الكاريزما: هبة غامضة وخطيرة – جون بوتس / ترجمة: جمانة الجديبي

الكاريزما: هبة غامضة وخطيرة – جون بوتس / ترجمة: جمانة الجديبي

مراجعة: محمد الرشودي


 

إنه لمن الأسهل تمييز الكاريزما عن تعريفها. تحددث الصحف والمجلات بشكل دائم عن القادة الذين يتمتعون بكاريزما عالية، مثل جون كيندي، ومارثن لوثر كينغ، وباراك أوباما، لكن قلما تصف هذه المقالات ذاتها ماهية الكاريزما. عادة ما يكون أمر الكاريزما كصفة ضرورية للقادة ذوي الرؤية التحوّلية موضوعًا للنقاش، بينما تعِدُ الرفوف المليئة بكتب تطوير الذات، وبطريقة إيجابية، بكشف أسرار الكاريزما. ويتمسك آخرون بأن الكاريزما شيء لا يمكن إطلاقه أو اكتشافه على الإطلاق لأنه أمر فطري، وتظهر فقط بين أفراد هم من الندرة بمكان. إذًا، لنسأل من جديد، ماهي الكاريزما بالضبط؟

       نجد أصول الكاريزما في رسائل القديس بولس الطرسوسي، المكتوبة منذ حوالي سنة ٥٠ بعد الميلاد. وكان هذا الاستخدام الأول لكلمة “كاريزما” المشتقة من الكلمة اليونانية “نعمة” (Charis). بالنسبة للقديس بولس، عنت الكاريزما “هبة بفضل من الله ” أو “الهبة الروحية”. في رسائله للمجتمعات المسيحية الوليدة المنتشرة حول الإمبراطورية الرومانية، كتب بولس عن الكاريزما أو الهبات الروحية أنها متوفرة لكل فرد من أفراد المجتمع. لقد حدد تسع “كرامات”، بما فيها النبوءة، والشفاء، والتخاطب مع روح القدس، وتفسير ذاك الخطاب، والتعليم، والإحسان. إنها سلسلة من العطايا الغيبية والعملية.

        بالنسبة لبول، كانت الكاريزما مفهومًا صوفيًا، كان يعتقد بأن العطايا تتنزل داخل كل فرد دون الحاجة إلى اللجوء الى سلطة الكنيسة أو مؤسساتها. ولم يكن ثمة شيء يسمى كاريزما القيادة، فالكاريزما مجتمعة عُنيت بخدمة المجتمع دون الحاجة الى قائد مفوض. ومع ذلك، وخلال القرن الرابع، قامت الكنيسة على نطاق واسع بقمع مفهوم الكاريزما المستمد من روح القدس. اُستبدل هذا المفهوم بهرمية القيادة الكنسية، والذي كان يعتلي هرمه الأساقفة، مفسرين القوانين الدينية الراسخة والمدونة في الإنجيل المصرح له حديثًا. لم تنجُ الكاريزما سوى في المناطق التي تنتشر الهرطقة فيها، متجسدة بالنبوة التي يزعم اصحابها الإلهام الإلهي المباشر دون وساطة وتدبر الأساقفة أو الكتاب المقدس. هرطقة ما لبثت أن قمعتها الكنيسة قسراً.

       خملت الكاريزما لقرون، ثم وُلدت من جديد في كتابات القرن العشرين على يد أعمال عالم الاجتماع الألماني ماكس ويبر. إننا، في الواقع، مدينون في تعريفنا الحالي للكاريزما إلى ويبر، والذي أخذ مفهوم الكاريزما من أفكار بول الدينية ثم علمنها ووضعها في علم الاجتماع للقيادة والسلطة. بالنسبة لويبر، كان هنالك ثلاثة انواع من السلطة: العقلانية –التشريعية، والتقليدية، والكاريزماتية. رأى ويبر بأن الشكل الكاريزماتي للسلطة هو بمثابة ترياق ثوري غير مستقر لمفهوم القفص الحديدي للعقلانية الذي تأسس في العالم المعاصر “الواهم”. اعتقد بأن هنالك شيئا بطولي خلف القائد ذي الكاريزما الذي يؤجج اتباعه بالمآثر العظيمة أو “بخطاباته الكاريزمية” الملهمة.

       عرّف ويبر الكاريزما بأنها “صفة معينة لشخصية الفرد، والتي تجعل منه شخصًا مميزًا، وبناء عليها يُنظر إليه كشخص استثنائي ويُتعامل معه كموهوب ذي قوًا خارقة، أو تجعله بالتحديد، وعلى الأقل، شخصًا ذو قوى أو صفاتٍ استثنائية”. لقد تتبع ويبر القادة الكارزماتيين خلال التاريخ في الفرد ذي القيادة الدينية أو العسكرية العظيمة، وتمسك بأن القيادة الكارزماتية ستستمر في الظهور حتى في عالم تحكمه بيروقراطية قوية كما هو حال عالمنا المعاصر.

       توفي ويبر عام 1920، ولم يعش ليرى تطبيق فكرته في السياسة والثقافة المعاصرة. لربما كان هذا شيئا حسنًا، حيث أن أول قياديين سياسيين وُصفوا بالكارزماتيكية كانوا هتلر وموسوليني. وقد خلّف هذا لدى كثير من المثقفين الأوروبيين الإحساس بأن السلطة الكاريزمية لها بُعد مشؤوم. وقد ظل هذا الجانب المظلم للقيادة الكارزمية لفترة طويلة، ففي عام 1960، أثر قادة الطوائف الدينية، مثل تشارلز مونسون، بخطاباتهم الساحرة على الأتباع بتغيير مفهوم الكارزمية. وبحلول ذلك الوقت، تُرجمت أعمال ويبر، وبذلك انتشرت الكارزمية في العالم الناطق بالإنجليزية بحلول الخمسينات.

      أول من عُرف إعلاميا من السياسيين بالكارزمية بشكل إيجابي، عوضا عن الديماغوجي، هما جون كيندي وأخوه روبيرت كيندي. بعد فترة الستينات، أصبح استخدام مصطلح كاريزما سائدًا، كما كان يطلق على الأفراد البارزين إلى جانب القادة السياسيين، على الأرجح أن محمد علي كلاي مثلاً كان أكثر شخصية كارزماتية على الإطلاق بين أقرانه.

       تستخدم الكاريزما اليوم لوصف مجموعة من الأفراد مثل السياسيين، والمشاهير، وقادة الأعمال التجارية. نفهم الكاريزما بأنها صفة استثنائية وفطرية تضع أشخاصًا محددين في معزل وتجذب آخرين لهم. فهي تُعتبر على وجه الخصوص موهبة نادرة. فعلى سبيل المثال، كان لبيل كلينتون في السياسة الأمريكية حضور كاريزماتي، و كذلك الحال مع أوباما، ولكن في الذاكرة السياسية الأخيرة، لا أحد يستحق هذا الاحتفاء. في التجارة، يُعتبر ستيف جوبز القائد الكاريزماتي النموذجي، فهو حالم، ومّتقد، ولكنه متقلب، وغير مستقر. وفي ثقافة المشاهير، تعتبر الكاريزما علامة على ندرة الأصالة، حيث يغلب في مجال صناعة الترفيه تكريس الشهرة الزائفة عن طريق برامج تلفزيونية مثل  “The Voice” و .”Idols” لا يمكن للكاريزما أن تصنع من خلال البرامج الواقعية[1].

       هل الكاريزما صفة مرغوبة في السياسيين المعاصرين؟ وصم كاتب السير السياسي دايفد بارنيت[2] الكاريزما أنها “إحدى أخطر المفاهيم التي يمكن الإشارة إليها في الديمقراطية”. بإمكان القادة الكارزماتيين إلهام أتباعهم ببلاغة الخطاب، والذي بإمكانه بث الانقسام والإضرار بمصير الحزب أو حتى الأمة. لذا تكتفي الأحزاب السياسية بشكلٍ عام بقادة مشهورين، خالين من التهديد، وذو شعبيه تكفي لجذب عامة الناس. في استراليا، كان كان رئيس الوزراء الكاريزمي، بول كيتينغ، حالمًا، ولكنه أيضا قيادي متمرد، انسلخ عن حزب العمال التقليدي بغطرسته المحسوسة. وكان خليفته، جون هاورد، يعتبر شخصًا خالٍ من الكاريزما على نطاق عالمي، ولكن اتضح بأن اعتياديته هي أعظم أسلحته، فقد كان أسلوبه القيادي مطمئنًا بدل أن يكون أسلوبًا مهددًا. في الوقت نفسه في إيطاليا، كان سيلفيو برلسكوني أحد القادة الشعبيين الذين آذوا الديموقراطية بتوليهم لمنصب رئيس الوزراء. قد يكون القائد الكاريزمي مثيرًا، بل حتى آسرًا، ولكن قد لا يترك نجاح هكذا قائد حزبًا سياسيًا أو ديموقراطيةً في حالة جيدة.

     تمتد الكاريزما كفكرة إلى ألفي عام. هل هنالك رابط ما بين الكاريزما المعاصرة -باعتبارها شكلاً مميزًا من أشكال السلطة- والكاريزما الدينية بعصر بولس؟ إنها تعتمد على فكرة الفطرة، الهبة الإلهية. قال بولس أنه لا أسقف ولا كنيسة يحتاجان إلى نعمة الكاريزما، إنها ببساطة مضيئة بداخل الشخص كهبه روحية. تضل الكاريزما إلى اليوم مبهمة، وغير معروفه، وبطريقة ما غير قابلة للاختزال. لا أحد يعلم لماذا كان لأشخاص نادرين كرامة الكاريزما، إنها باقية وللأبد كهِبه غامضة.

 

المصدر

 


[1] Reality TV Shows

[2] David Barnett

error: المحتوى محمي