طُرق اللاشعور: من سرداب أب الاعتراف إلى أريكة التحليل النفسي – يوسف عدنان

طُرق اللاشعور: من سرداب أب الاعتراف إلى أريكة التحليل النفسي – يوسف عدنان

يوسف عدنان

يوسف عدنان، محلل نفسي من المغرب


 “التحليل النفسي هو اعتراف بدون غفران”

   جلبرت كيت شيسترتون

إن النقاش حول ظهور التحليل النفسي وإمكانية تقبّله من طرف البيئات الغربية، لا ينفكّ عن تفقّد وضعية الكنيسة ومقامها الاعتباري داخل النظيمة الدينية في منتصف القرن التاسع عشر. فمن يُمعن اللحاظ في مسار نشوء التحليل النفسي وتبلور تقنياته العلاجية في بلدان مختلفة من جغرافيا القارة العجوز، سينتبه إلى ذلك التحول الطارئ على شكل الاعتراف، أو بتعبير أدّق، على نمط البوح المسيحي.

لقد بدا التحليل النفسي في هذه الآونة كأداة تثويرية يُمكنها تحرير الإنسان الغربي من وعيه المخدوع من خلال تحرير اللاوعي أولا من معاقل الكنيسة التي ألجمته لعقود واعتبرته عُلبة مقفلة لا تملك مفتاحها إلاّ القوى المتعالية الغيبية. حتىّ أنه يمكن القول أن انتقال مجال البوح من المؤسسة الكنسية اللاهوتية إلى المجال التحليلي النفسي، لهو أبرز علامة على نشأة الذاتية وتعمّق الإحساس بالحميمية والإقرار بوجود حياة نفسية باطنية وتقبّل حقيقة الكائن البشري وفقا لما هو عليه، كموجود تائه بين الرموز الملغّزة التي تخاطبه ومخترق بشيفرات بيولوجية وبنوازع جنسية وعُنفية ولاعقلانية إلى غير ذلك من الحقائق الصادمة التي أماط عنها التحليل النفسي الحجاب وفضح بذلك وهم الخلاص الذي اعتقلت الكنسية بواسطته الحرية الفردية وحملتها على الاعتقاد في المصير المشترك. فكلّ مسيحي هو عضو في جسد المسيح الحيّ الذي هو كنيسته المجيدة، ورأس هذا الجسد هو المسيح.

لقد فاجأ التحليل النفسي في البداية المجتمع الثقافي لا سيما أنه تناول كلّ المحرمات الموروثة وأخضعها لعملية التحليل لكي يستخلص منها الإكسير الجنسي، لبداية كل حياة (1). وبدون الإطالة في إيضاح هذا الجانب، نوجز القول بأن هذا المكتشف غير المسبوق في تاريخ المعرفة الإنسانية قد تهاوت معه العديد من ثوابت المنظومة العقائدية المتعشّشة في كنفها العصابات والأذهنة. فهو لم يبشِّر بالسعادة، ولا اعتبر التحليل بديلاً عن الدين، بل كشف عن طبيعة الإنسان الحقيقية، وبدَّد الأوهام حول سعادة مصطنعة أو مفتعلة – بمعنى أن التحليل النفسي يفضح المستور – الرذائل، الشذوذ، الكذب، الخداع، الأوهام – ويبدِّد الكبت، لكي يصل إلى حقيقة قد تكون غير مفرحة، لكنها تعبِّر عن الواقع النفسي من دون مواربة: أحببتَ أو لم تحب، هكذا هو تكوين الإنسان! فالتعامل مع الحياة على أساس الواقعية أجدى نفعًا من سعادة مصطنعة قد تكون مضلِّلة وذات عواقب تراجيدية (2). بمعنى آخر يمتح من معين فلسفي، عندما يتم كبح الغرائز وتضليل النفس لذاتها ومجانبتها لحقيقتها الذاتية ومواربتها، يحدث أن تنقلب القوى الفاعلة الحيوية إلى قوى ارتكاسية مشوهة وممسوخة، الشيء الذي أسهبت الفلسفة النيتشوية ذات الأصول النفسانية في توضيحه انطلاقا من مسألة الخطيئة التي تجتم على الضمير المسيحي، إذ ينطوي أصل الأخلاق على سيكولوجيا الكاهن الأول .. الكاهن المسيحي الذي اخترع فكرة الخطيئة، يقول عنها فريديريك نتشه في أصل الأخلاق – المبحث الثالث: بقيت الخطيئة حتى اليوم الحدث الأساسي في تاريخ النفس المريضة، إنها تمثل بالنسبة إلينا أكثر ضروب البراعة شؤما في التفسير الديني.

من المعلوم أنّ الكنيسة قد وفّرت مكانا سرّيا مقدّسا أين يمكن للذوات المسيحية الاعتراف بخطاياها والبوح بذنوبها ورغباتها الآثمة ونوال المغفرة في مقابل التوبة النصوحة. وهو المكان المنعوت بسرداب القس أو ما يسمى حجرة الاعتراف. ويدخل سر الاعتراف ضمن أسرار الكنيسة السبعة، وهي تعني كـما جاءت في الكتاب المقدس “مواهب ولها علامات تشيـر إلى أمور مقدسة خفية”. وعليه فالسر الكنسي إذن معناه نعـمـة غـير منظـورة نحصل عليها بممارسة طقس ظاهـر ذي علاقـة بهـا على يد كاهـن شرعـي (3). ومن المعروف كذلك أن الاعتراف له تأثير تطهيري تفريغي cathartic، وكلمة طهارة والتي تعني باليونانية ” أن تنظف وتفرغ to clean out ” وبهذا المعنى، الاعتراف هو تنظيف النفس وتفريغها من المشاعر المضطربة المتعبة ومن أحاسيس الذنب وإعادة بناء لعلاقته مع الرب (سيكولوجية الاعتراف، ص 34/35).

يُعتبر الاعتراف إذا ما حاولنا إيجاز القول نعمة إلهية للتائب، فالمؤمن يعترف أمام رجل الدين بالذنوب أو الخطايا التي اقترفها ويحظى بعفو مشروط بمدى صدق السريرة والتقوى الشخصية. ومن الناحية الشكلية يأتي المؤمن إلى كرسي الاعتراف -مع الاختلاف في كيفية الاعتراف بين الطوائف المسيحية -ويبوح أمام رجل الدين الجالس وراء نافذة مِشبكه. هذا الشباك لا يتيح لرجل الدين رؤية المُعترف وتحت غطاء السرية يمكن للمعترف أن يتحدث بحرية تامة. كما ينقسم الاعتراف إلى ثلاثة معاني: المعنى الإيماني، أي الاعتراف بالمسيح فاديًا ومخلّصا. “إن آمنت بقلبك واعترفت بفمك تخلص” هذا معنى إيماني. المعنى الثاني وهو معنى روحي يفيد الشكر لله. “اعترفوا للرب” أي أشكروا الله كما في (مزمور 116). أمّا المعنى الثالث فمعنى يخص التوبة والإقرار بالخطية وطلب المغفرة *.

وتجدر الإشارة إلى أن الاعتراف يمرّ عبر اسم الأب in the Name of Feather، هذا الاسم ذي الحمولة الدينية الذي أوجد له المحلل النفسي جاك لاكان مكانا في صلب تشكيلات الذات المسيحية .. لكن وفق المنهجية التحليلية لم يعد هذا الاسم عالق في مركب الأنا الأعلى الزهدي الذي يتمتع به الراهب وإنما صار مقولة حاملة للفونتازم أو المجاز الأبوي (4).

لقد حافظ التحليل النفسي على بعض الطقوس الملازمة لسر الاعتراف. ففي الاعتراف كما في التحليل النفسي، يكون المُتوقع من الفرد أن يتحدث ومراجعة النفس والتصريح بالإحباطات المكبوتة في الظل. يقول القديس ماراسحق السرياني: “ادخل إلى منزلك وخزانتك الباطنية وسوف تبصر كنوز السماء”. أي أن معرفة النفس تحتاج إلى النزول الى منحدرات الذات. أما من حيث البروتوكول الموقعي، فالمحلل النفسي يتوارى خلف نزيله، تاركا له فضاء التداعي الحرّ للخواطر والأفكار والنسيات والمخاوف والهواجس (…) الخ، في حين يلتزم أب الاعتراف بالنظر والحديث من وراء شبك مستُور يخفي الوجوه ويسمح بمرور الكلام. كذلك يتقاسم كل من المحلّل وأب الاعتراف نفس الشرط الأخلاقي وهو الوفاء للسرية التي تحيط بمسألة البوح، حيث لا يجوز إفشاء سرائر المعترفين الراغبين في امتحان مشاعرهم واختبارها. غير أن هذا لا يعني وجود تطابق تام بين نمطين البوح، فآباء الكنيسة لا يصرفون نفس القدر من الوقت مع المعترفين، ولا تنمو بينهم وبين المعترف نفس نوع العلاقة الحميمية الشخصية التي تتوطد بين المحلّل والمعالج. وهو ما قد يقودنا لتناول مفهوم التحول أو الترنسفير بين المحلّل وأب الاعتراف.

سواء أتم ” التفريغ  abréaction ” في العلاج النفسي أو في سر الاعتراف، فهو يحدث عن طريق عملية التحول the process of transference، إذ أن المعالج أو التائب يحول شعوره بالعدوانية أو الألم إلى المُحلِل أو أب الاعتراف، وبهذه الطريقة يصير الشخص أكثر وعيا بالصراع الذي سبب الشعور الذنب أو رسوب العقدة *. لذا، لا بد أن يكون لدى أب الاعتراف سلطان وأن يتمتع بشخصية مُحبة وقادرة على مشاركة الآخرين في مشاعرهم، وهذا أمر أساسي وحيوي لإنماء علاقة الثقة مع المعترف، تماما كما هو الحال مع المحلل النفسي الذي يتّصف سلوكه بالصبر والوداعة والرقة والتعاطف والاستعداد الدائم للإنصات وتقديم يد المساعدة وما دون ذلك من المقومات. وبالتالي تختلف عملية الاعتراف عن العلاج النفسي، ذلك أن اهتمام الأول في الاعتراف ينصبّ على علاقة المعترف بالرّب وليس بأب الاعتراف الذي يكون وسيطا فقط، بينما التحليل النفسي هو اعتراف لكن بدون غفران.

ونحن نقتفي مسالك تشكّل الاعتراف اللاديني- أي الاعتراف النابع من ذاتية خاصة- لا يمكننا اغفال مدى حجم الإغراء الذي مارسه فن التحليل النفسي على مجال الكلام المخترق بحركات الرغبة. فإذا كانت الذات التي تعترف بخطاياها أمام الراهب من وراء ستار ، طامعة راغبة في الغفران والتطهير كغايات قصوى، فالأمر قد بدا مختلفا جذريا في تجربة الاعتراف مع المحلل النفسي.  ومن ضمن مجموعة من الأسباب التي تؤكد هذا الاختلاف وترسم حدودا واضحة بين ما هو إيماني وما هو نفساني؛ أنّ المُعترف يأتي عند الراهب من منطلق أنه فهم ما يقع له وما يمرّ به، ويطلب تصحيح مساره الدنيوي لكي يكون من ورثة النعيم في منقلبه الأخروي ويحظى بالاستقرار الداخلي. عكس المُحلَل الذي لا زال يعاني ويجهل الأسباب، لذلك يطلب من المحلل النفسي يد العون لمساعدته على التخلص من أزماته النفسية التي تفسد عليه عيش حياته في توازن ورضى عن النفس. فسّر المصالحة الذي يكفله طقس الاعتراف ليس المراد منه البوح بالخطايا فحسب، بقدر ما هو إعادة تصحيح العلاقة الروحية مع الرب وطلبه التوبة والغفران وتخفيض من الشعور بالذنب المثقلة به الذات المسيحية. بينما لا يستطيع المُحلِل أن يهب هذا الغفران الموهوم للمريض، بقدر ما يمكنه أن يساعده ليدرك مسئوليته الشخصية عن أعماله، وهكذا يحرّر نفسه (5). فليس هناك وصفة تصدق على كل الذوات في حالة الاعتراف، ما دامت شخصية المرء هي شيطانه (هيراقليط).

لقد جاء التحليل النفسي ليعيد تصويب فهم المرء لذاته ممّا جعله يبدو كمنازع لمكان الاعتراف الذي وفّرته الكنيسة في شخص راهبها ولاتزال. فعلى خلاف المجال الروحي الذي تأتي القوة من الرّب عبر تدخله في الموقف البشري، تنحدر القوة في المجال النفسي من تحقيق الانسجام مع الذات، وهكذا يتحقّق التفسير نتيجة التقرب من الذات، أي نتيجة سكن الإنسان لذاته. وهناك منطوق للمحلل النفسي جاك لاكان يفيد في تفهيم هذا الجانب، حيث يقول في حوار له: إنكم في التحليل النفسي لا تطلبون من المحلِّل سوى شيء واحد: أن يتكلم. إذا كان التحليل النفسي موجودا، إذا كانت له مفعولات، فإن ذلك يندرج خصيصا داخل نظام الشهادة والاعتراف” (6).

يعدّ البوح والكلام الصادق عن النفس من القواسم المشتركة بين التحليل النفسي ومكان الاعتراف. فالمحلّل والمعترف كلاهما يتكلّمان عن ذواتهم أمام إنسان آخر، لكن ما قد يختلف هو  إيتيك قول الحقيقة. ففي مجال الرهبانية لا وجود للبحث عن اللاوعي كما هو الحال في المجال النفسي التحليلي، وإنما هناك سعي للتقرب من الرّب كما أسلفنا الذكر. من هذا المنطلق يُفهم استبعاد التحليل النفسي من المشهد التيولوجي، لأنه يضطلع إلى منافسة الخطاب الديني في استفراده بالحقيقة التي ينبغي أن تبقى محجوبة ومحاطة بالسرية حتى على أصحابها في حياتهم الأرضية. فمع ظهور التعليم اللاهوتي العقائدي والرعائي سيؤخذ الاعتراف شكلا مؤسساتيا رهيبا يقوم على طمس المعرفة باللاشعور. هذا دون تناسي بيع الكنيسة مغفرة الخطايا بصكوك للغفران. وهذه المجانبة للاشعور تنطبق أيضا على الدين الاسلامي، فالحقيقة ليست في هذا العالم إنما في الآخرة، في يوم الميعاد عندما تنكشف لكلّ نفس حقيقتها أي في آخر الزمان – أما قبل ذلك فهي في حكم الكبت (7).

بمعنى آخر، ليس هناك توجيه أو حثّ للمعترف على بدل مجهود ذاتي للتعرف على الدوافع التي تسمّر عجزه و تحُول دون تغلّبه على ضعفه أمام خطيئة تتكرر متخذة عدة أشكالا مرضية تنطق بلغة الأعراض. والدليل على ذلك أن التصرفات اللاشعورية تنسب إلى الخطيئة، بينما التحليل النفسي يساعد المتكلّم على مجاهدة النفس كي يفهم الفرد أكثر تصرفاته وعللها أيضا، وبالتالي ضعفه أمام الخطيئة، في الوقت الذي يكتفي فيه الراهب بتفحص إيمان المعترف. علاوة على ذلك فمفهوم الخطيئة -إلى جانب الغفران والحلّ-ليسوا مدرجين في أخلاقيات التحليل النفسي، الذي يؤخذ مزاوله موقعا حياديا مع معتقدات أيّ دين كان، لتجنب أي اسقاط يمكنه أن يعيق عملية الشفاء. وبالتالي فهو يربط مسألة الاحساس بالذنب بمسميات منسوبة إلى الحقل العلمي، كالكبت والقمع وعدم إشباع الرغبات الأساسية لا كما يُرجعه التفسير الثيولوجي إلى الخطيئة الأصلية.

بعد اكتشاف التحليل النفسي للاوعي، أصبحت الحياة السرائرية للأفراد في متناول المحلل النفسي ولم تعد معرفة ترنسندتالية يستحوذ عليها العلم الالهي. فالتحليل النفسي سدّ فجوة تلك الخارجانية الذاتية التي عرفها الأنا المسيحي. عكس الواقع الاسلامي الذي لم تعرف فيه الذوات مسارات التفرّد – ليس بالمعنى اليونغي للكلمة -وضلّ التركيز على محور الأنا، بما هي غريبة عن الثقافة الدينية الإسلامية، لأن “الآخر” فيها هو الجمع بـ “النحن”. إن الثقافة العربية هي، في الأساس، دينية. فاللاوعي، في المفهوم الشعبي والديني، هو من علم الله، وكل فكرة تريد أن تكشف عن هذا اللاوعي تصبح دخيلة وتدخل حتمًا في منافسة مع الدين. وكلما زاد التزمّت ضاقت فسحة تحرر الأنا واكتشاف اللاوعي (8).

يتضح من خلال ما سبق التأشير عليه، أن اللاوعي يحتل مكانة ميتافيزيقية متعالية، مادام هو مجال محتكر من طرف المعرفة الالهية. فالعبد لا يعلم عن نفسه كل شيء، ولا ينبغي له –تحت وطأة التسليم – العودة الى نفسه. وعليه، يحدث انمحاء اقصى للذاتية، فالفرد يعيش في آلة الخارج، كأنه يعيش منفيا أبدا خارج أعماقه وخارج هويته الحميمية (9). كما أن الداخل الغامض مرتبط بالنفس الامارة بالسوء فلا يجب أن يكون للذات المسلمة داخل، خصوصا وأن العالم الداخلي خارج الشريعة. إن هذه المقدمات تنبؤ بلا شك بدرجة المقاومة الثقافية وبرودة الاستقبال التي سيحظى بها التحليل النفسي عند حلوله على المجتمعات ذات المرجعيات الدوغمائية المتزمتة والموسومة بذاتيات منغلقة.

إن التحليل النفسي كما نعرف ليس ضد الدين شرط أن لا يكون منغلقا .. ولكن على ما يظهر أن رجال الدين أصبحوا قوّة نرجسية وسلطوية، يقفلون الباب على كل من يريده أن ينتقص من نفودهم.  فاستقطبوا حق التأويل والعلم الإلهي ووضعوا حدّا لأي معرفة باللاوعي، لأن اللاوعي هو من العلم الإلهي ولا يحق إلاّ للضليعين في العلم الديني أن يدخلوه – فلذلك وقف التحليل النفسي على باب الفكر ينتظر أن يسمح له بالدخول (10). إن الحقيقة تظل صعبة المنال وليست متاحة بصفة اطلاقية أو يميزها طابع الجاهزية، ولهذا السبب كان فرويد يردد دوما: أنا لست عالما ولا مثقفا ولا مفكرا، أنا فاتح!

بالرغم من اختلاف شكل الاعتراف بين الأب الراهب والمحللّ النفسي إلا أن هذا لا يحجب الإرهاصات المسيحية الرهبانية للتحليل النفسي (حتى يلتزم الموضوع بطابعه الحيادي)، والتي تفسّر تلك الألفة التي يحظى بها داخل البلدان الغربية على خلاف سواها. فالفئات المسيحية نراها أكثر تقبّلا للتحليل النفسي من المجتمعات الإسلامية (11). إذ هناك ذلك الاحتياج الإنساني داخل المسيحي الأرثوذكسي إلى العودة إلى محبة الرب ثانية، إلى تنقية الضمير، إلى الشعور بالشفاء مرة ثانية، وهناك أيضا الاحتياج الداخلي أن نحكي لشخص آخر عما يزعجنا ويؤلمنا .. هذه الحاجات والاشتياقات كلها تمثل القوة الدافعة التي تحثنا على الاعتراف (12). أضف إلى ذلك أن المجتمع الغربي، الذي يعاني من فقدان القيمة الروحية، وجد في التحليل ملاذًا، كما لو كان أشبه بالمِلَل والنحل الدينية، يترأس كلَّ جماعة سيدٌ يتوسط المجموعة ويملي الأفكار ويوزعها من دون منازع ذاكرا ذلك المحلل النفسي عدنان حب الله (13).

ختاما يمكن استجماع أطراف الموضوع من خلال التأكيد على أن اللاشعور لم يعرف طريقا أحاديا، بل خاض مسارات تماشت مع طبيعة التفكير البشري، فمن المعرفة الشامانية إلى الكنسية مرورا بالمعرفة الفلسفية ثم العلمية لينتهي به المطاف عند المقاربة التحليلية النفسية، آخذين بتنبيه أو استنتاج المحلل النفسي جاك لاكان الذي أفضى إلى اعتبار موضوع التحليل النفسي هو موضوع العلم نفسه. فمن دون الخطاب العلمي لا يمكن بزوغ التحليل النفسي وفي تأويل آخر، إن الذات الناجمة عن الخطاب العلمي هي ذات مريضة، لذا دخل التحليل لأخذها على عاتقه (14).

 

 

 


الهوامش:

  1. مصطفى صفوان وعدنان حب الله، اشكاليات المجتمع العربي – قراءة من منظور التحليل النفسي، المركز الثقافي العربي، ط 1، 2008، ص 217.
  1. راجع مقالة للمحلل النفسي عدنان حبّ الله تحت عنوان” تحرير اللاوعي من المنافسة مع الدين “.

http://www.maaber.org/issue_august07/depth_psychology2.htm

  1. نيكولاس. جامفاس، سيكولوجية الاعتراف، ترجمة شريف يوسف جيد، مراجعة وتقديم د/ رسمي عبد الملك رستم، المطبعة الأنبا رويس (الاوفست) – العباسية – القاهرة.

* يُتني لوثر على سر الاعتراف قائلا : ” إني أعتبر الاعتراف الشخصي شيئاً ثمينا جداً ونافعاً للصحة الروحية، آه.    في الحقيقة من المؤلم جداً لكل المسيحيين إذا لم يكن هناك اعتراف خاص ويجب أن يشكروا الله بكل قلوبهم    أن الاعتراف مسموح ومتاح لهم”. راجع: تاريخ الكنيسة، الدكتور القس جون لوريمر، ترجمة عزرا مرجان، الجزء الرابع، دار الثقافة، 1990، صفحة 136.

  1. راجع في هذا الصدد مؤلف عدنان حب الله: من فرويد إلى لاكان، مركز الإنماء القومي.

*  كان فرويد أول من ناقش ظاهرة التحول، إذ لاحظ أن هناك ارتباطا سريا ينشأ بين المريض والمعالج النفسي        في عملية العلاج، ولاحظ فرويد أن المرضى يتعاملون ويتفاعلون مع والديهم في الفترات المبكرة من حياتهم،   ويعطي المرضى قوة هائلة للطبيب الذي يصير في الغالب محور حياة المريض العاطفية، راجع: سيكولوجية الاعتراف، ص 35.

  1. سيكولوجية الاعتراف، مرجع مذكور، ص 42.
  2. مقتطف من حوار مع المحلل النفسي جاك لاكان، الإكسبريس الفرنسية، 1957.
  3. اشكاليات المجتمع العربي – قراءة من منظور التحليل النفسي، المركز الثقافي العربي، ص 221.
  4. تحرير اللاوعي من المنافسة مع الدين، مرجع مذكور.
  5. المجلة العربية للعلوم النفسية، ملحق العدد 39 – 40، المجلد التاسع، صيف / خريف 2013.
  6. إشكاليات المجتمع العربي – قراءة من منظور التحليل النفسي، المركز الثقافي العربي ، مرجع مذكور، ص 27.
  7. نفس المرجع، ص 110.
  8. سيكولوجية الاعتراف، مرجع مذكور، ص 43.
  9. مرجع مذكور.
  10. اشكاليات المجتمع العربي – قراءة من منظور التحليل النفسي، المركز الثقافي العربي، مرجع مذكور، ص 219.

 

error: المحتوى محمي