النخبة الحاكمة – تشارلز رايت ميلز / مراجعة: سيرين الحاج حسين

النخبة الحاكمة – تشارلز رايت ميلز / مراجعة: سيرين الحاج حسين

Power Elite


لماذا قراءة كتب كهذا مهمة جدًا، حتى لو بدا لك أن النظام السياسي الأمريكي هو موضوع لن يمكنك التأثير فيه، بصفتك مواطن مدني عادي، سواء كنت أمريكيًا أو لا؟ لأن الواقع الذي نريد لن يتحقق إلا بفهم الواقع الذي نعيش، ونعيش لا يُقصد بها نعيش أنا وأنت، بل نحن جميعًا؛ كبشر، بتاريخنا الطويل الذي رسمناه على نفس الأرض، بذاكرتنا الجماعية، بذكائنا في توظيف الماضي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المستقبل.

أو: أجيب بعبارة شهيرة كتبها رايت ميلز مؤلف كتاب “النخبة الحاكمة” في مقالة له نشرت في المجلة البريطانية لعلم الاجتماع؛ العدد 9: “إذا قبلنا التعريف اليوناني للشخص الأحمق Idiot، والتعريف هو : “متحفّظ، لا يهتم بالشأن العام” لوجب علينا الاعتراف بأن الكثير من المواطنين الأمريكيين الآن حمقى؛ ولا يبدو هذا مفاجئًا بالنسبة لي؛ رغم كوني لا أعرف إن كان يوجد بعض الحمقى في ألمانيا أيضًا!” (Mills, 1958)

النُّخبة “مجموعة غالبا ما تكون صغيرة ومنتقاة بدقة وتمتاز بالثروة، أو الثقافة، أو التدريب، أو المركز الاجتماعي، أو السلطة السياسية”. أما في معجم “الغني” فقد جاء معناها كالتالي: جمع : نُخَبٌ . [ ن خ ب ].
1 . :- نُخْبَةُ الْمُجْتَمَعِ :- : الْمُخْتَارُونَ مِنَ الْمُجْتَمَعَ الَّذِينَ لَهُمْ مُؤَهِّلاَتٌ مُعَيَّنَةٌ . :- نُخْبَةٌ مِنَ الأُدَبَاءِ .
2 . :- سِيَاسَةُ النُّخْبَةِ :- : سِيَاسَةُ الانْتِقَاءِ . 
وفي “المعجم الوسيط” النخبة هي: المختار من كل شيء فيقال : جاءَ في نُخبة أَصَحابه: يعني: خيارهم. وقد وردت كل التعريفات السابقة في قاموس المعاني تحت مادة ن خ ب. (المعاني، 2016)

ومفهوم النخبة لم يكن منتشراً في العلوم الاجتماعية والكتابات السياسية إلا بعد أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث ساد استخدامه في النظريات الاجتماعية التي تناولت موضوع التفاضل الاجتماعي، وظهر ذلك بصورة خاصة في كتابات فلفريدو باريتوVilfredo Pareto  الذي يعدّ من الأوائل الذين أعطوا مفهوم النخبة شطراً كبيراً من اهتماماتهم، تحديدًا في كتابه: “ازدهار وانحدار النخبة: تطبيق لعلم الاجتماع النظري” والذي نشر لأول مرة في 1920م  (Pareto, 1920).

النخبة الحاكمة أو الصفوة الحاكمة أو نخبة السلطة -كما اختلفت الترجمات في تسميته-؛ هو كتاب لرايت ميلز؛ نشر لأول مرة في 1956م وهو يشكّل كتابًا مهما في النقد الاجتماعي، الكتاب غير مترجم للغة العربية.  حصل هذا الكتاب على رتبة (86) في قائمة أفضل مائة كتاب في العلوم السياسية لموقع ListMuse ، وقد تُرجِمت القائمة للعربية في موقع حكمة(Hekmah.Org) .

ينتقد ميلز تقسيم القوة والسلطة في النظام الاجتماعي الأمريكي. ويفرّق ميلز بين الطبقة العليا أو الغنية وبين النخبة الحاكمة؛ فالثانية -بالإضافة إلى ثرائها تتمتع بسلطة سياسية واقتصادية، كما فرق بين الطبقة الحاكمة والصفوة الحاكمة؛ فالطبقة الحاكمة تشمل من يحكم البلاد كنظام سياسي لكن يضاف لها في مفهوم النخبة بقية القوى الاقتصادية والعسكرية ، وتركّزت قراءتي غالبًا حول الفصل الأول  والفصل التاسع والفصل الثاني عشر من الكتاب؛ حيث الفصل الأول  يحدد جذور المشكلة ويحللها؛ والتاسع يشرحها بشكل تطبيقي عملي؛ بينما يوضّح الفصل الثاني عشر واقع المشكلة ومظاهرها؛ في الحقيقة: الجزء الأول والجزء الأخير من الكتاب هي التي كررت قراءتها والتي استمتعت بقراءتها فعلًا؛ رايت ميلز يحسن بدايات كتبه جدًا؛ كأنه يبدأ معك خطوة بخطوة ليقنعك لماذا كتب هو هذا الكتاب ولماذا يجب عليك أن تقرأ هذا الكتاب، أما الفصول التي تقع في المنتصف فقد قراءتها قراءة سريعة؛ في الواقع هي الجزء الممل من هذا الكتاب رغم أنها تملك الأدلة التي تثبت صحة فرضيات فكرة رايت ميلز حول السلطة ككل؛ وسأوُضّح السبب لاحقًا.

الفصل الأول من الكتاب اسمه: The Higher Circles. الدوائر العليا، خلاصة فكرته تدور حول كون السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية تتمركز غالبًا في ثلاث حلقات لا تخرج عنها هي: القوة العسكرية – الشركات الخاصة- النخبة السياسية (الدائرة الثانية هي الأقوى بزعمه)، ويوضّح ميلز حدود  هذا التقسيم أو هذه الدوائر لإظهار كيفية تمكّن هذه الفئات من التحكُّم بأكبر قدر من السلطة مع التشديد على عدم تسلل هذه السلطة لأي دائرة خارجة عن هذه الدوائر بأي حال من الأحوال مهما كان ثمن الحفاظ عليها غاليًا وغير أخلاقي، ومهما كلف من خسائر بشرية واقتصادية؛ مما انتزع من بين يدي الرجل الأمريكي العادي القدرة على اتّخاذ قرار فعلي يسهم في تغيير يراه إيجابي في المجتمع بلا أن تسمح به هذه النخبة، وأسوأ نتيجة لهذا التقسيم للسلطة هو حقيقة أنه بما أن الذين يتّخذون القرار في الدولة هم من نفس الدوائر ويتشاركون في نفس التوجُّهات السياسية والاقتصادية؛ فهذا يعني أن القرارات سوف تكون من نفس النوع ونفس المصادر؛ مما يطرح سؤال: في ظل نظام ديموقراطي ظاهريًّا؛ لماذا يتم التمويه للشعب بأن بإمكانهم اختيار من يمثّلهم إذا كان النظام في الحقيقة لن يمثّل إلا نفسه؟

ويؤكد ميلز في الفصل الأول أيضًا أن مفهوم الدوائر المتداخلة هذا يتجلى موضوح فاضح في كل أزمة في المجتمع الرأسمالي الحديث؛ في الركود والحرب والازدهار؛ في كل منها أصحاب القرار خلقوا فهمًا واضحًا لا يدع مجالًا للشك للتداخل والترابط بين المؤسسات الرئيسية الآمرة.

نخلص هنا إلى أن النخبة عند ميلز هي نتاج أو ثمرة للطابع المؤسسي التنظيمي الهرمي (البيروقراطي) الذي يسيطر بإحكام على المجتمع الحديث، ومن ثم فإن القوة إذًا في المجتمع الحديث تميل إلى اتخاذ طابع مؤسسي عام، ويؤدي ذلك إلى ظهور منظمات تحتل أهمية أساسية في المجتمع، وهذه المؤسسات تكوّن سويةً الأشكال الأساسية للقيادة في البناء الاجتماعي.

بحسب ميلز؛ السلطة لا تتركز في رجل، ولا تتركّز في شخص الرجل الثري. الشهرة ليست متأصلة في شخصية محددة؛ ليتم الاحتفاء بك، لتكون غنيًّا، لتمتلك سلطة؛ يتطلّب هذا بأن تكون على صلة بالمؤسسات الكبرى.

في الفصل التاسع  THE MILITARY ASCENDANCY “تصاعد/سيطرة العسكرية”؛ ذكر ميلز حقيقة مهمة جدًا؛ هي أن الحرب في وقت سابق كان يُنظر لها كشأن يخص الجنود، والعلاقات الدولية كانت من اهتمامات الدبلوماسيين؛ أما الآن فقد أصبحت الحروب مسألة شبه دائمة وحالة عامة. النشاط الذي كان يُعتبر لعبة الملوك أصبح إلزاميًّا وحتميًّا على عامة الناس كشأن عام، ويشير ميلز إلى أن هذا التغيير رافقه تغيير آخر؛ هو أن ذلك الشكل والشعور القديم من التشريف للدبلوماسيين واعتبار الدبلوماسية شرف يُمنح بين الأمم قد تصاغر؛ السلام لم يعد مسألة جادة لنناقشها؛ الحرب هي الموضوع الجاد الآن.

من وجهة نظر ميلز؛ تصاعد الدولة العسكرية يخدم مصالح النخبة في المجتمعات الصناعية. للنخبة السياسية؛ إسقاط القوة العسكرية هو بمثابة غطاءوتمويه لإخفاء عدم وجود رؤية وقيادة حقيقية. وبالنسبة للنخبة الاقتصادية (الشركات الخاصة)؛ الاستعدادات للحرب و إسقاط القوة العسكرية تؤمن أبحاثهم وخططهم للتطوير بالإضافة لتوفيرها أرباح مستقرة من خلال دعم الشركات.

الفصل الثاني عشر والذي سمي باسمه هذا الكتاب: “The Power Elite”؛ بدأه ميلز بفكرة أنه بغض النظر عن الحرب الأهلية الفاشلة؛ التغيرات في نظام السلطة في الولايات المتّحدة لم تتضمن أي تحديات حقيقية لقوانينها الأساسية، حتى عندما كانت بعض الحركات حاسمة بما يكفي لتُسمّى ثورات؛ هي لم تشمل “اللجوء لأسلحة السفن، تشتيت مجموعة منتخبة بالسكاكين، أو أي من ميكانيزمات الدولة البوليسية!”

يلفت ميلز النظر في هذا الفصل أيضًا إلى حقيقة أننا ندرس التاريخ لنُخلِّض أنفسنا منه، وتاريخ النخبة الحاكمة هو مثال تتضح فيه صحة هذا المبدأ. ومثله وتيرة الحياة الأمريكية بشكل عام، وعلى المدى البعيد اتجاهات بناء أو هيكلة السلطة وتقسيمها في المجتمع تتغير بشكل متسارع منذ الحرب العالمية الثانية، وبعض الاتجاهات الجديدة داخل وبين المؤسسات المهيمنة قد أسهمت في تجلي شكل النخبة الحاكمة وإعطاء المعنى التاريخي لها. (تحديدًا  للحقبة الخامسة أو الجيل الخامس من النخبة):

  • المعنى الأساسي للنخبة اليوم (1950’s) يكمن في جانبها السياسي؛ مشكلة هذا المعنى هو تراجع السياسة كموضوع عام وحقيقي يوفّر بدائل من جهات ذات مسؤولية وطنية متماسكة سياسيا ومن منظمات مستقلة تربط المستويات الدنيا والمتوسطة من السلطة بمستويات أعلى من صنع القرار. أمريكا الآن دولة ديمقراطية سياسيًا رسميا أكثر من كونها بناء اجتماعي ديمقراطي ، وحتى وسائلها السياسية الرسمية ضعيفة.

  • المعنى الأساسي للنخبة اليوم قد يكمن أيضًا في اتساع الدولة العسكرية؛ وهذا يتضّح في تصاعد سيطرة الجيش. لوردات الحرب كسبوا أهمية سياسية حاسمة ، والهيكل العسكري لأمريكا هو الآن حجر أساسي من البناء السياسي لها .

  • ظهور رجال الأعمال والحكومة على مدار فترة طويلة كشيء شديد الارتباط والتداخل خلق مرحلة –الحقبة النخبوية الخامسة- اتضح فيها أن الاقصتاد والدولة أصبحا شيئين لا يمكن النظر لهما كعالمين منفصلين، ومن حيث الأجهزة التنفيذية للدولة؛ صار هذا التقارب  على نحو أكثر حسمًا وقطعية.

بعد التطرق للاتجاهات السابقة ينتهي رايت ميلز إلى أنه النخب الحاكمة الثلاثة “الدولة والجيش والشركات الخاصة” كثيرًا ما يدخل بينها التوتُّر أيضًا؛ فهي في حقيقتها ليست وِحدة واحدة إلا في وقت الأزمات أو حين تتّفق مصالحها؛ وضرب مثالًا في فترة السلم في القرن التاسع عشر؛ حيث لم يكن هناك وجود لأفراد جيش والقوات العسكرية أو حتى لرجال الاقتصاد في مجالس الدولة العليا والمديريات السياسية؛ في الثلاثينات كان الرجل السياسي هو الذي يهيمن على الرجلين الآخرين (الاقتصادي – العسكري)؛ أما الآن فقد انعكس الحال.

شخصيًّا؛ استفدت كثيرًا من قراءة كتاب “رايت ميلز”؛ خصوصًا وأنني قرأته فورًا بعد قراءة كتابه “الخيال السيسيولوجي” أو “الخيال العلمي الاجتماعي”؛ فالخيال السيسيولوجي مهارة مفتاحية وأساسية لفهم مبحث كالصفوة الحاكمة أو نخبة السلطة من منظور تاريخي، برأيي؛ بالغ رايت ميلز في إظهار توجهاته وميوله في بعض المقاطع من الكتاب التي يفترض أن تكون معلومات تاريخية أو حقائق لا آراء، رايت ميلز تبنى فكرة ماكس فيبر القائلة بأن التصنيع يضاعف الترشيد أو يسهم في تحقيق مجتمع رشيد؛ غير أن هذا الرشد بالنسبة إلى ميلز سلبي أكثر من كونه إيجابي؛ بالنسبة للغة؛ فمن قرأ “الخيال السيسيولوجي” سيجد فرقًا كبيرًا في لغة الكاتب بينه وبين “نخبة السلطة”؛ أتفّهم أن الكتاب الأول مهارة عامة والثاني بحث تاريخي نظري مما قد يحتم بعض الاختلاف؛ لكن الكتاب الأول يبقى أكثر سلاسة في تراكيبه وإن كانت لغة ميلز ليست صعبة في الحالتين؛ ومما أزعجني في الكتاب إعادة دورانه حول بعض النقاط بصورة متكررة حتى أنني حفظتها –بلا مبالغة-.

ذكرت مسبقًا أن الفصول التي تتوسط الكتاب هي أثقلها، وأنني استفدت أكثر شخصيًا أثناء قراءة الفصول الأولى والأخيرة؛ أعتقد الذي أعطى الفصول المتوسطة (4-5-6-7-8) هذا الطابع الذي وجدته ثقيلًا؛ هو كونها تعطي نظرة متعمقة مصاغة بسرد تاريخي متسلسل حول نشأة النخبة الحاكمة ونشأة الطبقات العليا في أمريكا بواسطة تحليل صلات القرابة بين أفراد وعوائل هذه الطبقات العليا؛ والتنقُّل بين التحليل الكمي والكيفي بلا سلاسة ومقدّمات وبلا خطة واضحة للبحث وتصنيف لنتائجه؛ وقد حصل على هذه البيانات من السجلات العامة أحيانًا ومن المقابلات المتعمقة أحيانًا. وأخيرًا:  بعض الجوانب في الكتاب على كل حال قد تتفاوت في مدى تناسبها مع واقع اليوم مثل تأثير الكنيسة في الواقع الأمريكي؛ لكنه على أي حال عمل كلاسيكي وينطبق عليه ما ينطبق على هذه الأعمال: جاء يُعنى بمشاكل مرحلة ما؛ لكنه قطعة مهمة وجميلة يمكن الرجوع لها في أي وقت آخر.

 


المراجع:

Mills, C.W,  (1958). The structure of power in American society. The British Journal of Sociology, 9(1), pp.29-41.

Mills, C.W, (1999). The power elite. Oxford University Press.

Pareto, V., (1920).The rise and fall of the elites: an application of theoretical sociology. Transaction Publishers.

فريق قاموس المعاني . (2010-2016) ن خ ب. متوفر على الرابط:

http://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/. آخر زيارة: 27 فبراير 2016