المذهب العقلي والمذهب التجريبي وجها لوجه – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: مشرف بك أشرف

  المذهب العقلي والمذهب التجريبي وجها لوجه – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: مشرف بك أشرف

حول المذهب العقلي والتجريبي وجها لوجه، وحول الحدس والاستنباط،نظرية المعرفة الفطرية ونظرية الأفكار الفطرية؛ نص مترجم للـد. بيتر ماركي والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة. نسخة PDF


السجال بين المذهبين العقلي والتجربي  يدور حول دور التجربة في المعرفة وأمد تعويلنا عليها للمعرفة. فأصحاب المذهب العقلي يرون أن معنا طرقا مرموقة، نسلكها لزيادة رصيدنا المعرفي وهي نائية عن التجربة، ومعالجة الحواس، وأصحاب المذهب التجربي  في الجانب المعاكس يقولون بأن الحواس منها تبدأ المعرفة، وإليها تعود، وهي المنهل الذي تتدفق منه جميع معارفنا وأفكارنا.

المفكرون الذي يذهبون المذهب العقلي يشيدون صرحه على أمرين:

۱: الأول أن من معارفنا وأفكارنا ما يطفح به كيل الحواس، ولايسعه وعاؤنا المعرفي الحسي. فيستدلون بهذا النوع الخاص من المعارف والأفكار على مذهبهم.

۲: الثاني أنهم يصوغون تفسيرات، تكشف اللثام عن وجوه إنجاب العقل وحده لهذه المعارف والأفكار المتعلقة بالعالم الخارجي.

وأما الذين يميلون إلى المذهب التجربي  فيعادلون الأمرين بأمرين من عند أنفسهم، يحاولون بهما تقويض خيام المذهب العقلي وضرب خيام مذهبهم هم:

۱: الأول أنهم يقدمون توجيهات، يبدون بها أن ما يستدل به أصحاب المذهب العقلي من المعارف والأفكار ويزعمون على أساسه أن سبيله سبيل العقل وحده، إما أنه ولد هو أيضا من رحم التجربة وإما أنا لانعرفه حقا، وإنما نهم فيه وهما (فإن التجربيين أحيانا يلوذون بالنزعة الشكية إذا لم يجدوا تفسيرا تجربيا لمعرفة، ويقرضون بها ما عساهم أن يلزمهم لتفسير تلك المعرفة من النزوع إلى المذهب العقلي، ويقولون: إذا كانت فكرة أو معرفة لم تزودنا بها التجربة، فلانعرفها معرفة).

۲: الثاني أن التجربيين يعملون معول النقد على أسس التفسيرات التي صاغها أصحاب المذهب الأول للكشف عن وجوه إنجاب العقل وحده للمعارف والأفكار.

أ مدخل

ا المذهب العقلي

۲ المذهب التجربي

ب نظرية الحدس والاستنباط

ج نظرية المعرفة الفطرية

د نظرية الأفكار الفطرية

ه قائمة المراجع

۱ الأعمال الممقتبس منها أو المعزو إليها

۲ الأعمال الأخرى المتعلقة


أ مدخل:

هذا السجال الدائر بين المذهبين حلبته “علم المعرفة” وهو فرع من دوحة الفلسفة، يعنى بدراسة طبيعة المعرفة، ومصادرها ومناهجها وحدودها. وإن الأسئلة التي تحدد تخوم هذا الفرع كما يلي:

۱: ما طبيعة القضية، أي معرفتنا التي تحمل الحكم بالصدق أو ما يسمى بالعلم التصديقي؟

نحن إذا عرفنا القضية، فهذا لايتم إلا عن صدقها في الواقع، ولايتأتى إلا بعدما أيقنا بها إيقانا. ولكن لاينتهي الأمر هنا، فإنا نحتاج إلى شيء آخر، يميز العلم عن التخمين الصائب بصدفة، ولنسم ذلك الشيء الآخر “بالضمان”. لقد صرفت جهود فلسفية جبارة لدراسة “الضمان” والتنقيب عن جوهره وطبيعته.

۲: ما المناهج التي ننتهجها للحصول على المعرفة؟

يستطيع المرء أن يصادف في عالمه العقدي حقيقة ثابتة، ويكوّن رأيا، هو في حقيقة الأمر صحيح، ولكن إن أردنا أن نعرف معرفة مضمونة، فالأمر ليس سهلا هذه السهولة. هذا ومعرفتنا للعالم الخارجي تتلو تفكيرنا فيه، ولكن من المعقد الملتوي الوصول إلى الأفكار التي تأطر نظرتنا إلى العالم، أو نستطيع أن نسأل ونقول: وهل من ضمان لنا بأن صورة العالم التي صورناها في هذا الإطار العقلي تحذو العالم وتطابقه في الحقيقة ونفس الأمر؟

۳: ما حدود معرفتنا؟

إن من مناحي العالم الخارجي ما ندخل فيه مفكرين، وهو ينبو عن الأمر الباتّ اليقين فيه؛ لأنه حمالة أوجه، ومجال لعدة تفسيرات، فلا نستطيع أن نعرف الصواب منها من غيره. ثم إن منها ما لانستطيع أن ندخل فيه تفكيرا أصلا، فليس في متناولنا أن نأتي له بتفسير معقول مقبول، بله أن نصيب كبد الحقيقة في أمره.

هذا والسجال بين المذهبين يدور أصالة حول فلك السؤال الثاني من الأسئلة الثلاثة أي حول مصادر المعرفة ومناهجها، وتبعا حول السؤالين الآخرين، فإن مواقفهما المتضاربة من السؤال الثاني أحيانا تفضي بهما إلى اختلاف فيما يمت إلى السؤالين الآخرين بصلة، من مثل طبيعة “الضمان” وحدود تفكيرنا ومعرفتنا. فنحن نحصر أفق بحثنا فيما يتصل بالسؤال الثاني من الآراء التجربية والعقلية المتضاربة.

۱ المذهب العقلي:

إن كنت جانحا إلى المذهب العقلي، فلا بد أن تكون صاحب نظرية فما فوقها من النظريات الثلاث.

۱- الأولى نظرية الحدس والاستنباط التي تهتم بالضمان الذي نضمنه لأنفسنا حينما نوقن بقضية، ونحكم بها في مجال معين.

تقول نظرية الحدس والاستنباط: إن القضايا والأحكام التي نحكم بها في مجال معين، منها ما لاسبيل إليه إلا بالحدس، وأما الباقي فيستنتج منه استنتاجا.

الحدس ضرب من الإدراك العقلي المباشر، فالمرء إذا يدرك بعقله قضية أو حكما، فإنه يراه صادقا، فيضمن لنفسه بأن يوقن به إيقانا وأن ما أيقن به هو المطابق لنفس الأمر والواقع. (طبيعة هذه الرؤية العقلية تحتاج إلى توضيح وتفسير، وسنأتيه في الفصل الثاني). أما الاستنتاج فهو استخراج نتيجة من مقدمات حاصلة بالحدس، عبر حجج سليمة، تستلزم صدق النتيجة عن صدق مقدماتها. نحن – مثلا – نحدس أن الثلاثة عدد أولي، وأنه أكبر من الاثنين، فنستنتج من هذا أنه يوجد رقم أولي أكبر من الاثنين. فمجموع الحدس والاستنتاج يوفر لنا من المعلومات ما يحصل بغير التجربة ومعالجة حواس، أي القضايا القبلية.

وتتنوع المجلات التي يرى أصحاب هذه النظرية على اختلافهم أنها أرض خصبة لها. فقضايا الرياضيات على حسب بعض العقليين تعرف بفعل الحدس والاستنتاج، وعلم الأخلاق عند بعضهم منخرط في هذا السلك، ونجد بعضهم يضيفون قضايا ما بعد الطبيعة – من أن الله موجود، وأننا أصحاب اختيار حر، وأن أجسادنا غير أرواحنا جوهرا وأصلا – إلى هذه القائمة. وكلما اتسعت قوصرة العقلية وازداد عدد القضايا المنخرطة إلى سلكها ونشب خلاف في صدق تلك القضايا بل في دعوى معرفتها رأسا، ازدادت العقلية تطرفا وتشددا.

هذا ويتفاوت أنصار المذهب العقلي في متانة مذهبهم وقوته تبعا لتفاوت نظرهم إلى “الضمان”، فمنهم من يجعل القضايا المضمونة التي تمخض عنها الحدس والاستنتاج غير مشوبة بشائبة من شك ويزعم أنها تتربع على عرش المرتبة المعرفية العليا، ولكن بعضهم يتحفظ ويحتاط فيفسر “الضمان” بأنه لايحوم حوله شك “معقول”، ويزعم أن الحدس والاستنتاج يفيدان اليقين بهذه الجودة. ثم مما ينبغي النظر فيه عند دراسة المذهب العقلي العلاقة بين الحدس والصدق. فأنصار المذهب العقلي بعضهم يرون الحدس معصوما عن الخطأ، فكل ما يحصل لنا بالحدس فهو – في نظرهم – لابد صادق، ويرى غيرهم أن للشك فيه مجالا.

۲: النظرية الثانية المرتبطة بالمذهب العقلي هي نظرية المعرفة الفطرية.

تقول هذه النظرية: نحن مفطورون على المعرفة ببعض القضايا الصادقة في بعض المجالات.

هذه النظرية كسابقتها – نظرية الحدس والاستنتاج – تقرر وجود المعرفة القبلية أي الحاصلة بغير التجربة ومعالجة حواس. وما تفترفان عنده هو وجه حصول هذه المعرفة القبلية. فالنظرية السابقة تسند حصول المعرفة القبلية إلى الحدس وما تلاه من الاستنتاج، وأما هذه – نظرية المعرفة الفطرية – فتلمس أصل المعرفة القبلية في جبلتنا وفطرتنا العقلية. فنحن لانحصل عليها لا بمعالج الحواس ولابممارسة الحدس والاستنتاج، فهي مغروسة فينا غرسا، ونحن معجونون بها عجنا. نعم، يمكن أن تنبهنا التجارب والحواس على تلك المعرفة الفطرية تنبيها، وتدفعنا إلى إحضارها في منصة وعينا دفعا، ولكن ليس التجارب هي ما زودنا بها، بل هي معنا منذ كنا. ثم يذهب بعض أتباع المذهب العقلي إلى أنا كان لنا قبل هذا الوجود وجود، فيه حصلنا على المعرفة القبلية، ويجنح بعض إلى أن الله تعالى هو وضعها فينا، ويميل ثالث إلى أنها وجدت إلى فطرتنا سبيلا بفعل الاصطفاء الطبيعي.

وتتنوع هنا كذلك المجلات التي يرى أصحاب هذه النظرية على اختلافهم أنها أرض خصبة لها، وكلما اتسعت قوصرة هذه النظرية من العقلية وازداد عدد القضايا المنخرطة إلى سلكها ونشب خلاف في صدقها بل دعوى معرفتها رأسا، ازدادت العقلية تطرفا وتشددا. والاختلاف في فهم “الضمان” فوة وضعفا هنا أيضا يؤدي إلى الاختلاف في النظرية كذلك.

۳: النظرية الثالثة المرتبطة بالمذهب العقلي هي نظرية الأفكار الفطرية.

تقول هذه النظرية: البشر منذ ولادته يمتلك أفكارا، يسير على دربها في مجال خاص، عند معالجة فطرته العقلية.

فنحن – على حسب هذه النظرية – لدينا أفكار، لم تأتنا عن طريق التجربة ومعالجة الحواس، بل هي جزء من جبلتنا، وأما التجربة فقصارى أمرها أن توقظها من سباتها إيقاظا، وتحملها إلى حلبة شعورنا، وأما إنشاؤها أو تحديد ما حوت من المحتوى فليس للتجربة به شأن. هذا ويرى بعض أن نظرية الأفكار الفطرية تالية لنظرية المعرفة الفطرية، ونتيجة لها وأن قضية ما لايمكن أن تكون فطرية، إلا إذا كانت الأفكار التي تحوكها فطرية. هذا هو منزع جان لوك[i]، ولكن أمثال بطرس كاروثرز لايقرون بهذا اللزوم[ii]. وتتوكأ قوة “نظرية الأفكار الفطرية” على ما أضيف إلى قوصرتها من الأفكار. والفكرة تصبح جديرة بأن تكسى كساء “الفطرية”  بقدر ما بدت معزولة عن التجربة وما يجريه الإنسان على التجربة من العمليات الذهنية. فنحن – مثلا – لا نشاهد المثلث الكامل الدقيق بدرجة مائة في المائة، ولكنا نخوض تجربة الألم، فمفهوم المثلث أخلق بوصف الفطرية من مفهوم الألم.

هذه النظريات الثلاث هي لبنات المذهب العقلي، ولايعزو أحد نفسه إلى ثلة العقليين إلا وهو راء إحدى هذه النظريات الثلاث. ويوجد في مملكة العقلية نظريتان أخريان، يراهما أنصار العقلية، ولكنهما منهم بمنزلة التحسينيات من الإنسان، فالإنسان لايلزمها التحسينيات، فصاحب المذهب العقلي لايلزمه أن يراهما أو إحدهما. وهما كما يلي:

۴: نظرية ضرورة العقل:

هي تقول: إن المعرفة الفطرية والمعرفة التي تأتي جعبة معرفتنا عبر الحدس والاستنتاج، ما كان للتجربة أن تزودنا بها، فالعقل ضروري، لامفر منه.

۵: نظرية تفوق العقل:

هي تقول: إن المعرفة الفطرية والمعرفة التي تأتي جعبة معرفتنا عبر الحدس والاستنتاج، تتفوق على ما تزودنا به التجربة ومعالجة الحواس.

وهذه النقطة – تفوق المعرفة العقلية على المعرفة التجربية – تتطلب تفسيرا وتوضيحا، وقد أخرج أتباع المذهب العقلي له وجوها كما يلي:

أحدها – وهو منسوب إلى ديكارت[iii] – أن ما نعرفه معرفة قبلية يقيني، لايحوم حوله أدنى شك، وأن ما يأتينا عن طريق التجربة ومعالجة الحواس فأقل ما فيه أن ساحته ليست بريئة عن الشك من كل وجه.

والثاني – وهو معزو إلى أفلاطون[iv]– يحدد موقع هذا التفوق في ذوات الأشياء التي نعرفها معرفة قبلية. فما يتصل علمنا به من خلال العقل وحده – ولتكن المثل الأفلاطونية مثلا – أعلى رتبة وأربأ درجة مما تطلعنا عليه التجربة ومعالج الحواس بمناح شتى: من نحو الثبات وعدم التغير والأبدية والكمال، وسمو درجة الوجود.

ثم من الملاحظ أن المذهب العقلي في معظم ألوانه يلتزم بمواقف فلسفية أخرى:

منها رفض مذهب الشك في بعض ساحات المعرفة على الأقل، فإنا إذا سلمنا أنا وصلنا إلى بعض الحقائق عبر الحدس والاستنتاج أو نمتلك بعض الحقائق في أصل فطرتنا، فلايتأتي لنا هذا إلا إذا نأينا بجوانبنا عن الشك ولو في بعض المجالات.

ومنها أن نظرية الحدس والاستنتاج تستلزم “نزعة الأساسية المعرفية” التي تقول إن بعض الحقائق التي نؤمن بها مكتفية بنفسها، ولاتتوكأ على شيء آخر، ونشيد عليه حقائق أخرى.

۲ المذهب التجربي :

المذهب التجربي  في مجال معين مدروس يقول: لامصدر للقضايا المدروسة فيه أو الأفكار المبني عليها فيه إلا ما تزودنا به التجربة ومعالجة الحواس. وهو يرفض ما ذهب إليه أنصار المذهب العقلي في ذلك المجال من نظرية الحدس والاستنتاج ونظرية المعرفة الفطرية. فما دام بأيدينا معرفة في ذلك المجال، فهي بعدية، أي حاصلة بالتجربة ومعالجة الحواس. ثم هم كذلك ينأون عن نظرية الأفكار الفطرية التي تقرر وجود أفكارا كذلك في ذلك المجال، ويؤوبون إلى أن الحس هو المصدر الوحيد لتكون الأفكار، ثم إذا كان العقل لايستقل بتزويدنا بمعرفة، فهو بالتبع لايأتي بالمعلومة التي لها أولوية وأرحجية فيرفضون نظرية تفوق العقل. هذا وإن هؤلاء أيضا يقصون نظرية ضرورة العقل عن ساحة التجربية وإن لم يكن هذا من مقتضى الانتماء إلى مذهبهم الذي لايعني أنه لابد أن تحصل لنا معرفة تجربية، بل هو يستلزم أنا إن حصلنا على معرفة، فهي لم تحصل إلا من خلال التجربة ومعالجة الحواس، ويمكن أن يقر التجربيون – كما يفعل بعضهم فعلا لمجالات – أن العقليين أصابوا كبد الحقيقة حينما ذهبوا إلى أن التجربة لاتستطيع أن تزودنا بالمعرفة إطلاقا في ذلك المجال، ولكنهم – أي التجربيين – يستنتجون من هذا نتجية مختلفة وهي أنا ليس بأيدينا من معرفة ما، ووفاضنا منها خالية في ذلك المجال.

لقد قيدنا كل حدينا آنفا بقولنا: “مجال معين”، فذكرنا موقف العقليين في مجال معين، وموقف التجربي ين في مجال معين، الموقفان بهذا التقييد لايلزم أن يتضربا، فإنه يمكن لواحد أن يكون عقليا في الرياضيات أو فرع منها، وتجربيا في العلوم الطبيعية كلها أو بعضها. وإنما ينشب بين الموقفين سجال حينما يتجهان إلى مجال واحد، وهنالك يصبحان وجها لوجه. فهذه الحقيقة – أن فيلسوفا يمكن أن يجمع بين الموقفين – تلقي بظلالها على تاريخ الفلسفة حينما يصنف الفلاسفة تحت المذهبيين والتجربيين، خاصة القرنين السابع عشر والثامن عشر من باكورة العصر الحديث التي تمتد إلى كانط. والتقليد السائد الذي يدرج عليه تاريخ الفلسفة هو صياغة صنفي أصحاب المذهب العقلي وأصحاب المذهب التجربي على أنهما متباينان، فمن كان منهم عقليا، فليس بتجربي، والعكس صحيح، ومن إيحاء هذا المنوال من التصنيف أن جميع من تظله خيمة صنف جبهة مخالفة لجميع من تحت خيمة الصنف الآخر، فكأن كلا من الخيمتين لها برنامجها الخاص الذي يشترك فيه جميع من تحتها. فديكارت، وسبينوزا ولايبنتز – على حسب هذا التصنيف – خيمة من العقليين القاريين، بإزاء خيمة من التجربيين البريطانيين من لوك، وبركلي، وهيوم. لذلك يتحتم توخي الحذر عند مثل هذا التصنيف التعميمي، فإن مواقف الفلاسفة أكثر تعقيدا والتواء وأشد تطلبا واقتضاء للدقة مما يومئ إليه هذا التصنيف الغر.[v] فالسيد جان لوك – مثلا – يرفض المذهب العقلي في أي شكل من نظريتي المعرفة الفطرية أو الأفكار الفطرية، ولكنه يرحب بنظرية الحدس والاستنتاج لمعرفتنا بوجود الله تعالى. لقد تشابه ديكارت ولوك في آراءهما حول طبيعة أفكارهما وإن كان الأول يراها فطرية، وصاحبه يجعلها مكتسبة بالتجربة ومعالجة الحواس. ثم هذا التصنيف مدعاة لأن يشرئب القارئ إلى أن جميع من تحت خيمة صنف يشتركون في برامج بحث وراء علم المعرفة كما اشتركوا في برنامج البحث في علم المعرفة. لذلك ظن ديكارت وسبينوزا و لايبنتز – خطأ – أنهم طبقوا على مجال ما بعد الطبيعة ضربا متفقا عليه بينهم من علم المعرفة ضاربا إلى العقلية، وأن كلا منهم تلقى من صاحبه برنامجه لما بعد الطبيعة، وحسنه وطوره، وظن في إزاء هؤلاء لوك، وبركلي وهيوم – خطأ كذلك – أبناء رفض لهذه الآراء المتعلقة بما بعد الطبيعة، وأن كلا منهم أقدم على مواصلة جهود سلفه في هذا الرفض على وجه البصيرة. والجدير بالذكر كذلك أن هذه القسمة – قسمة العقليين والتجربيين – ليست جامعة محصية لكافة مصادر العلم الممكنة. فيمكن أن يأتي واحد وهو يرى أن علم مجال معين يأتي عن طريق الوحي أو ينبع عن طريق الإشراق، وهو لايمر لابمملكة العقل ولا بمملكة التجربة. فعصارة الكلام أنا إذا لم نتعامل مع عنواني النزعة العقلية والنزعة التجربية بحزم وحذر، فعقدنا الوزان بينهما كما فعلنا نحن في عنوان هذه المقالة، شوهنا فهمنا ولم نتقدم فيه.

نقول بعد هذا التنبيه: إن الساحة الفلسفية الفكرية تشهد حوارا، له ثقله وأهميته، يعرف بعنوان “المذهب العقلي والمذهب التجربي وجها لوجه”، إذا اتجه المذهبان إلى مجال واحد. ويصبح الحوار أكثره جذبا للانتباه وإثارة للرغبة حينما كان المجال الموطوء المعتور يأتي بقضايا مرتبطة بالعالم الخارجي، العالم الذي خارج تخوم عقولنا، فإن صاحب النزعة العقلية الملتزمة يرى أن بعض القضايا المتعلقة بالعالم الخارجي قبلية، يمكن أخذها، بل يجب، بمعزل عن التجربة، وأن بعض الأفكار المؤلفة لتلك القضية لابد أن تكون فطرية وأن تلك المعرفة تفوق المعرفة المقتنصة بصنارة التجربة ومعالجة الحواس، ويعارضه التجربي الكامل المستوي وهو يرى أن الأمر إذا وصل إلى العالم الخارج من تخوم العقل، فلا صنارة إلا صنارة التجربة لاصطياد المعرفة. لعل العقل يقدم الخطوط الرابطة بين الأفكار الحاصلة، وأما أن تأتي الأفكار نفسها عن طريق العقل فأنى له ذلك؟ لذلك سيكون القدح المعلى من حديثنا فيما يلي، للمعرفة بالعالم الخارجي.

يخبرنا التاريخ بأن السجال الذي نشب بين المذهبين اجتاز إلى غير مجال المعرفة من مجالات ما بعد الطبيعة من مثل طبيعة “الحقيقة المطلقة”، ووجود الإله، والإرادة وحرية التصرف، والآصرة بين العقل والجسم. فرؤوس الميل العقلي من مثل ديكارت (1641) صاغوا من نظريات ما بعد الطبيعية ما ادعوا فيه أنه لا سبيل إلى المعرفة به إلا عن طريق العقل وحده، ولكن جاء زعماؤ الميل التجربي  – ومنهم على سبيل المثال هيوم – يقولون: تلك النظريات  افتراضات وتخمينات ووصفوها بمحاولات غير معقولة  لتفسير جوانب العلم بأفكار لم تصوره مصورة التجربة. هذا السجال صيّر كذلك ما بعد الطبيعة مثار جدل: أيصح أن يعد فرعا من المعرفة أم لا؟ لقد بين كانط التصور الذي يكمن وراء هذا المجال قائلا:

إن مفهوم ما بعد الطبيعة يقتضي بذاته أن مصدره مستحيل أن يكون تجربيا، فإن الشيء إن ممكن المعرفة عن طريق التجربة، فهذا وحده يكفي لثبوت أنه لايدخل في نطاق ما بعد الطبيعة. هذا فرع لمدلول كلمة ما بعد الطبيعة الذي لاتستقى مبادئه الأساسية من أرض التجربة، ولاأفكاره الأساسية، فإنها من باب المعرفة غير الطبيعية التي لاتمت إلى التجربة بصلة. [vi]

فكون ما بعد الطبيعة – بالمعنى الذي ذكر آنفا – فرعا من المعرفة البشرية يتوكأ على الموقف الذي نقف في السجال بين التجربية والعقلية. ثم هذا النقاش يتسع ليشمل مجال الأخلاق والقيم، فإن بعض أنصار الموضوعية الخلقية يعرض أمامنا أنا نعرف بعض الحقائق الخلقية ذات القيم بالحدس، ويعارضهم بعض الشكاكين في القيم الخلقية[vii] فينظرون إلى الالتجاء بقريحة حدسية في القيم الخلقية منافيا للعقل ينبوه الحجا. منذ عهد قريب، اتجه الحوار بين العقلية والتجربية إلى طبيعة البحث الفلسفي نفسها:[viii] إلى أي مدى ينبغي تناول القضايا الفلسفية من منظار العقلية أو التجربية؟

ب. نظرية الحدس والاستنباط

تقول نظرية الحدس والاستنباط: إن من القضايا ما يمكن أن يتصل بمعرفتنا عن طريق الحدس، ومنها ما نحصل عليه بسبيل الاستنتاج. لايفتأ كثير من أتباع المذهب التجربي (مثل هيوم) موافقين على هذا الرأي ما دام مقصورا على القضايا التي تتحدث عن صلة وعلقة وإضافة بين أفكارنا، غير متجاوزها. فيقولون: نحن نعرف عن طريق الحدس – مثلا – أن فكرتنا للإله تحوي فكرتنا للعلم بكل شيء، فإنا كما نتعرف على المفهومين، ندرك بعقولنا وحدها أن أحدهما مشتمل عل صاحبه. ولكن السجال بين المذهبين العقلي والتجربي  ينشب حينما يدعي المذهب العقلي على أساس هذا النظرية صدق قضية متعلقة بما له تحقق في العالم الخارجي، وليست عبارة عن مجرد علقة عقلية، ويرفضه المذهب التجربي . لقد قال أضراب ديكارت من العقليين: إنا نعرف عن طريق الحدس والاستنتاج أن الإله موجود، وأنه هو خالق الكون، وأن أجسامنا غير عقولنا جوهرا، وأن مجموع زوايا المثلث يساوي مجموع زاوتين قائمتين، ويقولون: إن كل هؤلاء حقائق ثوابت في العالم الخارجي باستقلال عن عقولنا. وموضوع حديثنا في هذا الفصل هو مثل هذه القضايا المتعلقة بنظرية الحدس والاستنتاج، التي تحوى محتوى متحققا ثابتا في العالم الخارجي.

أحد المواقف المصوغة دفاعا عن نظرية الحدس والاستنتاج يبدأ فيفترض أنا نعرف بعض القضايا الجوهرية المتعلقة بما له تحقق في العالم الخارجي، ثم يثني بأن يقدم تحليلا لشروط المعرفة، وينتهي إلى أن معرفتنا لايمكن إلا أن تنشأ من منبع الحدس والاستنتاج. فيرى ديكارت أن المعرفة من شروطها الجزم الذي هو في واد و في واد آخر ما تعطينا حواسنا حول العالم الخارجي، فإنا لانستطيع أن نثق، ثقة لايدانيها شك، بحواسنا، كيف يتأتى لنا أن نطمأن بالصور والانطباعات التي تصورها وتطبعها قوانا الحسية، كيف أمنا أن تكون هذه كلها آتية من رؤية أم تكون حاكتها يد عفريت خطير يبيت تضليلنا؟ فسوق الحدس والاستنتاج وحدها نجد فيها بضاعتنا أي “الجزم” الذي هو شرط أساسي للمعرفة، وإذا كنا نمتلك فعلا معرفة جوهرية – ليست إضافية فقط – حول العالم الخارجي، فهذا قاطع دليل على صدق نظرية الحدس والاستنتاج. ويقول ديكارت ممثلا لهذا الموقف المدافع عن هذه النظرية: “المعرفة كلها ليست إلا ما فيه إدراك جازم بعيد عن الشك، وجلي ناء عن الغموض”[ix]، ونحن “إذا ما نراجع أنحاء عمل فكرنا التي تقلنا إلى مدينة “المعرفة” الرابية عن الشك والخطأ، لم نجد فيها إلا وجهين: “الحدس والاستنتاج”[x]

ولكن هذا أقل ما في جعبة العقلانية جذبا وتأثيرا من الأدلة. فإنه يكلفنا ثمنا باهظا، حيث يتطلب منا أن ننفض أيدينا من كثير مما نرانا نعرفه، ثم هو يتعارض مع ما يقول به كثير من العقليين المعاصرين من أن الحدس ليس مصدر المعرفة المقطوع بها دائما. وأما العفريت المبيت المضلل فليست ساحة الحدس والاستنتاج هي كذلك بمأمونة منه؛ لأن العفريت كما يمكن أن يوهمنا في إدراك غير موجود، كذلك يتأتى له أن يلبس علي موهبة الحدس، فنصل إلى قضايا كاذبة. لقد عالج ديكارت نفسه هذا الاعتراض باللجوء إلى الضمان الإلهي، فإنا – على حسب ديكارت في كتابه “التأملات في الفلسفة الأولى” – يسوغ لنا أن نثق بأن يد العفريت لاتصل إلى موهبتنا للحدس والاستنتاج، وهي مصعومة لايدانيها خطأ ولاغرر. ولكن هذا الدليل فيه مصادرة على المطلوب، فإنه يبرهن على “أن حدسنا صحيح دائما”، ويقيم صرح هذه النتيجة على مقدمات، لم نعرفها إلا من خلال الحدس. وهذا يعرف بالاستدلال الدائري الديكارتي. هذا وديكارت لم يتطرق إلى معالجة مشكلة أخرى، لاحظها هو نفسه[xi]، وهي أن كل استنتاج ذي مقدمات يتوكأ على الذاكرة المساوقة للخطأ والنسيان.

موقف آخر ذابّ عن بيضة نظرية الحدس والاستنتاج وهو أكثر قبولا للعقل من الأول يرى مثل مايرى الأول أنا نعرف بعض القضايا الجوهرية المتعلقة بما له تحقق في العالم الخارجي، ثم يثني بأن يستند، خلافا للموقف الأول، إلى طبيعة الأشياء نفسها التي نعرفها، لاطبيعة المعرفة، وينتهي إلى أن معرفتنا لايمكن إلا أن تنشأ من منبع الحدس والاستنتاج. يقول ليبنتز بهذا الصدد: [xii]:

حواسنا وإن كان لاغنى عنها في إدراك جميع معارفنا الحقيقية، إلا أنها لاتكفي للحصول على كلها؛ لأن الحواس لاتناولنا إلا جزئيات المعرفة وفروعها. وهذه الجزئيات والفروع التي تثبت صدق قضية، مهما كثرت وغزرت، لاتصلح وحدها لأن تكسو تلك القضية الصادقة كساء العموم والشمول في كل مكان وزمان وتجعلها ضرورية، فإن صدق هذه الجزئيات لايستلزم أن ما حدث، فسيحدث مرة أخرى. . . من هنا ينجلي أن القضايا الصادقة الضرورية، مثل التي نلفيها في الرياضيات وخاصة في علم الحساب والهندسة الرياضية، لابد أن يكون لها أصول، غير مستمدة من هذه الجزئيات والفروع، ولامستقاة من شهادة الحواس. هذا مع أنا لولاحواسنا، لما تاح لينا أن نفكر في هذه القضايا…[xiii]

يمضي ليبنتز قدما ويجعل معرفتنا بالرياضايات “فطرية”، لعل ما قدم من الأدلة كان قاصدا به تسويغ نظرية المعرفة الفطرية لا نظرية الحدس والاستدلال، ولكن في متناولنا أن نبسط رداءه على نظرية الحدس والاستدلال التي نحن بصدد دراستها، ونقول: “إنا نعرف بعض القضايا الجوهرية المتعلقة بما له تحقق في العالم الخارجي مما ينخرط إلى سلك الرياضيات، وهي بالضرورة مضمون صدقها، والتجربة الحسية بمنأى عن مثل هذا الضمان، فلايمكن أن تكون مصدرا لمعرفتنا. وأمثل تفسير لمعرفتنا أنا نحصل عليها من الحدس والاستنتاج. وقد ذكر ليبنتز بالإضافة إلى الرياضات علم المنطق وعلم ما بعد الطبيعة، وعلم الأخلاق والقيم من الساحات التي معرفتنا المتعلقة بها يضيق عنها نطاق التجربة والحواس. فالأحكام المنطقية والتي تتعلق بما بعد الطبيعة تحوي من الضرورة واللزوم ما ينوء به سواعد التجربة والحواس. وكذلك الأحكام الخلقية القيمية التي تحتوي على إلزام خلقي أو قيمي بمعزل عن التجربة والحواس التي تخبرنا بما هو كائن، ولاتمت بصلة إلى ما ينبغي أن يكون.

وقوة هذا الموقف تدور مع ما يدرج إلى قوصرة المعارف من الأمثلة. فإن رأينا ما يندرج تحت ما بعد الطبيعة من القضايا الشائكة المثار للاختلاف من نحو “أن الله موجود”، و”أن جسمنا وعقلنا جوهران مختلفان”، فإن الموقف بالإضافة إليها يبدو أقل حظوة بالقبول، ولكن نجد في جانب آخر من المجالات ما الموقف فيه أكثر سوغا، لقد نعلم كثيرا مما يتعلق بالرياضيات، وهو مستيقن مضمون الصدق، ولكنه غير قائم على شيء من تجاربنا التي لاتتكفل بهذا القدر من الضمان الذي نتمتع به في هذا المجال. وجلي جدا أن هذا الضمان الذي ضمن لنا بالمعرفة اليقينة نجم عن إدراك القضايا إدراكا عقليا يكون جزء من تعلمنا. هذا ونمتلك من المعرفة قيما أخلاقيا، مثل أن الأصل أن إخلاف الميعاد سيئ إلا إذا وجد ما يقتضي الثنية منه، وأن اللذة مقصودة لذاته، وحسنة في جوهرها (ما لم يتغير شيء من الاعتبارات الأخرى ويقتضي خلاف ذلك). ولاينبغي للتجربة مهما كانت أن تقف موقف الحكم والفيصل، وإنما مجالها وصف ما هو كائن.

هذا الموقف من نظرية الحدس والاستنتاج يتلوه أسئلة أخرى، تلزم أصحاب التيار العقلي أن يقدموا لها إجابة. منها أنهم يقرون بضرورة صدق قضايا، لها من المحتوى ما له تحقق في العالم الخارجي، في مجال الرياضيات وغيرها مما السبيل إليه الحدس والاستنتاج، فيقع على عواتقهم أن يقدموا تفسيرا لطبيعة هذه الضرورة. أما التجربيون فنجد معظمهم مشمرين عن سواعدهم كاشفين سيقانهم ليقولوا: “إن الضرورة وصف لطريقة تعبيرنا عن الأشياء، لا للأشياء أنفسها”[xiv] هذا وإذا كان العقليون على نفس المنوال يدعون أن معارفنا المتعلقة بالأخلاق والقيم تحتوي على إلزام خلقي موضوعي غير ذاتي، فعليهم أن يوجدوا انسجاما بين هذا وما يبدو عليه العالم من اشتماله على حقائق مجردة عن قيم خلقية.

لعل أهم ما على حماة نظرية الحدس والاستنتاج هو تفسير الحدس نفسه، ما هو وما معنى كوننا نحدس قضية؟ وتبرير الضمان المعرفي للمعارف المتعلقة بالعالم الخارجي كيف يتأتى للحدس أن يتحلى بهذا الضمان؟ فنجد في جانبهم أنهم يعرضون الحدس والاستنتاج معرض تفسير ضروري للمعرفة التي لايمكن تفسيرها تفسيرا تجربيا على حسب رأيهم، ولكن هذا العرض يقتضى أن يكون تصورنا لطبيعة الحدس محدد الملامح واضح القسمات ونعرف بجلاء كيف يتحلى بالضمان المعرفي. أما استعمال المجاز والاستعارة لبيان الحدس، كان نقول: “إنه إدراك عقلي أو رؤية فكرية” فلايزيد الأمر وضوحا، فإن هذا الوصف – الإدرك العقلي مثلا – يوحي بأن محتوى الحدس ضرب من صلة وعلقة وإضافة بين أفكارنا، وليس عما له تحقق في العالم الخارجي. أحد الطرق المتبعة لمعالجة هذا الأمر هو الاستناد إلى مبدأ “الثقة بالظاهر”[xv] الذي يعني أنك إذا بدا لك أن أمر كذا هو كذا، فالأصل أنه ساغ لك سواغا بديهيا أن تثق بصدق ما يبدو لك وتحققه إلا إذا قام دليل على خلافه. فالحدس على هذا فنن مما يظهر أو يبدو. فحدس شيء “بمعنى أنه حال كونه يبدو لصاحب الحدس صادقا لايتوسد الاستنباط من قضايا أخرى، وهو يتمخض من التفكير في ذلك الشيء المحدوس تفكيرا يختلف عن الإدراك عن طريق الحواس و الاستحضار والتأمل”.[xvi] فالإنسان يبدو له فكريا – على سبيل المثال – أن الشيء لايمكن أن يكون كله أحمر وكله أخضر في آن واحد، كما يبدو له حسيا – على سبيل المثال – أن وراء شباك غرفته شجرة. الغاية وراء هذا الأسلوب تبديد ظلام الغموض الذي أحاط بالحدس، فإنه ليس إلا حالة بدو وظهور مثل حالات الإدراك الحسي والذاكرة والتأمل، ولكنه مع ذلك لايروي الغلة، فإن أي نوع من أنواع القدرة العقلية – سواء أإدراكا عن طريق الحواس كان أم ذاكرة أم تأملا أم حدسا – إنما يضمن لنا صحة ما يزودنا من القضايا إذا كان موثوقا به عامة. أما الثقة بالإدراك الحسي فتنبثق من صلة الأشياء المتحققة في العالم الخارجي بتفاعلنا بها صلة سببية. ولكن ما الذي يصير حدسنا للعالم الخارجي مضمونا وموثوقا به؟ هل حدسنا لقضية معينة صادقة هو نتيجة تفاعل ذواتنا مع جانب من جوانب العالم تفاعلا سببيا؟ إن كان، فما ذلك الجانب؟ وما طبيعة التفاعل؟ أما كون الثلاثة رقما أوليا فلا يسبب فيما يبدو شيئا، فضلا أن يسبب حدسنا لكون الثلاثة رقما أوليا. فلقد أشار إلى هذا مايكل هيومر[xvii] وهو يشيد بنيان الحدسية الخلقية وقال: “فالسؤال الذي يواجه صاحب الموضوعية الخلقية أن يجيب كيف ساغ لنا أن نثق بأن صدق القضايا الخلقية ليس مجرد مصادفة ونحن لانتفاعل مع الصفات الخلقية التي يتحلى بها الأحكام الخلقية”.

ويزيد الطين بلة ويزيد هذه الإشكالات إشكالا ما يرجع به التجربيون من الجؤاب التقليدي الذي يعزى إلى هيوم، ويبنى على قسمة القضايا الصادقة قسمة ثنائية، فإنه قال:

جميع أفكار العقل البشري أو متعلقات البحث العقلي تنقسم على أساس طبيعتها إلى قسمين: الأول هو العلاقات بين الأفكار، والثاني هو الحقائق. أما الأول فيتكون من علوم الهندسة والجبر والحساب التي جماعها القضايا المجزوم بها عن طريق الحدس أو البرهان. فإذا قلنا: “إن مربع طول وتر المثلث يساوي مجموع مربعي طولي الضلعين القائمين”، لم نحكم إلا بعلاقة بين أشكال. وإذا قلنا على نفس المنوال: “إن ثلاثة في خمسة تساوي نصف ثلاثين”، لم نبد إلا علاقة بين أرقام. فمثل هذه القضايا تقتنص بمحض إعمال الفكر غير متكل على ما له تحقق في العالم الخارجي. فالقضايا التي برهن عليها أقليدس لاتفتأ تمتمع بالجزم، ويلزب بها البرهان ولولم يوجد في العالم الطبيعي دائرة أو مثلث. أما الحقائق التي هي القسم الثاني من أفكار العقل البشري فهي ليست بسبيل من الجزم الذي عهدناه في القسم الأول، وتختلف عن الأول كذلك في طبيعة البرهان مهما كان متينا قويا. فإن ضد كل حقيقة من القسم الثاني ممكن؛ لأن هذا الإمكان لايتضمن التناقض، وأن الفكر يتصور الضد من السهولة والوضوح بما يعن به مطابقا للحقيقة.[xviii]

إن الحدس والاستنتاج يتأتى لهما أن يزودانا بمعرفة القضايا الضرورية من نحو ما نصادف في الرضايات والمنطق، ولكنها لاتمثل شيئا جوهريا، له تحقق في العالم الخارجي، وإن هي إلا علاقات بين أفكارنا. ثم إذا ما تمسك أصحاب المدرسة العقلية بمعرفتنا في مجال الأخلاق والقيم، جاء هيوم يقدم تفسيرا للأخلاق يثبت أن مثل هذه المعرفة منبعها التجربة الحسية المشتملة على الحقائق الخارجية. فإنه قال:

إن القيم ووجوه النقد أقرب إلى الذوق والوجدان منها إلى العقل والفهم. فالجمال – سواء أخلقيا كان أم طبيعيا – يشعر به الإنسان في وجدانه أكثر مما يدركه بعقله. وأما إذا ما قدمنا له تفسيرا وأسسنا له معيارا، فإنا كاشفون عن حقيقة جديدة،  وهي ذوق بشري عام شامل أو عن حقيقة أخرى، يمكن أن تكون مندرجة إلى فئة العقل والفهم.[xix]

ثم إذا ما تمسك أصحاب المدرسة العقلية بمعرفتنا فيما بعد الطبيعة، جاء هيوم رافضا لأن يكون في جعبتنا مثل هذه المعرفة. فإنه قال:

لنمسك بأيدينا – مثلا – كتابا في علم الكلام أو كتابا مقررا فيما بعد الطبيعة لنر: هل فيه استدلال تجريدي متعلق بالكم أو العدد؟ فإن لم يوجد، فلنر: هل فيه استدلال تجربي متعلق بما له تحقق في العالم الخارجي، فإن لم يوجد، فلنجعله حطبا، فإن فيه حينئذ إلا سفسطة ووهم.[xx]

هذا الجؤاب التقليدي المؤيد للتجربية كساه “ألفرد جول آير” في القرن العشرين ثوبا جديدا من الوضعية المنطقية بإبراز مناحي اللغة وطبيعة المعنى بهذا الصدد، فإنه رحب بالنظرية الوضعية للتحقق من المعنى، وصنف كل جملة ذات معنى صنفين: صنف “تحصيل الحاصل” الذي ما تحته صادق بحكم معناه، غير قائل لشيء في العالم الخارجي ولامناظر له وصنف ما يخضع للاختبار عن طريق التجربة. فلا الحدس ولا الاستنتاج لأي منهما حظ من المعرفة. قال “آير”:

الحقيقة لايمكن أن توازيها معرفة قبلية، … فإن القضايا المنطقية البحتة التي نعرف صدقها باستقلال عن التجربة الحسية، فإن هي كذلك إلا لأنها خلو من محتوى دال على ما له تحقق في العالم الخارجي… أما القضايا التجربية [في الجانب المعاكس] فهي قاطبة فروض، تخضع للتجربة الحسية لتقبل أو ترفض.[xxi]

فحجة أصحاب المذهب العقلي لتأييد نظرية الحدس والاستنتاج – في نظر أصحاب المذهب التجربي  – ضلت طريقها في بدايته إذ افترضت أن جعبة معرفتنا تعي من الحقائق الخارجية ما يضيق عنه ضمان التجربة ومعالجة الحواس. فلايمكن ما يقول أصحاب المذهب العقلي.

على أن جؤاب التجربيين هذا يعترضه عراقيل، فإن الرياضيات تبدو أكثر من أفكارنا نحن وحدها، والأخلاق لاتنحصر – فيما يبدو – فيما نشعر به في وجداننا، بل يجاوزه إلى ما ينبغي أن يكون عليه سلوكنا. ثم ما يحدد تخوم إطار الرؤية التجربية، من نحو تفسير هيوم لأفكار العقل البشري و مبدأ التحقق من المعنى لايخلو هو  من إشكالات. فمبدأ التحقق من وجود المعنى في معظم صياغاته لايصمد هو أمام عيار نفسه، ولايجتاز اختبار نفسه. ثم إذا نظرنا إلى ما كتبته يراعة هيوم في كتابه “البحث” بمنظاره هو، رأينا أن نجعل معظم فصوله هو حطبا.

عصارة الأمر أن حجة العقليين لنظرية الحدس والاستنتاج متينة، ولكن صمودها أمام النقد موكول إلى حسن إجابتهم لما يثيره التجربيون حول طبيعة الحدس وقوته المعرفية من الأسئلة التي زودها الجؤاب التقليدي التجربي  بقوة، وصيرها أشدها إلحاحا من ذي قبل۔

ج: نظرية المعرفة الفطرية

لقد كاتفت نظرية المعرفة الفطرية نظرية الحدس والاستنتاج، تشد أزر العقلية وتؤكد أن لدينا معارف قبلية، ولكنها تشق طريقا مختلفا إلى ذلك، فلا تجعل الحدس والاستنتاج هما مبعث المعرفة القبلية، بل تجعلها مغروسة فينا جبلة لنا، أما التجربة فلعلها تنبهنا بها، ولكنها لاتزودنا بها، فإنها لاتفارقنا.

نلمس النظرية في صورتها المبكرة لدى أفلاطون في حواره “مينو” حيث قدم مبدأ استعادة المعرفة. هذا المبدأ كان إلى حد ما استجابة لمفارقة، تعترض طريقنا ونحن ندرس طبيعة البحث، وهي أن نسأل ونقول: “كيف نعرف مبرهنة في الهندسة؟” فالجواب الطبيعي أنا نجري البحث في الأمر، ولكن البحث يبدو مستحيلا[xxii]، فإنا إما نملك معرفة المبهرنة قبل شد رحال البحث وإما لا. فإن كان الأول، فلاحاجة إلى البحث رأسا، وإن كان الثاني، لم نعرف ما نشرئب إلى معرفته، ولم نتبينه حينما نصادفه في بحثنا عنه، مهما يكن من الأمر، فليس لنا في تحصيل معرفة المبرهنة إلى البحث من سبيل. ولايذهب علينا – على الرغم من ذلك –  أن جعبة معرفتنا فيها مبرهنات.

هنا يأتي مبدأ استعادة المعرفة يفك المفارقة، ويقدم حلا: إنا إذا نشد رحالنا للبحث عن مبرهنة، نكون نعرفها من وجه، ونجهل من وجه. نعرفها بأن أرواحنا قبل حلولها في أجسادنا حصلت على تلك المعرفة، ولكن نجهلها بأن أرواحنا في غضون الحلول نسيت المعرفة، وتحتاج الآن لاستعادتها. فالبحث عن المبرهنة استعادة لما نعرفه سابقا، ليس إلا.

لقد عقد أفلاطون لإيضاح فكرته هذا حوارا له شهيرا بين سقراط وقن يافع، فيرشد فيه سقراط صاحبه، فيوجه إليه أسئلة، ويقدمه له إيضاحات فيوقظه من سبات عدم معرفته، فيدفعه إلى المعارف الرياضية، فتكون الأسئلة والإيضاحات فرصة لاستعادة ما عرفه القن سابقا. ثم ما قدم أفلاطون في مجال ما بعد الطبيعة يعضد نظرية المعرفة الفطرية. فإن معارفنا على حسبه مثل مجردة غير مادية أبدية غير فانية، وهي تقع خارج نطاق حواسنا، فهي قبلية.

قلما نجد الآن من يؤيد موقف إفلاطون، ومفارقة إفلاطون التي سماها دليلا مراوغا[xxiii] تبدو سفسطة. فإن الافتراض الموجود في أساس الحل يحتاج إلى تسويغ وتبرير، ثم هو لايفسر كيف عرفت روح القن المبرهنة معرفة قبلية؟ فإن نظرية الحدس والاستنتاج تقدم تفسيرا لهذه الكيفية معقولا، لايقل في هذا عن تفسير هذه النظرية إن لم يزد عليه. ولكنا على الرغم من ذلك نعي السبب الذي حدا كثيرا من الفلاسفة إلى رؤية المعرفة الفطرية. لانرتاب أننا نعرف قضايا متعلقة بالحقائق الخارجية، ولكنا لانملك لحصولها من تفسير غير فطريتها، فإن محتواها يضيق عنه نطاق الحواس ونطاق إعمال العقل على ما يحصل بالحواس، وهي لاتدلي – فيما يبدو – إلى الحدس والاستنتاج بصلة. ولم يبق إلا أن فطرية المعرفة أمثل تفسير.

لقد سار نعوم تشومسكي على الخطوط نفسها لعرض ما أسماه رؤية عقلية لطبيعة اللغة.[xxiv] يقول تشومسكي بأن التجارب التي يخوضها المتعلمون للغة متناثرة وقليلة جدا، فتعجز عن تفسير كل ما بأيديهم من المعرفة حول تلك اللغة. واكتسابهم للغة يتطلب أن فيهم معرفة فطرية لقواعد لغوية عامة، تؤهلهم لإدراك بنية اللغات البشرية الطبيعية. يجدر بنا أن نعلم هنا أن المتعلمين للغات – في رؤية تشومسكي – لا يعرفون قضية من القضايا المتعلقة بالقواعد اللغوية العامة، وإنما هم مجبولون على مواهب أو استعدادات، تنشأ الجانب اللغوي فيهم وتحدد قسماته. فما جاء به تشومسكي نظرية لمواهب أو بنى فطرية تعلمية، وليس نظرية المعرفة الفطرية. فرؤيته لاتساند نظرية المعرفة الفطرية مساندة، ظنها العقليون عامة. لقد قال أحد الشراح لرؤيته: “إن مبادئ تشومسكي ليست فطرية من لا جهة أن لنا وعيا بها وأنها حاضرة في أذهاننا، ولا من جهة أنا مركبة فينا ملكة تجعلنا عارفين بصدقها في ظروف مواتية. فلا نستطيع أن نقول بوضوح إن تشومسكي حينما رأى نظريته امتدادا للنزعة العقلية التقليدية لحصول المعرفة، كان مواليا للصواب.”[xxv]

يقول بطرس كاروثرز[xxvi] بأنا مفطورون على مبادئ نفسية شعبية، فإن علم النفس الشعبي مجموعة من المبادئ البديهية العامة التي لاتتقيد بعرف أو ثقافة، وتدخل في صميم علاقة الأوضاع النفسية بعضها ببعض، وعلاقتها بالبيئة وحالات الجسد وعلاقتها بالسلوك[xxvii]. ويدرس هذا العلم مثل أن الآلام تتولد من رحم الجراحات، وأن الآلام تشتت انتباهنا عن العمل، وأن الإدراك مبعثه عادة ما البيئة الملائمة. لقد لاحظ كاروثرز تعقد هذا العلم وتشابكه مع نجاحه في تفسير سلوكنا، ولاحظ خاصة أن هذا التفسير يدور على ما يغيب عنا ويضيق عنه نطاق الحواس من العقائد والرغبات والمشاعر والأفكار، فأين مبادئ هذا العلم مع تعقدها وشمولها وعمقها مما يزودنا به التجربة والحواس، خاصة ما نجد لدى الأطفال الطاعنين في السنة الخامسة من معرفتهم بكثير من هذه المبادئ. ثم لايمكن أن تكون هذه المعرفة منبعثة من الحدس أو الاستنتاج، فإن هذه المبادئ لايعرف صدقها بعملية تعقلية. فيسنتج منه كاروثرز قائلا: “السؤال عن معرفة الطفل بالمبادئ النفسية لايجيب عنه إلا أن مبادئ النفس الشعبي فطرية، وإنما دور تجربة الطفل مع نفسه وغيره هي تفعيلها في داخلها، لاتعليمها من خارجها”[xxviii]

أما التجربيون فيوجهون – وينضم إليهم بعض العقليين – إلى هذه النظرية نقدا من جهتين: الأولى أنهم يأتون الأمثلة المزعومة الفطرية ويثبتون أن مبعثها التجربة (عند التجربيين) أو الحدس والاستنتاج (عند بعض العقليين)، والثانية أنهم يعملون معول النقد على أساس النظرية نفسها دون الأمثلة. ويمثل الجهة الثانية ما قدمه جان لوك[xxix] فإنه أثار سؤالا حول طبيعة المعرفة الفطرية، فإن الأمثلة التي تقدم للمعارف الفطرية، تقدم على أنها جزء من بنيتنا العقلية، ولكن ما معنى كونها في بنيتنا العقلية؟ لئن كان المراد أننا على وعي بها، إنه لكذب بواح، فإن كثيرا من الأمثلة المعروضة، حتى أمثال مبدأ “أن الشيء يستحيل أن يتزامن وجودا وعدما” مما هو أقوى الأمثلة وأمتنها في هذا الباب، لايعي بها الأطفال ولاالمعاقون عقلا بشدة، فإن لم يكن المراد هذا، فلا معنى لتصنيفها تحت المعارف الفطرية. “لايصح أن تكون في العقل قضية، ما لم يعرفها، أو يعها”[xxx]. لعل أنصار الأفكار الفطرية يجيبون عن هذا الإيراد بأن المراد أن فينا موهبة للحصول على تلك المعارف، ولكن واضح أن هذا الجواب لايقدم شيئا ولايؤخر في موضع البحث وإن كان صحيحا. قال لوك: “إن كان الانطباع الفطري الذي يتجاذب أطرافه الفلاسفة هو موهبة المعرفة، كانت كافة القضايا التي يعرفها الإنسان فطرية، وكانت هذه الفكرة العظيمة لم تكن إلا  كلاما مختلا، ينافي في الظاهر من يرفض المبادئ الفطرية، وينسجم في الحقيقة معه؛ لأن من كلمة الوفاق عند جميع الناس – فيما أعتقد – أن العقل يصلح لمعرفة كثير من الحقائق.”[xxxi]

فيتحدى لوك أنصار نظرية المعارف الفطرية تحديا ممتعا بأن قدم نسخة جديدة للنظرية، تصير النظرية مقبولة عند المتجربيين أيضا. فالتفسير الضيق للفطرية لايصمد أمام أمثلة معارضة غير وافية بشروط هذا التفسير، وأما التفسير الفضفاض فيجعل جميع معارفنا – حتى ما يأتينا عبر الحواس بغير شك – فطرية.

ينبري أنصار التيار العقلي لما جاء به لوك، فقد أجاب عنه لايبنتز[xxxii] برد النزعة الفطرية إلى الموهبة الطبيعية لكي يتجنب المعضلة التي جاء بها لوك. لنسمتع إلى بطرس كاروثرز حينما أجاب بمثل إجابة لايبنتز فقال:

لقد لاحظنا أن صورة من النزعة الفطرية ترى – رؤية تعوزه المعقولية شيئا ما – أن المعرفة فطرية بمعنى تحققها بنفسه (أو في صورة القضايا على الأقل) منذما تلد الطفل أمه، ويمكن أن تصاغ النزعة الفطرية صياغة مختلفة وهي أن المعرفة فطرية بمعنى أنها محتم أن تظهر في مرحلة من مراحل نعومة أظفار الطفل. وهذه الصياغة أدعى إلى القبول.[xxxiii]

يرى بطرس كاروثرز أن معرفتنا الفطرية حدد معالمها وقسماتها الاصطفاء الطبيعي[xxxiv]، لقد تحتم بحكم التطور أن يحصل لنا معرفة بعض الأمور (مثل المبادئ المتعلقة بعلم النفس الشعبي) في مرحلة معينة من رحلة حياة الإنسان، وهي نتيجة لتنميتنا الطبيعية. نعم، قد تتيح التجربة فرصة لاستحضار هذه المعرفة، ولكنها على كل حال ليست مصدرها ومنشأها[xxxv]. فكان عند بطرس كاروثرز جؤاب لما أورده لوك من الصبيان والمعاقين عقلا لايعرفون هذه المعارف المزعومة بأنها فطرية، وهو أن الصبي لايكون قد وصل إلى تلك المرحلة المعينة التي تؤهله لاستحضار المعرفة، وأن المعاق عقلا يكون مخدج التنمية.[xxxvi]

ولكن تبقى عقبة في سبيل نظرية المعرفة الفطرية، وهي أن معرفتنا بقضية لاتتحقق إلا إذا استوفت ثلاثة أمور: أن القضية صادقة، وأنا يقيننا متصل بها، وأن هذا اليقين مضمون. وأصحاب هذه النظرية لايتكفون بأن يروا أنا نمر – بحكم التطور أو التصميم الإلهي أو أمر آخر – بمرحلة من مراحل نمونا، تبعث تجربة معينة فيها يقيننا ببعض القضايا بعثا، ولاتنجبها إنجابا، لايتكفون بهذا، بل يقولون في جرأة علمية: “إن بعض هذه القضايا – على الأقل – مضمون يقيننا بها فأنا عارفون لها” مع أن هذا الضمان لم ينشأ من التجربة نفسها. فمن أين نبع هذا الضمان إذا لم ينبع من التجربة التي أثارتها وبعثتها ولا من الحدس والاستنتاج؟

يحاول بعض العقليين أن هذه العقبة يزيلها تفسير الضمان تفسيرا موثوقيا. الموثوقية أن القضايا مضمون صدقها إذا كان المنهج الذي سرنا عليه للوصول إليها، لم نجرب عليه إلا الصحة، والقضايا التي في جعبة المعارف الفطرية لم نصل إليها إلا بمنهج مستقيم موثوق به. يرى كاروثرز “أن القضايا الفطرية تستحق أن توصف بالمعرفة ما دام المنهج الذي جاءت به موثوقا به” (أي ما دام المنهج لم نجرب عليه إلا الصحة)[xxxvii]. وأن الاصطفاء الطبيعي عنده هو ذلك المنهج الموثوق به الذي أدى بنا إلى اعتقاد هذه القضايا.

لعل الاستناد إلى الموثوقية أو ما يماثلها من النظرية السببية للضمان أمتن ما يقيم عليه أصحاب النزعة العقلية صرح نظرية المعارف الفطرية وأمثله، ولكنها مع ذلك كؤود المطلب ووعرة المرتقى. فمثل هذا التفسير – قبل كل شيء – مثار خلاف، ثم هو لم يأت بمفرق بين المعارف الفطرية والمعارف البعدية ويبدو أن إطار هذا التفسير الضماني يضيق عن ذلك، ولنفترض جدلا أنا مزودون بمعارف فطرية، فما الذي تمتاز به عن المعارف التي لاغبار في بعديتها، فمعرفتنا بكون الطاولة التي أمامنا – مثلا – حمراء مبنية على تجربتنا الحسية وإبصارنا. فما مفترق طرق هذه والتي افترضناها جدلا فطرية؟ كل منهما يحوي اعتقادا صادقا مضمونا، وكل منهما يستقي – على حسب الافتراض – ضمانه من سبب من مثل أنه وصل إلينا من منهج موثوق به، والمنهج الذي ضمن لنا الضمان في كل منهما هو من التجربة الحسية، فإن المعارف التي يقولها العقلييون فطرية هي أثارتها وبعثتها التجربة كما يعترفون هم به، فهي في ذلك مثل معرفة حمرة الطاولة. يلوح أن المفرق بين المعارف الفطرية والمعارف البعدية هو العلقة بين التجربة واعتقادنا، فالتجربة في الأولى لاتحتوى محتوى القضايا والمعلومات المؤلفة لها، وفي الثانية تحتوى، فإبصارنا يحمل معلومة حمرة شيء، ولكن السؤال يعود ويقول: ما طبيعة هذا الاحتواء؟ وما الذي يتحقق في أحد هذين النوعين من الاحتواء دون صاحبه فيفترقا؟ فإن نوع العلقة بين الاعتقاد والتجربة يعنّ متحدا في كلا الموضعين. ثم إن كان منهج الوصول إلى الاعتقاد مضمونا، فالعلقة بين التجربة التي تثير وتبعث هذه القضايا والاعتقاد بها علقة توقف واشتراط. والأمر نفسه فيما يتعلق بتجربتنا للطاولة الحمراء واعتقادنا بكونها حمراء. فإن العلاقة بين التجربة والاعتقاد هنا كذلك علاقة توقف واشتراط، فمن الممكن إمكانا عقليا أن تركيبة عقلنا هي تبعثنا على هذا الاعتقاد على هذه التجربة، وإن لم تكن الطاولة حمراء في الواقع ونفس الأمر، بل كانت حارة. وغير خاف أن موثوقية هذا المنهج نفسها كذلك متوقفة مشروطة، على أنه إذا كانت تجربتنا لحمرة الطاولة هي “وعاء “معلومة كون الطاولة حمراء، فلتكن هذه التجربة هي الضمان، لا وجود منهج مستقيم موثوق به. ربما يشق العقلييون طريقهم لتفسير ضمان المعارف الفطرية بالاستناد إلى الموثوقية أو ما يماثلها من النظرية السببية للضمان، ولكن هذا التفسير يعوزه أن يجلي الفرق بين المعارف الفطرية والمعارف البعدية.

د: نظرية الأفكار الفطرية

فنحن – على حسب هذه النظرية – لدينا أفكار، لم تأتنا عن طريق التجربة ومعالجة الحواس، بل هي جزء من جبلتنا، وأما التجربة فقصارى أمرها أن توقظ هذه الأفكار من سباتها إيقاظا، وتحملها إلى حلبة شعورنا. نرجو أن يكون اهتمام العقليين بهذا الصدد واضحا جليا حتى الآن وهو أن بعض أفكارنا يضيق عنها نطاق التجربة والحواس. نحن نجد لونا من هذا التفكير لدى ديكارت في كتابته “التأملات”، فإنه وإن يترشح من بعض كلامه أنه يجعل جميع أفكارنا فطرية[xxxviii]، ولكنه يقسمها بصريح العبارة ثلاثة أقسام:

أفكار خارجية اكتسبناها من العالم الخارجي بالتجربة الحسية بغير واسطة مثل إحساسنا بالحرارة.

وأخرى كوناها بأنفسنا مما في خزانتنا الفكرية مثل الطائر الأسطوري “العنقاء”،

وثالثة فطرية، وضعها الله تعالى فينا عند نشأتنا من نحو فكر الإله والامتداد والجوهر والمثلث الكامل.

إن ديكارت جعل فكرة الإله – كائنا كاملا، لاتحده حدود ولايحيط به إحصاء – فكرة فطرية، فإن سبيلها ليست سبيل المذوقات والإحساسات والصور العقلية المعينة مما يأتينا عبر التجربة. وحتى إن محتوى هذه الفكرة تربأ عما نكونه بإعمال القوى العقلية فيما تقله إلينا مركبة التجربة والحواس. كل ما نجد من التجربة هو فكرة الكائن الذي لكمالاته من نحو العلم والقوة والحسن تخوم وسدود، ولكن لانستطيع أن ننتقل من هذه الأفكارة التجربية إلى فكرة الكائن غير النهائي. يقول ديكارت: “لاينبغي لي أن أجعل فكرة الكائن غير النهائي مثل فكرة السكون التي هي عبارة عدم الحركة ولا فكرة الظلمة التي جماعها عدم الضوء، فأرى أن الكائن غير النهائي ليس شيئا وجوديا ثابتا، بل شيئا عدميا”[xxxix]. يمضي ديكارت قدما ويعضده بدليل آخر، هو أنه لاتقتصر حقيقة الأمر على أن فكرة الله يضيق عنها نطاق التجربة، بل يزيد عليها أن هذه الفكرة ضرورة، لامناص منها، لفكرة الكمال المحدود التي زودتنا به التجربة ومعالجة الحواس. يقول ديكارت: “إن فكرتي لغير النهائي – يعني الله – تسبق فكرتي للنهائي – يعني نفسي – في بعض الوجوه؛ لأنه لايصح أن أسوغ شكي أو تطلعي – و هذا معناه أني يعوزني شيء – ولا أن أدرك أني غير كامل إلا إذا كان في أنا فكرة الكامل التي أوازن بينها وبين نفسي وأنتبه إلى العوز الموجود في أنا”[xl]

تصدى جان لوك من ثلة التجربيين لهذا الخيط من التفكير ورد عليه.[xli] فالاعتراض الأول أن نسأل ونقول: ما معيار كون الإنسان عنده أفكار فطرية؟، إن كان معياره أن صاحبها يستحضرها الآن أو في الماضي ويفكر فيها، فمن الأمثلة المضافة إلى قوصرة هذه الأفكار ما لايجتاز هذا الاختبار، فالصبيان والناس من ثقافات لايستحضرون فكرة الإله ولايفكرون فيها، ثم يرد عليه اعتراض ثان، وهو أنا قبل كل شيء ليس بنا حاجة إلى الأفكار الفطرية لتفسير ما يحاول أنصار النزعة العقلية تفسيره على أساسها، ففي النزعة التجربية ما يغنينا عن ذلك لتفسيره بنفس المحتوى الذي يعزى إلى الأفكار الفطرية.

يجيء لايبنتز يدفع الاعتراض الأول الذي جاء به جان لوك وشبه العقل بلوحة بيضاء، يخط عليها قلم التجربة، فيعارض هذا التشبية بتشبية آخر من عند نفسه، وهو أنه شبه العقل بالرخام المعرق الذي تحدد عروقه قسمات الصورة المنحونة على وجهه. فإنه قال:

“فتمثلت بقطعة من الرخام المعرق، دون قطعة متجانسة متماثلة أو لوحات بيضاء كما يقول الفلاسفة. فإن النفس لو كانت مثل اللوحة البيضاء، لكانت الحقائق المنطبعة عليها مثل صورة هرقل المرسومة على وجه قطعة الرخام المتجانس المتماثل حيث لادخل للرخام في تحديد قسمات صورة هرقل وتقاطيعها، ولكن إن كان على الرخام عروق حددت ملامح “هرقل”، فلا شك في دخل هذه العروق في التحديد وكأن صورة هرقل مغروسة في الرخام غرسا وهو مفطور عليها، وإن كان يكون الرخام المعرق بحاجة إلى الصيقل ونفض الغبار لتتجلى العروق. وهذا مثل الأفكار والقضايا المفطورة فينا، فهي تشبه الميول والملكات الفطرية والعادات، ولاتشبه الأعمال والأنشطة، وإن كانت الملكات ترافق دائما أعمالا تتفق معها، وإن كنا كثيرا ما لاندرك هذه الملكات.”[xlii]

تشبيه لابنتز يتضمن شيئا، فات تشبيه جان لوك، وهو أن العقل يؤدي دورا في تحديد طبيعة ما يتقبل من المحتوى، ولكن هذا الشيء على كل حال ليس من ضرورته أن نرحب بنظرية الأفكار الفطرية.

أما الاعتراض الثاني – وهو دعوى التجربيين أن جميع أفكارنا تفسر في الإطار التجربي  – فقد عالجه أصحاب النزعة العقلية بإبراز ما في التفسير التجربي من التعقيدات والالتواءات التي نستطيع ملاحظتها في كلام جان لوك، فإن التجربة عنده لها عنصران: الأدراك الحسي والتأمل الباطني، وجميع أفكارنا إما بسيطة تأتي إلى العقل بالإحساس أو تنشأ فيه وحده بالتفكير وإما مركبة يؤلفها الإنسان من البسائط بمعونة قوى عقلية. فإن تفسير لوك في أقاحي أمره يواجه مثالا معاكسا، اعترف به هيوم في معرض صياغته لنسخته هو من التجربية وإن طوى كشحه عنه فيما بعد. والمثال هو ظل معين من الزرقة، فإنه على رأي “لوك” ينبغي أن يكون من البسائط، ولكن “هيوم” يرى الأمر على عكس ذلك. فإنه قال:

“فهب أن امرأ يبقى متمتعا بالبصر ثلاثين سنة، وتكيف مع جميع الألوان وظلالها ما عدا ظلا معينا من الزرقة، لم يتفق له أن يبصره، ثم اجعل أنه عرض عليه جميع ظلال الزرقة سوى ذلك الظلال المعين مرتبة من الفاتح إلى الغامق، لاشك أنه يفقد ذلك الظلال المعين بين ما قبله وما بعده، وأنه يدرك مسافة بينهما أطول مما يكون أدرك بين غيرهما، ولأسأل الآن وأقل: أمتمكن هو من سد هذا الخلل بتخيله وحده وتصور ذلك الظلال، وإن لم يبصره بعينه؟ جؤابي أنا بالإثبات، وإن لم يوافقني إلا قلة قليلة.”[xliii]

فانظر أن عقل البشر لايبدو محض لوحة بيضاء، تخط عليها يراعة التجربة، في مثل هذه الفكرة المتواضعة المتعلقة بظلال معين من الزرقة.

بل تصور لونا معينا مثل الحمرة بدلا من ظلال له، فإن نقاد لوك وضعوا أصابعهم على مواطن ضعف في تفسيره لحصول الإنسان على مثل هذه الفكرة بإجراء عمل التجريد على الحالات المعينة. واحد منها أن هذا التفسير مبني على أن جميع الحالات المعينة لفكرة تشترك في ميزة واحدة، وهذا خطأ. يقول كاروثرز بصدد هذا الاعتراض:

“إن أصحاب النزعة التجربية يواجههم عقبات في أكثر الأفكار بساطة وعادية من نحو اللون. فإن لونا معينا لايشترك جميع جزئياته في ميزة واحدة، فلانستيطع أن نحوز فكرة ذلك اللون بتجريد تلك الميزة مما يقله لنا مركب التجربة والحواس. هب الحمرة، وانظر: أجميع ظلال الحمرة تشترك في أمر؟ إن كان، فما هو؟ وليس صحيحا بغير شك أن جميع ظلال الحمرة تتركب – إذا ساغ القول – من عنصرين منفصلين: حمرة وظل معين. بل الحمرة عبارة عن سلسلة متصلة من الظلال، لاتكاد تمتاز حلقاتها بعضها عن بعض، وإدراك الحمرة هو معرفة طرفي السلسة.”[xliv]

موطن آخر من مواطن الضعف أن منطق لوك لحيازة الفكرة من التجارب الجزئية يبدو دائريا. يقول كاروثرز:

“ولكن منطق لوك – والحال هذه – يبدو شديد الدائرية، فإن تفطنك لميزة يشترك فيها أشياء، يسبقه أنك تمتلك فكرة تلك الميزة.”[xlv]

ولنصغ إلى لوك، يفسر منطقه لإدراكنا لفكرة السببية:

“إنا إذا ندرك بحواسنا تعاقب الأشياء وتناوبها، فلا نلاحظ إلا أن جزئيات – جواهر كانت أم أعراضا – تبرز على منصة الوجود، وأنها لم تبرز إلا بما يلزم من عمل شيء آخر ونفاذه. وهذه الملاحظة تزودنا بفكرة السببية.”[xlvi]

فقد قال: ” فلا نلاحظ إلا أن جزئيات – جواهر كانت أم أعراضا – تبرز على منصة الوجود، وأنها لم تبرز إلا بما يلزم من عمل شيء آخر ونفاذه ” ولكنا لانستطيع أن نلاحظ هذه الملاحظة إلا إذا سبقتها معرفتنا بفكرة السببية. ثم منطق لوك لحيازتنا لفكرة القوة يحتوى على نفس المنطق الدائري. فإنه قال:

فالعقل تزوده الحواس بصور الأشياء الخارجية، فيلاحظ من خلالها تلاحق الأفكار البسائط التي تعكسها تلك الأشياء، وتناوبها، ويلاحظ أن واحدا ينتهي ويزول، وآخر يكون ويوجد بعد أن لم يكن، ثم هو يتأمل كذلك ما يلج في نفسه، فيلاحظ استمرار تناوب الأفكار تناوبا يبعثه أحيانا انطباع الأشياء الخارجية على الحواس، وينبعث أخرى بفعل العقل نفسه، فيستنتع العقل من هذاالتناوب المستمر أن مثل هذا الفاعل يحدث مثل هذا التغيير في مثل هذا الشيء بمثل هذا الطريق. فهذا كله يفضي بالعقل إلى أن يرى في شيء إمكان تغير إحدى أفكاره البسيطة (الانطباعات) وانفعالها وفي شيء آخر إمكان تشغيل هذا الانفعال وتفعيل هذا التغير، فمن تنشأ تلك الفكرة التي نسميها “بالقوة.”[xlvii]

فنحن نلاحظ أن بإمكان التجربة أو العقل باختياره أن يحدث تغيرا في أفكارنا، فنأتي فكرة القوة، ولكنا لانستطيع أن نتصور هذا الإمكان إلا إذا كان هذا التصور مسبوقا بتصورنا لفكرة القوة نفسها.

أحد الطرق لإزالة هذه العقبات أمام منطق نشوء أفكارنا التجربي هو أن نراجع محتوى أفكارنا كي تنسجم وتتفق أكثر فأكثر مع ما تقل إلينا الحواس بوضوح. واشتهر هيوم بسلوك هذا الطريق، فإنه استهل رحلته بقسمة المدركات العقلية قسمين – قسمة تذكرنا بلوك – وسماهما الآثار الحسية والأفكار. أما الآثار الحسية فما ينطبع على عقلنا في حال انفعال الحواس من الإحساسات والمشاعر والعواطف والرغبات وما إلى ذلك. أما الأفكار فمدركات عقلية مأخوذة من الانطباعات. ثم البسائط من الأفكار نسخ للانطباعات، والمركبة منها مأخوذة من الانطباعات بإضافة أو تشذيب أو ربط. فإذا كانت جميع أفكارنا مأخوذة من التجربة ومعالجة الحواس، فقد قدم هيوم معيارا لاختبار مدركاتنا العقلية، وتعيين معنى الاصطلاح المعبر عن تلك الفكرة. فإنه قال:

فإذا شككنا في صحة مصطلح فلسفي أ هو منسوب إلى معنى أو فكرة؟ (كما يكون بكثرة)، فلابد أن نرجعها إلى الآثار الحسية التي تركبت هي منها، فإن لم نستطع، تحقق أن شكنا في محله.[xlviii]

استطاع هيوم بفضل هذا الاختبار أن ينفخ قوة في واحدة من أكثر نتائج رفض التجربيين لنظرية الأفكار الفطرية أهمية. فإنه إذا كانت التجربة هي مصدر جميع الأفكار، فالآثار الحسية وحدها هي ما يتألف منه أفكارنا. إذن فلا بد أن يكون السببية والجوهر والصحة والخطأ أفكارا ملفقة من الآثار الحسية التي تأتي بها. ولكن ليس فيما يأتينا عن طريق الحواس – كما يقول هيوم – ما ينشئها كما يزعم أنصار النزعة العقلية وبعض أتباع النزعة العقلية من نحو لوك. فعجزنا عن تحليل بعض الأفكار إلى ما يعزوها إليه أنصار النزعة العقلية لاينبغي أن يؤدي إلى الترحيب بنظرية الأفكار الفطرية، بل علينا بدلا من ذلك أن نضيق رؤيتنا لما تتركب منه هذه الأفكار، ونتقبل أن قدرتنا على فهم العالم وتفسيره محدودة ضيقة أشد مما نظن.

ففكرة السبية – مثلا – عند ديكارت فطرية، وعند لوك مأخوذة من التجربة، ولكن منطقه يشتمل على الدور. أما هيوم فضيق تضييقا شديدا ما تتركب منه هذه الفكرة. فإن جذورها تعود إلى تطلعنا الذي يسقيه ويرويه ما نشاهد من دوام تزامن أسباب مع ما يتلوها من المسببات. يقول هيوم:

فينجلي أن تصورنا لضرورة العلاقة السببية بين الأحداث ينبثق من عدة مرات وقوع تلك الأحداث بالتعاقب والتوالي، وألا شيء من هذه المرات – ولتكن في جميع الظروف والأوضاع الممكنة التصور – يقتضي بمفرده هذا التصور. ولكن لاتختلف عدة المرات عن مرة واحدة من الوقوع، وكل ما في الأمر أن تكرار الأمر نفسه يوطن العقل أن يشرئب عند وقوع حدث إلى الحدث الذي قد اعتاد العقل وقوعه بعد صاحبه، ويعتقد ذلك. هذه الصلة التي نتصورها في عقولنا واعتياد انتقال الخيال من أمر إلى أمر يتلوه عادة، هي الوجدان أو الانطباع الذي نلفق منه تصور القوة أو العلاقة السببية الضرورية.[xlix]

ومصدر فكرتنا من التجربة هو المحدد لما تتركب منه الفكرة. يقول هيوم:

” فيتأتى لنا بحكم هذه الظاهرة أن نرسم السبب بأنه شيء، يتلوه شيء، وكل ما يشبه الشيء الأول يتلوه ما يشبه الشيء الثاني (إلى أن قال) فيمكن بحكم هذه الظاهرة أن نرسم السبب بطريقة أخرى بأنه شيء يتلوه شيء، وتصور الشيء الأول يستتبع تصور الشيء الثاني”[l]

إذا كان ما تتألف منه فكرة السببية المستقاة من التجربة محدودا غاية الحد، فكل علمنا ودعاوينا التي تمت بصلة إلى العلاقة السببية يعود في نهاية المطاف متعلقا في حقيقة الأمر بدوام تزامن الأحداث وبمشاعر التطلع. فتضارب وجهات النظرتين العقلية والتجربية في مصادر الأفكار أفضى إلى ما تتركب منه الأفكار، وهو بدوره يؤدي إلى الاختلاف في تفسيرنا للعالم وعلمنا به.

عامة المناقشات الفلسفية ترنو إلى تعيين مكانتنا في هذا العالم، ومناقشة النظرتين العقلية والتجربية ليست بثنية، فهي تعنى بحدود العقل والتجربة لفهمنا لوضعنا وعلمنا به

 


ه: قائمة المراجع

۱: الأعمال الممقتبس منها أو المعزو إليها:

  • Adams, R., 1975, “Where Do Our Ideas Come From? Descartes vs Locke”, reprinted in Stitch S. (ed.)Innate Ideas, Berkeley, CA: California University Press.
  • Alexander, J. and Weinberg, J., 2007, “Analytic Epistemology and Experimental Philosophy,” Philosophy Compass, 2(1): 56–
  • Ayer, A. J., 1952,Language, Truth and Logic, New York: Dover Publications.
  • Bealer, G., 1999, “A Theory of theA priori,” Noûs, 33: 29–
  • Carruthers, P., 1992,Human Knowledge and Human Nature, Oxford: Oxford University Press.
  • Descartes, R., 1628,Rules for the Direction of our Native Intelligence, in Descartes: Selected Philosophical Writings, transl. John Cottingham, Robert Stoothoff and Dugald Murdoch, Cambridge: Cambridge University Press, 1988.
  • –––, 1641,Meditations, in Descartes: Selected Philosophical Writings, transl. John Cottingham, Robert Stoothoff and Dugald Murdoch, Cambridge: Cambridge University Press, 1988.
  • –––, 1644,Principles of Philosophy, in Descartes: Selected Philosophical Writings, transl. John Cottingham, Robert Stoothoff and Dugald Murdoch, Cambridge: Cambridge University Press, 1988.
  • Gorham, G., 2002, “Descartes on the Innateness of All Ideas,” Canadian Journal of Philosophy, 32(3): 355–
  • Huemer, M., 2001,Skepticism and the Veil of Perception, Lanham, Maryland: Rowman and Littlefield.
  • –––, 2005,Ethical Intuitionism, Hampshire: Palgrave MacMillan.
  • Hume, D., 1739–40,A Treatise of Human Nature, Oxford: Oxford University Press, 1941.
  • –––, 1748,An Inquiry Concerning Human Understanding, Indianapolis, IN: Bobbs- Merrill, 1955.
  • Kant, I., 1783,Prolegomena to Any Future Metaphysic, transl. Jonathan Bennett, Early Modern Texts, at www.earlymoderntexts.com.
  • Kenny, A., 1986,Rationalism, Empiricism and Idealism, Oxford: Oxford University Press.
  • Leibniz, G., c1704,New Essays on Human Understanding, in Leinbiz: Philosophical Writings, G.H.R. Parkinson (ed.), Mary Morris and G.H.R. Parkinson (trans.), London: J.M. Dent & Sons, 1973.
  • Locke, J., 1690,An Essay on Human Understanding, ed. Woolhouse, Roger, London: Peguin Books, 1997.
  • Loeb, L., 1981,From Descartes to Hume: Continental Metaphysics and the Development of Modern Philosophy, Ithaca, NY: Cornell University Press.
  • Mackie, J. L., 1977,Ethics: Inventing Right and Wrong, London: Penguin Books.
  • Nadler, S., 2006, “The Doctrine of Ideas”, in S. Gaukroger (ed.),The Blackwell Guide to Descartes Meditations, Oxford: Blackwell Publishing.
  • Plato,Meno, transl. W. K. C. Guthrie, Plato: Collected Dialogues, edited by Edith Hamilton and Huntington Cairns, Princeton: Princeton University Press, 1973.
  • Ross, W. D., 1930,The Right and the Good, Indianapolis, IN: Hackett Publishing, 1988.

۲: الأعمال الأخرى المتعلقة:

  • Aune, B., 1970,Rationalism, Empiricism and Pragmatism: An Introduction, New York: Random House.
  • Bealer, G. and Strawson, P. F., 1992, “The Incoherence of Empiricism,” Proceedings of the Aristotelian Society(Supplementary Volume), 66: 99–
  • Boyle, D., 2009,Descartes on Innate Ideas, London: Continum.
  • Block, N., 1981,Essays in Philosophy of Psychology II, London: Methuen, Part Four.
  • Bonjour, L., 1998,In Defense of Pure Reason, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Casullo, A., 2003,A priori Knowledge and Justification, New York: Oxford University Press.
  • Casullo, A. (ed.), 2012,Essays on A priori Knowledge and Justification, New York: Oxford University Press.
  • Cottingham, J., 1984,Rationalism, London: Paladin Books.
  • Chomsky, N., 1975, “Recent Contributions to the Theory of Innate Ideas”, reprinted in S. Stitch (ed.),Innate Ideas, Berkeley, CA: California University Press.
  • –––, 1988,Language and Problems of Knowledge, Cambridge, MA: MIT Press.
  • De Paul, M. and W. Ramsey (eds.), 1998,Rethinking Intuition: The Psychology of Intuition and Its Role in Philosophical Inquiry, Lanham, MD: Rowman and Littlefield.
  • Fodor, J., 1975,The Language of Thought, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • –––, 1981,Representations, Brighton: Harvester.
  • Kripke, S., 1980,Naming and Necessity, Oxford: Blackwell.
  • Huemer, M., 2005,Ethical Intuitionism, New York, NY: Palgrave MacMillian.
  • Quine, W. V. O., 1966,Ways of Paradox and Other Essays, New York: Random House.
  • –––, 1951, “Two Dogmas of Empiricism,” in W.V.O. Quine,From a Logical Point of View, Cambridge, MA: Harvard University Press, 1951.
  • Stitch, S., 1975,Innate Ideas, Berkeley, CA: California University Press.

مصادر أخرى على الإنترنت

[Please contact the author with suggestions.]

[1] Markie, Peter, “Rationalism vs. Empiricism”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2017/entries/rationalism-empiricism/>.

[i]  1690, Book I, Chapter IV, Section 1, p. 91

[ii] 1992, pp. 53–54

[iii] 1628, Rules II and III, pp. 1–4

[iv] Republic 479e-484c

[v] (See Loeb (1981) and Kenny (1986) for important discussions of this point.

[vi] 1783, Preamble, I, p. 7

[vii] e.g., Mackie 1977

[viii] (e.g., Bealer 1999 and Alexander & Weinberg 2007

[ix] 1628, Rule II, p. 1

[x] 1628, Rule III, p. 3

[xi] 1628, Rule VII, p. 7

[xii] 1704

[xiii] 1704, Preface, pp. 150–151

[xiv] Quine 1966, p. 174

[xv] Huemer 2001

[xvi] (Hummer 2005, p. 102

[xvii] 2005, p. 123

[xviii] Hume 1748, Section IV, Part 1, p. 40

[xix] Hume 1748, Section XII, Part 3, p. 173

[xx] Hume 1748, Section XII, Part 3, p. 173

[xxi] Ayer 1952, pp. 86; 93–94

[xxii] Meno, 80d-e

[xxiii] Meno, 80e

[xxiv] 1975, p. 129

[xxv] Cottingham 1984, p. 124

[xxvi] 1992

[xxvii] 1992, p. 115

[xxviii] 1992, p. 121

[xxix] 1690

[xxx] 1690, Book I, Chapter II, Section 5, p. 61

[xxxi] 1690, Book I, Chapter II, Section 5, p. 61

[xxxii] 1704

[xxxiii] 1992, p. 51

[xxxiv] p. 111

[xxxv] p. 52

[xxxvi] pp. 49–50

[xxxvii] 1992, p. 77

[xxxviii] Adams 1975 and Gotham 2002

[xxxix] Third Meditation, p. 94

[xl] Third Meditation, p. 94

[xli] 1690, Book I, Chapter IV, Sections 1–25, pp. 91–107

[xlii] 1704, Preface, p. 153

[xliii] 1748, Section II, pp. 29–30

[xliv] 1992, p. 59

[xlv] Carruthers 1992, p. 55

[xlvi] 1690, Book II, Chapter 26, Section 1, pp. 292–293

[xlvii] 1690, Chapter XXI, Section 1, pp. 219–220

[xlviii] 1748, Section II, p. 30

[xlix] 1748, Section VII, Part 2, p. 86

[l] 1748, Section VII, Part 2, p. 87

error: