روح بوتين: القيصر الجديد، صعود بوتين وحكمه – ستيفن مايرز / ترجمة: بندر الحربي

روح بوتين: القيصر الجديد، صعود بوتين وحكمه – ستيفن مايرز / ترجمة: بندر الحربي

the new tsar

غلاف الكتاب

الفصل الثاني عشر: روح بوتين


بعد ظهر يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، جمع بوتين ثمانيةً وأربعين صحافيًّا في الكرملين، في مراسم تقليدية تعود إلى الحقبة السوفيتية؛ لتكريمهم وليسبغ عليهم شرف الدولة. وفي تصريحاته المقتضبة أمام كاميرات التلفزيون التي خصَّ بها المراسلين الحربيين الذين قَدِموا من الشيشان قال: “إنهم يواجهون حربًا دعائية منظَّمة تنظيمًا جيدًا، يمولها المتمردون بسخاءٍ. وأردف يخاطبهم: “إنَّ عملية السلام تكتسِب زخمًا كبيرًا هناك من خلال إنجازاتك”.

ثم أوضح الرجل الذي حيَّد شبكة التلفزيون الخاصة الوحيدة، وشبكة الدولة الوحيدة التي أظهَرَت استقلالاً، أنَّ وسائلَ الإعلام تمثل ركنًا مهِمًّا من روسيا الجديدة. وأضاف “إنَّ التغيرات السياسية والاقتصادية الضخمة ستكون مستحيلةً في روسيا، دون أنْ يساندها إعلام شامل حرٍّ”.

وبمجرد أنْ انتهى الحفل، استدعاه مساعدوه الأمنيِّون إلى قاعة المؤتمرات، حيث شاهدوا الأخبار التلفزيونية عن الطائراتِ التجارية التي تحطَّمَت باصطدامها بمركز التجارة العالميِّ والبنتاغون؛ ذلك الهجوم الذي شنَّه تنظيم القاعدة، الذي طالما تحدَّثَ الرُّوس عن دعمه للمتمردين الشيشان.

التفت بوتين لصديقه وزميله القديم في جهاز المخابرات السوفيتيِّ سيرجي إيفانوف قائلًا: “ما الذي يمكننا القيام به لمساعدتهم؟!”.

نظر العديدُ من المراقبين تاليًا إلى استجابة بوتين في هذا الموقف بتهكُّم، ولكن في الساعاتِ التالية بعد الهجماتِ وجدوا أنه تصرَّف بسرعة وبموضوعية؛ لمساعدة الدولة التي كان يُنظر إليها بعين الريبة. حاول الاتصال هاتفيًّا بالرئيس الأمريكي جورج بوش، ولكنه لم يتمكن من ذلك؛ لأنَّ الطائرة الرئاسية كانت تتنقل من مكان إلى آخر في الولايات المتحدة.

عندما حاولت مستشارة بوش للأمن القوميِّ، كوندوليزا رايس، الاتصال بإيفانوف، تناول بوتين سماعة الهاتف على الفور. وأكد لها أنه لن يزيد حالة تأهُّب العسكريِّ الروسيِّ ردًّا على تحرُّك أمريكا نحو الحرب؛ في الواقع، خفَض حالة التأهب وألغى المناورات العسكرية في المحيط الهادي التي كانت قد بدأت في اليوم السابق لمحاكاة الصراع النوويِّ مع الولايات المتحدة. وقال لها: “هل هناك أيُّ شيء آخر يمكننا القيام به؟”، عندها ومَضَت في رأسها فكرة: “أن الحرب الباردة قد انتهت بالفعل!”.

كان بوتين أول زعيم في العالم يتصل بالبيت الأبيض، حتى قبل أنْ تتضح معالم الهجوم. وفي وقت لاحق اتصل هاتفيًّا برئيس الوزراء البريطانيِّ توني بلير، والمستشار الألمانيِّ جيرهارد شرودر، وكرَّر: “أنَّ العالم يجب أنْ يتحد ضد آفة الإرهاب”.

وعلى النقيض من صمته الحذِر بعد كارثة الغواصة كورسك وغيرها من الحوادث الكبيرة، ظهر بوتين على شاشاتِ التلفزيون، وأعرَب عن تعازيه لضحايا ما وصفَه “بالفعل غير المسبوق من العدوان” وقال: “إنَّ الحدث التي وقع اليوم في الولاياتِ المتحدة يتجاوز الحدود الوطنية، إنه تحدٍّ سافِر للبشرية جمعاء، على الأقل الإنسانية المتحضِّرة”. وأوضح أنَّ هذه المأساة فرصة لإعادة تشكيل العلاقات الدولية لمكافحة “طاعون القرن الحادي والعشرين”. وأضاف: “أنَّ روسيا تعرَّف عن كثب ما هو الإرهاب؛ لذلك نحن نفهم – وكذلك أيُّ شخص- مشاعر الشعب الأمريكيِّ”، مخاطبًا شعب الولايات المتحدة باسم روسيا: “أودُّ إنَّ أقول إننا معكم، وجميعنا يشارككم كامل تجربة الألم المريرة.”

وبحلول الوقت الذي اتَّصل به بوش يوم 12 سبتمبر، كان بوتين قد أمر بلحظة صمت تضامنًا، إشارةً من قمة السلطة لتخفيف المشاعر المعادية للولاياتِ المتحدة الضارية بجذورها في أعماق السياسة الروسية في هذا الوقت على الأقل، التي جاءت بعد عامين فقط من الاحتجاجات المناهضة للولايات المتحدة ضد حرب الناتو في صربيا، وقام كثير من الرُّوس – وليس جميعهم بالتأكيد- باتباع حذوَ بوتين، ووضعوا الزهورَ خارج السفارة الأمريكية، وتغيرت نبرة التلفزيون الحكوميِّ بشكل ملحوظ، حيث تتجلَّى الحالة المزاجية للكرملين. قال بوتين لبوش “الخير سينتصر على الشر، أريدك أنَّ تعرف أننا في هذا الصراع، سنكون معًا”.

تبدو أنَّ استجابة بوتين تثبت صحة انطباع بوش الأولى عنه، التي لم يكن أحد يتوقعها عندما بدأت الإدارة الجديدة. فقد شجب بوش الحرب في الشيشان بشدة أكبر من كلينتون، ويرى من خلالها أنَّ الديمقراطيين كانوا متساهلين مع روسيا، خلال حملته الانتخابية ضد آل جور عام 2000. ومن الأيام الأولى لبوش في منصبه، بدَت العلاقات مع روسيا محتقنة؛ ففي يناير 2001، اعتقل حرس الحدود الأمريكي بناءً على مذكرة اعتقال دولية بافل بورودين بمجرد هبوط طائرته في نيويورك. فبعد توليه منصبه، نقَل بوتين بهدوء بورودين من منصبه مشرفًا على ممتلكاتِ الكرملين باحتفالية كبيرة، وعيَّنه مبعوثًا لدولة الوحدة بين روسيا وروسيا البيضاء، وهي كيان أنشئ 1996 ولكن لم يتحقق. أغلق المدَّعي العام الروسي الجديد فلاديمير أوستينوف التحقيق في أنشطة بورودين بصمت، إلا أنَّ السويسري لم يغلق قضيته؛ فقد عمَّم كارلا ديل بونتي مذكرة اعتقال بورودين، مُتَّهِمًا إيَّاه بقبول رشاوى تبلغ نحو 30 مليون دولار من العقود التي أصدرَها لترميم القصر الكبير في الكرملين والدائرة المالية، الفضيحة التي شوَّهت رئاسة يلتسين تلقي الآنَ بظلالها على العلاقات مع الرئيس الأميركيِّ الجديد بوش، حيث كانت موضوع أول مكالمة هاتفية لبوتين مع بوش يوم 31 يناير، 2001.

أصبحت العلاقات في غضون أسابيع تزداد سوءًا؛ ففي فبراير، كشف مكتب التحقيقات الفيدرالي أخيرًا الجاسوس الذي أمضى في صفوفه فترة طويلة: روبرت هانسن، وهو من كبار المشرفين على مكافحة التجسس، حيث تجسَّسَ لحساب الاتحاد السوفياتيِّ ثم لحساب روسيا حتى مساء يوم اعتقاله. أدَّى كشفه لطرد خمسين دبلوماسيًا رُوسيًا من الولايات المتحدة، وكردَّة فعل انتقامية؛ تمَّ طرد خمسين أميركيًّا من موسكو.

بدا أنَّ الحرب الباردة أخذت منحى جديدًا، ولكن عندما التقى بوش وبوتين لأول مرة في يونيو 2001 في قلعة بردو؛ الفيلا ذات الطراز المعماري من القرن السادس عشر خارج عاصمة سلوفينيا، ليوبليانا، كان كلا الرجلين حريصًا على نزْع فتيل التوتر المتصاعِد، وحَرِصَا على تبادُل كلمات ذكية على أمل تلطيف الأجواء، رحَّب بوتين ببوش بالإشارة إلى لعبة الرجبي، التي “لعبها” بوش لمدة عام في أثناء دراسته الجامعية. قال بوش له بدراية “لعبتها فعلاً، كلمة جيدة جدًّا”؟! ثم بدأ بوتين في العمل، وقراءة أجندته من خلال مجموعة من البطاقات، قاطعه بوش بسؤال حول صليب والدة بوتين الذي أهدته له ليُبارَك في بيت المَقدس، لمح بوش المفاجأة التي لمعت كالبرق في وجه بوتين، أوضح بوش أنه قرأ عن القصة، دون أنْ يذكُر أنها واردة في كلمته التي أعدَّتْها وكالة المخابرات المركزية. روى بوتين قصةَ موقد النار في بيته الريفيِّ، وذكرياته عندما عثر عاملٌ على الصليب في الرِّماد وأعطاه ايَّاه. قال بوش تصديقًا لروايته: “هذه هي قصة الصليب حقًّا يا فلاديمير!”.

 عندما ظهر الاثنان في اللقاء الصحفيِّ بعد ساعتيْن من الاجتماعات، كانا قد حلَّا القليل من خلافاتهما، خصوصًا معارضة روسيا للدفاعاتِ الصاروخية، الأمر الذي أظهر بوش حتى الآن أكثرَ قوة من سلفه الديمقراطيِّ، لكنهما أظهَرا علاقة شخصية حميميّة تجاوزت الأحداث الأخيرة بشكل لافت للنظر. وصفه بوش بأنه “زعيم استثنائيٌّ”، وعلى عكس ما كان يعتقد الروس من أنه كثير الانتقاد لكلينتون، فقد مرَّ بوش مرور الكرام على ذِكر الشيشان، أو حرية التعبير في روسيا.

عندما سُئِل عمَّا إذا كان الأميركيون يمكن أنْ يثقوا ببوتين؛ نظرًا لخلافاتهما حول عدد كبير من القضايا؟ أجاب بوش: إنه لم يكن ليدعوه إلى مزرعته في تكساس في نوفمبر القادم إذا كان لا يعتقد ذلك!. وأردف قائلًا: “نظرتُ في عينيْ الرجل، ووجدته مستقيمًا وجديرًا بالثقة، ولقد أجرينا حوارًا جيدًا جدًّا، واستطعتُ أنْ أستشفَّ أنه رجل ملتزم التزامًا عميقًا ببلده ومصلحة بلده”.

لم يُشِر بوش ولا بوتين إلى قصة الصليب، أو حقيقة أنَّ بوتين لم يكن يتقلده ذلك اليوم، كما أخبر كُتاب سيرته من حرصه على تقلده كل يوم. (جلبه معه عندما التقى بوش مرة أخرى في قمة مجموعة الثماني في جنوة الشهر التالي). لم يقتنع الجميع بهذه الشراكة الوليدة، قال مايكل ماكفول، الأكاديمي الأميركي الذي التقى بوتين أول مرة في بطرسبورغ قبل انهيار الاتحاد السوفياتي في حوار صحفي: “أستطيع أنْ أفهم إستراتيجية الألفة، لكنها تجاوزت الحدود! أعتقد أنَّ هناك الكثير من الأسباب الوجيهة لعدم الثقة بالرئيس بوتين؛ هذا الرجل تدرَّب ليكذب!”.

 سافر بوتين إلى ثمانية عشر بلدًا في أول عام منذ توليه منصب الرئاسة، في كثير من الأحيان كانت برفقته زوجته لودميلا. لقد أعدَّ بوتين صورة روسيا الجديدة الحريصة على الانخراط في العالم، ومحو آثار الحرب الباردة. بعد تركيزه الأوَّليِّ على السياسات في الوطن، أصلح السياسة الخارجية لروسيا بطُرق لم يستطِع أنْ يقوم بها يلتسين، فقد عانت ضعفًا شديدًا على أيدي الشيوعيين والقوميين الذين لا يزال الحنين يحدوهم إلى القوة العظمى الضائعة للاتحاد السوفياتي. ما سعى إليه بوتين لا شيء أقل من التقارب مع الغرب – وخاصة أوروبا، وحتى مع “الخصم الرئيسي” الذي تدرَّب على مقاومته كضابط استخباراتٍ. في عام 2001 أغلق مواقع عسكرية تعود للحقبة السوفيتية في الخارج، بما في ذلك موقع التنصُّت الكبير في لورديس، كوبا، والقاعدة البحرية والاستخباراتية في فيتنام، وتعهَّد بأنَّ روسيا الجديدة ينبغي أنْ تركز مواردها، بدلا من ذلك على بناء قدراتها العسكرية لمواجهة تهديد التطرف الإسلاميِّ الأكثر إلحاحًا في شمال القوقاز.

بعد هجمات 11 سبتمبر، خفَّف بوتين معارضتَه العلنية لتوسيع حلف شمال الأطلسي، والتي امتدت جولة القادمة لتشمل عضوية ليتوانيا، لاتفيا، واستونيا وجمهوريات البلطيق الثلاث التي كانت منضمه للاتحاد السوفياتي، وما زال يقطنها عدد كبير من السكان الروس. (عندما كان مرشحًا في مارس 2000، أشار بوتين أنَّ روسيا قد تنضم يومًا ما إلى حلف الناتو). عندما شنَّت الولايات المتحدة الحرب على طالبان وتنظيم القاعدة في أفغانستان في أكتوبر، لم يقدِّم بوتين الدعم الاستخباراتي الروسيِّ فقط، بل قدَّم أيضًا المال والسلاح لتحالُف الشمال، وهو التحالف الذي ضم الأفغان الذين ظلُّوا يقاومون طالبان بعد أن استولوا على السلطة في 1996 وقبل ذلك حاربوا ضد الغزو السوفياتي. كما رضخ بوتين للقواعد العسكرية الأمريكية التي أقيمت في أوزبكستان وقيرغيزستان، مما يُعدُّ أول نشْر لجنود أمريكيين في مناطق الاتحاد السوفياتي السابق منذ الحرب الوطنية العظمى.

واجه بوتين مقاومةً من الجيش الروسي، حيث كانت البيروقراطية ضيِّقُة الأفُق هي سمة معظم مؤسسات المجتمع التي لم تتخلَّ عن تراثها السوفيتي. ولكنها الآن أصبحت قوات هَرِمة – حيث خُفضت من 2.8 مليون جندي في نهاية الحقبة السوفيتية إلى حوالي مليون – وبعد التسعينيات أصابها الفساد. غالبية المجندين كانوا يخضعون بشكل وحشيٍّ لمضايقاتٍ من قبل الجنود الأكبر سنًّا. كانت الأوضاع في الجيش سيئة للغاية حتى إنَّ معظم الأسر الروسية تفعل ما في وسعها من تقديم الرشاوى وتزوير التقارير المَرَضية، والهجرة؛ لإبعاد أبنائهم عن التجنيد. وأصابت الجريمة والفساد كافة صفوفَها؛ قادة يؤجِّرون المجندين كخدَم، ويبيعون الوقود وقطع الغيار، وحتى المركَبات في وحداتهم! وعلى الرغم من أنَّ بوتين يفضل السفن الحربية والطائرات المقاتلة كخلفية لصورته الشعبية، وهو لم يكن رجلًا عسكريًّا في العهد السوفياتي، كان الجنود والضباط الجيش الأحمر يزدرون عملاء النخبة في جهاز الاستخبارات السوفيتية، وكان هذا الشعور في كثير من الأحيان متبادلًا. ومع أنَّ الجيش من أهم أهداف بوتين لاستعادة الأمة، فإنه يتفهم الحالة المزرية التي كان عليها، ورغم حرصه على إدخال عقيدة عسكرية جديدة وتقليل حجم الجيش، وجعله قوة محترفة أكثر حداثة، وأكثر انضباطًا، فرض بوتين رؤيته بحذَر على هذه المؤسسة الوحيدة التي لاتزال تتمتع بقدْر من الاستقلال، على الرغم من تقلُّص مكانتها.

بالكاد ذكَر بوتين السياسة العسكرية في الأشهر الأولى من ولايته، وذلك ضمن إستراتيجيته لكسب الحرب في الشيشان. قال بعض المحللين العسكريين في روسيا إنَّ بوتين إما ضعيف أو منعزل بتفكيره وتوجهاته؛ ورأى آخرون أنه ينتهج إستراتيجية ميكيافيلِّيَّة للسماح للقادة المتنافسين بإقحام أنفسهم في مثل هذه الدولة الضعيفة؛ ومن ثمَّ يكون ولاؤهم له. كتب أحد أبرز المحللين العسكريين: “بوتين يفضِّل التعامل مع الأشخاص الذين يُظهِرون عجزًا سياسيًّا، ويشعرون بأنهم مقيَّدين؛ فيبقون موالين للرئيس”. بعد كارثة كورسك، واجه بوتين تحرك سياسي لإقالة القادة غير المؤهلين والكاذبين الذين أضرَّوا بشعبيته، وأثبت حساباته بشكل أكبر من خلال بناء دعْم شعبيٍّ للجيش ورفْع الروح المعنوية من خلال زيادة رواتب الجنود، والتعهُّد بتقديم المزيد من الأموال للجيش، وأمَر بإعادة هيكلة القوات المسلحة التي من شأنها زيادة خفْض عدد الجنود.

استعاد بوتين الراية الحمراء وفقًا لمعايير الجيش، ذات النسر المزدوج القيصريِّ، وموسيقى النشيد الوطنيِّ السوفيتيِّ، ولكن بكلمات جديدة (اعتَمد النشيد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي موسيقى لا تتضمن أيَّ كلمات، والرياضيون الذين شاركوا في الألعاب الأولمبية الصيفية في سيدني عام 2000 اشتكوا لبوتين أنهم لم يكن بوسعهم الغناء عندما وقفوا على المنصة لاستلام ميدالياتهم).

أثبتت مثل هذه التحركات ذكاءً؛ وفُتِنت شريحة كبيرة من الروس بالحنين الوطنيِّ العسكريِّ، دون استعادة الأيديولوجية السوفياتية، وكانوا سعداء لانتهاء حقبتها. ربما بوتين كان مبتدئًا سياسيًّا، لكنه أحدثَ توازُنًا بين ماضٍ غير مُرضٍ، ومستقبَل غامض – حدث هذا بشكل طبيعي لأنه يعكس كثيرًا من أفكاره. إنه لم يهاجم النظام السوفياتي كما كان يلتسين، لكن بدلًا من ذلك حيَّد أجزاءً من تاريخها بحيث تخدم فكرته عن روسيا الجديدة. خلال خُطَبه التي وجهها للناخبين في فبراير 2000، استخدم قولًا مأثورًا نُسِبَ له كثيرًا، وفي الواقع هو ليس له. حيث قال: “أيُّ شخص لا يأسف لانهيار الاتحاد السوفياتي ليس لديه قلب، وأيُّ شخص يريد عودتَه في شكله السابق لا عقلَ له!”. بدا بوتين نفسه متأرجحًا بين دوافعه، فقد أبقى تمثال فيليكس دزيرجينسكي على مكتبه في جهاز الأمن الفيدرالي، في حين عارض نداءاتٍ كثيرة لاستعادة النصب البرونزيِّ لهذا الرجل حيث كان ينتصب أمام ساحة لوبيانكا؛ تمجيدًا لانتصار الاتحاد السوفيتي في الحرب الوطنية العظمى! وفي الوقت نفسه، رفض إحياء اسم فولغوغراد في أثناء الحرب، موقع الحصار الرهيب، والمعروف أكثر بمعركة ستالينغراد.

 على الرغم من انتقاد بوتين لإخفاقاتِ الماضي السوفياتي، فإنَّ تبنِّيه لبعض رموزها  كان أمرًا لافتًا للنظر، وأثار المثقفين والليبراليين. كتب له مجموعة من الفنانين والكتاب البارزين خطابًا مفتوحًا، محذِّرين مِن مخاطر استعادة النشيد السوفيتي جاء في الخطاب: “إنَّ رئيس الدولة يجب أنْ يكون على علْم واضح بأنَّ الملايين من المواطنين الآخرين (بما في ذلك أولئك الذين صوَّتوا لصالحه) لن يحترموا النشيد الوطنيَّ التي استخفَّ بقناعاتهم، حيث يهيج لديهم ذكرياتٍ مريرة عن ضحايا القمع السياسيِّ السوفيتيِّ”. انتقد بوريس يلتسين خليفته أول مرة منذ تركه منصبه قائلًا: “إنَّ الموسيقى مرتبطة في ذهنه مع البيروقراطيين السوفيات وهم يحضرون مؤتمرات الحزب الشيوعي”. قال يلتسين لصحيفة كومسومولسكايا برافدا: “يجب على رئيس الدولة ألَّا يتبع الحالة المزاجية للناس اتباعًا أعمى، بل عليه أن يكون مؤثرًا بفاعلية”. وبالفعل، لقد أثر بوتين على الحالة المزاجية، وأخذ عينات من الماضي كما لو كان ينتقيها من قائمة طعام، واختار التاريخ الذي قُدِّم إلى مجتمع منقسم بشدة.

بعد عام من تولي في مَهام منصبه، تحرك بسرعة وباحتراف لجعْل القيادة العسكرية المتمردة تحت سيطرته. كان وزير الدفاع المشير إيجور سيرجييف، قد تجاوز بالفعل سِنَّ التقاعد، لكنه مدد فترة ولايته سنويًّا بعد مناشدته يلتسين أولًا، ثم بوتين في عام 2000. سيرجييف البالغ من العمر ثلاثة وستين عامًا، افترض أنَّ إعادة تعيينه في أوائل عام 2001 ستكون مجرد إجراءت شكلية؛ ولكن بوتين كان يشبه سلفه يلتسين في حبّ السرية والمفاجأة في توقيت الإعلان، فقط مستشاروه الموثوقون كانوا يعرفون خطته، ولم يكن سيرجييف من بينهم، وإلا ما كان أخطأ في تقدير مستوى دعمه الذي يحظى به في الكرملين؛ ففي يوم 28 مارس، جمع بوتين فريقه للأمن القومي في الكرملين، وأعلن أنَّ سيرجي إيفانوف هو من سيتولى منصب وزير الدفاع.

 عُرف عن إيفانوف قربه الشديد من بوتين، بل كان يوصف أحيانًا بأنه توءم روحه، كان نحيفًا شاحبًا، افترق شَعرُه بشكل حادٍّ إلى جهة اليسار، يظهر في وجهه الضِيْق على الدوام، انضم إيفانوف إلى جهاز الاستخبارات السوفيتية بعد دراسته اللغتين الإنجليزية والسويدية اللتين درسهما في جامعة ولاية لينينغراد. التقى بوتين عام 1977 في البيت الكبير [اسم غير رسمي لمبنى جهاز الأمن الاتحادي في سانت بطرسبرغ]، حيث عمِلَا معًا لمدة عامين قبل أنْ ينتقل إيفانوف لمهمة أخرى. التحق بمعهد الراية الحمراء خارج موسكو، وبحلول عام 1981 سطع نجمه بوصفه أحد أفراد المخابرات الذين خدموا تحت غطاء دبلوماسيٍّ في السفارات السوفيتية في فنلندا، والسويد، وكينيا، وربما بريطانيا. ظلت سيرته الذاتية مبهَمة تؤكد نوع مهمة التجسس التي كان يقوم بها، في حين لم يكن بوتين كذلك! فهو على عكس بوتين لم يتقدم باستقالته، وترقى إلى صفوف المخابرات الخارجية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ليصبح أصغر جنرال في روسيا الجديدة. عندما أصبح بوتين مديرًا لجهاز الأمن الفيدرالي، عيَّن ايفانوف نائبًا له. ثم لحق به إيفانوف في الكرملين، حيث انضم إلى دائرة بوتين الضيقة مع مساعديه، لحضور اجتماعات الأمن القوميِّ الذي يُعقد كل يوم اثنين، وأيضًا اجتماعات يوم السبت الأقل رسمية، واللقاءات الاجتماعية التي تُعقد في مقرِّ السكن الرئاسيِّ لبوتين، وكثيرٌ منها كان يمتد حتى ساعة متأخرة من الليل. وغالبًا ما يُصوَّر إيفانوف باعتباره من المتشددين، وسيلوفيكي [كلمة روسية تعني: السياسيين ذوي الخلفية الأمنية العسكرية، أو بعبارة أخرى: ضباطَ المخابرات السابقين الذين وصلوا إلى السلطة]. الأمر الذي يعكس تجربة بوتين الخاصة وآراءه المحافظة.

 لقد أسهم بالتأكيد مع بوتين في إعادة تشكيل الجيش المتضخم، وغير الفعَّال. بعد أنْ تقاعد من رتبته العسكرية في جهاز الأمن الفيدرالي، أصبح إيفانوف أول رئيس مدنيٍّ لرئاسة الوزارة في تاريخ الاتحاد السوفياتي أو الروسي. قال بوتين عندما أعلن تعيين إيفانوف: “يمكنك أنْ ترى الآن، أنَّ المدنيين تولوا مناصب رئيسة في الأجهزة العسكرية، هذه أيضًا خطوة متعمَّدة من أجل جعل الحياة الاجتماعية الروسية أكثر مدنية”.

كانت التعيينات محدودة ولكنها سببت قطيعة مع يلتسين. فقد عين ليوبوف كادالينا كأول امرأة تتولى منصبًا رفيعًا في وزارة الدفاع، وجعلها مسؤولة عن الإشراف على الميزانية العسكرية. كما حلَّ محلَّ وزير الداخلية، بوريس غريزلوف شخصٌ آخر من سانت بطرسبرغ يرأس كتلة مؤيدي بوتين في مجلس الدوما، لكنه لم يُنزِل منصب أي شخص باستثناء وزير الطاقة الذرية، يفغيني أداموف، الذي أُحيل في وقت لاحق إلى محكمة أمريكية بتهمة اختلاس 9 مليون دولار من الأموال المخصصة لدعم الأمن في المواقع النووية. قالت صحيفة إزفستيا: “إنَّ فريق بوتين أصبحوا الآن يدًا واحدة”.

راقَب إيفانوف احتمال التدخل الأمريكي في محيط روسيا بحذر بصفته وزيرًا للدفاع، فبعد ثلاثة أيام من هجمات سبتمبر، استبعد إيفانوف حتى إمكانية افتراضية شنِّ عمليات العسكرية للناتو في إقليم دول آسيا الوسطى.

وعلى الرغم من أنَّ بوتين رأى أنَّ الولايات المتحدة الآن تدرك خطر الإرهاب المتشددين الإسلاميين وسرَّه ذلك، سافر إلى ألمانيا بعد أسبوعين وألقى كلمة في مجلس النواب الاتحادي، بادئًا تصريحاته بالروسية، ثم تحوَّل إلى “لغة غوته، شيلر وكانط”. حيث قال:”وأخيرًا، نستطيع اليوم أنْ نقول بحزم: إنَّ الحرب الباردة قد انتهت!”

بادله المستشار الألماني غيرهارد شرودر القول “إنَّ العالم يجب أنْ يعتدل في انتقاده للعمليات العسكرية الروسية في الشيشان” (حتى عندما ضغط على بوتين منفردًا بالتدخل في محاكمة عسكرية عن جرائم الحرب التي قام بها الجنود الروس). عندما عاد بوتين إلى موسكو يوم 24 سبتمبر، ذهب الى وزارة الدفاع، المبنى الأبيض الضخم القابع في ميدان بولفار في وسط المدينة، وأمر القادة بالعمل مع الأميركيين، ونجح في فرْض نفوذه على إيفانوف الذي تراجع بهدوء عن معارضته العلنية للعمليات الأمريكية في آسيا الوسطى.

يتوقع بوتين الإذعان له بعد انتهاء الحرب الباردة، استثمر بقوة في تطوير علاقة شخصية مع بوش. وهو بالفعل أول زعيم روسي، أو سوفيتي منذ لينين يتحدث بلغة أجنبية، بعد أن التحق بدروس في اللغة الإنجليزية لمدة ساعة يوميًّا، وتعلَّم لغة الدبلوماسية الأميركية والتجارة، واستخدم مهارته البدائية للتحدث على انفراد مع الرئيس بوش لزيادة جوِّ الألفة. بينما كانا يمشيان في الحديقة، في سلوفينيا، لاحظ القواسم المشتركة بينهما، فقال لبوش:” ألاحظُ أنك أسميت بناتك تيمُّنًا باسم أمِّك وأمِّ زوجتك!” فأجاب بوش:” ألستُ دبلوماسيًّا جيدًا؟! ” ضحك بوتين، وقال: “نا أيضًا فعلتُ الشيءَ نفسه!” وهما على انفراد، شعر يوتين أنه بإمكانه أنْ يتصارح مع بوش بشأن خلافاتهما، في محاولة لإجباره على فهم الصعوبات التي تواجهها روسيا في الفترة الانتقالية للخروج من أنقاض الاتحاد السوفياتي، سعى لتحقيق نوع من الوِفَاق مع الولايات المتحدة، حتى مع حلف شمال الأطلسي.

 في لقائه مع بوش مرة أخرى في أكتوبر، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في شنغهاي، اقترح بوتين تغييرات في معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية التي من شأنها أنْ تسمح لبعض التجارب لنظام الدفاع الصاروخيِّ الأميركيِّ التي يطمع بها بوش، ولكنه ترك بنود المعاهدة الرئيسة بلا مساس لمدة عام آخر أو اثنين. اعتبر أنَّ المعاهدة حاسمة في الدفاع الإستراتيجي لروسيا، وسيعمل تأخيرها على إعطاء علمائها الوقت لتطوير أسلحة جديدة من شأنها مواجهة النظام الأمريكيِّ. وضغَط على بوش أيضًا للموافقة على خفض عدد الأسلحة النووية لكلِّ بلد، في خطوة أساسية لبوتين في خفض تكاليف دعم الجيش الروسي، ووعد بوش بالنظر فيه، واعتبر اقتراحه حلًّا وسطًا معقولًا، ولكن إدارته كانت تشعر بتهور، خاصة بعد غزو أفغانستان.

رفض البنتاغون اقتراح بوتين بأنْ يتم إخطار روسيا قبل كل تجربة والسماح بمراقبة تطوُّر نظام الدفاع، والتي في النهاية يمكن أنْ تؤثر على مكانة روسيا كقوة عظمى نووية. عندما وصل بوتين إلى واشنطن في نوفمبر في أول زيارة إلى الولايات المتحدة كرئيس، كان لا يزال متصوِّرًا أنَّ الصفقة الكبرى محتملة، ولكن الأمل في تحقيقها تبخَّر عندما التقى مع بوش في البيت الأبيض.

“يا إلهي، هذا جميل!” نطق بها بوتين عندما دخل المكتب البيضاويَّ في صباح يوم 13 نوفمبر، وهو يرى الضوء يتدفَّق من خلال النوافذ الجنوبية. ارتبك بوش، مثل مساعديه، من التناقضات التي يتسم بها “عميل المخابرات السوفييتي السابق المُلحِد” ولا يُعقل أنه قد يستخدمهم لمصلحته. شعر بوش بالثقة في قدرتهم على التغلب على خلافات الماضي. القضية المشتركة التي كونوها بعد هجمات 11 سبتمبر حققت نتائجها. في رأيه، وحتى التقيا، كانت طالبان قد تخلت عن العاصمة الأفغانية، كابول، في اليوم السابق، وعادت حالة الفوضى. قال له بوش: “هذا شيء يتفكك مثل البدلة الرخيصة”. لم تكن كوندوليزا رايس- التي تتحدث الروسية- متأكدة من الترجمة الدقيقة لرد بوتين، ولكن يبدو أنه قال: صحيح.

في اليوم التالي، طار بوتين إلى مزرعة بوش في كروفورد بولاية تكساس. كانت عائلة بوش في استقبالهم تحت هطول المطر، تناولت لودميلا من لورا بوش وردة صفراء، رمز علم تكساس. ومكثوا في دار الضيافة المجاورة للمزرعة لعائلة بوش، حيث إنهم وصلوا مبكرًا قبل العشاء بساعة؛ فقد غفلوا عن فرق التوقيت بين موسكو وواشنطن!

عندما بدأ العشاء أخيرًا، كانوا يأكلون الشِّواء، ويستمعون إلى عازف البيانو فان كليبورن وغناء فرقة موسيقى ريفية. ارتدت ليودميلا ثوبًا مرصَّعًا بلامع أحمر وأبيض وأزرق، وعندما اقترح بوتين نَخبًا، أظهر مشاعر شخصية قائلًا: “لم يسبق لي أنْ أكون في منزل زعيمٍ عالميٍّ آخر”، مضيفًا: إنَّ الولايات المتحدة “محظوظة في هذا الوقت الحَرِج من تاريخها أنْ يكون رجلاً بمثل هذه الشخصية على رأس السلطة “.استمرت مشاعر الصداقة الحميمة في المنزل الريفيِّ عندما التقوا طلاب مدرسة كروفورد الثانوية في اليوم التالي، وبعد ذلك توجَّه بوتين إلى نيويورك، وزار أنقاض مركز التجارة العالمي، حيث كان الدخان لا يزال يتصاعد منها بعد شهرين من الهجوم.

ثم، بعد ثلاثة أسابيع، اتصل بوش هاتفيًّا ببوتين في موسكو وأبلغه أنه انسحب من معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية رغم اعتراضات بوتين! كان الامتياز الوحيد الذي انتزعه بوتين بعد ستة أشهر من المحادثات، وأربعة اجتماعات بين الزعيمين – ومن باب المجاملة- هو إشعار مُسبَق قبل أسبوع، من قبل إعلان بوش هذه الخطوة علنًا في منتصف ديسمبر.

نجح بوتين في أثناء النقاش حول أفغانستان والدفاع الصاروخيِّ، في منع اشتعال أيِّ نعرة وطنية تعكِّر جوَّ التسوية مع إجراءات وسياسات بوش. لقد كان يلتسين مُسيَّجًا ضد الولايات المتحدة والغرب لهدف حماية أجنحته السياسية. فبدلاً من اختيار بوتين أولئك الروس الأكثر أهمية لأمريكا، عزز سيطرته على البرلمان بالطريقة الهادئة، والمخفية، والمنهجية نفسها التي اتبعها مع الجيش. واحدة من مبادرات بوتين التشريعية الأولى عام 2000 كانت إعادة هيكلة مجلس الاتحاد، ثم ضم مُحافظي تسعٍ وثمانين منطقة في البلاد وممثليهم، الذين كما ظهروا في قضية سكوراتفو، يعملون بشكل مستقل عن الكرملين.

وتأتي هذه الخطوة، جنبًا إلى جنب مع تعيين سبعة مبعوثين إقليميين. واجه معارضة في البداية، ولكنه نجح في النهاية في كبح جماح القادة الإقليميين تحت سيطرته. مع مرور الوقت، أصبح مجلس الاتحاد الذي كان مصدر إزعاج يلتسين بالكامل تحت طوع بوتين، ويدينُ بالولاء له. في سنوات بوتين الأولى في منصبه، سيطر الكرملين على الأغلبية الصعبة في مجلس الدوما. بعض إصلاحاته المبكرة – ولاسيما محاولته السماح بخصخصة الأراضي الزراعية- لا يزال يواجه معارضة. ازدرى بوتين السياسة الحزبية وشرع السباق، مثلما كان نائبًا لأناتولي سوبتشاك في مواجهة مجلس المدينة بطرسبرغ. بالنسبة له، ينبغي أنْ تكون الكتل السياسية في السلطة التشريعية أدوات تنفيذية للكرملين. قال إنه ليس لديه الرغبة في إعادة تكوين الحزب الواحد الذي يحكم روسيا باسم الحزب الشيوعي السوفييتي. كان ينوي تكوين العديد من الأحزاب، كلها تعتمد بشكل فعَّال على الكرملين. وقَّع بوتين في يوليو 2001، على قانون جديد للانتخابات للحدِّ من عدد من الأحزاب عن طريق اشتراط عضوية أكثر من خمسين ألف، موزَّعين على ما لا يقلُّ عن نصف البلاد.

ظاهريًّا، كانت الفكرة هي الاعتماد على وجود حزبين أو ثلاثة أحزاب كما هو النظام  في أوروبا، والفرق الوحيد هو أنَّ جميع الاحزاب سوف تكون مخلصة أو مطواعة على الأقل. على الرغم من أنه أعلن التزامه بالديمقراطية، لم يتحلَّ بالصبر للمناقشات التي لم تُفضِ إلى نتائج مؤكدة.

تتشارك الوحدة بالفعل السيطرةَ على لجان البرلمان مع الشيوعيين، ولكن لتعزيز قوتها، دبر مساعدو بوتين التحالف مع حزب بريماكوف ولوجكوف، كشف عنه باجتماع جديد في 1ديسمبر، 2001. سُمِّي الحزب الجديد “حزب روسيا الموحَّدة”، وهي منظَّمَة زاخرة بمسؤولين وبيروقراطيين من حزب بوتين في السلطة.

كان العقل المدبِّر للإستراتيجية السياسية للكرملين هو فلاديسلاف سوركوف، عبقري الدعاية، الذي وُلد في الشيشان، ولديه خلفية في الاستخبارات العسكرية، عمل في في بنوك الأثرياء القلة في روسيا، بما في ذلك ميخائيل خودوركوفسكي. انضم لفريق ألكسندر فولوشين بينما كان يلتسن رئيسًا، لقد أسهم أكثر من أيِّ شخص آخر في بلورة الصورة العامة لبوتين وهندسة سياسته الإستراتيجية. كان شابًّا ساخرًا بعُمق، من محبِّي موسيقى الراب الأمريكية، يحتفظ بصورة توباك شاكورجنبًا إلى جنب مع بوتين وشكسبير، وصف عمله بالخط السياسيٍّ الملهم. قال الروائي والناشط الروسي إدوارد ليمونوف، ذات مرة: إنَّ سوركوف “حوّل روسيا إلى مسرح رائع، حيث التجارب مع النماذج السياسية القديمة والجديدة.”

في أبريل 2002، قلب سوركوف قيادة مجلس الدوما في الحركة التي عُرِفَت تاليًا باسم “الانقلاب المحافظ”. أطاح حلفاء الكرملين بالشيوعين من مناصب اللجنة التي عرضَها بوتين عليهم بعد فترة وجيزة من الانتخابات في عام 1999، في حين أنَّ المتحدث الشيوعيَّ غينادي سيليزنيوف، قدَّم دعمه للكرملين وتخلَّى عن زملاء الحزب. بوتين الذي بدا منعزلًا مثل القيصر بين مشاحنات الأمراء والنبلاء الصغيرة، قطع رأس القيادة الشيوعية على نحو فعال. غينادي زوغانوف، رئيس الحزب، الذي كان مِن قَبل يشكل تهديدًا خطيرًا لكرملين يلتسين، بالكاد تلفَّظ محتجًّا. قال بحرارة: “حتى حينما يكون ثَمِلًا، كان يلتسين يمتلك الشجاعة لجمع قادة الفصائل المختلفة في اللحظات الحرجة، والبحث معهم عن حلٍّ، بدلًا من شَنِّ حرب جديدة”.

 أصبح دافع بوتين لإعادة تشكيل قيادة تشريعية واضحًا بعد أسبوعيْن، عندما ألقى خطابه السنويِّ أمام الجمعية الاتحادية، التي تتألف من مجلسيْ الدوما والاتحاد في البرلمان. في قاعة الكرملين الرئاسة الرخامية، ذكر بوتين إنجازاته؛ انخفاض البطالة، وارتفاع الدخل، وتوازُن الميزانية، وعودة روسيا إلى مكانتها باعتبارها ثاني أكبر منتج للنفط في العالم، لكنه عبَّر عن أسفه لتفشِّي بيروقراطية الحكومة “الكبيرة والخرقاء”، والوزارات ذات الهيكلة غير المكتملة والتي لا تزال تعمل وكأنها “فروع للاقتصاد المركزي”. كان بحاجة إلى أغلبية برلمانية، ليس لمناقشة هذه القضايا، ولكن لتمرير التشريعات على الكرملين لاتخاذ القرارات اللازمة. ولمدة ساعة، سرد مجموعة من الإصلاحات الليبرالية الهادفة إلى تطوير السلطة القضائية، وإنشاء نظام الرهن العقاريِّ لتوسيع سوق الإسكان، ووضع حدٍّ للتجنيد، وتكوين جيش متطور، وكتابة الإجراءات التي من شأنها أنْ تعجِّل بانضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية. كان جدولَ أعمال طَموحًا، رغم وجود عدد من العقبات التي تحول دونها حاليًا.

بالكاد خصَّص بوتين في خطابه دقيقةً للتحدث عن الحرب التي كان قد خاضها من أجل السلطة، لأنه لم يعد يعتبره انتصارًا كان قد وعد به. في عام 2001، أعلن بوتين أنَّ انسحاب الجيش الروسيِّ من الشيشان سيبدأ قريبًا، ولكن الحرب لم تنتهِ بعد. سيطرت القوات الاتحادية على حدود الجمهورية ومعظم مدنها وقرها، ولكن فقط خلال النهار، استمرت هجمات المتمردين لقتل الجنود الروس الذين انسحبوا من القرى؛ مما أسفر عن اعتقالات وتعذيب وقتل. على الرغم من أنَّ الكرملين قد وضع قائد المتمردين السابق والإمام، أحمد قديروف، كزعيم الموالين للجمهورية، فإنَّ الجيش وجهاز الأمن الفيدرالي لم يستطيعوا سحْق التمرد؛ فبقي قادتهم، مختبئين في الجبال الواقعة على الحدود أو في القرى التي بقيت ملتزمة باستقلال الشيشان.

تلاشت شعبيته الأولى بسبب الحرب، وأظهَرت استطلاعاتُ الرأي أنَّ معظم الروس لم يعُد لديهم اقتناع بأنه كسَبها. هدَّدَت الشيشان بأنْ تصبح مستنقعًا حتى شعر الكثير بالحاجة إلى إيجاد حلٍّ من خلال محادثات سلام. هددت الخسائر المتزايدة ليس فقط إستراتيجية بوتين، بل سلطته أيضًا. ظلت حرب بوتين الصليبية الشخصية، وكانت الدعاية الرسمية ناجحة لدرجة أنه “بدأ الشعب يصدق نتائج الأحداث المنتقاة، ووقع ضحية تكرارها”. إلا أنه عندما وصلت الكارثة إلى نطاق هائل لم تستطع دعاية الكرملين أنْ تخفي الخراب، وألمح بوتين إلى أوجُه القصور في إستراتيجية كان قد أطلقها، والبيروقراطية الأمنية التي جنَّدها للقيام بذلك.

في 19 آب، اقتربت طائرة مروحية روسية من طراز ميل مي-26 من قاعدة عسكرية في الشيشان، في المطار المترامي الأطراف في خانكالا خارج غروزني. المروحية، الأكبر في العالم صُمِّمَت لنقل أطنان من المعدات، وما لا يقل عن ثمانين راكبًا وطاقم الطائرة، ولكن بحلول عام 1997، قامت وزارة الدفاع بحظْر استخدامها لنقل الركاب، وقصْرها على البضائع. في هذا اليوم، كان هناك 147 شخصًا على متن الطائرة من جنود ومدنيين، من ضمنهم زوجات العديد من الضباط وصبيٌّ واحد صغير، وهو ابنٌ لممرضة الجيش، ركب متطفلاً. وفي أثناء هبوط المروحية، أصاب صاروخ محرِّكها الأيمن. فهوَت المروحية على مكان يسبق مكان الهبوط بألف قدَم، وبالتحديد في وسط حقل ألغام زُرع لحماية محيط القاعدة. اشتعلت فيها النيران وهي محملة بالوقود لرحلة العودة. ومعظم الركاب الذين نجوا حاصرهم حريق المروحية، وأولئك الذين استطاعوا الهروب تعثَّروا بالألغام في أثناء محاولتهم اليائسة للفرار من الحُطام المشتعِل! وكردّة فعل، كذَب الجيش، بشأن الحادث الذي أسفر في نهاية المطاف عن 127 قتيلًا، بما في ذلك الصبي وأمّه. كانت هذه أسوأ كارثة طائرة مروحية في التاريخ، وأكبر خسارة بشرية في حادثة واحدة في هذه الحرب، بل توصف بأنها كارثة عسكرية أكثر فتكًا من غواصة كورسك.

بعد أنْ تعلَّم بوتين، الدرس السياسي لكورسك، اعترف على الفور بالحادث ووعد بالتحقيق مع سيرجي إيفانوف المسؤول الأول عن ذلك، الذي طار في اليوم التالي لخانكالا وأقال قائد سلاح الطيران في الجيش، الكولونيل العام فيتالي بافلوف، الذي دافع عن نفسه قائلًا إنه كان كبش فداء. اشتكى بافلوف عن صيانة أسطول المروحيات وقال: إنَّ أمْر حظْر عبور الركاب مُطبَّقٌ في وقت السلم، في حين أنَّ البلاد في حالة حرب. “إذا لم يكن هناك أيُّ قتال، فلماذا يموت جنودنا على أيدي المسلَّحين؟”

تسرَّب إحباط بوتين إلى قادته، فبعد يومين من التحطم، التقى أمام كاميرات التلفزيون مع سيرجي إيفانوف في قاعة كبار الشخصيات في مطار خارج موسكو. وبصرف النظر عن مواضيعه الرئيسة، فقد أصبح بثُّ التلفزيون وجهًا لوجه هو بصمة بوتين في وسائل التواصل، لإعداد سيناريو يكون فيه زعيمًا لا جدال فيه، يثني، ويشجع، أو يهدد مرؤوسيه، حتى الصديق المقرب مثل إيفانوف. طالب بوتين بتفسير لما حدث: “كيف يمكن السماح بنقل الناس على هذه المروحيات على الرغم من أمْر وزير الدفاع بحظر استخدام مروحيات من هذا النوع لهذا الغرض؟”

أجاب إيفانوف: “لا يوجد أيُّ مبرر، فلاديمير فلاديميروفيتش”، وهو يقوم بدوره في توجيه اللوم علانية. بعد أسبوعين، أجبر بافلوف على تقديم استقالته ووبَّخ تسعة عشر آخرين من القادة، بما في ذلك اثنا عشر جنرالًا. كان الشيء الوحيد الذي لم يعيره بوتين اهتمامًا في أعقاب الكارثة هو تغير إستراتيجية الحرب.

على الرغم من تقديم الوسطاء الاقتراحات لمحادثات السلام في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، واصَل بوتين رفضها. الشيء الوحيد الذي سيقبله بوتين من المتمردين الشيشان هو الاستسلام غير المشروط. وجاء ردُّ المتمردين بعد ذلك بوقت قصير في شريط فيديو الذي ظهر فيه وجود صواريخ الكتف التي أُطلقت لإسقاط المروحية. على الرغم من الشائعات عن موت أصلان مسخادوف، فقد ظهر ويحيط به رجال ملتحون وأشار إلى أنهم “مجاهدينا”. جلس أمام علم الشيشان الأخضر، والذي لم يَعُد يحمل رمز الذئب، رمز الاستقلال الذي ناضل من أجله على مدى أكثر من عقد من الزمان. تم استبداله بسيف وآية قرآنية”.

قال شابٌّ: “لقد جئنا إلى العاصمة الروسية لنوقف الحرب، أو نموت هنا في سبيل الله!”. وهو يتحدث بثقل وببطء وهو جالس القرفصاء أمام كاميرا كمبيوتر محمول مفتوحة. هذا الرجل هو موفسار باراييف وهو مُقاتِلٌ ثائرٌ وابن شقيق أحد أكثر القادة الشيشانيين شراسة، أربي باراييف. أعلنت القيادة العسكرية الروسية في القوقاز الشمالية في وقت سابق في زهو أنَّ موفسار باراييف قُتِل قبل أسبوعين في 10 أكتوبر 2002، وتجاهلت حقيقة أنَّ وفاته كانت قد أُعلِنت قبل عام. الآن باراييف في موسكو، فقط على بُعد ثلاثة أميال ونصف من الكرملين، حيث يجلس بوتين، كعادته، يعمل في وقت متأخر من مكتبه، حيث لم يغادره للأيام الثلاثة التالية.

أصبح باراييف، قبل أنْ يتم الثالثة والعشرين بثلاثة أيام، هو الوجه الذي يعبر عن المقاتلين أمام الجمهور، كان باراييف، بالإضافة إلى فريق ضمَّ اثنين وعشرين رجلًا، وتسع عشرة امرأة، قد وصلوا موسكو في الشهر السابق، سافروا فرادى أو أزواج على متن القطارات والحافلات عن طريق داغستان لتجنب تدقيق الشرطة الحذرة من المسافرين القادمين من القوقاز. جاءوا بناءً على أوامر من “الأمير العسكري الأعلى” في الشيشان شامل باساييف، على الرغم من أنهم يدينون بالولاء مجبرين لرئيسهم المفترض، أصلان مسخادوف. أمضوا أسابيع في موسكو يستعدون لهجوم من شأنه أنْ يعيد مظاهر الحرب الوحشية الدامية إلى العاصمة. واستهدفوا مكانًا عامًّا يستطيعون فيه احتجاز رهائن من الروس العاديين، في البداية فكَّروا بمبنى البرلمان، ولكنهم استقروا على مسرح.

 ووقع اختيارهم على مسرح يقع في شارع دوبروفكا جنوب غرب موسكو، وهو عبارة عن قاعة لا تزال تحمل الاسم السوفيتيَّ، في مبنى الثقافة لمصنع الدولة بول بيرنج رقم 1. وهناك جزء من المبنى خُصِّص نادِيًا لمثليي الجنس – كان يتردد عليه أعضاء من البرلمان ورجال أعمال بارزون، وسياسيون” – قيل، إنه كان تحت أعمال التجديد.

تخفَّى مقاتلو مجموعة باراييف في هيئة عمال بناء، ووضعوا خطة الاقتحام. كان يُعرَض على خشبة المسرح ” عرض مسرحي موسيقي على غرار برودواي روسيا: “نورد أوست”، مقتبسة من الرواية السوفيتية الشعبية، “القبطانان”، لفينمين كيفيرن. القصة كانت ميلودراما رومانسية، تعود إلى النصف الأول من القرن العشرين. واستكشاف القطب الشماليِّ، وحصار لينينغراد في الحرب الوطنية العظمى. خصص المؤلف الموسيقيَّ، جورجي فاسيلييف ميزانية بلغت أربعة ملايين دولار لإنتاجه والترويج له على لوحات الإعلانات في جميع أنحاء المدينة. وضع في حساباته الطبقة الوسطى الجديدة في روسيا المستفيدين من الازدهار الاقتصاديِّ الذي كان بوتين يقود مجدها، الذي نما بازدهار بما يكفي ليتحملوا دفع خمسة عشر دولار سعر التذكرة. وفي ليلة إعادة أدائها 323،23 أكتوبر 2002، تحرك الشيشانيون مع بداية فصل المسرحية الثاني، كان الممثلون يرتدون زي الطيارين في القوات الجوية للجيش الأحمر القديم، وكانوا يرقصون فوق خشبة المسرح عندما دخل رجل ملثم من جهة اليسار….

 أصابت الصدمة الممثل الواقف في هذه الجهة، بينما اعتقد معظم الجمهور أنَّ ما يحدث جزء من العرض، حتى فتح المسلَّح النيران من سلاحه الكلاشنكوف في السقف، وانضم إليه المزيد من الرجال الملثَّمين على خشبة المسرح. أغلق مقاتلو باراييف أبواب القاعة الرئيسة وثبَّتوا المتفجرات في أعمدة دعم شرفة المسرح، واتخذت النساء المرتديات الحجاب الأسود ذات نقوش عربية، مواقعهنَّ بين الجمهور وهنَّ يحملن مسدساتٍ ويرتدينَ أحزمة ناسفة، وهددهنَ بتفجيرها إذا حاول أيُّ شخص المقاومة أو تجرأت السلطات على اقتحام المبنى. كنَّ نساءً صغيراتٍ لا تتجاوز أعمارهنَّ تسع عشرة سنة، يعرفن باسم “الأرامل السود”، وهنَّ زوجات وبنات وأخوات المقاتلين الشيشان الذين لقوا حتفهم في الحرب.

في كلِّ سنوات القتال في الشيشان، كانت التفجيرات الانتحارية نادرةً، وأثبتت المرأة قدرتها على أنْ تكون نذيرًا مخيفًا في منعطف الحرب في الشيشان. قالت إحداهنَّ: “إننا نقاتل في سبيل الله، فإذا متنا هنا، فلن تكون هذه النهاية؛ هناك أخريات، سوف يواصلنَ الجهاد”. كان هناك 912 شخصًا في الداخل، بما في ذلك الممثلون وفريق العمل، وأجانب من أوروبا والولايات المتحدة. انكشف الحصار بعد اليومين المقبلين عن مشهد تلفزيونيٍّ سرياليٍّ. قال باراييف للرهائن إنه يمكن أنْ تستخدم هواتفهم للاتصال بأقاربكم وأخبروهم أنهم سيموتون إذا لم تنته السلطات الحرب في الشيشان.

الآن بوتين محاصَرٌ أيضًا، كان قد تعهَّد بالقضاء على قُطَّاع الطرق الشيشان، ولكن الحرب البرية استمرَّت لمدة ثلاث سنوات، التهمَت الجنود الروس وآلاف من الشيشان. كان بوتين قد خسر الدعم الشعبيِّ للحرب التي غرس بذرتها في البداية، ولم يتمكن الجيش من قمع الثوار، والآن فشل جهاز الأمن الفيدرالي فشلًا ذريعًا في وقف غارة إرهابية في قلب موسكو. ألغى بوتين خططه للسفر إلى ألمانيا، والبرتغال، ثم إلى المكسيك، حيث كان مقرَّرًا أنْ يلتقي جورج بوش خلالها مرة أخرى. التقى بمدير جهاز الأمن الفيدرالي، نيكولاي باتروشيف، وأمَر بالاستعداد لهجوم على المسرح، وسمح بالمفاوضات فقط بغرض كسب الوقت. أرسل جهاز الأمن الفيدراليِّ ثلاث فرق من القوات الخاصة للموقع. احتج فقط رئيس وزرائه، ميخائيل كاسيانوف، بأنَّ محاولة الإنقاذ يمكن أنْ تؤدي إلى سقوط مئات القتلى. فأرسله بوتين بدلًا عنه إلى اللقاء الدولي في المكسيك، على ما يبدو لإخراجه من الطريق!

اتصل هاتفيًّا العديدُ من السياسيين البارزين والصحفيين، والمسؤولين، بمن فيهم ممثل الشيشان في مجلس الدوما، أصلان بيك أصلاخانوف، بالخاطفين بالداخل، وسُمح لهم في النهاية بالتفاوض معهم. بسرعة، تم الإفراج عن تسع وثلاثين رهينة، معظمهم من الأطفال الصغار. يافلينسكي، الذي كان حزبه، يابلوكو، ينتقد بشدة الحرب، دخل المسرح في تلك الليلة بعد الحصول على موافقة الكرملين، الذي بدا غير قادر على السيطرة على الوسطاء في الدخول والخروج، أو -في وقت لاحق- مطالب المكالمات الهاتفية من الإرهابيين. صُدم كل من شاهد فيديو الحادث من صِغر أعمار المقاتلين. لقد كانوا أطفالًا عندما انهار الاتحاد السوفيتيُّ وأعلنت الشيشان استقلالها عام 1991. ولايُعتَقد أنهم تلقُّوا تعليمًا نظاميًّا. كل ما يعرفوه تعلَّموه في ساحات المعارك في القوقاز. إنهم بالكاد يستطيعون التعبير عن مطالبهم، ناهيك عن التفاوض. عندما طالبوا بوضع حدٍّ للحرب، سأل يافلينسكي، ماذا يعني هذا؟!” وغادر محبطًا، على أمل أنَّ الخطواتِ التدريجية، بما في ذلك إطلاق سراح المزيد من الرهائن، ستقلل الخسائر على الأقل. عاد يافلينسكي إلى مكتب بوتين في الكرملين، وشارك في سلسلة من الاجتماعات معه عن التقدم المحرز في المفاوضاتِ. وبعدها أصبح واضحًا له أنَّ بوتين ترأَّسَ أيضًا مجموعة منفصلة من الاجتماعات، اقتصرت على باتروشيف والأجهزة الأمنية، ولم يُدعَ إليها أحد.

في اليوم الثاني من الحصار، أصبحت الأوضاع في القاعة حرجة مع الرهائن؛ بسبب الجوع والجفاف والإرهاق والخوف. فتح الإرهابيون النار على عدة أشخاص، بينهم امرأة ركضت لسبب غير معروف،  وكوماندوز من جهاز الأمن الفيدراليِّ الذي اقترب من الفناء الخارجيِّ للمسرح. وحتى مع ذلك، واصل الوسطاءُ دخولَ المسرح، بما في ذلك آنا بوليتكوفسكايا، وهي صحفية كتبت تقارير لاذعة عن الشيشان في تحدٍّ لغضب الجيش والكرملين. هي وطبيب بارز، ليونيد روشال، نجَحا في إقناع المقاتِل الذي عرَّفَ نفسَه باسم أبو بكر بالسماح لها بالعودة حاملةً صناديق من العصائر للرهائن. بوليتكوفسكايا، ولدت في نيويورك لأبٍ دبلوماسيٍّ سوفياتيٍّ عمل في الأمم المتحدة، كانت واحدة من الصحفيين الروس الأكثر شجاعة الذين غطُّوا الحرب، وبحلول ذلك الوقت كانت أعلى صوتًا ونقدًا. تعاطف مع تقاريرها جميع الذين عانوا – مثل المجندين الروس، والمتمردين، والمدنيين المحاصرين بينهم- ولكنها كرهت قادة الجيش غير الأكفاء والغلاظ الشداد، والأهم من ذلك كله القائد الأعلى الذي كان قد دبَّر في عقله الكارثة برُمَّتها في القوقاز. لقاؤها مع “أبو بكر” جعلها تشعر بالخوف فجأة، لكنها أقنعته بالسماح لها بلقاء اثنين من الرهائن. الأول، صحفية تُدعى آنا أدريانوفا، تحدثت عن يأس قائلةً: “نحن كورسك الثانية”.

 بدا أنَّ المزيد من الإفراجات وشيكة، فسُمح لرهينة أمريكية، اسمها ساندي بوكر بالقيام باتصال هاتفيٍّ للسفارة الأمريكية. وقالت لدبلوماسي هناك: إنَّ باراييف وافق على الإفراج عن الأجانب في صباح اليوم التالي. “أعلن الكرملين أنه استدعى مبعوث بوتين فى المنطقة الجنوبية، فيكتور كازانتسيف. اعتقد الخاطفين أنه سيصل في العاشرة في اليوم التالي، لكنه في الواقع لم يستقل الطائرة الى موسكو.

بدأ اقتحام المسرح، بناء على أوامر بوتين، وبعد فترة وجيزة من الساعة الخامسة في الصباح. بينما كان الإرهابيون في حالة استرخاء في انتظار المزيد من المفاوضات في اليوم التالي، كانت القوات الخاصة الروسية قد اخترقت المبنى بالفعل من خلال نادي مثليي الجنس، ووضعت أجهزة تنصُّت لمعرفة مكان الإرهابيين. كانوا يستهدفون قتل الإرهابيين، وليس القبض عليهم؛ خوفًا من الانفجارات التي يمكن أنْ تدمِّر المبنى. بدأ غاز عديم الرائحة يتسرَّبَ إلى القاعة الرئيسية، من خلال نظام التهوية في المبنى. كان أحد مشتقات رذاذ من مخدر قويٍّ، هو الفينتونيل، تم تصنيعه في مختبر جهاز الأمن الفيدراليِّ.

تسبب إطلاق الغاز في ارْتِباك بين الخاطفين والرهائن. آنا ايدرانوفا، الرهينة التي التقتها بوليتكوفسكايا، اتصلت هاتفيًّا بمحطة إذاعة إيكو موسكفي، وقالت إنَّ الإرهابيين مرتبكون، ولكن ليس على استعداد لإعدامهم. قالت بعد صوت الطلقات “هل يمكنك سماعنا؟ سنكون في الجحيم!”. في ظروف غامضة، لم يكونوا كذلك. سبَّب الغاز لمعظم الرهائن النوم، في حين وقع قتال بين القوات الخاصة والإرهابيين الذين لم يكونوا في القاعة الرئيسة أو لم يتأثروا بالغاز، واستمر القتال أكثر من ساعة قبل أنْ يحاصر باراييف في الطابق الثاني وراء الشرفة.

قُتل الواحد وأربعون خاطفًا جميعهم، أكثرهم برصاص في الرأس، بدَت عملية الإنقاذ جيدة باسثناء أنَّ الرجال الذين خططوا ونفذوا الغارة لم يفكروا في تأثير الغاز على إنهاك الرهائن؛ فتحولت الغارة الناجحة إلى كارثة! فقد حُمِل أول الضحايا فاقدًا الوعي في السابعة صباحًا، ووُضعوا تِباعًا في صفوف على السلم الأمامي للمسرح، بعضهم مات بالفعل، ولكن الكثير كانوا فاقدي الوعي فقط، تُركوا وسط أكوام متزايدة من الجثث. أصيبت فرق الإنقاذ بالاضطراب، فهم مدرَّبون على علاج الجروح من الرصاص أو شظايا قنبلة، وليس علاج الاختناق بألسنة منتفخة بفعل الغاز المخدِّر. كانت السلطات قد وصفت ترياقًا لمواجهة الآثار المترتبة على الغاز، ولكن لم يكن هناك ما يكفي من الجرعات، ولم يكن لدى المسعِفين في الموقع والأطباء في المستشفيات معرفة عن دوائها. في النهاية توفي 130 رهينة في أثناء الحصار، خمسة منهم فقط بطلقات نارية؛ اثنان منهم داخل المسرح، والثلاث الآخرون هم: امرأة اقتحمت المسرح في اليوم الأول، ورجلان قتلا بالرصاص عندما اقتربوا أو دخلوا المبنى خلال الحصار. وصف طبيبٌ شارَك في الإنقاذ، ما حدث بالارتباك والفوضى، قائلًا: “لم تكن خطة شريرة، بل مجرد فوضى سوفياتية.”

ألقى بوتين بيانًا تلفزيونيًّا في تلك الليلة بعد أنْ ظهَر على شاشة التلفزيون في أثناء الحصار، في مقاطع قصيرة تسجِّل لقاءه مع مستشاريه للأمن، وأعضاء البرلمان، وزعماء مسلمين. كان مُتّزِنا، بعينيْن فولاذيتيْن، تغلي بغَيْظ قاسٍ، وصفَ الإرهابيين “بالحثالة المسلَّحة.” وقال: “نأمَلُ الإفراج عن الرهائن، لكن استعدينا للأسوأ، الشيء المستحيل تقريبًا تمَّ إنجازه، إنَّ حياة مئات والمئات من الناس تمَّ إنقاذها، لقد أثبتنا أنَّ روسيا لا يمكن أنْ تخضع”. في عقل بوتين، هذا الإنقاذُ كان نصرًا، على الرغم من اعترافه بأنه كان مؤلمًا. قال: “لم نتمكن من إنقاذ الجميع”، قبل أنْ تعلن السلطات عن الحصيلة المروعة مناشِدةً الجمهور: “أرجوكم سامحونا!.”

 أكَّدَ الحصارُ المروّع اقتناع بوتين بأنَّ روسيا تواجه تهديدًا وجوديَّا، وأنَّ الثوار الذين يقاتلون على حدود البلاد، بدعم دوليٍّ، مزَّقوا البلاد، والحلُّ الوحيد هو تدميرهم. آصلان مسخادوف، من خلال ممثله الشيشانيِّ في اجتماع عقد في كوبنهاغن، أدان الهجومَ وعرض الدخول في محادثات سلام دون أيِّ شروط، إلا أنَّ الكرملين رفض، وبدلاً من هذا أصدرت النيابة العامة الروسية مذكرة اعتقال دولية في حقِّ ممثل مسخادوف، أحمد زكاييف، الذي كان في المؤتمر. ألقت السلطات الدنماركية القبض عليه، لكنها رفضت تسليمه لمدة شهر، قائلة إنَّ الروس اختلقوا دليلًا على توريطه في الحصار. يعتقد بوتين الآن أنَّ الغرب يأوي أعداء روسيا المعروفين.

وبعد أسبوع من انتهاء الحصار، أعلن شامل باساييف، المسؤولية عن الحصار، قائلًا إنه يريد أنْ يعطي الروس “نظرة مباشرة إلى أهوال الحرب المنفلتة العنان” من قِبل الكرملين. بدلًا من السعي لاستغلال الخلاف الواضح بين باساييف ومسخادوف، رفض بوتين حتى النظر في إمكانية إجراء محادثات سلام الآن. يعتقد البعض أنها سبب الحصار في الأساس. بدأت نظريات المؤامرة تسيطر على مناقشات فريق بوتين، إمَّا أنْ يكون الحصار مدبَّرًا أو أنهم لم يفعلوا شيئًا لمنعه، واستغلوها كما فعلوا في تفجيرات شقة قبل ثلاث سنوات من أجل تقويض الدعوة إلى هدنة عن طريق التفاوض، وتعتيم جهاز الأمن الفيدراليِّ عمَّق الشكوك، ورفَض مسؤولون مناقشة كيف تمكَّن واحدٌ وأربعون مقاتلًا بالسلاح والمتفجرات من التسلل دون اكتشاف إلى العاصمة، رفضوا الإفصاح عن نوع الغاز المخدِّر المستخدَم داخل المسرح، ورفض مجلس الدوما، وتحت ضغط من بوتين الإذنَ بإجراء تحقيق، وترك العديد من الأسرار التي لم تحل إلى الأبد. عندما سعى الناجون من الحصار للتعويض من خلال المحاكم، واجهوا مضايقاتٍ من السلطات، وأصيبوا خيبة الأمل مرةً بعد مرة، حتى حصلوا أخيرًا على جزء من حقوقهم بعد مرور أكثر من تسع سنوات “.

أغضبت الأسئلة- حتى الشكوك- بوتين. ففي الشهر التالي، بعد اجتماع في بروكسل مع الاتحاد الأوروبيِّ، سأله مراسل لوموند: ما إذا كان استخدام الألغام الأرضية في الشيشان قتل المدنيين الأبرياء إضافة إلى الإرهابيين التي كانت تهدف لقتلهم؟ بدا الغضب واضحًا على بوتين قائلًا إنَّ المتطرفين المسلمين يريدون تحقيقَ النصر في الشيشان كجزء من الجهاد في جميع أنحاء العالم مستهدفين روسيا والولايات المتحدة، وحلفائها. وأضاف بانفعال شديد: “إذا كنتَ مسيحيًّا، فأنت في خطر”، و”إذا قررتَ أن تصبح مسلمًا، فهذا لن يحميك أيضًا؛ لأنهم يعتقدون أنَّ الإسلام التقليديَّ هو أيضًا مُعادٍ لأهدافهم.” وتابع، في وقاحة َ أحرجت حتى المترجمين الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء الترجمة: “إذا كنت عازمًا على أنْ تصبح مسلمًا مُتَطَرّفًا ومستعدًّا للختان، فأنا أدعوك إلى موسكو. نحن أمة متجانسة. لدينا خبراء في هذا المجال أيضًا، سأوصي أنْ تتم العملية بحيث لا شيء سوف ينمو مرة أخرى!”.

error: