكأن من يقول بالعمق الفلسفي للنص الرشدي قد جبر ضرره. بل لكأن الفتوى بالنسبة لقارئنا امر لا يليق بنتاج ابن رشد ذاك. ومعلوم ان الفتوى (بمعناها الفقهي) هي ضرب من الحكم ولا يمكن لمضمون الحكم او الفتوى ان يكون عميقا او سطحيا بل ان ذلك لا يكون الا للفكر اما الحكم فيمكن وصفه بالعادل بالحق او العادل عن الحق (بعد العلم بالحق) . والقول بان ‘فصل المقال’ هو فتوى ليس خاصا بابي يعرب بل هو ما قاله ايضا المرحوم الجابري (ابن رشد سيرة وفكر) اذ يقول بانه “فتوى نقض للفتوى التي اصدرها الغزالي وكفر فيها الفلاسفة”(18) ويضيف بان ابن رشد “لا يتحدث عن الفلسفة من موقع الفيلسوف” اما نقد ابي يعرب لابن رشد فاول ما نجده في ‘السببية عن الغزالي’ .

وابو يعرب ليس محكوما بالرجوع الى ابن تيمية وابن خلدون لمجرد الرجوع ولكأن ابا بعرب مهوسا بالماضي وعديم الصلة بالزمان الحاضر او لكأنه لم يتفطن لثغرات الرجلين اللذين درسهما بعمق واضاف في قراءاته لهما ما لم يبلغاه او ما وجد بشكل جنيني في فكريهما او في فكر واحد واحد منهما(19) فيقدمه في شكل الافتراض القابل للامتحان بالنصوص ولعمري ان هذا عمل من اتصف بالعلم لا عمل الممخرقين فاذا كان الرجل محكوما بمن انتخبهما فلم لم يحجم على نقدهما وينخرط في سلك القراءات السطحية المميزة للمعوقين من ذوي عقد الدونية والمحكومين بردات الفعل وكيل المديح من روؤس الاصلانيتين الدينية- بالاضافة الى نصوص علماء الامة- والحداثوية- بالاضافة الى نصوص ‘السلط المعرفية’ للثقافة التي لم تعد دخيلة علينا؟

اذن نحن لسنا ازاء عمل همل ولا ازاء عمل المثقف السائم الهائم المولع بتثقيف لسانه بتعريب المفاهيم (جهلا بابداعها وربما ايضا، وهو الادهى، بتصوراتها وما صدقها) بل ازاء عمل من يواصل اجتهادات سابقيه من نفس الافق الحضاري- الثقافي ومن منظور جديد مع اختلاف الوسائل والمناهج.  أوليس الذي يواصل اجتهادات من سبقه تنقيحا وتحريرا واضافة قد قام بما يقوم به العلماء او على الاقل السائرين في طريقهم؟ نذكّر من الحديث والمعاصر بفيزياء نيوتن بالاضافة الى غاليلي وفيزياء انشتاين بالاضافة الى نظيرتها عند نيوتن وفيزياء الكوانطا بالاضافة الى فيزياء انشتاين ومن القديم باسهام ابن الهيثم في علم المناظر وبشكوكه على بطليموس وما اضافه العرب الى عناصر اقليدس والى التقدم الذي احرزه ابن خلدون في المقدمة بالاضافة الى من سبقه من المؤرخين(20)  فاذا كان ذلك كذلك فنحن ازاء من يعمل على علم بمن سبقه في علاج مسـألة من المسائل لا ازاء مردد او مجرد استاذ عادي انحصر همه في عرض افكار من سبقه على طلبته وعلى الامة كلها من دون ان يضيف شيئا.

فان ينقد ابو يعرب ابن رشد فلانه انصفه اما مادحوا ابن رشد فهم قد شطروه وشظوا فكره وشذوا عنه فمن من بين مادحي ابن رشد، ممن يشير اليهم الدكتور رضوان زيادة، هو في مستوى ابن رشد علما باللغة وبالفقه ومعرفة بفلسفة ارسطو بل وعلما بالشعر؟ من منهم قرا فتواه قراءة فلسفية؟ فحتى قراءة المرحوم الجابري لـ’فصل المقال’ اذا تتبعناها وجدناها بحاجة الى التقييم مثل اي قراءة. ثم لماذا لم يُتّهم الجابري رحمه الله ومدرسته بشدهم الرحال الى ابن رشد والى الرشدية بالماضوية بالرغم من اشتغالهم على نصوصه والحال ان تاريخ العلم والفلسفة قد بين ان فلسفة ابن رشد شكلت فعلا عائقا امام تقدم العلم والفلسفة؟. فمنزلة الشارح لفلسفة المعلم الاول ليست منزلة من اسهم في تقدم الفكر الفلسفي والعلمي وقدح زناد النقد في آن وهذا لم يتبين لنا الا مع اجتهادات ابي يعرب الذي لم يرض لنفسه ان يظل مقتاتا على ما كتب عن ابن رشد بغير العربية فصار ممقوتا لقوة قراءته الصادمة لمن قرا للذين كتبوا عن ابن رشد والرشدية. ثم ها ان ابن رشد قد افتانا منذ قرون بحق الفلسفة في المواطنة فاين اسهامات من وصفوا نصه بالعمق الفلسفي والتي تستوجب النقل الى الالسنة الاخرى لان بها اضافة الى اجتهادات قديمة وحديثة؟

فالدكنور زيادة يجعل من نقد الاستاذ ابي يعرب لابن رشد ثمرة “لشده الرحال دوما الى المفكرين”.. اذ يقول ‘وهو لذلك غالبا ما يكيل النقد لابن رشد’ بطبيعة الحال الواو السابقة للضمير يجب ان تفهم بمعنى الفاء، فاء الجواب عن الشرط لان سياق الكلام يؤكد على ان الواو ليست للنسق ولا عطفا وما يؤكد هذا الامر هو لام التعليل في ‘لذلك’ .  وعل الدكتور زيادة او غيره يرد علي بان الفقرة التي توجه اليها سهام الانتقاد قد ابتدات ايضا بـ “لذلك’ والجواب على هذا الاعتراض يسير لمن بصر بالمقالة اذ ان لهذه علاقة بالفقرة السابقة التي يتحدث فيها بان ابا يعرب “محكوم دائما بارجاع الازمة الرهنة الى جذورها الماضية…ولذلك نجده يشد الرحال”. فـ ‘لذلك’ في بداية الفقرة الرابعة متعلقة بالفقرة الثالثة اما ‘لذلك’ التي في حشو الرابعة فلا يمكن ان تتعلق الا على اقرب مذكور مشار اليه وهذا لا يحتاج الى مزيد بيان فنفس الكلمة لها متعلقان عللتهما فـ ‘لذلك’ الاولى تعلل البحث في الماضي عن جذور الازمة وشد الرحال الى صاحب المقدمة و’شفاء السائل’ والى صاحب “الرد على المنطقيين” و’منهاج السنة النبوية’ و’درء التعارض’؛ اما ‘لذلك’ الثانية فقد علل بها نقد ابي يعرب لابن رشد وهذا مجانب للصواب اذا اعتبرت كتابات ابي يعرب في سياقها التاريخي ولم يؤخذ في الحسبان اطلاعه على اجتهادات غيره من الفلاسفة والمفكرين العرب وغير العرب التي اتخذت من فلسفة ابن رشد موضوعا لها. فليس النقد اليعربي لـ”فلسفة” ابن رشد مجرد نقل لنقد من “يشد اليهما الرحال دوما” ولا هو بالتالي ثمرة لذلك بل الامر له علاقة بتاريخ الفلسفة والعلم وتدقيقا فان النقد اليعربي لصاحب ‘مناهج الادلة’ ولـ ‘تلخيص المستصفى’ له علاقة بالغزالي اولا ..

-III-

مس المنطق الجهوي والتخبط

او

التأليف الهجائي ومصفوفة التهجي العلمي

ساتناول في هذا القسم النظر في الفصل بين الشكل والمضمون وعلاقته بالاحكام المترتبة عليه (ماضوية وطوباوية) لبيان عدم صلوحية المنطق الجهوي للغرض الذي استخدم لاجله وما جاء مع ذلك هو كالاطار له.

1-) الفقرة الثامنة استنتاج لما في ورد في الفقرات 5 و6 و7 ومؤداه “بقاء ابي يعرب “مشدودا للنهضة كما تجسدت “ماضيا” على امل ان تتحقق حاضرا باستنساخ الافكار والوسائل التي حققت تلك النهضة” ولنضرب صفحا عن مضمون ‘افاق النهضة’ ولننظر في مثل هذا الكلام وعلاقته بما سبقه ونسأل الدكتور الم تنف عن ‘افاق النهضة’ حمله لاي حلّ ولأيّة اجابة فمن اين سوغت لنفسك القول بان ابا يعرب يدعونا لاستنساخ الوسائل والافكار؟  لم غلّقت ابوب كل الحلول وسكّرت بصرك عن كل اجابة؟ لمَ هذا التعميم في النفي؟  ولمَ لمْ يقيده حتى يستقيم قوله اللاحق مع السابق؟ اسئلة لا تقدم ولا تؤخر اذ ان الذي يدعونا الى ‘الاستنساخ’ و…-  وهو امر مشكوك فيه- قد قدم لنا حلا ما و اجابة ما اذا سلمنا بمقولة الاستنساخ. ثم ان ابا يعرب الذي نقد كاريكاتوري الحداثة والاصالة لا يمكن ان يكون مثل اهل الارجاء المنتظرين لـ”مستقبلهم القادم” فهذا هو عين الاسقاط الذي رماه به القارئة.

واي معنى لـ “امل اعادة النهضة المشروطة بالادوات السابقة حلما طوباويا يستعصى عن الانجاز”؟ اذا اخذ في الحسبان علاج ابي يعرب لتعثر الابداع لدينا في جميع المجالات فهل الذي يتحدث عن الابداع ويحاول بكتاباته ان يفكر بتحرر وبعمق هو من الداعين الى ‘استنساخ الوسائل والافكار” والحالمين والماضويين؟ فهذه احكام تنم عن سهمة الدكتور رضوان زيادة من الانصاف ونصيبه من التعليل والتأويل وعن حظه من التمييز بين من يتوسل ضرب المثال وضرب المثل وبين من لا يعلمون من ذلك الا الاماني.

فهل الاشارة الى التعريب وسك العملة (في زمن عبد الملك بن مروان) ودور ‘فعل الرمز’ و’رمز الفعل’ هو امر طوباوي وامر ماضوي لا علاقة له لا بالحاضر ولا بما سماه الد.زيادة ‘بالمستقبل القادم’؟ الا يوحد تناسب ما بين الوضعيتين؟ هل للعرب المسلمين عملة تدل على قيامهم المادي المستقل..؟ اليست اللغة العربية لا تزال لغة حية؟ اوليست جل ادارات ‘محميات’ العرب هي بلغتين (عربية ولغة مستعمر الامس)؟ أليس للامة العربية الاسلامية ما يوحدها في الاذهان وفي الاعيان؟ هل ان المدونة الاساسية الاولى في الثقافة العربية الاسلامية (القران) وسليلتها التأويلية لها (بمعنيي التاويل، تفسيرا وتحقيقا لقيم الاولى) قد انتهى فعلهما الى الابد؟

لنترك هذه الاسئلة ونسلم بامتعاض وعلى مضض بماضوية ابي يعرب ونسأل صاحب ‘المستقبل القادم’ وغيره ممن سبقه ومن يدور في فلك التخريص ماذا فعلتم لهذه الامة غير الصدود والاعراض عن جماهيرها وقيمها وغير ابتغاء العوج لسانا وفرقانا ووجدانا؟ المستقبل القادم. فما العمل مع هذا القادم وقد تزينتم له دوننا لاستقباله؟ منذ زمان و’الماضويون’ بعيدين عن ساحات التأثير السريع والقصير العمر فماذا اعددتم للقادم عليكم؟ الا ترون بانكم لم تعدوا له شيئا غير قشور ما عند من استقدمه فكانت قراءات المثقفين من جنس صنيع ارباب السياحة في محميات آل هامان وآل فرعون وآل قارون وما اكثر قواريننا وهاماناتنا وفراعنتنا وما اقل من يضارع سحرة فرعون فهؤلاء على الاقل قبلوا المنافسة وطلبوا ارجاء موسى واخيه اما اصحابنا فيريدون استئصالنا، وانى لهم ذلك وهل يحفر صاحب القادوم نفقا في الجبل، والا فما دلالة الحكم على مشارعينا الاصيلة الحديثة بالماضوية؟

2) الفقرة التاسعة فيها اعتراف بجدة زاوية النظر التي تميز ابا يعرب في النظر الى النهضة العربية بشرط الانخراط في سلك مفاهيمه ومصطلحاته (الشرط لصاحب ن. م.) الا ان ما يراه الدكتور زيادة جديدا هو ليس كذلك في الحقيقة الا بالنسبة اليه اذ ان ابا يعرب وسع افق النظر انطلاقا من ا) الغزالي وابن تيمية وابن خلدون(21) اساسا وعرضا من كل من ردوا عليهم (فلاسفة وعلماء كلام ومتصوفة وفقهاء) ممن سبقهم او عاصرهم وب) من تلاهم، معالجا لقضية النهضة بارقى ما في العلوم الحديثة من مناهج وبارقى ما وفرته الحضارة العربية من ادوات ومسالك. ولاجل ذلك فان القول بالجمع بين ختم النبوة ونفي  الوصية هي من اعظم ما يميز الفكر السني بعامة فلا جديد فيه الا اعاداة بعثه ولا اظن ان ابا يعرب يقول انه اتي بجديد في هذا الامر (يكفي فيه النصوص التي عالجها من فضائح الباطنية ومن المقدمة) بل هو كشفه وازاح عنه ركام الطمي فاخرجه الى النور وانبطه مغترفا منه ومستنهضا به همم شباب الامة. ولكنه يعامل من قبل ‘خصومه’ على انه نابش قبور لا مثير دفين بحاجة الى عناية ورعاية ويزعمون ان ما يقومون به هم من “حفريات المعرفة” بالرغم من ان فؤوسهم مفلولة وادواتهم الحديثة التي يدعون امتلاكها لا يحسنون استخدامها (فيلولوجيا، ابستيمولوجيا، علم اجتماع المعرفة، التاريخ، الهرمينوطيقا، السيميولوجيا، التحليل النفسي..) “كباسط كفيه الى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه”. اما اذا ظنوا انهم وجدوا ضالتهم فتغمرهم الفرحة ويزفون الينا قراءاتهم عن ‘الامم الكتابية’ وغير الكتابية’ وعن الديانات ونصوصها وعن ‘اسلام الحديث و’اسلام القران’ وعن ‘العقل والعقلانية’ و’العلم’ و’التقدم’ و’الماضوية’ … لكن للاسف اذا قرانا لهم لم نخرج بطائل ولم نفز بعائدة ولا فائدة لانهم عجزوا عن ستر عيوبهم (الاستنساخ الباهت والمحاكاة الببغائية والتقليد البليد) عجبا لهم كيف لا يذكرون واصل ابن عطاء واجتهاده في ستر لثغته! ومعلوم ان هذه الاخيرة لها علاقة بامر فزيولوجي يكاد يتعذر ستره فما بالنا اذا تعلق الامر ‘بفعل الرمز’ الذي قد يستخدم للتضليل والتموية او بلغة قرانية لكتمان الحق فهذا ممكن وايسر من الاول…

3) الفقرة 10 خلط فيها العرض والقراءة بمعناها الراقي اذ حاول ان يفسر لنا ماضوية ابي يعرب ولكنه لم يبرهن على ذلك اذ ان تفسير الماضوية ليس من مقومات الاهتمام المنطقي الذي يبرهن عن امر ما او يكشف عن خلل نظري ما لاجل ذلك يتعذر على الدكتور زيادة البرهنة على ما سطره سيما وان المنطق الجهوي لا يسعفه بذلك فبحق ما ارداه في احكام اخرى (الاستنساخ والمحاكاة، الماضوية والطوباوية ..) وما اظن سكوت ابي يعرب عن مثل هذه القراءة الا للضحالة العلمية فهو لا يدخل في ابواب الجدل الغير علمي.

4) “ورؤيته هذه تجعله يراهن على ان يقوم الفكر العربي الاسلامي الوسيط بدور في الفكر المعاصر”. مسكين ابو يعرب! انه من المقامرين المراهنين على جواد خاسر بل جواد جاد بروحه منذ زمن وافل نجمه بلا رجعة وفق نظرية “النماذج العصرية الغير محكومة بنماذجها الماضية” فلو قرانا الفقرة التي نحن بصددها (العاشرة) مع ما سبقها مستحضرين مضمون ‘افاق النهضة’ فاننا سنعلم ما المقصود بالماضي اي الاحالة الى التجربة النبوية والراشدة ثم على الفترة الاموية الى غاية خلافة الامين القصيرة ثم على الفكر الاسلامي الوسيط ولاجل ذلك تنكبت عن القراءة المنهجية المفككة(23) لمفاصل قراءة الدكتور زيادة واخترت ان اخرج هذا القراءة بمعناها الادنى على هذه الشاكلة متتبعا خطى “النهضة المستحيلة’ لانه لم يمسك بالخيط الذي يقوده الى ‘الغرزة’ بالرغم من الادعاء بامساك بشاكلة ‘افاق النهضة’ وبالتمنطق. لكن للاسف في الوقت الذي وصلت فيه الانسانية الى منطق العلاقات لا زال اهل “المستقبل القادم” يتزينون بالمنطق الجهوي الذي لا يمكن ان يستخدمه الا من لا سهمة له في التنظير العلمي ولا حظ له من اختبار تنظيره على وقائع التجربة (بالمعنى الواسع للتجربة).

استسمح القراء في التذكير بضميمة “الفلسفة المثالية الالمانية” لابي يعرب فقد رام فيها وفق ‘النهضة المستحيلة’ مستحيلا لان ذات ‘الفكر الوسيط’ لم يؤد دورا فيما تلاه فضلا على ان يودي دورا في الفكر المعاصر حسب الفكر القاصر. فلنترك امر التاثير والتاثر بين اهل الثقافات والحضارات فما المانع من الموازنة بين مجلوب المدرسة النقدية الفلسفية عندنا وعند غيرنا؟ ما المانع في ان تسبق حضارة حضارة اخرى في علاج اشكاليات عاشتها قبلها؟ ثم ما المانع من ان تلتقي ثمرات العلاج ‘العصري’ مع ثمراته العلاج القديم؟ ما السر في هذا التشاكل او التماثل بين الاشكاليات وحلولها في الثقافتين؟

لقد علمنا ان الرياح تجري بما لا تشتهيه السفن فاهل الحداثة وما بعدها عجزوا عن كتابة ما يجانس “الضميمة” فتكفل بها ‘ماضويا’ فتح مجالا للبحث لاهل العقول والتمييز (لكن للاسف قد يكون هؤلاء من غير العرب) . فمَن مِن مرجئة اليوم (بمعنى الانظار والانتظار ) من القائلين بالمستقبل القادم له الشجاعة والقدرة على ان يقول بان اليونان قد اسسوا لعلوم الطبيعة (باداتي المنطق والرياضيات) وبان العرب قد اسسوا لعلوم الانسان (باداتي اللسانيات والتاريخ)؟ هل قالها احد من الخوالف والقاعدين المنتظرين “لمستقبلهم القادم” من المستنكفين من ثقافتهم ولسانهم والمتنكرين لهما وان عاشوا في كنف الاولى ونطقوا وكتبوا بالثاني؟ وما دلالة عودة الاوروبيين الى اليونان والرومان واخذهم بعين الاعتبار التراث اليهودي- المسيحي؟ اكان ذلك ماضوية منهم؟ أكان ذلك طوباوية؟ ما دلالة التشاكل الوظيفي والبنيوي بين الاصلاح الديني ‘وثورتي الاسلام’ اللتين يقول بهما ‘الماضوي’؟ ولنتجاوز هذه الاسئلة الى سؤال ذي مدى ابستيمولوجي فما دلالة ازمة العلوم او ازمة ومسالة تاسيسها؟

5) الفقرة 11 معاندة لمضمون الفقرة 17 التي جاء فيها “ما يغيب عن المرزوقي دائما (هو) زمن الحاضر” لكن الفقرة التي نحن بصددها تؤكد بعد ان حكم القارئ بان ابا يعرب “يسقط مرارا في فخ التبسيط والاختزال القائم على نموذج المحاكاة الشكلية، ويبدو ذلك عندما يسقط النموذج الماضي على واقع الحاضر ..” تلاحظون كيف استحضر القارئ ‘زمن الحاضر’ عند المرزوقي  الذي يقول عنه في الفقرة الاخيرة بان الحاضر “لا يهمه كثيرا”.

الحقيقة ان مثل هذا القول يجعل من صاحبه درية للنقد الصارم ولا اريد ان اتهم بالتجرؤ على قارئ منطيق (بمعنيي الكلمة) واربو بنفسي عن ذلك، الا انني اكتفي بالاشارة الى ان الرجل يريد ان يقول لنا بان الحاضر عند ابي يعرب هو للاسقاط فقط الا انه لا يقول لنا شيئا عن هذا الاسقاط اليعربي اهو من جنس ما يذكر في التحليل النفسي ام عنى به معناه الهندسي. وبين بنفسه للمنطيق وللعيي الاختلاف بين الامرين. ومن البين ايضا ان الدكتور زيادة عنى بالاسقاط معناه الاول وهذا يؤيده مضمون قراءته ويكذبه مضمون ‘افاق النهضة’ اما ‘الاسقاط’ بمعناه الهندسي فلا اظن ان كانت له به دراية بل حتى لو كان له منه نصيب فانه امر لا يرتقي الى مرتبة الفقه والمراس. وهذا شان كل من لم يغص على عميق المعاني ولم يقف على متماسك المباني فلم هذه الزمانة؟ ولم هذا المسخ على المكانة؟(24) لم تجاهل امرا اخر نجده عند ابي يعرب اعني العلاج المتوسل للتحليل وفق منطق الدوائر ذات المركز المشترك وهذا له علاقة ايضا بالرياضيات وهو اصدق من القول بالاسقاط (بمعنييه)؟

6) الذي يفترض ان اعمال ابي يعرب النضالية هي من حنس “عصرنة الماضي” لا يمكن ان يكون قد اصاب الفهم لان المسلمة التي تقوده هي انها كتابات لا تعدو الاستنساخ والمحاكاة كما لا تتجاوز الاحلام سيما وان صاحبها ‘ماضويا وطوباويا’. فقراءة ابي يعرب للنهضة وفق قارئنا قد تكون “صادقة شكلا” لكنها “منتفية عمليا وواقعا” لان الواقع “يتاسس وفق نماذج عصرية اقتصادية وسياسية واجتماعية غير محكومة بنماذجها الماضية” فنحن ازاء نماذج عصرية مبدَعة لها نماذج ماضية لا تشترك معها في غير اسم النموذج؛ لان الاولى، التي هي اللاحقة، نماذج عصرية والثانية، التي هي السابقة، نماذج ماضية. هذا من عجائب اللطائف والدقائق وغرائبها التي لا يقف عليها الا ذوي البصائر النافذة والنظر الحديد وما اقلهم .

والعبارة السقيمة لا بد من تصحيحها وتحريرها كي تؤدي ما يريد قوله الدكتور زيادة الا انني قبل ذلك افضل الاشارة الى ملاحظة مهمة في هذا المضمار: لو اخذنا، مثلا، بعين الاعتبار ‘نماذج’ الاقتصاد السياسي وادبياته الكلاسيكية والحديثة لوقفنا على حقيقة مؤداها تكذيها لهذا القول. فلو لا ما تقدم لما استطاع ان يبدع من ابدع في جميع المجالات اذ ليست المسالة متعلقة بالعبقريات وانما بمنطق الكشوفات او بالامساك ‘بمنطق’ الطبائع والشرائع. فمن لم يدرك الاتصال وعلاقته بالعموم (بمعناهما عند بيرس الذي يقول بان الاول هو الثاني) ولا يرى غير القطائع لا يمكن ان يعد ممن لهم سهمة من تاريخ العلم فضلا عن العلم نفسه. فهل ازمة الرياضيات او مسالة اسس الرياضيات بدات من فراغ واساسا الهندسة فالجديد فيها ليس قطعا مع الماضي بل تصيير منتج الماضي حالة اخص من حالة اعم بل ان تغيير المناظير المؤدي الى الجديد في البحث العلمي لم يكن ليؤتي ثمرته لو لا علم اهله بالمناظير التي عولجت وفقها مواضيع دراساتهم من قبل من سبقهم او من عاصرهم. فهذا هو الامر الذي يعزب عن مدارك القائلين بالتطور والتقدم من دون فهم لحقيقتيهما فيرون الجديد فحسب ولا يرون شروط امكانه لتجاهلهم او لجهلم بحقيقة تقدم البحث العلمي.

لنعد الى العبارة. هنا نحن ازاء ترتيبين لا بد من الاشارة اليهما: واحد لاصلاحه والاخر لمجرد التلميح الى علاقته بما هو من جنسه. وابدا من الثاني اعني الترتيب ‘اقتصادي، سياسي، اجتماعي’.. فلمَ قدم الاقتصادي على السياسي؟ ألذلك علاقة بتصور علم رئيس ام ماذا؟ لا نعلم ذلك، لان عرض كتاب ليس كتابا. فيما يتعلق بنا نقول باننا تعلمنا(25) من التفسيرات القديمة التوقف عند الترتيبب لمحاولة فهمه وتسويغه سيما وان كان متعلقا بنفس الامور مع وروده حينا على شاكلة ما وتارة على شاكلة اخرى (ترتيب بحسب الوجود وترتيب بحسب الذهن). افلا يحيل ترتيب محيل النهضة وفق ‘افاق النهضة’ الى ما وصف به مقروئه من الماضوية فيكون ترتيبه دالا على ‘رمتني بدائها وانسلت؟

بحق ما نجد ان هذا الترتيب ترتيب ماضوي بمعنى محدد للماضي (الانقطاع والتصرم وعدم العودة وان حوول بعثه). الا يحيلنا الى خطاطة ايديولوجية مظنونة علما قد بلغ بها القط والقد مبلغا ‘اتسع فيها الخرق على الراقع’ فرميت لانها خلقة وتبرم منها لابسها. ومن الرقاعة ارادة التسويق للـ’روبا فاكيا’ (بالايطالية) لغيرنا ولا نظهر على الناس الا في زينة ما يسمى باللباس ‘الموقع او الممضى’ مع الترفع الكاذب. فما دلالة ان نصم غيرنا بالماضوية ونستخدم- ربما بلا وعي منا- ماضوية اعقم؟ أليس هذا الترتيب قولا بنموذج (للعلم او لما هو مظنون كذلك) قديم لم يعد يقول به من ادرك العلم ما هو؟ ام ان الامر هو من جنس حرام عليكم حلال علينا! فلنسلم له بهذا الامر فلا نقول بان هذا عدم تساوي امام ‘القانون’ لما تعلمناه من المعلم الاول من مقولة (الاول) وما تعلمناه من القران الذي علمنا عدم التفريق بين الرسل بالرغم من المفاضلة بينهم. بعد هذا المخرج نقول بان المبدا ‘المغتصب’ هو من العدل ومن الفضيلة لان اهله مقدمين لكن للاسف لا بفعل فضائل الحداثة (النظرية والعملية) بل برذائلها: قشور علوم غايات وعلم اداة تذرع لا للوصول الى الحقائق الموضوعية بل لطمسها واحلال الذاتي منها بلبوس الموضوعي والاضطراري. لم لا نستحضر سؤالا قرآنيا استنكاريا مستقبحا لشلل العقول سلبا حاضا على تحريكها ايجابا: ‘افلا تعقلون؟

اما الترتيب الاول فهو تقديم الوصف بالعصرية على (الاوصاف) المحددة للنماذج التي اشار اليها الدكتور زيادة: ‘نماذج عصرية اقتصادية…’.

تلاحظون ان قارئتنا قدم لنا وصفا للنماذج على محدد طبيعتها. فاعلمنا منذ البداية بان الـ ‘نماذج عصرية’ قبل ان يحدد لنا طبيعتها. وهذا ضرب في عماية لاننا ازاء امر لا نعرفه بزمان انتسابه او باتصافه بكونه منتسب للعصر الذي هو فيه لانه لا توجد نماذج باطلاق وانما نماذج لشيء ما. فلم لم يقل “نماذح إق. س. وإج. عصرية’؟ هنا للانصاف لا بد من الاشارة الى انه من اهل الارجاء المتماسكين مع انفسهم فيما يتعلق بالمضارع حالا واستقبالا، الا انه لو قال “نماذح إق. س. وإج. عصرية غير محكومة بنماذجها الماضية’ لكان كلامه اكثر سلامة من الناحية البيانية؛ فعلّ الترتيب مرده الى احسان اللغات الثواني التي تقدم الصفة على الموصوف؛ ثم ان تقديم عصري على اق.، س. واج. يصادف اخلالا اخر متعلقا بمنطق التأليف. أبقارئتنا، بمعنى من المعاني، مس من علم الخليل (كتاب العين؛ نماذج ع–ص-ر-ي-ة اقتصادية..)؟ لكن الخليل كان على بينة من امره. فلو اعتبرنا الفونتيك وتجاوزناه قليلا الى الفونولوجيا ثم عبرنا الى ابي الفتح ابن جنّي ومنه الى الجرجاني لعددنا من اهل العي والحصر نطقا وعلما ولعلمنا ان وصفنا غيرنا بالماضوية هو مجرد اطلاق للكلام على عواهنه.

اما التاليف السليم (حتى بمنطق العصري) هو: نماذح اقتصادية، سياسية واجتماعية عصرية غير محكومة بنماذجها الماضية” فيكون عندنا ضرب من التناظر الذي يضفي جمالا على العبارة. ولذلك فان الشاكلة التي اخرجها عليها الدكتور زيادة مخلة بالمفهوم الهندسي للتناظر والاخلال اثقل العبارة. لكن للانصاف لا بد لنا من ان نفترض ان الرجل يتحدث من منظور ومن هندسة اكثر حداثة منا فقدم امرا لاعتنائه به الا ان حتى هذا المخرج او المهرب الذي التمسناه له لا يجديه نفعا اذ لا نجد ما يؤسسه ويدعّمه في مقالته.

7) …’وهي (قراءة ابي يعرب حسب الدكتور زيادة) ان صدقت شكلا فهي تنتفي عمليا وواقعا الذي غالبا ما يتأسس وفق نماذج عصرية اقتصادية وسياسية واجتماعية غير محكومة بنماذجها الماضية’ حسنا فهل هذا التعبير جميلا من الناحية الاسلوبية واللسانية. اليس تعبيرا  مقبولا في عمومه سواء من حيث التركيب اللساني وتأليف المعاني المتشاجن معه او من جهة المنطق؟ لنحاول تحليله وفك مفاصله حتى نقف على حقيقة امره.

اولا لنترك الجدال في المعطى المسمى ‘واقعا’ من الناحية الفلسفية والمنطقية فهذا طريق مسلوك وما افضى اليه يجب ان يكون قد حصل في الصدور (لدى اهل الفلسفة) فتطلب ثمراته من مواضعه ولنسلم بتصوره للواقع.

ما يستوقفنا اولا هو الاسم الموصول (الذي) العائد على ‘واقع’ ذي العلاقة بما سبقه. و الكلام مسبوك ظاهرا ولكنه في الحقيقة ومثل ما سابين مفكوك. وساحاول لمجرد الفسحة ترميز عبارة الدكتور زيادة.

القراءة: ق. تنتفي: ت. عمليا: ع. و: +. واقعا: و’ .

فتكون ترجمة العبارة يسيرة: (ق ت)ع + (ق ت)و’. ولمجرد الاشارة اذكر بان العبارة وفق حساب القضايا في المنطق الرمزي تكون صادقة في حالة صدق طرفيها (ولا حول ولا قوة للمنطق الجهوي في هذا). اي بلغة رياضية: ق ت(ع + و’) ولاجل ذلك فهي مستحيلة (ق م) اي ان لدينا معادلة: ق ت(ع + و’) = ق م. ولنترك حذف القاف من طرفي المعادلة ولنتجاوز المراجعة الى ما بعدها فلو ضربنا طرفي المعادلة بـ’ا’ (رمزا للايديولوجيا) شريطة ان نضعها بين القاف والتاء ثم بين القاف والميم فلن يغير الامر من معادلتنا شيئا من الناحية الرياضية لكن من ناحية هندسة القول الامر يتغير لاننا ازاء افاعيل الــ ‘قـ -ا-ت’ (المطة بين الحروف ليست بمعناها الرمزي في الفونتيك) في اهل الارجاء المحدثين فهم يظنون انفسهم يطربون اهل لسانهم وابناء جلدتهم اما هؤلاء، وقد ازيل وقر آذانهم واستيقظوا من سباتهم، فيتعجبون منهم فيتساءلون ما بال اخوتنا قاموا ي(-ع-و)ون ]’ع-و’ (مع نفس الملاحظة للرمز بين الحرفين)[؟ فيفزعون اليهم وحالما يعرفوا جلية امرهم يفزعون منهم لانهم ادركوا انهم امام سكارى وما هم بسكارى وامام حزانى آسفين (بمعنيي الاسف): لقد علموا ان اخوتهم قد تفصوا من جلدتهم ويعوون لخروج مستعمر الامس من دون ان يكمل بدلا منهم مهمة ‘تحضير الانديجان’ كما ادركوا بانه بدا يتركهم لمصيرهم وعجزوا عن تسويق قشور العلم والمنطق فناداهم اهل العزم دعكم والنواح واركبوا معنا سفينة المضاء والمضي والنجح والفلاح فقد فار تنور الامة واننا لنخشى عليكم التلف بالرغم من انكم كدتم تغرقوننا فيما مضى ولا تفكروا في زاد فهذا امر نكفيكموه ودعكم مما تصرم ومضى فابوا واستنكفوا واعتصموا بحبل غير مرير ككل غرير فما كان جواب اهل الارجاء لاهلهم اهل الرجاء الا ان قالوا ‘انا واياكم كمثل من كان مع يعقوب اذ قالوا له ‘تا الله انك لفي ضلالك القديم’ فعلا انتم مثل يعقوب تحلمون وتصدقون ‘الاساطير’ لانتم البلاء ولستم لنا باخوة وليت لنا بكم قوة فنستبدلكم باخوتنا ممن تقدم السنتهم الصفة على الموصوف وتستخدم فعل الوجود رابطة فهم اهل الابداع لا يعدوهم وهم اهل التنوير والتحرير والتقدم والرقي اما انتم فاهل التكفير والتحريم والتخلف والرقى تالله لوددنا ان تستمروا في سباتكم فما الذي ايقظكم؟ التفتوا الى اعمالكم وذرونا وشان ادارة امركم لانقاذكم مما تتخبطون فيه ولا علم لكم بسباحة وما نرى فيكم من عالم بالملاحة!’ قال من صحى وقد سكتت عنه سكرة الموت الصغرى ‘عواؤكم ايقظنا فشكرا لكم، اركبوا معنا او لا تركبوا فلكم الخيرة من امركم. لا تثريب عليكم. وكونوا البا علينا فانفخوا جميعا فلن تستطيعوا اثارة ريح تحرك واحدا منا فضلا على تصريف ريح تحرك امواجا تكون خطرا على سفينتنا لقد انتهى نفثكم فما بالكم بنفخكم؟ امسك العنان فلنرجع.

القراءة ‘تنتفي عمليا’ ترجمتها الداخلية ‘قراءة غير موجودة’ وربما ان حملنا وزرا من زينة عنوان المقال قلنا بان عدم وجودها عمليا يرد الى كونها مستحيلة في العمل او ان عملها مستحيل لان الذوات التي ستخرج النظرية الى حيز العمل غير موجودة ولا يمكن-وفق منطق الد. زيادة- ان توجد لان الساحات ملئت بذوات مفكرة عصرية بيدها النشر والطي والقبض والبسط وهي المحددة للضروري وللممتنع والمستحيل لانها ذوات مفكرة الا انهم في عالم اخر لم يعلموا بعد مجلوب الرياضيات في حساب الاحتملات ولا سمعوا بالجائز ولا ادركوا للتنظير معنى ولا لما يسمى برادايم  بل انهم يحكمون، قبليا وفقط باستعمال ‘المنطق’، بالاستحالة على امور ليست من جنس الغراب الابيض ولا البغلة الام ولا بما حرك فكه الاسفل ويكون تمساحا فكل هذه امور لولا الاستقراء ما وفقنا على (القول باستحالتها) بالمنطق المجرد فكيف بجلائل الانسانيات و’بعائد الامور’؟

‘القراءة تنفي واقعا’ ترجمتها الداخلية ‘غير موجودة في المشهود’ ويمكننا بنفس الشرط ان نقول بان امكانية صيرورتها مشهودة في حيزي المكان والزمان مستحيل ف ‘واقعا’ يحدد موضع انتفاء القراءة او ‘محلها الظاهر’  الذي احاط به القارئة علما وخبرة ذلك اننا نفهم من العبارة تصوره لما في الاعيان ولما في الاذهان؛ والاعيان او الواقع لا يوجد فيه ما لا يوجد في الاذهان مع تدقيق ضروري هو لا بد لنا من  ان نأخذ معنى الوجود بمعناه (الانطولوجي) العام وبمعناه (المعرفي) عند الكندي.

بعد ان قمت بالترجمة الداخلية للعبارة فلنعد الى الاسم الموصول. فمن المعلوم انه لا يمكن ان يعود على النكرات وعلى ما شاكلها من المطلقات (هنا عندنا ضرب من الاطلاق الذي ضارع النكرة) “…منتفية…واقعا الذي”.

“قراءة وان كانت مقبولة شكلا الا انها تنتفي واقعا الذي يتاسس..’ من لم تفسد لديه ‘ذائقة العربية’ اذا قرا الجملة لا يمكن ان لا يخبر زلزلة فيها يجدها في لسانه ، في وجدانه، في قواعد لسانه وقواعد الفكر السليم.

‘واقعا الذي..’ لولا تعجله لعبر عن قصده من دون زلزلة لكن العبارة متزلزلة لا لكون الدكتور زيادة متعجل فحسب بل وايضا لان موضوعها مزلزل وهو من افاعيل ابي يعرب سامحه الله (اعني وثن الواقع) فلقد اتعبنا معه وسيتعب من لحقه (امد الله في عمره) لان التنظير او التجريد امر لا يقف على كنهه من لا يزال ذهنه مكبلا في آصار الواقعية الساذجة.. لنزيد الامر بيانا ولنعتبر الامثلة التالية.

‘وهي كتابة جُعلت قراطيسا مضمونها منتف عملا وعقدا الذي يتاسس على الوصل بين العلم والعمل’ فانتم فهمتم ما اردت قوله لكن ‘الذي’ العائد على الـ ‘عقد’ مضطرب في مكانه مثلما يقول علماء لساننا القدامى والذي اصبح فصاحة عند من ‘يحسن’ الالسنة الثواني، ففي الوقت الذي عطفت العقد على العمل قمت بفصل العقد عما سبقه لاقدم معلومة عنه وهذا الفصل هو عين جراحة من اراد ان يطبها فاعماها كما يقول المثل. وليتنا كنا بازاء امر يضارع ‘ضرائر الشعر’.

حاصل القول، لا غرب الله اطيافكم، اننا ازاء قوم يزعمون سكنا واقامة ‘بوطن الكينونة’ والحال اننا ازاء امة من الناس ظعنت عن لسانها وطعنت فيه (بوعي ومن دون وعي) فكيف يستقيم امرنا؟ بل كيف لمن بلسانه عوج ان يتمنطق؟

‘وهي استحالة (من فكر ثم قدر) التي..’ او ‘هي بقرة التي هي لا ذلول ولا بكر’ او ‘بقرة التي هي صفراء فاقع لونها’؟ او ‘هو عجل الذي له خوار’  كيف يستقيم كل هذا وقد حذفنا لام التعريف؟ فكيف ندعي اقامة فيما نطعن؟ لم لم يقل ‘قراءة وان كانت مقبولة شكلا الا انها تنتفي في العمل وفي الواقع الذي يتأسس…’؟

والعجيب على المستوى النظري هو تجاهل مجلوبات الابستيمولوجيا او فلسفة العلوم. فنحن ازاء ادعاءات ومخاريق يتجاهل اصحابها النظر والعمل السويين.  فلقد علمنا من المناطقة ورجال العلم ان الفرضيات لا يتحقق من صدقها بمجرد الملاحظات بل بالاستقراء (وللامرين علاقة بالتجربة) فكيف احال الدكتور زيادة ما احال؟ ومعلوم ان المناطقة عالجوا مسالة معايير قبول او رفض قضية ما؟ فما المعيار المنطقي الذي اتخذه الدكتور زيادة ليقول باننا ازاء قراة ‘تنتفي عمليا وواقعا’؟ للاسف، لا يوجد معيار منطقي يخول له القول بما احاله علما ان ‘الماضوية’ والقول ‘بالمحاكاة الشكلية لتجربة الماضي’ و’باستنساخ الوسائل’ و’استلهام الافكار’ كل هذه لا علاقة لها بمعايير المنطق وهي مجرد احكام تدل على فهم سقيم وفكر ضيق على نفسه امر طلب الحقيقة وحرفت مجراه احكام ايديولوجية فكان منتهاه الانبتات عن غايته التي رامها اذ اجهد دابة سائرة (المنطق الجهوي) في متابعة ‘دابة’ سيارة طيارة فانى له ادراكها؟ فادبر ظهر دابته وانهكها هي وانقطع هو. فالفرق بعيد بين من يتحدث عن ‘افاق النهضة’ ومن يلفق ‘عيونا ماضوية’ لقراءة يقول صاحبها بتخميس الزمن الحضاري؛ بل بينهما تناقض بيّن وان كان الطرفان لهما تصور للمستقبل. والحقيقة ان الذي يتحدث عن “عيون الماضي” خان مسعاه بنفسه والذي يتحدث عن “افاق” تحدث عن مستقبل ممكن استقدامه اي صنعه بتقديم حديثه عن حدثه اما قارئتنا فقد تحدث عن ‘مستقبل قادم’، داهم مقتحم وواقع يتاسس على برادايمات غير محكومة بما سبقها وحله المضمر هو محاكاة غيرنا اذ السؤال الذي لا نجد بد من طرحه هو ‘من اي جهة سيأتينا هذا المستقبل القادم؟ الجواب من عند اهله!. لكننا بتنا على يقين بان ما يعد مستقبلا -قادما علينا- عند ذوي العيون المستقبلية والبصر الحديد لا يقدم علينا الا بعد ان صار ماضيا بالنسبة لمن استقدمه.

8) هب ان القراءة اليعربية لا تعدو ‘عصرنة الماضي’ فكيف تصدق شكلا وتنتفي عمليا وواقعا؟ أبمجرد ادعاء ان هذا الواقع يتاسس على نماذج عصرية لها نماذج ماضية لكن لا تحكمها لان الجديد والعصري لا يحكمه القديم والماضي؟ ألان النماذج العصرية هي ثمرة التطور والانتخاب الذي لم يأخذه ناقل “علم الاناسة”(26) الى العربية في الحسبان وتفطن له من حصروا الوجود في مدركاتهم بلغة العلامة ولا زالت الامة في انتظارهم لتقديم نماذجهم العصرية المبتدعة (اكس نهيلو)؟ والحقيقة هي ان ابا يعرب ابن العصر بمعنييه: الانتساب الى زماننا (الحضاري المخمس الابعاد) والى احتراف ‘عصر’ زياتين الفكر فاكتسب خبرة في التمييز بين اصناف “الزيوت” من جهة الوظائف (غذاء وادهان- للزينة، للوقاية- ومحروقات ولتيسير الحركة؛ مع التدقيق: بالاضافة الى منتجات الفكر).

واي معنى للصدق الشكلي والانتفاء العملي والواقعي (دلالة الجمع بين الامرين)؟ اذ اننا نفهم مسوغ المقابلة بين الصدق الشكلي(27) (منطقا) والانتفاء العملي (واقعا) فالرجل يريد ان يقول لنا نحن ازاء نظرية مقبولة في الاذهان تلفظها الاعيان ولعمركم ان هذا هو التضخم الكاذب فهل احاط محيل النهضة بالاعيان كلها وضارع الاله؟ (ننصحه بالعودة الى الغيب بمعنييه عند ابي يعرب مفجر ينوع مقولة غزالوية طور ما بعد العقل –ذات الشجنة بالنومين الكانطي) .

ثم ان القول بالصدق الشكلي (وان بصفة مشروطة) وبالانتفاء العملي هو تذرع لمنهج قضائي غير ملائم لانه من جنس احكام النقض الغير عادلة وليس من جنس اعادة فتح ملف مغلوق لطريان امر جديد له علاقة ببينات جديدة هي شروط امكان فتحه. والرجل لم يفتح الملف من جديد بالرغم مما وصفه بالتيار الخامس. فلم يبحث عن العدالة باعادة فتح ملف النهضة انطلاقا من جديد ‘افاق النهضة’ (العلاج)؛ بل طفق الى نقض دعواها لكن للاسف من دون بينة ولا قرينة فكان عمله للاسف من جنس من لا يقبل بالحكم العادل (وضعا  d’un point de vue positif) ويريد ان يهدر ثروته على محامين ماكرين عله يفسد اهل الاحكام. فما الذي يجعل من ملف اليعربي للنهضة المقبول وفق قاضي القضاة شكلا والمرفوض مضمونا؟ لا شيء غير ان قاضي القضاة (بمنطق جهوي) تذرع “بنص” غير مكتوب فيه التعالي والمحايثة في آن: الواقع (الذي لا ندري ما هو في حقيقة الامر) زاده تزييفا باحكام ليست من جنس تقديرات القاضي العادل بل من جنس افاعيل الرشا (افاعيل الايديولوحيا) في القاضي الفاسد (المتأدلج): ا) ماضوية، طوباوية (للذات او للمدعى عليه) ب) تنتفي واقعا (الموضوع ملكية المدعى عليه.)

نص الحكم وتعليله : القراءة مقبولة في الشكل لكن دعواها مرفوضة لانها قراءة بعيون الماضي وليست عصرية الا من ناحية الشكل ومن هنا فهي مستحيلة.

المعلوم ان الاجراء القضائي القانوني اذ يفصل بين الشكل والمضمون له مسوغاته فالشكل له علاقة بالمدونات القانونية المحدد لشاكلة الصياغة وهو امر موجود سلفا ويكفي فيه بالنسبة للقاضي النظر في شاكلة شاكلة قضية قضية او نازلة نازلة او واقعة واقعة فيحكم بمطابقتها الشكلية (الصورية) ويقبلها او بعدم مطابقتها فيرفضها ويطالب باعادة صياغتها شكلا حتى تطابق المعايير الصورية القانونية. وهو اذ يقبل شكل واقعة ما ويرفض مضمونها لان الواقعة محددة وبيناتها او حججها منحصرة وبالتالي هي وحججها معلومات. فلاجل ذلك جاز له الفصل بين الشكل والمضمون ويحق ما جاز له الوصل بينهما في الحكم. اما صاحبنا فلا مسوغ له للفصل اذا استثنينا الفصل الاجرائي لتيسير العلاج والفهم والتفسير. وبما ان الفصل قد ادى الى 1) التحرف الى منطق غير ملائم ومظنونا اداة ناجعة و2) التحيز الى احكام ايديولوجية مظنونة علما و3) تحريف موضوع قراءته فان 4) فصله بين الشكل المقبول والمضمون المنتفي هو من مخاريق ‘المتوسمين بالعلم’ وفق حجة الاسلام وذلك لما سياتي تفصيله.

أليس بان القول بان ‘قراءة ابي يعرب’ تتسم بـ ‘الشمولية النظرية’ و بانها ‘قراءة مقبولة شكلا’ هو اعتراف ضمني بان قراءة ابي يعرب فيها من التجريد ما ضارعت به الرياضيات الخالصة التي من اخص مقوماتها التماسك المنطقي وما كان هذا شانه فالحكم عليه بالاستحالة امر لا يقول به من يعرف المنطق ما هو كما ان الحكم عليه بالماضوية امر غير مفهوم اذ التجريد الصوري لا يمكن ان يوصف بماضوية لكنه قد يكون ذا دور فيما يلحقه مستقبلا اذا توفرت فيه شروط انفتاح افاق كانت من المغاليق سابقا سيما وان الشكل بالمعنى المنطقي (وان شئتم الرياضي) يقابله المضمون ومضمون الرياضيات الخالصة منحصر في رموزها التي هي عين مرموزاتها وهذا هو المعلوم وان الصدق يقابله الكذب (بالمعنى القيمة المعيارية التي خمسها ابو يعرب بعد ان وسعت من اثين الى ثلاثة وهذا من الاضافات التي يجب ان تفخر بها الامة بل الانسانية لانها ارتقت الى امر كوني لا ينكره الا مكابر. اليس هذا وفق منطق ‘النماذج العصرية’ امرا جديدا مبدعا؟ فهذه الحقيقة تكذب “نظرية النماذج” للقائل باستحالة النهضة بالمنظور اليعربي لان هذه النظرية محكومة بنماذح ماضية والا لما ادركنا ما فيها من جديد ولا يمكن للدكتور زيادة ان يزيد على انعدام الفرقان (تهافت المنطق) اعدام الوجدان اعني لا اظنه يكابر في هذا الامر والا وضع نفسه في شناعات نربو به عنها. فالصدق الشكلي وفق هذا المنطق يجب ان يقابله المضمون الكاذب لا النفي او الانتفاء العملي اذ ان النفي يقابله الاثبات وعل مرد هذا الخلط الى اقنمة الواقع وجوهرته توثينا وهي نزعة يمكن تسميتها بالسامرية المستحدثة بل حتى لو سلمنا بالقول بالنفي بمعنى الانتفاء وعدم الوجود فما الذي يحيل صيرورة مضمون كاذب موجودا في الاعيان؟ ايقدر على ذلك المنطق الجهوي؟ والحقيقة ان ابا يعرب قد كتب في هذا المضمار ما يغني عن الاستشهاد به هنا فلا نظن محيل النهضة وفق المنظور الاسلامي بحاجة الى الاحالة على انتاج زميله.

ثم ان القول بالقبول الشكلي لقراءة ابي يعرب للنهضة هو من الناحية المنطقية قول كاذب اذ يجعلنا نطالبه بامر يستدعيه قوله نفسه: هلا بينت لنا الصدق الصوري لقضايا ‘افاق النهضة’ وكذب مضامينها. لمَ لم يتخذ قارئتنا ولو قضية (عبارة) واحدة يثبت بها دعوى الكذب المضموني، اي لم لم يبين لنا ان قضية ‘افاق النهضة’ الاساسية هي من جنس القياس السوفسطائي او الشكاكي ؟ احيل القراء الى الفقرات من 10 الى 17 من النهضة المستحيلة التي لا تعدو مجرد العرض الممزوج باحكام لا علاقة لها بمنطق العلم ولا بمنطق العمل.

تضخم ذات ام عزة انتساب الى حضارة مكينة؟

تحليلات ابي يعرب المرزوقي تتميز بالعمق والدقة والصرامة لانها تتسم فعلا بالعلمية وحتى اذا سلمنا بانتفاء هذه الصفة مع من يخالفنا الراي فانه لا يمكن لهم ان ينكروا انها في مجاري العلم ان لم تكن في مراسيه فكون صاحب ‘منزلة الكلي في الفلسفة العربية’ يرى بان الازمة التي تعيشها الامة العربية ازمة كونية فلا يعني ذلك “تضخما للذات العربية مع المرزوقي” بل لان الرجل بحث عن وفي المشترك بين العرب وغير العرب فلما تبين له وضع فرضية ان الازمة كونية (فعلا) وليست خاصة بالعرب والمسلمين وحدهم ويكفي الرجوع الى “افاق النهضة العربية” نفسه فضلا عن كتاباته الاخرى الاكاديمي منها والنضالي للتأكد من صدق الفرضية لكن هذا غير كاف اذ لا بد ايضا من عرض الفرضية على الظرفية التاريخية الراهنة للامة (العربية الاسلامية) وللانسانية.. وهذا بين لمن تتبع اجتهادات ابي يعرب تحليلا ونقدا وتأويلا وامسك بالوصلة المؤدية من الاول الى الثاني والمفضية من الثاني الى الثالث. والبحث في المشتركات وفي الكليات هو من اختصاص اهل العلم لا الخائضين في العموميات وماضغي مقولات- علكات يروحون بها انفاسهم ثم يلفظونها لان من يقتبسون منهم يوفرون لهم علكات جديدة: قانون الموضة المتحكم في مثقفينا.

ليست اذن المسالة انتفاخ كاذب ولا تضخم للذات بل هو من جنس عزة الانتساب الى ثقافة ذات مدى كوني فعلا ومن لم يقف على هذه الحقيقة فلانه لم يع معاني الانتساب الى الامة العربية الاسلامية او عله من الذين تربوا على ثقافة اخرى فلا يرى فضلا لغيرها وان تكلم بلساننا(28).

في هذا الاطار (الفقرة 15) لا بد لنا من وقفة على عينة من درر الالتفات بالمعنى البياني. فلنقرا معا ولننتبه الى الضمير المتصل المكرر بفعل الاضافات يقول د. زيادة “وبذلك (بعد ان عرض ما فهمه مما قاله ابو يعرب حتى في غير ‘افاق..’من كون العرب صاروا بؤرة الصراع العالمي…) تكون الازمة التي تعيشها الامة العربية ازمة كونية لان الخروج منها يهم العالم اجمع ليساعده على الخروج من مأزقه وتخبطاته، وهكذا تتضخم الذات العربية مع المرزوقي لتصبح أشبه بالمخلص التاريخي للعالم اجمع…’

فمن يقرا بتثبت يتساءل من المضخم لذاته أبو يعرب (تكفي قراءة ما يكتب) ‘الماضوي’ ام الدكتور زيادة المسقبلوي؟ القراءة الفاحاصة الكاشفة تفضح من المضخم لذاته او المضخم لغيره. لنسلم بان الاول هو كذلك اليس الثاني قد ضحم ذات من قرا له بتضخيم معكوس اذ جعل من موضوع كلامه اسم جمع (الامة العربية) قد تجسدت في ابي يعرب فنسب بالبيان الغير واع بنفسه كل من المأزق والتخبطات الى ابي يعرب. نحن بهذا الخصام الغير مبين نجد انفسنا على ارض جرز داحضة؛ فكيف صارت التخبطات والمازق لابي يعرب من جهة كونه تعرض لعلاج ازمة امته التي لا يمكن فصلها عن الازمة التي تعيشها الانسانية؟ رد الامر الى الالتفاتة البيانية من صاحب المنطق الجهوي لا يسعفنا..

فاذا كنا خرجنا من التاريخ او/ و اخرجنا منه، بفعل السعي المظّاهر الحثيث لبعض من غيرنا وبعض من ابناء جلدتنا، واكتفينا فيه بردات الفعل فلا غرو ان من يحاول ان يردنا اليه هو من اهل البصر بجوهر الانسانية ومن اهل الوعي بالاختلافات العارضة لها. هي فعلا قراءة المومن بمضمون القران المبين وبشكله المحكم علاجا لمشكلات الانسان من حيث هو كذلك وهي قراءة من ادرك قدر العقل وقدراته لاجل ذلك قال بوحدة الفكرين الديني والفلسفي وهذه من الامور التي اضحت من المسلمات عند اهل التمييز. ومن البين ان السلطان على الاقتصاد والاجتماع وعلى السياسة والاخلاق وعلى الاذواق وتحمل رهان فهم ايات الانفس والافاق وفهم الرؤى الوجودية وصراعاتها امر مشترك ببن الانسانية المتحضرة ولا يخلو منه عمران واجتماع انسانيين سويين او غير سويين..

وغاية القول ان استنهاض الهمم ليس تضخما للذات بل وعيا منها بذاتها وبثقافتها وبمكانها، الذي صار فعلا جغرافيا، ومكانتها، منزلة كونية بحكم رسالتها، ووعيا بزمانها، الذي صار تاريخا غير قابل للفصل عن التاريخ الكوني، وادراكا للزمانة، الظرفية والبنيوية، التي تشل المنتسبين اليها والتي يراد لها الشلل الدائم.. وهب جدلا انه تضخم فما الذي يعيقنا على الصيرورة سادة الامم ؟ الجواب معلوم انهم المثبطون القائلون باستحالة استئناف الامة لدورها وهؤلاء هم المثقفون الذين اصابتهم زمانة اعاقت الامة لعقدهم وولعهم بمتابعة ومحاكاة الغالب لفقدانهم معاني السيادة فاختاروا ان يكونوا متعلمين الى بلوغ ارذل العمر؛ فلطوباوية وتضخم ذات ابي يعرب، مع انهما مجرد حكمين لا اصل لهما ولا فصل ‘غير ‘رمتني بدائها وانسلت’، افضل بكثير من تعاويذ اهل التعويق والتثبيط الذين عقوا ثقافتهم بمجرد لعق ما بات من فضلات الحداثة وما بعدها فعلق في افئدتهم ذوقها ولفرط حبهم لشعوبهم جعلوا لها لعوقهم سفوفا وقالوا لها ذاك علاجعك في عاجل امرك وآجله ‘ولا ينبئك مثل خبير”. فقالت لهم شعوبهم معذرة اعزكم الله لقد جعلتم اللعوق سفوفا ونحن في وضع من اسدي اليه معروفا فلكم الشكران والعرفان لكن لم اتعبتم انفسكم في التحويل والحال اننا نرى ما استمرأتموه ذوقا قد اثمر قذى في اعينكم فنخشى ان نحن اصبنا من اللعوق الذي صيرتموه لنا سفوفا ان يذهب بابصرنا فهلا رضيتم لنا بالعشى مثلكم؟’ فقالوا لشعوبهم ‘لازلتم دون الرشد فانتم بحاجة لتطبيبنا لكم وهل سمعتم بدواء عديم الاعراض الجانبية لا بد لكم من الصبر على ذلك’. فاجابتهم الشعوب ‘لقد صبرنا في الباساء والضراء وجربتم فينا صنوفا من الدواء تجرعناها وصبرنا على مرارتها وغصصها الا اننا لا يمكن ان نقبل بما يذهب ببصيرتنا قبل ابصارنا اتركونا والماضويين فاننا نظن ان دواءهم وان كان مرا لما يقتضيه من المجاهدة والاجتهاد الا ان به لذة وسلامة لانه يجعلنا رعاة ورعية في آن اما انتم فلم ترضوا لنا بغير منزلة الرعية التي تساق بالاعتساف الى جنة هي لكم دوننا. نحن نعمل وغيرنا يتمتع وانتم تزعمون التفكير لنا والحال انكم متبعين فما الفرق بيننا وبينكم ان كنا مجبرين على اكتساب لقمة العيش بكد ونصب تابعين لمن يوفر لنا عملا وانتم كذبتم بـ “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” فصرتم اتباعا لغيركم تقولون ما يقول وقوله ابداع وقولكم اتباع فاي علم حصلتم واي مكانة حزتم ؟ علم الماضوية والطوباوية والمستقبلية وعلم راهن لم يعد لكم رهانا بل صار رهنا بفعل ضعفكم واستكانتم ووهنكم فصرتم صفاعي ‘الحرب اللطيفة’ ومساعدي صفاعينا في ‘حربهم العنيفة’ علينا. انترك لكم الارض هربا من سؤال ما بعد وخشية ان نتوفى ونحن في منزلة من اتبع وهربا من صفعكم (بمعنييه) وقد علمنا مما يعده البعض اساطير الاولين حوارا نفذ الى ألبابنا فايقظنا من غفلتنا وزاده الطوباوي الماضوي ابو يعرب وضوحا في ‘قرآنيا المظلوم مسؤول عن الظلم في الأرض أكثر من الظالم’؟ الم تقرا ‘الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي انفسهم قالوا فيما كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا أولم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها؟ قالوا بلى’ والم تقرا ‘اذ تبرا الذين اتبعوا من الذين اتبعوا وراوا العذاب وتقطعت بهم الاسباب’ لاجل ذلك لم نتضخم ولا تضخم من اجتهد وفق مرجعيتنا ووفق ما انتجه من غلبنا فشمرنا على ساعد الجد لنخرج من منزلة المتبعين الى منزلة الكادحين والدفع بيننا وبينكم سجالا وما نراكم الا مغلوبين في عاجل امركم. افلا تختاروا معنا المستقبل عوض وصمنا بالماضوية سيما وان ‘الحداثة قد غيرت ساحتها’ وان “العمى اقرب الى السلامة من بصيرة حولاء”

فما الذي جعل من اروبا تتمكن من الخروج من القرون الوسطى الى الحداثة ثم الى ما بعد الحداثة؟ ابرجال ام بمثقفين مهزومين جعلوا من الممكن ومن الجائز مستحيلا فقعدوا مع الخوالف ام برجال عادوا الى التراث اليهودي المسيحي واليوناني الروماني اضافة الى لقاء الصدام ولقاء الاخذ والعطاء مع الثقافة العربية الاسلامية؟ واذا كانت الامة العربية في الماضي قد اخرجت من القبلية الى القول بوحدة البشر وباخوتهم ومن البداوة الى الحضارة ومن امة عدها مجاوري الامس ‘امة كلاب’ الى اعزة متحرري الارادة والعقول فما المانع من استئناف دورها؟

فالقول باستحالة النهضة وفق المنظور اليعربي هو قول في غاية السقوط من جهة المنطق التاريخي ومن ‘جهة منطق التحليل’. ولاجل ذلك فان ‘النهضة المستحيلة’ وان كانت تزعم لنفسها المنطقية والنقد فانها في حقيقة امرها قراءة حبيسة وثن الايديولوجيا.

فامامن جهة المنطق التاريخي فالقول باستحالة النهضة وفق منظور المقروء له هو من جنس اطلاق القول على عواهنه لفقدانه شرط التبين في المقروء. امامنا امثلة ظهور العرب الى التاريخ بعد ان لم يكن لهم ذكر هل هو من جنس المعجزات التي لا تتكرر اهي من فلتات التاريخ علما وان وضع العرب انئذ لا ينذر ولا يبشر بصيرورتهم امة رائدة فكيف تمكنوا من الصيرورة امة قائدة؟ واليوم نحن بالاضافة الى غيرنا الذي يعد مثالا في النهضة اقرب شقة اليهم من قرب عرب القرون الاولى (للهجرة) الى بيزنطة وفارس وهذا لم يغب عن ابي يعرب فكيف عزب على صاحب ‘النهضة المستحيلة’؟.

اما الحجة الاخرى فمن نهضة غيرنا الذي كان له ماضيه العريق في الحضارة فلم لم تستحل النهضة على الاوربّيين؟ اليست لهم اليونان وروما وما جاورهم من حضارة العرب والمسلمين؟ فهاتان حجتان من التاريخ تكذبان القول باستحالة النهضة وفق منظور ابي يعرب ومن وافقه.

اما من جهة منطق التحليل فان القول باستحالة النهضة وفق الرؤية اليعربية هو من جنس التعاويذ التي تروم دفع الزلزلة التي اتت والزلزلة الآتية.

ولوكانت قراءة ابي يعرب للنهضة ‘بعيون ماضوية’ لكانت لغتها لغة كلامية وعلمها ميت ولكن من يقرا ‘افاق النهضة’ لا يمكن ان لا يقف على الادوات المستخدمة تحليلا ونقدا وتاويلا ومنطقا وامرا جامعا هي الحكمة او العلم المدرك لحدوده والمستوجب للعمل وهذا يدل على حظ ابي يعرب من اهم العلوم الادوات ونصيبه من العلوم الغايات فهلا غبط الرجل عوض ان يغمط ويتخذ درية المتحذلقين والمتفاقهين .

ثم كيف يكون المنظور جديدا والعيون ماضوية؟ الجواب بسيط اذ ان اجتهادات ابي يعرب حسب القارئة لا تعدو كونها (عصرنة للماضي)؛ بمعنى جعل الماضي عصريا. لكن اذا اعتبرت كتابات ابي يعرب حق الاعتبار فان الانصاف يقتضي منا ان نستعمل نفس الفعل ولكن بمعناه الاخر الذي يوفره اللسان المبين. ذلك لان تلك المحاولات هي عصر “للماضي” وتصفية لعصارته وغربلة ‘للحاضر’ ونخلا له ووصلا للمستصفى من المعصور والمستخلص من المنخول وكلاهما مزدوج (ماضينا وماضي غيرنا وحاضرنا وحاضر غيرنا مع التدقيق بان الماضيين والحاضرين وان تغايرا بالاضافة الا ان فيهما من الاشتراك ما لا يقف عليه من وقف على مجرد التغاير؛ بل لو كانت قراءة ابي يعرب ماضوية فعلا لما بين لنا قيمة وحدود كل من الغزالي وابن خلدون وابن تيمية بل لما تمكن ابو يعرب من تبيّن امكانيات تجاوزهم  ولذلك فان القول بالماضوية امر على خلاف الزعم. والحكم بالماضوية والطوباوية لا يمكن ان لا يرد الى مسلمة ضمنية موداها ان ما انتجه ‘علماء الدين’ لا علاقة له بالفلسفة ولا بالتجديد وما فعله عبد الملك بن مروان امر انتهى وولى فما علاقة استحداث عملة وتعريب الديوان واستحداث البريد.. ما علاقة كل ذلك بنا اليوم ونحن في وضع مضاد لوضع عبد الملك انئذ اذ قد كان في وضع الغالب الصاعد اما نحن في وضع المغلوب المنكوس؟ سؤال يبدو وجيها لكنه لا يمكن ان يكون محركا لمن يطلب العلم والحقيقة ولا يرضى به الا مأفون الراي. فمن يطلب العلم يستخدم ادواته فالرغم مما تقوله عناصر السؤال فان ما يخفيه اكثر فتحا بالاضافة الى متحرر الارادة والعقل. فما يخفيه على المتعجلين هو امر منطقي اولا ولاكتفي به: التناسب. التناسب الوظيفي اساسا: نحن لنا عملات ولكنها تابعة ولنا ‘بريد’ ولكنه يجمع اخبار الناس وهو غمة عليهم ولنا ادارات وجلها لا زلت بلسانين وهي ادوات ضغط اكثر منها مؤسسات خدمية. وكل ذلك كلا شيء ‘لتفتت المكان’ وحت ثمرته و ‘تفتيت الزمان’ وتصييره رمادا يحثى في وجوهنا قبل سائر وجوه شعوب العالم..

 فمجلة الاجتهاد المدرك رئيسها لمحمولاته- او هكذا نظن بالرجل- من المفترض ان تجمع المجتهدين ولو في عرض الكتب لا المجهودين الذين لا طاقة لهم لا بقراءة ماضي و لا راهن ولا مستقبل ولا يمكنهم بفعل النصب الذي اصابهم من حمل ما يحملون من ‘اوزار من زينة القوم’ ان يدرك شجنات الزمان الصرفي فضلا عن الزمان الحضاري.

ثم تعالوا نشكر الدكتور رضوان زيادة على زائد الافادة فلم لم نفكر في مسالة تقسيم علماء اللغة (الصرف) الافعال بحسب الزمان الى الماضي والمضارع (الحال) والمستقبل؟ لمَ لا ننظر في صغية وبنية واحد واحد منها. فالماضي لا يمكن ان يفهم منه مجرد التصرم والمضي بل لا بد ان يفهم منه ما تعنيه الكلمة ايضا اذ الى جانب المعنى الاول نجد معنى اخر رديفا له وهو النفاذ (لا بد له من ان ينفذ فيما يلحقه) وما كان هذا شأنه وصفته وكيفته فهو لا ينفد كليا والحاضر شاهد بمضي الماضي فيه.

واما المستقبل ففيه استفعال وهو بمعنيين ايضا معنى الطلب ومعنى التحول. وأما ما بينهما، اي ما بين ما ينفذ ولا ينفد كليا وبين ما يطلب وما يتحول، او المضارع فلا يمكن ان يفهم منه مجرد الدلالة على الحال اذ يقتضي منا التساؤل عن ‘مطابقة’ الاسم “للمسمى” اي عما ضارعه حتى سمي بمضارع ألمجرد ‘مضارعة’ الحديث (الفعل المصرف في المضارع) للحدث الذي بصدد الطريان والحدوث ام انه ضارع الماضي في مضيه ونفاذه وضارع المستقبل بتحقيق مطلوبه؟

بل اذهب الى ابعد من ذلك واطرح هذا السؤال الذي حيرني منذ ان كنت تلميذا وطالبا ومنذ ان عرفت الفعل في صيغته المطلقة في الفرنسية (verbe à l’infinitif) اعني اساسا ما السر في هذا التماهي البنيوي، في اللسان العربي، بين بنية الفعل في ‘صيغته المطلقة’ وبنيته مصرفا مع ضمير المفرد الغائب؟ هل ان ذلك لمجرد اختيارهم لايسر الحركات وللاقتصاد في القول لان الماضي لا توجد فيه الحروف الزوائد ام ان الامر ابعد من ذلك بكثير؟ والمعلوم ان مسالة الحركات لها علاقة بعلم اللغة وهو تفسير مقبول الا ان الذي يبحث في اشكالية الزمان فلسفيا لا بد له من التفكير في ذاك التماهي والبحث عن تفسير اخر حتى نضع  عنا اصر الاحكام واغلالها من جنس ‘الماضوية’.

السؤال قد يبدو مشكلا زائفا اذا اعتبرنا ان في العربية لا يوجد شيء اسمه ‘صيغة الفعل في بنيته المطلقة’ بل ثمة فعل مطلق وهذا غير ذاك لان’ قرا’، ‘تمنطق’، احال’، ‘سفسط و’تدنخت’ افعال مسندة الى غيرها والمسند الى غيره لا يعد مطلقا. فليس للفعل بنية مطلقة في العربية.

الا ان السؤال الذي لا يطاله هذا التزييف هو لماذا كان الامر في الافعال في لغتنا مسندة بالذات الى ضمير المفرد المذكر الغائب؟ ما السر في هذا الاسناد الى ذلكم الـ ‘هو’ بالذات وليس الى غيره من الضمائر ولم اختيرت صيغة الماضي واسقطت صيغتي الحال والاستقبال؟ لو عد هذا سؤالا زائفا او مصادرة على المطلوب لعد ايضا السؤال الهَيْدغيري ‘لماذا يوجد شيء ولا يوجد لا شيء؟’ عديم الفائدة وعديم المعنى بل ان من يخلد الى بادئ الراي لا يمكن ان ينسب سؤالا كهذا الا الى المجانين… اما اذا بحثنا عن مهرب من اشكاليتنا فاننا سنقول بان الامر له علاقة بالتواضع ونغلق الباب..

-IV-

الخاتمة

ولا اكون كمن القى رحالته     على الحمار وخلّى صهوة الفرس

‘افاق النهضة العربية’ يحيل الى نصوص اخرى لا يمكن ان لا يعود اليها من يروم القراءة بمعناها العميق ان كان فعلا من اهل القراءة التي يدعي ممارستها. فلمَ اكتفى الرجل بتقديم ما فهمه ظنا منه انه وقف على لب الاطروحات في الكتاب فطفق تارة يبني ويهدم ما بناه وطورا يغزل وينقض غزله فاجبرنا على التوقف معه وقفة المندهش فناديناه ما الذي حملك على صنيعك وما الذي دهاك حتى تتخذ العنكبوت مثلا وتجرئنا عليك؟

يصعب على مجرد القارئ وهو يتتبع عرض (او قراءة) الدكتور رضوان زيادة لـ ‘افاق النهضة العربية’ لابي يعرب المرزوقي ان يقف على منطق متماسك وان تياسر وتغافل. فلم اصبنا في نخبنا بمثل هذه الادواء؟ تقصير في علوم ادوات وعزوف عن علوم غايات فلا تحليل ولا نقد بل، للاسف الشديد، احكام مسبقة جعلت منطلقا وقبلة فخيط وفقها القول بـ ‘الاستحالة’ بلا سدى ولا سرد في لبوس راى خائطه ان لا مناص له من نطاق (منطق مزعوم) يحزمه فخرمه فذلل لنا- ويا للحسرة- ما نحن بصدده ومعلوم ان القراءة التي لا يوجهها الانصاف والخالية من التحليل المفصِّل والنقد المدقق ومن التحرير المحقق لا يمكن ان تكون مثمرة للقول بامتناع او بجواز امر من الامور في مقروئها. فالقراءات الجديرة بهذا الاسم عليها ان تطلب الجدل العلمي لا الحجج الداحضة ويحق على اهلها الخروج من الدنختة، والتمكن من فقه اللغة ومن المنطق ومن الموضوع الذي يراد عرضه ونقده واخيرا لا بد لهم ان يقفوا على الشاكلة التي اخرج عليها النص الذي يتخذونه موضوع دراساتهم وهي امور من المفترض ان لا تعزب على كل او جل “من سبق اسمه دالا” .

وهكذا تبين لنا ان ‘النهضة المستحيلة’ ظلت غير مخلّقة لانها اخرجت على شاكلة الكركى مع تخصيص مهم اعني انها على شاكلة كركى مقعدة؛ اذ ان الدكتور زيادة توسل منطقا(29) دقيقا ضعيفا كساقي الكركى الا ان الذي “احسن كل شيئا خلقا” جعل ساقي الكركى الغير متناسبتين مع جسمها ظاهرا قادرتين على حمل الجسم اللتين هما منه وله وجعل حركتها الى مبتغاها ممكنا اما منطق الدكتور زيادة فمنطق برك بقراءته ولم ينهض بحملها لان حقيقة امرها هو تقديم طلب المظنون معرفيا على الخلقي التي ضنت به دراسته وعل ذلك مرده الفصل الغير محكم بين امرين متشارطين اعني التعلم والدراسة فلا يمكن لدراسة اهملت التعلم ولا تعليما اطّرح الدراسة لا يمكن لهما ان يثمرا قولا بالاستحالة او بالجواز. ولن يكون القول باستحالة النهصة او ما يضارعه او ‘قراءة المستقبل بعيون الماضي’ قولا مقبولا من جهة المنطق الجهوي الذي من المفترض ان يبحث في الصلاحية الشكلية للقضايا (منطق خالص) وهو ما لم يفعله وان كان قد لمح الية بـ ‘الصدق الشكلي’ الذي لا علاقة له بماض ولا بمستقبل ان كان صوريا خالصا.

اما الماضوية المنسوبة لابي يعرب فقد ظلت مجرد حكم خال من مضمون وعديم ما يؤسسه لاننا لا نجد في ‘النهضة المستحيلة’ برهنة على ان الرجل يعتمد اساسا على التراث ويمانع ويقاوم اي تقدم واي انتحاء باتجاه المستقبل وهذا لا طاقة للدكتور زيادة به وهو من المتعذرات عن صاحب المنطق الجهوي لان مضمون افاق النهضة يخذل مسعاه اذ لا يسمح له باتخاذ المنطق الجهوي اداة بل منطق العلاقات: العلاقات بين الاحداث والاحاديث اي 1) علاقات الاحاديث بعضها ببعض وهي علاقات مزدوجة بفعل تعلق الاحاديث ا) باحداث ماضية (نماذج التفسير والتعليل النظري او التحليل والتاويل للاحداث التاريخية) وب) باحداث يجب ان تصنع  تاويلا لما في الاذهان؛ انجازا في الاعيان ثم 2) علاقات الاحداث بعضها ببعض (التوصيف والقراءات التاريخية ). ومعلوم ان 2 متقدم على 1 والفصل بينهما مثلما يقول اهل المناهج هو فصل اجرائي لانهما قد يجتمعان. فهاته العلاقات او بنيتها هي التي تحدد بنية الاحداث والاحاديث. وانى للمنطق الجهوي ان يتحمل هذا الامر وغاية ما يفضي اليه القول بالامكان، الضرورة والاستحالة؟ علما وان المناطقة منذ ابيلاردو قد اجمعوا على البحث في الصلوحية الشكلية للقضايا فاتجه المنطق الى امور اخرى غير هذه التعاويذ ثم ان المنطق الجهوي لو استعمل من دون تحيز قد يؤدي الى شناعات من جنس القول بضرورة كل شي او استحالة كل امر وهذا بين الفساد لانه انحراف عن الرشاد (بمعناه المنطقي). وتجدر الاشارة في هذا الشان الى ما قاله كانط في “المبادئ الميتافيزيقية لعلم الطبيعة”(30) :«لكن مبدا عدم التناقض لا يستطيع ان يدفع مادة تتقدم لتحتل مكانا توجد فيه مادة اخرى» كذلك ما الذي يمكن ان يفعله المنطق الجهوي لدفع نظرية ما، علما وان كانط بعد تصريحه بانعدام الحول والقوة لمبدا عدم التناقض في المسالة التي يعالجها قال انه بامكانه ان يفهم التناقض “الا اذا قلت بان ما يحتل مكانا ما له قوة دفع كل جسم اخر يقترب منه”. فاين نحن من هذا؟ اين تعليل محيل النهضة على غرار التوصيف الذي ورد في ‘افاق النهضة’؟. لا نجده. وعدم وجوده في القراءة يعني اعاقتها.

لكن هل ان ابا يعرب او غيره فوق النقد الاجابة بالنفي قطعا لكن مسعى تضييق الواسع (العبارة غزالوية) ليس بعمل من يقرا بل عمل القارئة الذي يحاكي عمل الخائط ويقيس موضوع قراءته على قماش مخيط بعد وهذا على لابس اسمه (الواقع) فيكون المقروء من جنس اللباس الغير ملائم ‘للواقع’ فهو اما فضفاض او ضيق فنحكم بانه يستحيل على لابسه لبسه لانه ضيق اما ان كان يتجاوزه في ابعاده ومقايبسه فسيكون اضحوكة واهزوءة اهل ‘اللباس على المقاس’. ولكن حتى وفق هذه الصورة فان الامر محير فخائطنا المؤمن “بواقع” متطور كان بامكانه عوض الحكم بالاستحالة ان يكون متماسكا مع نفسه فيقول وفق منطق انتظار (المستقبل القادم) ننتظر تطور هذا الواقع فعله يتعضى فيوافقه اللباس. لكنه لا يقول ذلك يل يقول لنا هذا ضيق والواقع قد تتطور وتنامى بعد ولا يصلح له ذلك اللباس مطلقا.

فلا يحسب التمتام اني هجوته     ولكنني فضلت اهل المكارم

اعاذنا الله من الوقوع في حفر الاعتساف وحبب الينا الانصاف وباعد بيننا وحرف الاقوال عن مواضعها!

 

 

 


الهوامش والحواشي

 

– المقدمات –

 

([1]) نشر موقع ‘حكمة’ في القسم المخصص للدراسات مقالا للدكتور رضوان زيادة بعنوان “النهضة المستحيلة: قراءة النهضة بعيون الماضي (ابو يعرب المرزوقي)” وسبق للمقال ان نشر في مجلة الاجتهاد بتاريخ 2002 اي سنة ظهور كتاب ابي يعرب ‘افاق نهضة العرب ومستقبل الانسان في مهب العولمة’.

(2) تلاحظون ان هذه ‘النظرية’ (اجتهاد الطلب واجتهاد الدفع) لها علاقة بما عرف في الثقافة العربية الاسلامية بجهاد الطلب وجهاد الدفع الا ان الامر هنا لا بد فيه من مراعاة الاختلاف . واستسمح القارئ في عدم التفصيل لان ذلك يخرج المقالة من غرضها وينحرف بها الى غير مرساها.

(3) علما وان التخميس موجود عند الغزالي وان كان غير معمم اذ نجد منه عينة في معيار العلم الا ان ابا يعرب قد تمكن من تعميمه لخيار خلقي معرفي وربما لخيار شهودي وجودي. واذكر، لما كنت بالجامعة، انه ذات مرة قال في الامر بان أقل ‘البناء من خمسة’.

ليس في الامر محاكاة ولا تقليدا مثلما سيتبين للقارئ لكن استخدام لعنصر من عناصر اداة منهجية قابلة للخضوع للتجريب والتمرين. اما علاج المواضيع فلا يمكن ان تقع فيه القدم على القدم. ثم ان التخميس له علاقة بالشكل وبالبنية وكلاهما له علاقة بالهندسة. وتكفي هذه الصفة كي نمارس هذا الضرب من هندسة النصوص والفضل فيها يعود للغزالي ولابي يعرب الذي جددها وطورها. ولمَ لا يعاب على من يملا شدقيه بالتفكيك والـ ‘هرمنطقة’ والـ”فنملجة’ (ما اثقلها على اللسان) ويعاب على من رام مثل هذه ‘الاداة’ حتى وان اعترفنا بان الهرمينوطيقا والفينومينولوجيا يتجاوزان الادة المنهجية الى ما هو من ثمراتها او الى كونهما فلسفة تطمح ان تصير “علما”؟

(4) عل التذكير بان العالم ليس فوق النقد من نافلة القول (في ثقافتنا التي نسيت حتى طرق اهل الحديث) اذ يكفي التذكير بمقولة ‘كل واحد يؤخذ من كلامه ويرد’.. ومثلما يقول ابن الهيثم في الشكوك على بطليموس :  “والواجب على الناظر في كتب العلوم اذا كان غرضه معرفة الحقائق ان يحعل نفسه خصما لكل ما ينظر فيه ويجيل بفكره في متنه وفي جميع حواشيه ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه ويتهم ايضا نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه…’ ص 4 تحقيق عبد الحميد صبرة ود. نبيل الشهابي مع تصدير للدكتور ابراهيم مدكور القاهرة 1971 (جمهورية مصر العربية، دار الكتب والوثائق القومية، مركز تحقيق التراث). اما من الحديث فاكتفي بالاحالة الى ديكارت ومقاله في المنهج.

اما اعتراض المعترض بـ ‘من تكون حتى تسند الالقاب؟’ فالرد عليه يسير ولا اجد غضاضة في القول باني بالرغم من كوني لست عالما ولا انتمي الي اية جماعة علمية ما لعدم انتاجي شيئا يدخلني في زمرتهم الا انني ازعم اني قادر على التمييز بين العالم والمثقف. ومن ثمة فليس الرجل عالما بالاضافة لي وحدي بل هو كذلك بمعايير العلم. فالاعتراض هو من الاسفاف لانه يقبل على الشخص ويعرض عن حقيقة الامر كمن لا تقع عينه الا على الحقة المهزولة من بين سائر البعير السائر ولا يرى سائر الجمال ولا جَمال الاحقاف.

(5) الباب الخامس والاخير من  “ما بعد الاخلاق” بعنوان  ‘ملاحظات حول نظرية بيرس في الرمز والمقولات”. لا بد من التذكير باننا ازاء امر في غاية الاهمية لانه ذو مدى نظري عملي وما بعدهما.. ليس من جنس الرد على المنطقيين وان اشترك معه في المنظور. وما بعد الاخلاق لا يمكن ان ينتجه من لم يفقه إ) مجلوب شيخ الاسلام في ‘نظرية العلم’، ب) ارث العلامة في نظرية ‘علم العمل’ د) شرط إ+ب دور ومنزلة وقيمة مؤسس ‘المدرسة النقدية’/ حجة الاسلام، ا) الارث الفلسفي العلمي السابق على الغزالي واللاحق (رابوع العقم) و ع) سر الوصلة بين المدرسة النقدية ومآل الفكر الفلسفي والعلمي لدى حملة مشعل الحضارة الغالبة اليوم ومخمس ‘إ ب د ا ع’ يجد اساسه في اً) تجاوز اصناف التفسير الاربعة الى تحقيق الوعد السينوي المخلف او المعلق (التفسير الفلسفي للقران) اي اتخاذ وطن لكينونة حالة مرتحلة او مقيمة ظاعنة: القران الكريم المحيل الى ايات الانفس وايات الافاق والمحيي للوجدان والمحرك للفرقان… فهذا نتاج ‘الظلامي الماضوي’ بالاضافة الى طيور الليل المخلدة الى الراحة ودعة الاحلام في عز النهار وفي خربها فاذا جن الليل ابصرت واذا ابصرت ظنت ان ما سمعته في ليلها(النهار بالاضافة الينا) هو من جنس اضغاث الاحلام فلا تهتم به لانه مضى ولا يجديها نفعا فتعرض عنه لانه يشغلها عن كسب قوتها وان تناهى اليها امر من جنس المسموعات  طوال يقظتها (الليل بالاضافة الينا) قد تنزعج منه او تنشغل به فتجتهد سدى لدفعه اذ لا طاقة لها بذلك..

(6) فالجلي في التفسير لا بد له من الصيرورة موضوع دراسات وبحوث في الجامعات الغربية وغيرها (وعل هذا الامر بصدد الطريان بعد)  التي تدرس الفكر والفلسفة العربيين وان كانت تلك الدراسات هي من الصعوبة بمكان لما تقتضية من معرفة باللسان العربي، بالتاريخ، بالمنطق وبالتفكير الرياضي علوما ادوات كما تستلزم المعرفة بجميع علوم الملة فقها وكلاما واصول عقائد وتصوف وفلسفة وتفسير وكل ذلك مشروط بالقدرة على الترجمة علاوة على مجلوبات العلوم الانسانية مناهجا وعلاحا. وان كان هذا محتمل الوقوع وامرا راجحا فليس ذلك بعديم العلة لاننا ازاء نتاج اجتهادات وسعت الافاق وساهمت بوسع الطاقة في انصهارها ومعلوم ان ذلك ثمرة للوقوف على حقيقة ومدى كونية هذا الانتاج ولا يبلغ امر هذه الدرجة الا اذا كان له من مقومات العلم ما لا ينكره الا جاحد.

7) علما وان ابا يعرب كان سببا غير مباشر لتركي الجامعة اثر الخصومة التي افتعلها زملاؤه سنة 1990… والتي ذهب ضحيتها من ذهب.

 

I

 

(8)  وهو من الاعمال التي امارسها احترافا ومطالعة.

(9) وللانصاف لا بد من افتراض ان الخطا هو من اخطاء الرقن فلم نؤاحذه؟ لعجلته ولمنطقه وللاسباب المذكورة.

(10) تعبير من هذا الجنس نجده عند الدكتور فتحي المسكيني في مقال نشر له في موقع ‘مومنون بلا حدود’ بعنوان “ريكور والجنس” اذ جاء فيه “…مخافة أن نخرج من ساحة المعنى التي نصبتها الإنسانية الغربية كطريق ملكيّة نحو القيم الكونية،…” والمقال خصصت له ايضا مراجعة منطقية لسانية لا لاجل مثل هذه التعابير بل لامر اخر يستفز كل من مت الى الفلسفة بنسب ولو بعيد: فان نفكر مع الكبار لا يعني ان نتخلى عن مناظير ممكنة واكثر خصوبة واثمارا لصالح من نقرا لهم ونفكر معهم كما لا يعني التحلي بمناهجهم بل التفكير معهم فيما فكروا فيه والاهم من ذلك هو ان لا نستقل مركبا كلما غير وجهته فتغير تسارعه وجدنا انفسنا خاضعين للقوة النابذة عن المركز عوض ان نستخدم هذه المعرفة للحفاظ على توازننا ولمقاومة هذه القوة؛ اعني هنا خلب الحداثة وافاعيلها على متفلسفينا الجدد. واعني علاقتنا بثقافتنا واساسا بالتراث وعلاقتنا بالاخر (من حيث هو انا)… فعلاقتنا بتراثنا لم تكن علاقة من يدرك ‘ثروة الامم’ بل التراث في علاقته بمسالة (الجنس والجنسانية’  لم يعد وفق التصور المسكينوي راس مال قابل للتحريك والتثمير بل جمد واصبح محتلا لمكان لا بد من ان يخليه لراسمال متحرك ياخذ مكانه لمجرد اننا عاجزين على تحويله بالرغم من اننا اليوم نقرأ امهات الكتب بألستنها الاصلية ونقارنها يترجماتها الى لغات اخرى مما ييسر علينا نقلها.. فراكمنا الادوات (المنهجية) ولا زلنا نمارس التمرن على استخدامها..

(11) لو ان الرجل اخذ موضوع قراءته ماخذ الجد ولو انه كان فعلا مدركا لمن ‘يقرا’ ولو كان غير متعجل لما سولت له نفسه ان يكتب كلاما كهذا ذلك ان من يقرا لابي يعرب يعلم انه قد خمس الزمن الحضاري فكيف يغيب هذا عن الدكتور زيادة؟ ومن البين بنفسه ان من ثمرات ذاك التخميس جعل الحاضر بؤرة الابعاد الاخرى فهو مصب ومعين في آن، مصب للماضي من حيث هو ‘حدث وحديث’ ومعين للمستقبل من جهة كونه حديث يهيء لحدث.

(12) مما يجعلنا والله نضحك والمقام مقام حزن لكن لا بد لنا من تغليب الفرح لاننا ازاء عبارتين تونسيتين بامتياز: ا-‘على وضوك يا سي خليفة!’ والعبارة من لغة التداول اليومي وفيها اضمار ‘انتقض وضوءك’ حتى لا نترجمها بلغة تفيد السخرية و ب-‘يا فتاح يا رزاق!’ اذا حصل ما هو غير مرغوب فيه في بداية امر من الامور.

 

II

(13) ساتعرض لاحقا للكلام على الفقرة 12 من مقالة الدكنور رضوان زيادة ونرى لاي سبب او علة يرى ان قراءة المرزوقي للنهضة وفي النهضة ‘تنتفي عمليا وواقعا”.

(14) كنت قد قرات كتابا لاحد ملاحدة الزمان فسجلت بعض الملاحظات. وكعادتي اجعل من مطالعاتي تمارينا على المراجعات واتذرع بهذه الى جنس من القول يتداخل فيه اللساني والمنطقي والفلسفي والادبي والفني او ما يبدو لي على انه كذلك. انئذ جعلني صاحب الكتاب استحضر “مضرط الحجارة” وهذا استدعى الى الذهن لقب ‘الفساء’. لكن لا بد من الاشارة اننا ازاء من ياتون بنصوص مضروطة فيكون اضراطهم لا للنصوص التي يقرؤونها بل لتلك التي يكتبونها. فاذا كان مضرط الحجارة قد لقب بذلك لشدة بأسه فاننا ازاء من يلقب بذلك لشدة بؤسه.

(15) بعد نقد ابي يعرب للتثليث الذي قدمه الجابري رحمه الله (بيان عرفان برهان) لا يمكن لمن يريد ان يحرز تقدما في اي علاج ان يظن اننا ازاء ثلاث انماط لانظمة خطاب يخلو الاول منها من الثاني والثالث والثاني من الاول والثالث والثالث من الاول والثاني. وغاية ما في القول ان عبارة ‘الاخلاد الى الارض’ عند ابي يعرب اكتسبت معنى فلسفيا (فلسفة الدين وفلسفة التاريخ) وفرقانيا علميا (مبدا تفسير لظاهرة عمرانية تتحق عند صيرورة “الانسان الرئيس عالة” لعلو القائمين على صورة العمران بغير الحق الى جانب حفاظها على المعاني اللسانية في التفسيرات القديمة.

(16)  يذكرني هذا القول  بما اورده الجرجاني في ‘اسرار البلاغة’ فيما يتعلق بابن المعتز الذي ذم القمر والى ‘مرثية ابي الحسن لابن بقية حين صلب’ اذ كلاهما خرق اجماعا: الاول على مدح القمر والثاني على استكراه واستفظاع حالة المصلوب وكلاهما ابدع فيما انتحاه. فهل كل اجماع لا يخرق؟ الا يكفي في خرقه مجرد تغيير المنظور ورؤية ما لم يره المجمعون؟ 

(17) في القران الكريم نجد ان الفتوى منسوبة الى الله  “قل الله يفتيكم”؛ وليضرب الملحد صفحا عما يجحده وينظر في ما عد ‘اساطير الاولين’ فسيجد من عميق معاني الفتوى ما وقف عليه سجين ”يوسف ايها الصديق افتنا في سبع بقرات.. ‘ الاية. فانظروا كيف امتاز سجين حق عام عن سجناء فكر خام يرى ان ‘مقولات الدين’ عديمة العمق الدلالي.. ثم انظر المعنى الاخر لدى ملكة سبأ (يا ايها الملا افتوني في امري) كيف تعلق الامر في مسالة لها علاقة باستقرار مملكة وبزوالها.. وبهذا المعنى فان اجتهادات ابي يعرب في مجال الاستراتيجيا هي افتاء لكنه افتاء له علاقة بالعلم لا بالمعنى الفقهي التقليدي.

لا بد من الملاحظة بان ما اشرت اليه متعلق بدلالة الفتوى وقيمتها الا ان ابا يعرب مع علمه بذلك يؤكد على ان شاكلة ‘فصل المقال’ هي شاكلة الافتاء الفقهي المتوسل لقيس ‘مسالة الحكمة’ على امور اخرى واعتبارها انطلاقا من صور الاحكام الفقهية المعروفة وهو في هذا محق ولذلك فان حقيقة فصل المقال تؤول الى الفقه شاكلة ومضمونا. فلو حاولنا دفع المبدا الفقهي الى اقصاه، الى حد يقارب المهزلة،  ووقفنا على عبارة ‘الاخت الرضيعة’ لقلنا مع الفقهاء ‘يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب’ فيكون ‘الجمع’ بين الاختين ولو في  الاذهان تعد على الشريعة! فيكون ابن رشد قد رام في فتواه مور الحكمة والشريعة في آن!. ولا ينكر احد ان ‘فصل المقال..’ عنوان فلسفي لكن مضمونه فقهي. فلكأن ابن رشد قد اخطأ الغاية بتوسل الادوات الفقهية. ولذلك فان قول ابي يعرب بوحدة الفكرين الديني والفلسفي (وهو قول ليس يالجديد في تاريخ الفلسفة) هو قول رشدي بالاضافة الى الغاية الغائبة اذ حقق مراد ابن رشد الذي اختان نفسه. والله اعلم.

(18) ومن البين ان هذا القول للمرحوم الجابري فيه من الاعتساف ما لا يعزب عمن يعرف مضمون (تهافت الفلاسفة) سيما بعد ان صار جليا بفعل امر نبه اليه ابو يعرب اعني مقدمات التهافت الاربعة. فهل فعلا ان الغزالي قد افتى بتحريم الفلسفة بمجرد نظره في اقوال الفلاسفة التي لها علاقة  بالعلم وبالدين؟ كيف افتى بتحريم نظر عقلي وقد سمي حجة؟ فان وازنا بين قول الجابري، رحمه الله، من جهة وبين مضمون التهافت مع انارات ابي يعرب له من جهة اخرى نخرج بنتيجة مؤداها ان حجة الاسلام قد بين حدود العقل انطلاقا من “نقل عقّل وعقل نقّل” وتكفيره للفلاسفة في المسائل المعروفة ليس فتوى منه بتحريم الفلسفة من جهة كونها نظر عقلي في الوجود بل بيان خروجهم عن الملة بتبنيهم او بقولهم بقدم العالم..

(19) ما تفطن اليه ابو يعرب وغاب عن الجابري غفر الله له : ورود التكفير الصريح  للفلاسفة في التهافت لم يجعل ابا يعرب يقول بأن “التهافت” فتوى ضد الفلاسفة لان التهافت يظل بالنسبة اليه  ذا مضمون فلسفي وليس الامر كذلك بالنسبة للجابري الذي يعد فصل المقال فتوى نقض لفتوى الغزالي في التهافت… العجيب ان باكورة اعمال المرزوقي او ‘السببية عند الغزالي’ بالرغم من كون عمرها يقارب النصف قرن الا انه كتاب لم يحض باهتمام الفلاسفة العرب. ربما لانه من نتاج ‘ماضوي’ قرا ‘ظلاميا’!

وقول الدكتور الجابري رحمه الله بان فصل المقال فتوى نقض لفتوى الغزالي’ يجعل من النصين فتوتين الا ان الفتوى الثانية هي بلغة القضاء درجة اعلى من التقاضي فلكانه يرى انتصارا للعقل او للحكمة على الشريعة، للعقلانية على اللاعقلانية  ورد الاعتبار للاولى واتعجب من عدم استيعابه لتطور العلم والفلسفة في آن بالرغم من منزلته ومن عدم اخذه، ولو على سبيل التياسر، مأحذ الجد وبعين الاعتبار مجلوب ‘السببية عند الغزالي’ رؤية ومنظورا وعلاجا.

(20) وما اظن ان الدكتور زيادة بحاجة الى الاحالات على كتابات ابي يعرب في هذا المجال فهو في غنى عن ذلك.  واضيف اجتهادات ابن تيمية وما اضافته الى نظرية العلم ونظرية الوجود اللتان كانتا ستظلان دفينتين لولا ‘مغامرة الماضوي’ ابي يعرب. ولولا معرفة ابي يعرب بالفلسفة قديمها ووسيطها وحديثها ومابعد حديثها لما وفق في مسعاه والامر بعيد عن الاسقاطات لكنه ذو علاقة باكتشاف الواحد المشترك في الفكر الانساني.

 

III

(21) ليست العودة الى ما سماه ابو يعرب باصحاب ‘المدرسة النقدية’ هي من جنس الماضوية الا عند من لم يقف على حقيقة مجاري النظر ومراسيه عند غيرنا ولم يفقه المآلات والتأويلات لذاك النظر العلمي والفلسفي في العمل.

(22) ما اتعجب له عند قراءة مثل هذا القول هو ما يمكن فهمه منه فاي تصور عند قارئتنا للابداع اليس يعتبره ضربا من الخلق من عدم وامرا جديدا لا علاقة له بالماضي؟ فهذا تصور لا علاقة له باصل الابداع ولا بفصله  ولا بنظرية البارادايم عند صاحبها في “الثورات العلمية”  ولا في: Kuhn Thomas S.; The Essential Tension – Selected Studies in Scientific Tradition And Change

الفصل 12:Second Thoughts on Paradigms p.293- p.319

University of Chicago Press, 1977

(23) لا استخدم هذا الفعل ومصدره بالمعنى المستنزف الذي يزعم الانتساب الى هايدغير والهايدغيريين الفرنسيين بل بمعناه العربي الفصيح والاصيل والعلة في ذلك ليست من طبيعة ذوقية مردها الى التقرف من لبوس الموضات فحسب بل وايضا لان نقل ‘ Deconstruction’ بـ ‘التفكيك’ لا اراها الا ترجمة بائسة ومحاولة لاستنبات ‘مفهوم’ او منهج علاج (اوقل بانه فلسفة او منظور او ابستيمية) والكلمة وان كانت نقلا فان هذا النقل وفق نظرية الترجمة لدى ابي يعرب لا بد ان تاخذ يعين الاعتبار دال المضمون ومدلول الشكل فاذا وقفنا على مجلوب هذه اللطيفة في فن الترجمة (بمعنييها) ووظفناها فان ثمرتها تمكننا من جعل التفكيك’ في ثقافتنا منهجا من جنس منهج قراءة النص من نهايته الى بدايته( ولا اعلم احدا مارس هذا الامر غير الاستاذ ابو يعرب)  او تفكيك وحداته مع الوقوف على الموصول فيه والمفصول.. فهذا ضرب من ممارسة التفكيك لانه يحترم النص ويعتبر انه محزوم بمنطق لا بد من فكه الى مصفوفاته حلا لعقده وهذا لا يمكن ان يقوم به من لم يقف على الموصول والمفصول في النصوص وعلى من لم يدرك التناسب بين المنهج (او لنقل بانه فلسفة) وعمل الميكانيكي او اي تقني عليم بتركيب وتفكيك مواد صناعته وفنه. وهذا لا يكفي في هذا المفهوم حتى ننظر فيه من وجهة نظر علم الاحياء (يحيل الى الفك)…  فالنقل السليم هو التهديم (وهذا قد يكون باحداث الفراغ ) والا ان تحدثنا عن تهديم جزئى فالمسالة عندئذ تكون مسالة ترميم ما خرب او ما تصدع اما النصوص النظرية فلا يمكن ان تكون كلها قابلة للنسف.

(24) المعلوم ان هذه تسمية قرانية ابلغ بكثير من عبارة ‘القرص المجروح’ لانها تحدد مسماها بوضوح: ‘فلا يستطيعون مضيا ولا هم يرجعون’.

(25) لا اتكلم بضمير الجمع واعني نفسي فلست حائزا على ما يخول لي ذلك الا انني استخدم هنا الجمع تيمنا بمنطق ام الكتاب وبالتالي اتكلم مع من يشاركني في هذا التصور فاذا تعلق الامر بخير اجمعت عليه امتي تحدثت بضمير الجمع اعتزازا وعملا بما نعده سنة شريفة جامعة ومحررة لنا (اعني حديث  “… يسعى بذمتهم ادناهم’؛ اما اذا تعلق الامر بما هو قابل للجدال فلا اتحدث بعير ضمير المتكلم.

(26) كريستوف فولف؛ علم الاناسة التاريخ والثقافة والفلسفة؛ نقل الاستاذ ابو يعرب المرزوقي؛ الطبعة الاولى، دار كلمة والدار المتوسطية للنشر 2009 .

(27)  من درس المنطق يدرك بان الصدق الشكلي (الصوري) هو في الحقيقة تسمية منطقية لما يدعى في المنطق بصلاحية القضايا من الناحية الصورية وهي التي عدت في المنطق الوسيط (ابيلار بياربطرس) ذات صلاحية كاملة وتامة  لانها قضايا منتجة وليست عقيمة.

(28) ومن كان هذا شانه هو دون سحرة فرعون فضلا عن السجوف التي تحول دونهم والوقوف على السر في تربية موسى عليه السلام في قصر فرعون.

 

-IV-

الخاتمة

(29) من البين ان الدكتور رضوان زيادة قد توسل المنطق الجهويmodal logic  (القول بالاستحالة والضرورة) فكنا  ننتظر ان يحلل لنا بعض القضايا الواردة في ‘مستقبل النهضة” ليبين لنا الاستحالة التي يصف بها النهضة وفق منظور ابي يعرب لكنه لم يفعل ولن يفعل حتى ا) يتجاوز المنطق الجهوي الى منطق ملائم لموضوعه منطق العلاقات مثلا وما اعسره على المجتهد فضلا الضعيف الواهن المستكين ب) يتمكن من اوليات التفكير الرياضي ج) يتمكن من الدراية البسيطة بعلوم الاحياء د) العلم بالعلوم الانسانية وادواتها ه) والجامع لكل ذلك او الوعي بمنزلة الثقافة العربية في التاريخ الكوني (مع الشعور بعزة الانتساب الى تلكم الثقافة). وكل هذه الامور في  كتابات ابي يعرب. السنا نجد فكرة تنقسم كانها خلية حية؟ السنا نجد منطقا رياضيا؟ … اليس هذا فكر حي مبدع؟ لكن كل ذلك لا يمكن ان يعني ان كتابات ابي يعرب غير قابلة للنقد او هي فوق النقد بل ما يجب ان يفهم منه هو انه نقد مشروط بتلك الامور او ببعضها.

وللانصاف اقول باني قرات للدكتور زيادة بعض المقالات الاخرى ووجدت فرقا كبيرا بينها وبين “النهضة المستحيلة”: لغة اكثر سلامة ومضامين لم يعكرها المنطق الجهوي فارجو ان لا يمتعض مما كتبت عنه.

(30) كانط “المبادئ الميتافيزيقية لعلم الطبيعة”(1786)، القسم الثاني المبادئ الميتافيزيقية للديناميكا؛ ملاحظة على البرهنة على المبرهنة 1 ص 177 الترجمة الايطالية Paolo Pecere  نشر دار Bompiani الطبعة الاولى 2003. في هذه الترجمة نجد- ايضا- النص الاصلي (الالماني) قبالتها بترقيم صفحاته فتكون الملاحظة في بداية ص 498 في النص الاصلي لاعمال كانط (الطبعة الاكاديمية).

 

 

وسيط ثقافي ومترجم مقيم بايطاليا. *