القدرة الرمزية وبنية الأنا – شايع الوقيان

القدرة الرمزية وبنية الأنا – شايع الوقيان

download-7

شايع الوقيان

خاص بحكمة


أنا أفكر، إذاً أنا موجود. بهذه العبارة الشهيرة أعلن ديكارت – حسب رأي مؤرخي الفكر الفلسفي الغربي- بداية الفلسفة الحديثة.وهذه الفلسفة تمتاز بتركيزها على “الذات العارفة” أو الكوجيتو بوصفه مركزا جوهريا لنظرية المعرفة والوجود. ومنذئذ، برزت فلسفات كثيرة متأثرة بديكارت من حيث انطلاقها من فكرة الأنا المتعالية العارفة وهي في مجموعها تشكل فلسفة الذات أو الفلسفة الذاتية في مقابل الفلسفة الموضوعية أو المادية أو التجريبية. والكوجيتو ( ونعربه بالأنا المتعالية) هو نقطة الانطلاق في التفلسف للفلسفات الذاتية.قبل الثورة الديكارتية كانت المعرفة تستمد يقينها من مصدر موضوعي: الله، العقل المطلق، التقاليد أو التاريخ. مع ديكارت صارت المعرفة تنطلق من الإنسان نفسه. ولكن الإنسان الديكارتي ليس كائنا واقعيا أو تاريخيا.. إنما هو كينونة متعالية، أي متجاوزة لشروط الزمان والمكان وهي ثابتة ومنغلقة على نفسها بحيث لا تقبل التغير. لكن حسب بول ريكور فالكوجيتو الذي يصوغ الفلسفات الذاتية لم يبدأ من ديكارت، بل من سقراط في عبارته الذائعة ( اعرف نفسك) أو بعبارة أكثر دقة ( اعتنِ بروحك). والروح السقراطية هي العقل الخالد في مقابل الجسد الزائل. ومن الكوجيتو السقراطي ظهر لنا الكوجيتو الديكارتي المشار إليه، والكوجيتو الكانطي ( الأنا المفكرة لا بد أن تلازم جميع تصوراتي)، والكوجيتو الفيختي ( الأنا هي أساس الفلسفة التأملية)، وأخيرا الكوجيتو الهوسرلي ( الأنا المتعالية هي مصدر الوعي القصدي)(ريكور٢٣٦). والجدير بالذكر أن كوجيتو سقراط كان أقل “تعاليا” من غيره وأكثر واقعية. فرغم أن العقل أو الروح كينونة خالدة إلا أنها منفتحة على الواقع وعلى مطالب الجسد.وربما أن الكوجيتو في صيغته الأفلاطونية هو مصدر القطيعة الجذرية مع الواقع. والكوجيتو الأفلاطوني الذي لم يميزه ريكور عن السقراطي ينص على أن العقل يعرف نفسه في اللحظة التي يتحرر فيها من كل شيء مادي وواقعي وحي.

مع فيخته وهيجل وصلت الفلسفة الذاتية إلى ذورتها. على سبيل المثال، في نظام فيخته الميتافيزيقي، الأنا التي “تضع” نفسها هي “كينونة غير مشروطة ولا يمكن البرهنة عليها أو تعريفها” (فخته ٩٣) ؛ لأنها هي التي تبرهن على الأشياء وتعرفها. وبما أن الأنا تضع نفسها ( بعبارة أخرى: تخلق نفسها كأنا واعية وعارفة) فهي تتعالى على كل وعي تجريبي.(فخته ٩٣)

في الفكر الفلسفي المعاصر برزت (المعرفة الذاتية من طرف الشخص الأول)  بوصفها موضوعا حيويا. والمراد بهذا النوع من المعرفة أن الشخص الأول ( أنا) يعرف نفسه ومنطويات عقله معرفة مباشرة ومخصوصة وشفافة. وكلمة (مباشرة) تعني أني أعرف ما يدور في عقله بشكل مباشر وبدون وساطة أحد. وكلمة (مخصوصة) تعني أني أنا الوحيد الذي أعرف جيدا ما يدور في عقلي وأن معرفة الآخر (الشخص الثاني والثالث) بما يدور في عقلي ليست مباشرة وإنما تتم بواسطة شيء: الحديث أو لغة الجسد أو الأحلام .. إلخ. وأما كلمة (شفافة) فتعني أن الذات تطابق الموضوع في هذا الضرب من المعرفة. وأهم صور المعرفة الذاتية المباشرة هي ما يعرف بـ”الصيغة الديكارتية”. وهذه الصيغة تنص على أن الكوجيتو (الأنا، الشخص الأول) قادر على معرفة نفسه (أي ما يدور في عقله) مباشرة وبشكل يقيني ومخصوص. ولكن هذه الصيغة تعرضت لضربات نقدية عنيفة وصارت مرفوضة في الفكر المعاصر (موران ٤)  والسبب يعود إلى أن هناك رؤى فلسفية وسيكيولوجية تعارض الرؤية الديكارتية. على سبيل المثال، في التحليل النفسي، قد يظن المريض أنه زعيم أو ملك. ومن هنا فالمحلل النفسي يعرف المريض أكثر من معرفة المريض بنفسه. بل إن الأنا المتعالية أو الكوجيتو لا يعرف نفسه بشكل شفاف ومباشر حتى في الحالات غير المرَضيّة كما سنعرف لاحقا.

السؤال الذي يشغلني فيما يتعلق بالمعرفة الذاتية أو معرفة الشخص الأول بنفسه هي أين “الآخر” في هذه العملية؟ هل “الآخر” كما تقر الصيغة الديكارتية لا علاقة له بالمعرفة الذاتية؟ للإجابة عن هذا السؤال، أود أن أسلط الضوء قبلا على “بنية الأنا” وسوف نعرف حينها أن الصيغة الديكارتية غير ممكنة إذا ثبت أن الآخر له دور جوهري في تشكيل الأنا ومعرفتها بذاتها. وبتعبير آخر: إلى أي مدى يكون “الآخر” عنصرا مكونا للأنا؟!

بنية الأنا

يرى بول ريكور أن هناك اتجاهين كبيرين فيما يتعلق بتركيب أو بنية الأنا. التيار الأول هو الديكارتي الذي سبقت الإشارة إليه. وفيه فالأنا متطابقة مع نفسها ومع المضمون العقلي لها؛ ومن ثم فتصور “الآخر” ليس ضروريا في تشكيل الأنا. وهذا التيار يتعامل مع الأنا بوصفها كينونة محضة أو خالصة. أما التيار الآخر فهو مرتبط بالتحليل النفسي عند فرويد و جينيالوجيا الأخلاق عند نيتشه وفلسفة ماركس. هذا التيار يمثل الأنا الموشومة أو غير الخالصة. العامل المشترك بين هؤلاء الفلاسفة الثلاثة هي رفض الكوجيتو الديكارتي، أو الأنا المتعالية الخالصة. وفي هذه الرؤية فالأنا ليست مركز الكون ولا أساس المعرفة كما هو الحال عند ديكارت وكانط. والأكثر غرابة أن “الأنا” ( أو الوعي ) لم يعد لها دور أساسي في حياة المرء. فعند فرويد، الدور الأساسي مناط باللاوعي ( اللا-أنا) فهو المحرك الحقيقي للسلوك. والأنا أو الوعي ليس سوى “نتيجة” للصراع الدائر بين الأنا العليا والهو، أي بين القيم الاجتماعية والرغائب الفردية التي يمارس المجتمع عليها قمعا متواصلا. في هذا الإطار، فالأنا الواعية هي “عرَض” لشيء “جوهري” كامن.

أما في جينيالوجا الأخلاق النيتشوية، فالأنا الواعية لم تعد تلك الكينونة العاقلة التي تسترشد بالعقل في كل مسلك، أو ليست حيوانا عاقلا كما يرى أرسطو، إنما هي حيوان مريد.. الأنا تعبير واقعي عن إرادة القوة. والقيم الأخلاقية ليست ثمرة للبرهان العملي أو النظري، إنما هي ما يفرضه الأقوياء على الضعفاء أو السادة على العبيد. فالخير والشر هي تأويلات الأقوياء للعالم المحيط بهم وهذه التأويلات تتم في ساحة صراع منفعي لا عقلاني. وبعبارة أخرى، الأنا الواعية ليس لها أي دور في إنتاج تلك التأويلات.

أما فلسفة ماركس، فالوعي لديها هو شيء ثانوي أو نتيجة للجدل التاريخي والصراع الطبقي الذي يحدث على أرضية البنية التحتية.

بين هذين التيارين، يحاول بول ريكور أن يضع نظرية أقل تطرفا وتجمع بين سمات ذينك التيارين. وهو يسمى نظريته هذه بالفلسفة الانعكاسية ( أو التأملية) (ريكور ٣٩). ولكنها ليست تأملية ديكارتية بل مطعمة بهرمنوطيقا الرموز. أي بنظريته في تفسير الرموز. وهو يتفق مع من يسميهم أساتذة الشك الثلاثة في رفض الأنا الخالصة أو المتعالية.. لكنه يختلف معهم في الحط من شأن الأنا الواعية وإنزالها إلى مستوى ثانوي وهامشي. لذا يرى ريكور أن الأنا لم تعد خالصة ولكنها تظل فاعلة وأساسية في الحياة التأملية وفي الحياة العملية.

قلنا إن ريكور يدمج بين فلسفة الذات التأملية والهرمنيوطيقا. وهذا الدمج أفضى به إلى دمج آخر نرى فيه الأنا التي لم تعد خالصة تنطوي على تصور “الآخر”. أي إن حضور الآخر في الأنا يمنعها من أن تكون خالصة.والمراد بالآخر هنا هو ما هو ليس الأنا: أي، الناس والأشياء والعالم المحيط. فريكور يرى أن الأنا لا تعي نفسها إلا من خلال انخرطها في علاقة مع الآخر.وريكور يشدد على الطبيعة الرمزية لتلك العلاقة بحيث تكون اللغة ( بوصفها نظاما رمزيا) أفقا يسمح لتلك العلاقة بالوجود. وغني عن الذكر أن ريكور تأثر أشد التأثر بفلسفة هايدجر الهرمنيوطيقية. وهايدجر يطرح فكرة أن الدازاين ( الأنا العارفة والموجودة) تتسم بسمات أنطولوجية مثل الوجود في العالم وبين الآخرين. وهذا يعني أن البنية الأنطولوجية للإنسان تجعلها منذ البدء موجودا في العالم ( أي ليس كوجيتو منعزلا) وبين الآخرين ( ليس أنا خالصة). فالإنسان بالتعريف لا يعي نفسه إلا في إطار اجتماعي ولغوي. ويقدم هايدجر أيضا مفاهيم مهمة مرتبطة بالمفهومين السابقين كمفهوم “العناية” أو “ الهمّ”. وخلاصة المفهوم أن الإنسان بطبيعته مرتبط بالعالم المحيط و”مهتم” به لأن هذا العالم هو عالمه وأفقه الذي لا يمكن له أن يوجد بدونه. فالأفق أو العالم المحيط بما فيه من أدوات وبشر هو السبيل الوحيد الذي يتحقق فيه “وجود” الموجود. ومرة أخرى، وجود الأشياء والبشر ليس شيئا عرضيا أو طارئا بل هو خاصية مكونة للدازاين لأنه بدونها لا يكون. وهذا العالم المكتظ بالناس والأشياء والذي يتفتح فيه وعي الإنسان بذاته هو مرحلة سابقة لأي تنظير معرفي. ومن هنا، فإن بول ريكور يعكس الكوجيتو ( أنا أفكر، لذا أنا موجود) ليكون ( أنا موجود، ولذا أنا أفكر) (ريكور ٤٣). ومن المفاهيم الهايدجرية التي أثرت في فكر ريكور ( وفي مقالنا هذا كما سنعرف لاحقا) هي تاريخية الدازاين أو الزمنية. فالإنسان يعرف جيدا أنه “موقوت” أو أنه وجود نحو الموت. والبداية والنهاية ( أو الولادة والموت) تجعل فكرة الزمن الوجودي جوهرية في تشكيل بنية الأنا. وهي المسؤولة عن فهم الإنسان للوجود وللعدم.

عندما يقدّم ريكور ( أنا موجود) أو (أنا أوجد) على ( أنا أفكر) فإنه لم يفعل سوى أن وضع فكرة هايدجر في ترتيب مختلف. الإنسان يوجود أولا ثم يفكر. لكن من الضروري أن نكون يقظين إلى الفرق الدقيق بين نوعين من (التفكير). الأول هو التفكير المنطقي النظري وهو منسجم مع الصيغة الديكارتية التي ترى أن المعرفة علاقة بين (الذات) و (الموضوع) والتي تفصل منذ البدء بين الأنا والعالم المحيط. وهي بذلك تجعل الأنا مستقلة تماما وعلاقتها مع الموضوع مجرد علاقة معرفية، أي هدفها أن يتعرف الأنا على الموضوع. وأما النوع الثاني من التفكير فهو ما قبل العلمي. وهو التفكير الملائم للصيغة الهايدجرية-الريكورية. وهذا التفكير هو نشاط الفهم السابق على التدبر العلمي والمرتبط ارتباطا وثيقا بالوجود الإنساني. فالإنسان يمارس وجوده بشكل هرمنيوطيقي؛ أي تأويلي. فكل لحظة من لحظات الدازاين هي تأويل وفهم. وميزة هذا الضرب من التفكير أنه سابق على الثنائية المنطقية (ذات-موضوع). التفكير قبل-العلمي هو النشاط الجوهري للدازاين ( الإنسان الواعي بوجوده). وهذا التفكير أو الفهم أو التأويل يكون مدفوعا بالهمّ، أي الإنسان “مهتم” بالأشياء حوله وهذا الاهتمام هو الفضاء الذي يمارس فيه العقل تفكيرا قبل-علمي. في هذا التفكير، الأنا مرتبطة بالموضوع. أما في التفكير المنطقي فالأنا موجودة ومكتملة وسابقة على الموضوع. والكوجيتو الديكارتي أهم مثال على هذا النوع. وهذا يفسر الصيغة الديكارتية فيما يتعلق بالمعرفة الذاتية؛ أي الإنسان واع بذاته وعيا مباشرا وشفافا ويقينيا. المعرفة الذاتية الناجمة عن التفكير المنطقي تتم في انعزال عن “الآخر” ومن هنا ظهرت دعوى الأنا الخالصة. أما بالنسبة لهايدجر وريكور فالأنا توجد حتى قبل أن تعرف نفسها. لكن بخلاف أساتذة الشك الثلاثة، يرى ريكور أن الأنا تعود فتعرف نفسها ويصبح لها دور حاسم. ولكن معرفتها بنفسها هذه المرة تتم بتوسط وليس مباشرة. يقول ريكور: “الأنا لا بد أن تضيع أولا لكي تجد نفسها”(ريكور ٤٣). لكن كيف للأنا أن تجد نفسها؟! إنها القدرة الرمزية. فمن خلالها ينفتح أفق وجودي تنشأ فيه الأنا بجوار الآخر وتكون العلاقة ممكنة. إن القدرة اللغوية هي أهم ما يميز الإنسان وهي تلعب دورا أصيلا في معرفة المرء بنفسه. جاك لاكان معروف بدراساته العميقة التي يعالج فيها موضوع العلاقة بين الأنا واللغة.وهو يرى أن الطفل يعرف نفسه في ما يسميها بالمرحلة الرمزية. يقول لاكان: “ إن تطور الأنا يحدث فقط في اللحظة التي تلج فيها الذات إلى النظام الرمزي وتعمل في داخل هذا النظام وتؤكد نفسها من خلال الاستعمال الأصيل للكلام.”(لاكان ٨٦) أخيرا فإن ريكور، مستعيرا عبارة من كتاب كانط (نقد ملكة الحكم) يقول: “ الرموز هي السبيل المؤدي إلى التفكير”. (ريكور ٣٩)

القدرة الرمزية

ما معنى الرمز؟ يعرف إمبرتو إيكو الرمز ( العلامة) كالتالي: العلامة هي شيء يمكن أن يؤخذ بديلا دلاليا لشيء آخر (إيكو ٧). وبتعبير أكثر بساطة: العلامة شيء ينوب عن شيء آخر. فالرمزية أو العلاماتية هي نظام يفترض وجود ذلك “الآخر” سلفا. فالترميز تعني إحالة شيء لشيء. وربط المعرفة الذاتية بالرمزية يعني أن قدرة الأنا الرمزية تعني القدرة على الدخول في علاقة غيرية. ولذا فاللغة والرمز عموما لهما طبيعة اجتماعية؛ أي أنهما يفترضان وجود الأنا داخل إطار اجتماعي اتفاقي. ريكور يرفض الصيغة الديكارتية لأن الأنا فيها غير قادرة على الترميز. أو لأن الترميز ليس عنصرا مكونا لها. فالكوجيتو في خالصته وتعاليه واستقلاله لا يحتاج إلى الترميز، أي الإحالة إلى ما هو خارج الأنا. صحيح أن ديكارت يقوم بفعل الإحالة إلى الوجود الكامل (الله) ولكن هذه الخطوة تتم لاحقا للبرهنة على وجود العالم الخارجي وليس على وجود الأنا. فالأنا الديكارتية لا تحتاج إلى غيرها في التعرف على نفسها. ينتقد ريكور الكوجيتو الديكارتي قائلا: “ أنا أعرف أني أوجد وأني أفكر وأعرف أني واع ويقظ.. وهذه الأفعال هي استبطان. وبعبارة كانطية، استبطان الأنا لنفسها يرافق جميع تمثلاتي، لكن الاستبطان ليس معرفة ذاتية حقة.” يكمل ريكور: “ بخلاف ديكارت، يرى مالبرانش أن المعرفة المباشرة بالأنا هي مجرد شعور لا فكر” (ريكور ٤٤). أي إن شعوري المباشر بذاتي ليس معرفة. ولا غرو فالشعور المباشر يتم بلا وساطة رمزية. وكل وعي لا يتم في إطار رمزي فهو مجرد شعور بدائي بسيط كشعور الحيوانات مثلا بحاجتها للطعام والشراب والمأوى.

إن “الآخر” يسهم في تشكيل بنية “الأنا” والعكس صحيح. وكل طرف يشارك في عملية التكوين بفضل الانخراط في لعبة اللغة. وهذه اللعبة لا يمكن لها أن تتم بانفراد.

تاريخية المعرفة الذاتية

في كتابه ( فينومينولوجيا الوعي بالزمن الداخلي) يقارن إدموند هوسرل بين لحظات الزمن الثلاث بلحظات الوعي الثلاث: فالماضي مقترن بالذاكرة (الاسترجاع)، والحاضرة مقترن بالإدارك المباشر، والمستقبل مقترن بالتوقع (هوسرل ٥). بناء على هذا الربط وعلى كل ما سبق، أرى أن وحدة الزمن ( بالمعنى الهوسرلي الآنف) هي الأساس الأنطولوجي لوحدة الوعي (والمعرفة الذاتية). وأرى أن اللغة ( أو القدرة الرمزية عموما) هي الأفق الذي يجعل العلاقة بين الزمن والوعي ممكنة.

لو أصيب امرؤ بعطب شديد في الذاكرة بحيث لا يتذكر شيئا من الماضي على الإطلاق، فإننا لن نجانب الصواب لو قلنا إن هذا المرء لا يملك معرفة أبدا ولا حتى معرفة ذاتية. سيصير كالرضيع وقتما يفتح عينيه على العالم فيدرك منه الانطباعات الأولى فقط ولا يستطيع أن يصوغ منها معرفة. وكل ما يملكه الرجل الفاقد كليا للذاكرة ( للتجارب الماضية) هو مجرد شعور بالمعنى المالبرانشي السالف الذكر. ليس لدي برهان حاسم إنما حدوس أولية قائمة على الدراسات الحديثة التي تربط ربطا وثيقا بين الوعي واللغة. واللغة ذات طابع زمني ولا يمكن تصور لغة تخلو من الأفعال والكلمات الزمنية.

عندما نتدبر معنى الماضي والمستقبل، سنجد أن الماضي (مضى) ولم يعد موجودا، وأن المستقبل لم يوجد بعدُ. الماضي والمستقبل عاطلان من الوجود. وهما بعبارة أخرى لاوجود؛ أي عدم. وإذا تدبرنا “الحاضر” في ذاته، معزولا عن الماضي والمستقبل، فإنه بدوره ليس سوى حلقة وصل بين تلك اللحظتين “المعدومتين”، وهذه الحلقة لا قيمة لها إلا في اتصال الماضي والمستقبل، فهو النقطة التي يلتقي فيها العدمانِ. الحاضر لو عزل عن الماضي والمستقبل سيكون صفرا مطلقا. بتعبير آخر: إنه عدم. إذن الزمن يتكون من ثلاث “عدمات”! ولكنها تصبح وجودا في اللحظة التي تصير فيه الثلاث عدمات سيالا متصلا، كلا واحدا. لكن أيضا عندما يصبح الزمن كتلة واحدة فلا معنى لوجود لحظات ثلاث: ماض وحاضر ومستقبل. إن الزمن ينطوي على العدم والوجود معا. ما يؤسس “وجود” الزمن هو اتحاد لحظاته الثلاث.. وإذا أخذنا “لحظة” وعزلناها فإنها تختفي وتصبح لاشيء. وهذا يصدق على لحظات الوعي الثلاث ( التذكر، الإدراك، التوقع). فالمرء الذي لا ذاكرة له لن يكون له قدرة على الإدراك ( بمعناه المعرفي) وسيظل له فقط قدرة على استقبال محسوسات مشوشة لا معنى كامنا فيها. وأيضا لن تكون له توقعات لانتفاء الذاكرة والإدراك. ومجموع لحظات الوعي الثلاث يشكل “خبرة” أو تجربة.

لدينا الآن تياران: تيار الزمن وتيار الخبرة. وهذان التياران مقومان للوجود الإنساني الواعي. ولكن لا يمكن أن “يحدث” التياران؛ أي أن تتحد لحظات الزمن الثلاث ولحظات الوعي الثلاث، ما لم يكن المرء حائزا على قدرة رمزية، أو لغة. اللغة كائن اجتماعي بينذاتي؛ ولا يمكن أن تتم بين المرء ونفسه. لذا فوحدة التيارين مرتبطة بانخراط المرء في تيار الحياة الاجتماعية. فالوجود الإنساني هو وجود في العالم وبين الناس، كما أوضح هايدجر.

تيار الحياة هو الزمن والوعي متحدين بفضل القدرة الرمزية الاجتماعية. واللغة تمتاز بقدرتها على “الإنابة” أو “التمثيل”.. فكل كلمة وكل جملة تنوب عن شيء من أشياء الخبرة.. بل تنوب أيضا عن الزمن وبالتالي تخفظ للوعي تماسكه ووحدته. إن لنا ذاكرة لأن لنا لغة وليس العكس. ونحن لا نتذكر شيئا خارج اللغة أو بعيدا عن التمثيل الرمزي للحوادث الماضية. غني عن القول إن القدرة الرمزية أشمل من اللغة ولكن اللغة أكثر الرموز كمالا. فالصور الذهنية التي تنوب عن الأشياء ليست لغة ولكنها لا تستقل عن اللغة. فإذا تذكرتَ أباك الذي مات منذ سنين طويلة فإنك لا تستحضر الصورة الذهنية له لوحدها بل ترفق معها كلمة “أب” التي يتحدد معناها في سياق نظام اللغة “التخالفي”. (اللغة نظام من الاختلافات – كما يبرهن سوسير=(دي سوسير ١١٨).

حينما أقول إن “الماضي” لم يعد موجودا، فإن لغتنا تستطيع “استعادته”. فنقول ببساطة إن الماضي قد “وُجِدَ” أو “ كان موجودا”. ونحن نستعيد حوادث الماضي بفضل ما تتيحه لنا الرموز. عندما يتعلق الأمر بالحيوان العاطل من القدرة الرمزية، سنجد إن “وعيه” ضعيف جدا وهش بحيث لا يتمتع بوحدة الوعي التي يتمتع بها الإنسان. وافتقار الحيوان للقدرة الرمزية يفسر لنا لماذا الحيوان كائن غير عقلاني وبالتالي لا يمتلك وعيا بذاته. الوهن الذي يصف وعي الحيوان ينسحب أيضا على إحساسه بالزمن. فالحيوان لا يحس بالزمن أو لا يصل إحساسه به إلى المستوى الناضج الذي يميز الإنسان. فإذا رأت الشاةُ ذئباً فإنها تهرب.. ولكن الشاة لا تحتفظ بالحدث عندما يغيب الذئب عن إدراكها الحسي المباشر والغريزي. أي إن الشاة لا تتذكر الذئب وهو غائب ولكنها تتعرف عليها في اللحظة التي يكون أمام إدراكها الحسي. وهذه ذاكرة لازمنية إن صح وصفها بالذاكرة!

الافتقار للقدرة الرمزية لدى الحيوان يلعب دورا حاسما في “هلهلة” الوعي لديه. فالوعي المهلهَل بخلاف الموحَّد لا يكاد يكون وعيا، وإن ساغ أن يكون وعيا بالأشياء فإنه لن يكون أبدا وعيا ذاتيا منعكسا. إن اللاشيء أو العدم يتغلغل في وعي الحيوان.. فاللحظة الفاصلة بين رؤية الشاة للذئب ورؤيته كرَّة أخرى هي عدم مطبق. فالعدم هو انفصام وحدات الزمن ووحدات الوعي. والرموز تستحضر الماضي والمستقبل (العدميْنِ)، أي تملأ الفراغ الذي يخلّفه غياب الماضي والمستقبل. وملء الفراغ، حقا، هو وظيفة الرموز. فالرموز تربط اللحظات معاً بطريقة تجعل الإنسان في نهاية المطاف قادرا ليس فقط على وعي الأشياء بل الوعي بذاته.

خاتمة

المعرفة الذاتية في التقاليد الديكارتية تتم بمعزل عن الآخر ( محيط التجربة الحية). إنها تعلن عن نفسها بوصفها مكتفية بذاتها وبينة بعينها ومستقلة عن غيرها. من جهة أخرى، الأنا تبعا لماركس وفرويد ونيتشه مجرد عرض طارئ أو نتجة حتمية لأفاعيل مغايرة. في فلسفة هايدجر وريكور نجد أن الأنا ليس نقية خالصة مستقلة لكنها مع ذلك ليست مجرد عرض طارئ أو شيئا يطفو على السطح. القدرة الرمزية عند الإنسان تجعل الأنا والآخر في علاقة جوهرية وضرورية. وجوهرية العلاقة البينذاتية هي المسؤولة عن تأسيس الأنا والآخر، ولا وجود لأي منهما خارج إطار تلك العلاقة الرمزية. والطريق الملكي الذي يربط الأنا بالآخر هو الرمز أو اللغة. وتبادل الرموز بين الأنا والآخر هو عمل ديالكتيكي بحيث تسهم الأنا في صياغة الآخر والعكس صحيح. وأكثر من ذلك فإن الأنا لا تتعرف إلى نفسها إلا في مرآة الآخر. ( والعكس صحيح إذ تتبادل الذوات مواقع الحوار: الأنا يصبح آخر والآخر أنا).

الزمن والوعي كلاهما عنصران مكونان لبنية الأنا. لكنهما ليسا لا يعملان بشكل صحيح ولا يضمنان وحدة عضوية ما لم يحدثان في أفق القدرة الرمزية. ونقص القدرة الرمزية عند الحيوان يشرح لماذا الحيوان لا يعي ذاته أو لا يملك وعيا ذاتيا ويشرح لماذا كان أرسطو حينما قال (الإنسان حيوان عاقل) لم يكن يتحدث فقط عن المعرفة ككل بل أيضا عن المعرفة الذاتية. وقد صدق إمبرتو إيكو حينما عدّل عبارة أرسطو إلى: الإنسان حيوان رمزي (سيميوطيقي) (إيكو ٢٠٢).

 


 المراجع

 

1- Paul Ricoeur. Freud and Philosophy. Trans. Deins Savage. New Haven and London: Yale University Press 1970

2- Emberto Eco. Semiotics and the philosophy of language. Bloomington: Indiana University Press  1986

3- Jacques Lacan. The Seminar of Jacques Lacan, Edited by Jacques-Alain Miller. BOOK I: Freud’s Papers on Technique 1953-1954. Translated with notes By John Forrester. New York London: W. W. Norton & Company 1991

4- Richard Moran. Authority and Estrangement. Princeton and Oxford: Princeton University Press 2001

5-Edmond Husserl. on the Phenomenology of the Consciousness of Internal Time. Trans. John Brough. London: Kluwer Publisher 1991

6- Fichte. Science of Knowledge. Trans. Peter Heath and John Lachs. New York: Cambridge University Press  2003

7- Saussure, Ferdinand de. Course in General Linguistics. Trans. Roy Harris. Chicago and La Salle: Open Court. 1983. Print.

 

error: المحتوى محمي