المتنبي وفيكتور هوغو – ثائر زين الدين

المتنبي وفيكتور هوغو – ثائر زين الدين


لو تحدثنا عن ابي الطيب المتنبي ودوره وتأثيرة في الحركة الشعرية والنقدية في عصره , لبدا الأمر عاديّا ومسلّماً , ولتناولنا حضوره المتنوع والمتعدد الأشكال في الشعر العربي المعاصر – من إحياء الشخصية وصولاً الى استلهامها واسترفادها والتعبير بها ضمن تقانات فنيه مختلفة – لقبل دارسو وقارئو الادب المتابعون ما طرحناه , وهذا ما فعلته سابقا في كتابي “أبو الطيب المتبني في الشعر العربي المعاصر” عام 1999م وفعله بضعة نقّاد بعد ذلك في سوريا والوطن العربي.

لكن لو تحدثنا عن تأثير المتنبي أو حضوره بصورة ما في أدب شاعر وروائي مبدع من أهم كتّاب فرنسا في المرحلة الرومانسية هو فيكتور هوغو (1802م – 1885م) لاستغرب الكثيرون كلامنا وعدّوه ضربًا من التعصب القومي.

الرواية الأولى التي كتبها فيكتور هوغو ربيع عام 1821م وهو بعد في الواحدة والعشرين من عمره وحملت عنوان “هان الآيسلندي” ونشرت في طبعتها الأولى عام 1823م تشهد بأن فيكتور هوغو قرأ شعر المتنبي وأعجب به وأفاد منه, والحقيقة أن نظرة متقصية إلى تعامل المستشرقين مع شعر ابي الطيب وسيرته تؤكد ماذهبت إليه.

لقد بدأت مسيرة الاهتمام بشعر المتنبي وترجمته إلى اللغات الأوروبية من عام 1656م حين نشر غولويوس (Golius) المتوفى عام 1667م قصيدة للرجل وموجزًا عن سيرة حياته, وبعد ثلاثين سنة تقريبا ظهر كتاب “المكتبة الشرقية” لبارتلمي دوبلو (Barthelmy Dherbelot) وضم ترجمة المتنبي, ثم ظهر كتاب خص بالشاعر حمل عنوان “نماذج من الفن العربي عند المتنبي” , وضم “ست عشرة مقطوعة غزلية ومرثيتين بالنص العربي مصحوبة بترجمتها إلى الألمانية” 1, وتتالت الترجمات؛ ففي عام 1791م نشر س. ف. غونتر وال (S. F. Gunthre Wahl) “مجموعة المختارات العربية الجديدة” التي حوت خمس مقطوعات ومرثية, باللغة العربية, وعام 1797م ينشر ج. هـ. هندلي (J. H. Hindley) كتابًا مختصرا يضم سيرة ابي الطيب وشيئا من شعره, ومديحًا حماسيًا لشاعر الكوفة: “إن الكثير من قصائده ذات سمو رائع, وهي عظيمة جدًا” 2.

وينشر دوفال ديتان (Duval Destains) عام 1813م مرثية المتنبي لأبي شجاع فاتك بالنصين العربي والفرنسي, ويقدم رأيا نقديا للشاعر: “إن أبياته المليئة بالطاقة والحرارة وخطوطه المرسومة بجرأة, ولمساته الجميلة القوية, كل هذا وفر له بين المؤلفين العرب مكانة ممتازة, وبما أنه معتدل في أسلوبه, فلسنا واجدين عنده ذلك الحقير المتكلف. إن المتنبي يصور بقوة, ويمدح بلطافة, إنه ينثر في شعره الأفكار الأخلاقية.. ولا يخضع لقواعد الذوق السائدة في عصره..” 3

وسيزداد الاهتمام الغربي بأبي الطيب بدءا من 1819م؛ فتكثير بحوث المستشرقين وترجماتهم لشعره. وعليه فمما لا شك فيه أن فيكتور هوغو الشاعر أولا وصاحب ديوان “شرقيات” وغيره قد قرأ ما تُرجم للمتنبي باللغات التي يعرفها وها هو ذا يستهل فصلين من روايته الأولى بشعر له.

رواية “هان الآيسلندي” 4 –التي ترجمها الأستاذ زياد العودة إلى العربية وصدر ت عن وزارة الثقافة 2009م- تجري أحداثها في النرويج القرن السابع عشر, وهي تحكي قصة فارس اسمه أوردينر يتعلق قلبه فتاة تدعى ايتيل, محتجزة في قصر مونكولم, مع والدها شوماكير الذي كاد له خصمه المستشار دالفيلد؛ فاُتهم بجريمة ضد الدولة. وستقرر مصير السجينين علبة صغيرة تضم ما يثبت براءة شوماكير, لكن العلبة المذكورة تقع في يد قاطع طريق دموي هو (هان) وهان مخلوق بهيمي يعيش معتزلا الناس مع دب, وقد يتغذى بدم ضحاياه. يسارع الفارس أوردنير إلى البحث عن هان لإحضار العلبة وتبرئة شوماكير, ولاسيما أن المؤامرات عليه راحت تشتد. وأخيرا وبعد حوادث ممتعة يتمكن الفارس من إحضار العلبة وأسر هان وتُبرأ ساحة شوماكير وتُعاد إليه ألقابه وممتلكاته ويسجن هان, ثم يضرم في السجن حريقًا.

 

هذا هو موجز الرواية بشكل عام.

يستهل فيكتور هوغو الفصل التاسع بستة أبيات من قصيدة المتنبي الشهيرة:

لا خيل عندك تهديها ولا مال       فليسعد النطق إن لم تسعد الحال

 

ويختار من القصيدة الأبيات التالية:

القاتل السيف في جسم القتيل به       وللسيوف كما للناس آجال

تُغيرُ عنه على الغارات هيبته      وماله بأقاصي الأرض إهمال

له من الوحش ما اختارت أسنته      عير وهيق وخنساء وذيال

تمسي الضيوف مشهاة بعقوته       كأن أوقاتها في الطيب آصال

……

تقري صوارمه الساعات عبط دم       كأنما الساع نزال وقفال

 

والقصيدة كما هو معروف مكتوبه في مدح قائد جيش مصر أبو شجاع فاتك, وقد أحبه المتنبي لفروسيته وشجاعته في زمن كان كافور يحكم فيه مصر, ومدحه بهذه القصيدة الرائعة التي حملت معان جديدة في بابها والأهم من كل هذا في ذلك مجال –أقصد الكتابة الروائية- هو توظيف الإستهلال بشكل فني.وهذا ما نراه في الفصل المذكور ؛ فهو يتحدث عن زيارة الشاب الفارس اوردنير وابنته الشابة , وقد علم ان دليل البراءة وقع في يد هان الرهيب , ومع ذلك يقطع وعدًا للكونت السجين شوماكير وابنته انه سيلاحق هان ويعيد العلبة , التي تحمل رسائل ووثائق تخرجه من سجنه.

وينطلق الفارس الى غايته … بعد ان رسم الراوي صورة جميلة ومهيبة له مهّدت لها ابيات المتنبي السابقة ؛ فهي ايضا تصف فارسا شجاعا يقتحم المخاطر في سبيل غايات نبيلة كما أسلفت. وهذا يعني أن فيكتور هوغو يعلم تماما بمن قيلت الابيات ومناسبتها والملابسات التي أحاطت بها.

 

ننتقل إلى الفصل الرابع والعشرين فنلاحظ أن الروائي استهل الفصل بأربعة مقبوسات آخرها للمتنبي وهو بيتُهُ الرائع الذي يقول فيه:

ويزيدني غضبُ الأعادي قسوةٌ     ويلم بي عتب الصديق فاجزع

 

ثم يأتي الفصل فإذا به يدور إلى حد بعيد في فلك هذا البيت, فمعظم صفحاته هي حوار بين الحاكم لوفان دوكنور والسجين شوماكير, وكان السجين فيما مضى رئيسا للحكام يوم كان ضابطا صغيرا فأحبه وساعده على الترقية.

ولكن سنوات طويل تفصل الآن بينهما ولذلك لم يتمكن شوماكير من معرفة أن الحاكم الذي يقف أمامه صديق الأمس, ومع ذلك يعلن أن الحاكم يذكّره بذلك الشخص ويبدأ بالحديث عنه ويمتدحه في حين يذم الحاكم بصورة ما وهنا يتوزع الزائر بين مشاعر العتب تجاه هذا الصديق السجين الذي لم يتعرف إليه… ومشاعر الإحباط والحزن جراء الشتائم التي توجه إلى شخصه الآن كحاكم… ونراه يجزع فعلا لعتب صديقه القديم هذا من دون أن يجرؤ على التصريح بشخصيته الحقيقية ودفع بعض العتب والظلم عن نفسه.

 

فيغادره أخيرا من دون أن يبوح بالغاية الحقيقية التي دفعته إلى زيارته التي أساسها التأكد من ضلوع السجين بمؤامرة حيكت ضد الدولة…. ويقول له وهو يغادر:

–        أيها الكونت شوماكير. حافظ باستمرار نفسه للوفان دكنور.

 

وعليه فإن ما سبق يؤكد تأثر كاتب فرنسا الكبير فيكتور هوغو بأبي الطيب المتنبي شأنه شأن عدد غير قليل من الأدباء العرب والأجانب الذين أتيح لهم أن يقرؤوا شعره وسيرة حياته وهي مسألة يجب أن تثير فضول أساتذتنا من النقاد الذين يتقنون أكثر من لغة, فتدفعهم إلى البحث في هذا المجال بصورة مستفيضة وهادئة.

 

 

 


الهوامش:

1- ريجيس بلاشير, أبو الطيب المتنبي, ت: ابراهيم الكيلاني, إتحاد الكتّاب العرب, دمشق 2001م, صفحة 355.

2- نفسه, صفحة 356.

3- نفسه.

4- فيكتور هوغو, هان الآيسلندي, ت: زياد العودة, وزارة الثقافة, دمشق, 2009م.