المقدمة الرئيسية لكتاب (مفهوم الطب النفسي) ناصر قائمي / ترجمة: يوسف الصمعان

المقدمة الرئيسية لكتاب (مفهوم الطب النفسي) ناصر قائمي / ترجمة: يوسف الصمعان

 

41lxtJXZwhL._SX327_BO1,204,203,200_

غلاف الكتاب


 

مقدّمة للطبعة الأولى:

 

يُحدّثُنا سيمور كيتي ذات مرّة عن حكاية مثليّة تُلخّصُ الكثير ممّا أرمي أن أقوم به في هذا الكتاب. كان كيتي باحثًا في مبحث الطب النّفسي ذي التّوجّه البيولوجي، والمدير العلمي الأول للمعهد الوطني للصحة العقليّة، ورائدًا في إرساء البحث في علم الجينات، وخاصّة مرض الفصام في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وفي عام 1960  نادى  كيتي إلى إبراز حدود كل المقاربات في الطب العقلي سواءً كان بيولوجيًّا أو لا. وروايته والتي أطلق عليها اسم “الطبيعة الحقة للكتاب” والأسطر التالية تنشد

4ca496c0-f021-43a4-ac17-911104ac13a3

سيمور كيتي

الاستمرار على منظور كيتي:

“فلنتخيّل مجموعة بشريّة بسكان ذوي ذكاء مميّز وجدّ متحضّرين باستثناء أنّهم لم يروا كتابًا البتّة، واخترعوا وسائل أخرى لانتقال المعرفة. ذات يوم ظهر وسطهم مليون كتاب، الحدث الذي حرّك الكثير من الفضول والذعر، وهو ما دفعهم إلى أخذ قرار بإرساء معهد علمي لدراستها. فأسّسوا هذا المعهد بأنظمة وضبطوا سياسة تعني بأنّ كل عالم يستطيع أن يطيّع هذه المواد تحت مجهر البحث فقط بالأدوات والتّقنيّات والمفاهيم التّابعة لنظامه.

 

unnamed (13)

 إنّ أوّل مخبر يُرجى إعداده هو مخبر التّشريح. فهناك يدرس العمّال هذه المواد الغريبة لوقت من الزّمن ويستخلصون النّتيجة التّالية: ” تعدّ العيّنة كتلة معدن مستطيلة الشّكل مغطاة باطنيًّا وظاهريًّا بصفائح رقيقة خشنة وليفيّة وملفوفة، يقارب سمكها ثلاثة ملّيمتر، وتكمن بين هذه الصفائح المئات من الصفائح البيضاء يناهز سمكها جزء ملّيمتر، كلّها مثبتة عند نهاية وتتحرّك باتّجاه النّهاية الأخرى. وبفحص أدقّ، تتضمّن عددًا كبيرًا من العلامات السّوداء السطحيّة منظّمة في مجموعات خطيّة بكيفيّة جدّ معقّدة”.

 

 بعد هذا يأتي دور الكيميائين _

bbe5d346-2aa8-44d6-9099-4b2690a613a2

على السّطح. فيصقل الكيميائي الأوّل العيّنة ليتمكّن منها ويستيقن أنها  تخضع لقانون الحفظ وبالتّالي مسيطر عيها لإجراءاته وزملائه. وحينما يأتي الكيميائي المحلّل الذي يكشف أولا   تركيبة العناصر البدائية، ثم يصنفها إلى مركّبات بعينها يسهل تبيانها.. كما أنه لايغفل  ماقد يعلق من  الكربون الجزئي والتي من الممكن أن تكون مُلوّثات

ثمّ يأتي دور الكيميائيين البيولوجيين الذين يشرّحون الكتاب ويهرّمونه، والأفضل من هذا كلّه يُجانسونه … ولكن لهؤلاء الكيميائيين شعور غير مريح بأنه بالرغم من أهمية ما يقومون به ستأتي الأجوبة الحقيقية من الزميل عند آخر البهو الذي يأتي للتوّ ولا يزال يلمّع معدّاته الغالية والباهظة unnamed (10)الثمن، إنّه عالم بيولوجيا الجُزيئات.

 إنّه قلق بشأن بداية العمل على الكتاب الذي اختاره بثقة تأتي من تزلّف العلوم الأقل أهمية، لأنّ أحدهم أخبره بأنّه متحيّز ومُحرّف. بما أنّه علّق علامة فوق بابه كُتب عليها “لا كتاب مطويًا دون جزيئي مُلولب”، يتابع هذا المتخصّص بحثه عن الجزيئي. وبعملية استخراج متكرّرة ونبوذ ونبوذ حاد والتّكهرُب والتفاعل الكيميائي في الماء وإعادة التبلمر، يعزل مادّة من النوع الخام خاليةً من جُسيمات الكربون والأفضل من ذلك جُزيئًا ضخمًا وجزيئًا مُلولبًا في السلولوز.

 وفي الوقت نفسه، يشرع الفيسيولوجيون في دراسة هذا الموضوع. وخلافًا للكيميائيين البيولوجيين، قام علماء الفسيولوجيا بقراءة تقرير علماء التّشريح وباشروا الدراسة والتّأمّل في السّبب والكيفيّة اللّذين جعلا الصفحات مربوطة الواحدة فوق الأخرى. إنّهم يدرسون حركة الصفحات وهم يتصفّحون الكتاب ويستنتجون معادلات معقّدة ليصفُوه. وبعدها يكتشف الفيزيائي البيولوجي أن راسبات الغرافيت في فضاء الشّحنات الكهربائية الثابتة تخلق تقطّعات بالأساس. تتطوّر الأقطاب الكهربائية الدقيقة وذات الحجم الصغير لتلتقطها وتتطوّر المضخّمات وأجهزة الذبذبات لتعرضها. كما تُظهر آلاف الرسومات لهذه الإشارات البعض منها قابلًا لإعادة الإنتاج ولكنّها غير مفهومة. يُسجّلُ النموذج في الحواسيب حيث يمكن أن تُولّد آلاف الفرضيات وتختبرها في دقيقة وأخيرًا، تبدأ الآلة الكاتبة في استخراج الصور الفوتوغرافية. فيُعثرُ على المعنى في ذلك النموذج المعقّد وهو”ال”.

وعند هذه اللحظة يُفسح المجالُ لأخصائي السلوك لدخول المعهد ويبدؤون في دراسة المشكل. إنّهم جماعة غريبة الأطوار. فقد قام البعض منهم بقراءة تقارير علماء التشريح والكيميائيين والفيسيولوجيين، بيد أنّ الكثير منهم لا يُبدون اهتمامًا لذلك. سيعترف الأغلبية، إذا دفعهم الأمر، بأنّ الكتاب هو مادّة بالأساس وأنّه يرضخ لقوانين مادية وأنّه ومحتوياته لا تعدو أن تكون شيئًا أكثر من كونه ترتيبًا في غاية التّخصّص لمواد كيميائية. ولكنّ لا يشرحون الكتاب ولا يقومون بتنقية مكوّناته الكيميائية. وفي واقع الأمر، يبدو أنّهم يشعرون بأنّه من الخطأ أن يقوموا بذلك. وبدلًا من ذلك، يطرحون الأسئلة المتعلّقة بميادين تخصّصهم ويبحثون في الكتاب عن الأجوبة. فيفضّلُ أوّلهم العدّ، إذ يحسب عدد الحروف في الكلمات وينتهي بتواتر توزيع الكلمات حسب طُولها. هذا ويجدُ الكلمات المُتكوّنة من أربعة حروف الكفّة الرّاجحة. يتعلّم زملاؤه القدر الكبير حول أصناف الكتب، كيف تختلف عن بعضها البعض وما هي تأثيراتُها على المجموعة البشرية. وبالرغم من أنّ العالم المتخصّص في السلوك قد تعلّم الكثير عن طبيعة الكتب، تترنّح تقنياته في وضعية الكتاب الواحد وخصائصه وقدرته هو على تقدير توقّعات حول هذا الكتاب يمكن بشكل كبير الاعتماد عليها. إذن يكون من الضروري أن نتعلّم شيئًا ما حول كتاب واحد بعينه، ثمّة حاجة إلى التقنية التي يمكن أن تقرأه بأكمله. لم تظهر هكذا تقنية بعد، غير أنّ تقدُّمًا معيّنًا قد أُحرز في تطويرها، وأخيرًا  يُحمل الكتاب في محاولة يائسة إلى المحلّل النفسي على أمل أن يتمكّن من قراءته. لم يفعل ذلك بشكل دقيق ولكن طلب من المؤلّف أن يختار أجزاء منه ويقرأها وهو يستمع إليه. إنّ الكاتب بالطبع متحيّز ويقرأ ما يريد قراءته، إن ثمّة “تحويل جيّد” لتلك المقاطع التي يعتقد أنّ المُحلّل يريد الاستماع إليها. إضافة إلى ذاك لا يستمتع المُحلل دائمًا بإدراك محكم، ولكنّه بناءً على مفاهيمه التي تلقّاها بالجامعة أو الكامنة في مُخيّلته، لا يعير اهتمامًا إلى أجزاء من المعلومات.  ومع هذا كلّه، قد يكون هذا الخليط الطريف والمتحيّز، المقاربة الأقربُ لدينا إلى خزينة المعلومات الثرية التي لا تنضب والتي تستقرُّ في الذهن البشري وتُحدّد إلى حدّ كبير سلوك الإنسان.”

يمكن أن تُقرأ هذه الحكاية من زوايا مختلفة. كان كيتي يُحاولُ أن يُقنع زُملاءه من البيولوجيين والمُحلّلين النفسيين بأنّهم يجب عليهم أن يكونوا متواضعين ومنفتحين. إنّها رسالة مهمّة ولكن علاوة على ذلك، بدا أنّه يضفي على حكايته معنًى كأنّه درس ذو وجه تعدُّدي.

إنّ عنوان المقال الذي ينضوي تحته سرد حكايته هو:” إنّ حقول المعرفة العديدة تساهم في فهم السلوك البشري كلّ منها بمزايا وحدود مميّزة”. وهو التعريف الجيّد للفظ “التعدُّدية”. يعدُّ كلام كيتي الخاص كما يلي: “كنتُ أريد ببساطة أن أشير بأنّنا لا نصير دائمًا الأقرب إلى الحقيقة بما أنّنا نُهرّم ونُجنّس ونعزل. إنّ ما نظفر به بالدّقّة والسيطرة الصارمة للمُتغيّرات نخسره أحيانًا في العلاقة بالوظيفة العادية، وأنّ في حالة وُجود أمراض أو مشكلات معيّنة، فإنّ العملية الأساسية في الغالب قد تُفتقد في عملية القطع”.

ولكن هذه ليست حكاية بسيطة عن حدود العلم والبيولوجيا وعن الحاجة إلى الانشغال قلبًا وقالبًا في عقيدة التحليل النفسي أو أيّ شكل من أشكال العقيدة السيكو- اجتماعية (كذلك النموذج البيو- سيكو- اجتماعي). لا أعني بالتّعدُدية شيئًا بسيطًا وغير مثير للجدل. في حقيقة الأمر، تمثّل التعدّدية في مبحث الطب النفسي مهمّة صعبة ومُكلفة. سيجد فيها العديد من القٌرّاء شيئًا مُنفّرًا. كما لا أعني كذلك أنّها مجرّد قبول بآراء مختلفة. إنّه الخطأ الانتقائي الذي يمثّل حقيقةً الوضع الراهن في ميدان الطب النفسي. أشعر وأنّ الخلط الانتقائي هو العائق أمام التّقدم أكثر فأكثر. وكتبتُ هذا الكتاب في جُزء منه لأميط اللثام عن هذا المشكل. وتجدر الإشارة، تعدُّ الحكاية الرمزية لكيتي حكاية ذات منظور تعدُّدي التي ترمي إلى الإطاحة بـ”الانتقائية” والدغمائية.

لم يكن بالإمكان أن يطرق كتاب كيتي من قبل مقاربة واحدة متاحة لقاطني هذا الكوكب حيث ظهر هذا الكتاب. حتّى أروع المقاربات البيولوجية وأحسن مُقاربات التحليل النفسي فشلت في فكّ شفرة هذا الكتاب. ولكن الجواب هو مجرّد القول بأنّ كلّ المُقاربات لها القيمة نفسها. كما في الخطأ الانتقائي، ثمّة جوابان. فيعدُّ الجواب الأوّل المحاولة لإيجاد طريقة واحدة التي من شأنها أن تسمح لك بحلّ المشكل. إنّ الإجابة بسيطة على مُستوى واحد: اقرأ الكتاب، لا تُقسّمه إلى مكوّناته البيوكيميائية. لا تخضعه تحت مقاربة التحليل النفسي؛ قُم بقراءته. وهذا لا يعني أنّ التحليل البيوكيميائي أو مقاربات التحليل النفسي في مقامات أخرى قد لا تكون أفضل الطّرق للاستعمال. في هذا المقام، نحتاج إلى إيجاد الطريقة المثلى لتناول هذا المشكل. نحتاج ببساطة أن نقرأ الكتاب. فإيجاد المنهج الصحيح للمشكل الصريح هو المهمة الصعبة ومطلب التّعدّدية. إنّ هذا المظهر للتّعدُّدية، التعريف الثاني لها، مختلف عن التعريف الأوّل لكيتي. لا يمكن للمرء أن يزعم بأنّ المشكل عويص عن الحلّ. فكثيرًا ما يكون منهج واحد كفيلًا بحلّ المُشكل. وإذا ما برهن منهج واحد بأنّه أعلى قيمة من المناهج الأخرى، يكون آنذاك المنهج المُفضّل. لم تُخلق المناهج مُتساويةً. فهدف الخطأ الانتقائي هو جعل وهم المُساواة أمرًا ثابتًا مُسبقاً، وبعدها تطبيق منهج ما بكل جوانبه بشكل غير حذر.

ومع ذلك قد يكون الجواب الأوّل غير متاح. فقد يكون قابلًا للبرهنة تجريبيًّا بأّنّ منهجًا وحده يحلُّ المشكل، كما في حكاية كيتي الرّمزية. وعلى هذا النّحو ضبط كيتي حكايته. فأخبرنا قائلًا: “إذا ما سلّمنا بأنّه من المهمّ أن نتعلّم شيئًا عن كتاب بعينه، فثمّة حينئذٍ الحاجة إلى التقنية التي تستطيع أن تقرأه بأكمله. لم تظهر هكذا تقنية بعدُ “. وفي ذلك الوضع، بالرغم من أنّ كلّ مجهود هو في حاجة بأن يُبذل ليتواصل عمل اختراع مثل هذه التقنية، يبقى التعريف الثاني للتعدّدية الأصلح: “ستبرزُ الصورة الأصح للجهاز العصبي وللسلوك فقط من خلال دراستها عن طريق عدد من الأنظمة والتقنيات، كلّ منها بمزاياه وبحدوده الخاصّة به “. (كيتي 1960). هذه هي التّعدّدية كما فهمها كارل ياسبرز والمفكّرون المنتمون إلى الفترة الحديثة، وهي التي سأقدّمُ تفسيرًا لها في هذا الكتاب. ومع ذلك فهذه ليست انتقائية النموذج البيو- سيكو اجتماعي، الذي يخلط بين المناهج والتقنيات والنظم، وليس على دراية بشكل كبير بنقاط  قوّة وضعف العديد منها، وهو كذلك عُرضةً بشكل عالٍ لانحيازات الأشخاص الذين يعترفون بإخلاصهم للانتقائية. فعندما لا تعمل تقنية واحدة بشكل جيّد بما فيه الكفاية، تعني التّعدّدية التعرّف على التقنيات التي تعمل بشكل أفضل، عارفين بحدودها، ودارسين التقنيات الأخرى التي قد تُثبتُ عملها بطريقة أفضل. وفي الوقت ذاته ، قد تُفرز التقنيات المُتعدّدة المُنبثقة عن المقاربات العديدة صورةً شاملةً وأفضل للمُشكل قيد الدراسة. لهذا يجب أن تُطبّق كلّ تقنية على حدة وبانتباه، لا بمزجها مع بقية التقنيات ولكنْ دائمًا بإدراك حُدودها.

أوقف أغلب أخصّائيّي الطب السريري والميادين ذات العلاقة، التعامل بالدّغمائية نظريًّا، وهي العقيدة القائمة على أنّ طريقة واحدة كافية لجميع المشكلات. إنّهم يعترفون بالانتقائية والتي تعدُّ مفهومًا عامًّا يقرّ بأنّ كلّ المناهج تحتاج بأن تُستعمل، وفي الوقت ذاته مُنصهرةً مع بعضها البعض على المستوى التطبيقي. هذا ومُعظم أخصّائيّي الطب السريري لا يزالون دُغمائيين. إنّه أسوأ في بعض الحالات من الوضع السابق لانّهم لا يعترفون بعد الآن بكونهم دغمائيين. تسعى التّعدّدية إلى اجتثاث الدّغمائية من جُذورها تطبيقيًّا ونظريًّا، بينما تفسحُ المجال لنجاعة المنهج الواحد لبعضٍ، لا لكلّ المُشكلات. فالتعدّدية مُقاربة مُعقّدة وصعبة لفهم العقل والمرض العقلي. لم يتدبّر أخصّائيو الطب السريري أغلبهم هذه المُقاربة ولم يفهموها البتّة. وتُذكّرُنا حكاية كيتي المثليّة كيف أنّه من المهمّ أن نتقدّم في فهم التعدّدية في علاقتها بالسلوك البشري.

يتمثّل هدفي في توفير سياق لهذه القضايا في فهمنا للطب النفسي والمرض العقلي، إضافة إلى المحاولة لرسم معالم مُستقبل لا دغمائي ولا انتقائي لأجلنا جميعًا.

بالرغم من أنّني سأستعمل لفظ “فلسفة” في هذا الكتاب، فإنّي آملُ بأن لا يُربكَ القارئ. دعُوني أفسّر لهؤلاء ذوي الحساسية لهذا المُصطلح ما أعنيه بالفلسفة. لا أعني بها نُظم الفكر الميتافيزيقية التي تستوجب الكثير من القراءة والتي تُخلّف الكثير من آلام الرأس، فيشعر المرء بظلال سقراط تُطاردُنا بالمُحاورات، وبأحلام العقل لأفلاطون، وبخطابات سقراط المُطوّلة، دون ذكر التّأمُّلات المكلفة لكانط وهيغل والبقية. فعلى القارئ أن يتّبع قراءته. بالرغم من أنه قد يقعُ بصرُه على هذه الأسماء في هذا الكتاب، فلن يُلازمها. وعليه، الفلسفة التي أستعملُها هنا هي ليست من هذا النوع أساسًا.

أعني ببساطة بالفلسفة كونها التفكير باجتهاد بالغ. أعني بما قصدهُ وليام جيمس عندما قال بأنّ الفلسفة تتضمّن “جُهدًا عسيرًا غير اعتيادي للتفكير بوُضوح “(اقتُبس من كتاب لويس 1967). في حقيقة الأمر، لا يُدرك العديد من الناس غير الفلاسفة كم هو بعيد مأتى الفلاسفة المُعاصرين من زمان الميتافيزيقا القديمة. من الممكن أن تنقسم الفلسفة الأكاديمية الحالية إلى فريقين رئيسين اثنين. فالفريق الأوّل والذي أطلق عليه اسم التحليلي هو السّائد في البلدان الأنغلو أمريكية. ومن مفكّريه الرّئيسين نجد بورتلاند روسّل وو.ف.أكوين. يُعارض الفلاسفة المُحلّلون بشدّة النظم الميتافيزيقية الكلاسيكية في الفلسفة. إنّ في نظرهم المُهمّة الرّئيسة للفلسفة هي توضيح ما نقصدُه حينما نستعمل كلمات مُعيّنة، سواء في الكلام العام أو في مُحاجّة فلسفية مُعقّدة. وأكثر من ذلك كُلّه، يُركّز الفلاسفة المُحلّلون على أهميّة الشكل المنطقي للحُجّة وليس مُجرّد محتواها، (يعتبرون أنّ المنطق أكثر أهميّة من المضمون لأنّه إذا كان انسياب الفكرة غير منطقي، يُصبح عندها المضمون غير متّصل بالفكرة). وبالتالي، ركّز مُعظم عمل الفلسفة التحليلية على دراسات المنطق (في الغالب رياضية) واللّغة. يميل هؤلاء الفلاسفة إلى كونهم جدّ مُتجانسين مع العُلوم الحديثة، ولا تعدُّ هذه المُقاربة للفلسفة على الإطلاق مُتعارضةً أو غير مُتّصلة بالمُقاربة العلمية لأيّ حقل من حقول المعرفة، ومن بينها الطب النفسي.

يُمثّل الفريق الثاني من الفلاسفة اليوم في غالب الأمر المدرسة الفينومونولوجية. يبدو أنّهم السّائدون في أوروبا، خاصّة في فرنسا وألمانيا. ومن بين أشهر زعماء هذه المُقاربة إدموند هوسّرل ومارتين هايدغر وجان بول سارتر. لا يرتكز اهتمام هؤلاء على اللّغة والمنطق بقدر ما يركّزون على تجربة الإنسان كما تُفهم من خلال الحدس والمشاعر. فينزع هذا الفريق إلى الانشغال بالنظريات المُعقّدة التي تُذكّرُنا بالميتافيزيقا التقليدية. ولكن خلافًا لأسلافهم، يرمي هؤلاء الفلاسفة إلى الإطاحة بالعقل والتركيز على الأحاسيس والحدس. إضافة إلى ذلك، تتطابق هذه المُقاربة في مُعظم جوانبها مع مشارب الوُجودية وأنماط الحداثة المُغايرة كما تجهر بالتعارض مع العلم الحديث وتُصرّح بتعاطفها مع الإنسانيات.

تكمُن غالب مجهوداتي في هذا الكتاب في المذهب التحليلي. أركّزُ على منطق ما نقوم به في مبحث الطب النفسي وعلى معنى اللّغة التي نستعملُها. كما أستخدم بعض الأفكار المُشتقّة عن المدرسة الفينومونولوجية بما أنّ هذه المُقاربة تمنح قبسًا مُفيدًا لفهم المرض العقلي والطب النفسي، مُركّزةً على المشاعر والتجربة. ومع ذلك وبقيامي بهذا، لا أزال أُطبّق منهجًا تحليليًّا على تلك الأفكار الفينومونولوجية. وإضافة إلى ذلك، أقوم بفحص منطقها ومعانيها.

وبالتالي، أطلب من هؤلاء الذين يُبدون احتراسهم من الفلسفة أن يتابعوا القراءة، لأنّ كلّ ما أحاول فعله هو أن أنهمك في جهد جهيد للتفكير في شأن العقل والدّماغ والمرض العقلي بشكل واضح. قُمتُ بكتابة هذا الكتاب لأدفع أخصّائيّي الطب النفسي وخبراء الصّحة العقلية للتفكير فيما أقوم به، ولأعين كلّ فرد على الفهم أكثر عمّا يقوم به الأطبّاء النفسيون وأخصّائيو الصّحّة العقلية.

إنّ مُعظم أخصّائيّي الطب السريري هم أناس عمليون فهُم لا يقومون بالتنظير بقدر ما يعيشون في عالم المحسوسات. فهمُّهم هو المريض الفردي بكلّ مُميّزاته الخاصّة به. إنّ أفضل أطبّاء العلاج السريري – خاصّة عندما يُمارسون العلاج النفسي – يجرون الفحص الطّبي بالحدس.

إذا ما سألهم أحد لماذا قالوا شيئًا معيّنًا لمريض في وقت معيّن عند المعالجة، أو لماذا قرّروا أن يفعلوا شيئًا بعينه عند العلاج، فنادرًا ما يستطيع هؤلاء، أخصائيو الطب السريري المميّزون أن يبيّنوا بيانًا واضحًا لما يفعلون ما يقومون به. إنّهم غامضون حتّى لدى طلبتهم الأكثر تقدّمًا في التعلم، وبدرجة أقل لدى مرضاهم أو الرأي العام، لأنهم يعملون أساسًا بالفطرة.

إنّ هذا لجيّد جدًّا، بيد أنّ الفطرة قد تكون على خطأ كما يمكن أن تكون على صواب. في النهاية نريد أن نكون قادرين على التواصل فيما بيننا، بين الزملاء والطّلبة والمرضى وعامة الناس. ما الذي نفكر فيه ونفعله في فهمنا للمرض العقلي ومعالجته ولماذا؟ هذه هي الأسئلة المطروحة من وراء هذا الكتاب.

وبناءَ على هذا كله، إن هدفي الأساسي هو أن أستكشف القاعدة المفهومية لفهم المرض العقلي ومعالجته. بدايةَ، أنشغل بضرب معيّن من التفلسف، ولكن فقط كوسيلة لأوضّح المفاهيم. هذه ليست فلسفة في معناها القائم على المناهج الكبرى أو النظريات، وبما أن هذا الكتاب هو حول المرض العقلي، يتضمن جزء كبير منه من المسائل التطبيقية: العلاج النفسي، علم صناعة الأدوية الخاصة بالمرض النفسي، معالجة المرضى وتشخيص الأمراض. ولكن يعالج هذا الكتاب هذه المسائل التطبيقية من وجهة النظر الخاصة بالكيفية التي نفهمها من خلالها مفهوميًّا. ما الذي نعنيه عندما نقول إن شخصًا لديه تشخيص يتمثل في كذا وكذا؟ ولمَ نقوم بعلاج هذا الشخص بالأدوية وآخر بالعلاج النفسي؟ وما الذي نقصده عندما نصرّح بأنّ نفس أحدهم مصابةٌ في وضعية معينة؟

يعكس هذا الكتاب التعليم الذاتي الخاص بي كطبيب نفساني مهتم كذلك بالفلسفة. إنّها محاولتي لفهم ما أنا بصدد القيام به. أرجو أن يجد كل من الأطباء النفسانيين والفلاسفة أجزاءً منه على الأقل جديرة بالاهتمام.

كما أرجو أيضًا أن يثبت اهتمامًا بالآخرين: المقيمون في الطب النفسي وعلماء النفس ومحترفوالعمل الاجتماعي وطلبتهم، وطلبة الطب والأشخاص المصابون بالأمراض العقلية وعائلاتهم، والعديد منهم الذي أعرف أنهم توّاقون إلى توجيه حول موضوع لا يعد حسب رأيهم أن يكون شيئًا سوى أكاديمي. هذا، وأرجو أن يرى هؤلاء الأشخاص هذا الكتاب كطريقة تنظم تفكيرنا حول العقل وكيف نفهمه ونعالجه.

يتضمن الجزء الأوّل قسمًا من النظرية، حيث يتركّز اهتمامه بصفة مباشرة على التحليل النفسي لمفاهيم الطب النفسي. أبدأ بنقاش النظريات المُتواترة في الطب النفسي والمهام المُتعلّقة بالصّحّة العقلية والتي أصفها بالدُّغمائية، والانتقائية والتّعدّدية والمنزع الاندماجي للمُقاربات. (فصل1). إضافة إلى ذلك، أركّز على أخطاء الانتقائية وعلى أفكار التّعدُّدية والاندماجية. وبعدها أعود إلى حقيقة الطب النفسي: مع أيِّ نوع من الهويّات يتفاعل خبراء الصحّة النفسية  (فصل2)؟ ثمّ أناقش كيف أنّنا نعرف شيئًا حول حقيقة الطب النفسي، كيف لنا أن نعرف شيئًا ما حول عقل أحد ما في حالات المرض العقلي (فصل3)؟ يرمي هذا القسم إلى تقديم منهج علمي يتلاءم مع أوضاع الطب النفسي(فصل4_7). وأخيرًا أضع أخلاقيات مهن الصحّة العقلية تحت المجهر: أيّ نوع من أنواع الأحكام القيمية المُتأصّلة في مُمارستنا(فصل8و9)؟

أمّا الجزء الثاني فهو يُخاطب تطبيق الطب النفسي ومهن الصحّة النفسية ذات العلاقة، مُحاولًا فهم ما نحن بصدد القيام به كأطبّاء مُمارسين. إنّني أمعن النظر في مُفارقات تصنيف الأمراض المتعلّقة بالطب النفسي، (فصل10_13 طبيعة المرض النفسي وإجرائيات التشخيص)، والاضطرابات النفسية (فصل14_17: الكآبة، المسّ، الهوس، التّبصّر)، والعلاج (فصل18_22: فضل العلاج النفسي والفارماكولوجيا النفسية وحدودهما).

وأسعى في الجزء الثالث إلى إيجاز المواضيع التي عُولجت في هذا الكتاب. هذا، وأعيد دراسة نقاط ضعف الانتقائية ثانيةً، وأقترح الكيفية التي بها يُمكن أن نفهم بشكل أفضل تشخيص الأمراض ا النفية ومُعالجتها بطريقة تعدّدية.

وما يمكنني إلّا أن أرجّع صدى كارل جاسبرز في أمانيّ، من أجل الطريقة التي قد يفهم بها القرّاء هذا الكتاب:

 

6e348fd3-3222-42a8-a302-d950cb4d5fd5

أريد من كتابي أن يُعطي القارئ تعلمًا واسع النطاق في مبحث الاضطرابات التي تصيب عقل الإنسان. إنّه لمن الأيسر أن يتعلّم الوصفات الطبّية والمُصطلحات التّقنية وليمتلك الإجابة عن كلّ شيء. إنّ على الموقف المُثقّف أن ينمُوَ ببطء من فهم الحدود (حدود المباحث الأخرى) من داخل المعرفة المميّزة جدًّا. إنّها تكمن في القدرة على التفكير بصفة موضوعية في أي ّاتّجاه. فالموقف المُثقّف في مبحث الطب النفسي يعتمد على تجربتنا وعلى استعمالنا المتواصل لقُوّة مُلاحظتنا- ولا يمكن لكتاب أن يمُدّنا بذلك-ولكن يعتمد كذلك على وضوح المفاهيم التي نستعملها على درجة اتّساع وحدّة فهمنا، وهذه الأخيرة هي التي أرجو أن يُعزّزها كتابي هذا. ({1913} 1997, 50)}.  

error: المحتوى محمي