القبيلة والأنساب في السعودية: حوار مع ناداف سامين – حاورته: فاطمة الشملان

القبيلة والأنساب في السعودية: حوار مع ناداف سامين – حاورته: فاطمة الشملان

English Version


  • بادئ ذي بدء، أود أن أشكرك على موافقتك إجراء هذه المقابلة مع حكمة. ما هو الدور المهم الذي يلعبه علم الأنساب في مجال الأنثروبولوجيا؟

في البداية تدربت كمؤرخ، ولكن حين واجهت تحديا في سرد التاريخ الجديد للجزيرة العربية حصلت على تدريب ثاني كأنثروبولوجي.

علم الأنساب هو عرض لعلاقات القرابة سواء الشفهية أم التصورية أم النصية. ودراسة القرابة ضمن مجموعات من البشر الذين يعتقدون بأنهم ينحدرون من سلف مشترك هي أحد مساعي الأنثروبولوجيا الأساسية. انبهر علماء الأنثروبولوجيا القرن التاسع عشر والعشرين بالتطورات في العلوم الطبيعية والفيزيائية حين اكتشفت مبادئ أساسية مثل الانتقاء الطبيعي لداروين ونظريات أينشتاين عن النسبية. فأراد الأنثروبولوجيون أن تكون لهم قاعدتهم الأساسية أو مبدئهم لتفسير علاقات الإنسان الاجتماعية. رأوا أن دراسة القرابة ضمن الشعوب غير الغربية هو الدرب الحتمي للتعرف على قاعدة أساسية كهذه.

كانت المشكلة في أن الأنثروبولوجيين لم يتفقوا إطلاقا على هذه القاعدة الرئيسية للعلاقات الاجتماعية لأنه لا يوجد قانون كهذا ببساطة. إذ تتشكل مجموعات القرابة حول العالم بطرق متنوعة، جاعلة من الصعب التعرف على مبدأ واحد عن كيف ولماذا تتخذ الهيئة تلك.

 

  • ماهي المناهج التطبيقية والنظرية المفيدة في علم الأنثروبولوجيا؟

هناك ميل في العلوم الاجتماعية الحديثة عموما، وفي الأنثروبولوجيا خصوصا، للسماح للنظرية والمنهج في التدخل بالسرد. إني أنظر للبحث على أنه سرد قصة، ولكن بأدوات أكثر صرامة. العمل البحثي الجيد هو ذلك المطلع نظريا، أي أنه يسأل ويجيب على الأسئلة التجريدية التي هي أكبر من الموضوع المطروح، كعلم الأنساب في المملكة العربية السعودية على سبيل المثال. فدون سلسلة من البراهين التطبيقية القوية والقاهرة، يكون التنظير هباء، على الأقل من منظوري. يمكننا أن نسأل أسئلة تجريدية طوال الوقت، مثل ما هي الهوية؟ ولكن دون القدرة على تنقيب واختبار تلك الأسئلة في علاقتها مع النصوص أو السرديات أو المعطيات الديموغرافية أو أي معلومات تفصيلية أخرى فإن تلك ممارسة مهدرة.

 

  • هل تستطيع اخبارنا ما الذي جعلك تختار المملكة العربية السعودية (في كتاب من رمل أو طين أو المقالات المنشورة الأخرى) على وجه الخصوص؟

أتيتُ من دراسات تراث الشرق الأوسط، وفي ذلك المجال كانت المملكة العربية السعودية ممثلة بشكل فقير. كان، ولا يزال، هناك نزر قليل جدا من البحوث الجادة عن المملكة، خصوصا عن الحياة الاجتماعية فيها من منظور تاريخي. وددت أن أقدم مساهمة إلى تخصصي الأعرض، واكتشفت أن دراسة تاريخ المملكة العربية السعودية هو تحدي ومبهر في ذات الوقت.

 

  • من عنوان الكتاب، يشعر المرء بإيعاز لسؤال وجودي كذلك الموجود في مسرحية شكسبير الشهيرة “أن تكون أولا تكون، تلك هي المسألة!) أي الاختيار بين أما أن تكون من رمل أو من طين، بيد أن كلا من الرمل والطين يندرجان تحت نفس الفئة بطريقة ما، ما هو الوتر الذي كنت تحاول ضربه بعنوان كهذا؟

كتاب من رمل أو طين

كتاب من رمل أو طين

أقدر سؤالك. أردت أن اقترح بالعنوان أن مسألة انحدار المرء من قبيلة بدوية رسميا (أي من رمل) أو من واحة زراعية (أي من طين) هو أمر مهم جدا وبطرق مختلفة ضمن ثقافة الأنساب في المملكة. لعله يوجد عنصر درامي نوعا ما في العنوان، ولكن كنت أحاول في (من رمل أو طين) القبض على مسألة الثنائية الأساسية بطريقة موجزة. بالطبع هناك الكثير من الدمج بين المجموعتين الاجتماعيتين، لكن لكون المملكة العربية السعودية بدوية في غالبيتها حتى منتصف القرن العشرين، فإن تأثير ثقافة “الرمل” كما أود أن أحاج أعظم في المملكة من غالب الدول العربية الأخرى. وهذا ليس كالقول بشكل سلبي أن السعوديين مجرد بدو، ولكن محاولة أخذ تاريخ المملكة المخصوص بشكل جدي لنرى كيف يساعد في تشكيل الحاضر. وبهذا التوجه، أتبع ببساطة خيط بحث حمد الجاسر بينما أحاول استخدام بعض الأدوات المنهجية المتقدمة.

 

  • تذكر في الكتاب “لم يتفرد الجاسر بتلك الممارسة، والتي عكست انبثاق حس جديد من الاحتشام في الرسائل السعودية، حيث تُحجب أسماء النساء من الحياة العامة كما أجسادهن عبر القيود في الملبس والحركة والتوظيف وجوانب أخرى من الحياة في المملكة العربية الحديثة.” بيد أن في الرسائل الشخصية المبعوثة للجاسر من نسوة يسألن ويتساءلن، كانت بعضهن حاملات لدرجة الدكتوراه ويذكرن أسماءهن الأولى والأخيرة صراحة. ما هو تفسيرك لهذا؟

 فيما يخص الرسائل، فتلك رسائل خاصة، وبالتالي فإن الأعراف التي تعكسها مختلفة عن تلك في الحياة العامة. أعتقد بالفعل أن النساء أُقصين في غالبيتهن ولزمن طويل عن الساحة العامة السعودية الجديدة. لكن يبدو أن هذا تغير.

 

  • مع تقدم العلم ودور DNA، يحاول بعض الناس تأكيد نسبهم عبره. بيد أنه حين يفتح الموضوع في المجال العام نجد أن إنكار وشجب أهمية انتماء المرء لقبيلة يهيمن على المشهد. لماذا تعتقد أن تناقضا كهذا موجود بين ما يقال وما يفعل؟

 إن مسألة اختبار النسب أمر مثير. إني شخصيا لا أعطي أي مصداقية لاختبارات كهذه، إلا أني لست بعالم جينات ولا يمكنني الحديث عن مدى الدقة التي من المفترض أن تحملها. بيد أن ما أجده مثيرا للاهتمام هو الدواعي المتناقضة لاختبارات كهذه. فعلى صعيد، يمكن استخدام اختبارات DNA لتغذية حس انتماء أكبر للمجتمع ضمن الأسر والقبائل أو حتى الأمم، كما يحصل في الإمارات العربية المتحدة والبحث النسبي في المركز الوطني للوثائق والبحوث. وعلى صعيد آخر، يمكن لاختبار DNA أن يعزز حدودا طبقية صلدة بين القبليين وغير القبليين، وبالتالي يساهم في الانقسامات والتوترات الاجتماعية.

أرى علم الأنساب أداة للسعوديين لخلق صيغة مألوفة من المعنى لحياتهم، إذ أنهم شعب يخوض تغيرا سريعا. فعلى الرغم من أن الأنساب مبنية في العادة حول لب حقيقي، إلا أنها في غالبها من صنع التصور الاجتماعي. ففي الماضي، كانت مبتكرة من السردية الشفهية؛ ومن ثم من الصفحة المطبوعة؛ ومن ثم من شجرة العائلة. كل تلك آليات أو طرق للتواصل. ما الذي يحصل حين يلتقي فعل الابتكار مع علم صلب كعلم الجينات، حين الحقائق المتكهنة تصطدم مع الحقائق التي لا جدال عليها؟  أتمنى أن يكتب أحدهم كتبا عن هذا الموضوع.

 

  • هل تعتقد أن الاهتمام بتوكيد المرء انتمائه لقبيلة محصور على المملكة العربية السعودية أو أنه أمر يمكن العثور عليه في مناطق مختلفة من العالم؟ ماهي أوجه الشبه والاختلاف إن كان اهتمام كهذا موجود في أماكن أخرى؟

 لا يقتصر الاهتمام بالأنساب على المملكة العربية السعودية بأي حال. نعرف أن اختبار DNA للنسب ذو شعبية في الخليج. لكن تاريخ الأسر وشركات علم الأنساب ذو شعبية في الولايات المتحدة الأمريكية كذلك. الولايات المتحدة هي أمة من مهاجرين، ولذا غالبا ما يدفع الناس مقابل خدمات تلك الشركات من أجل تعقب جذورهم المهاجرة، إلى بلد أوربية معينة غالبا. إلا أن في المملكة العربية السعودية، على الأقل في نجد، فإن حالة الهجرة ليست أمرا يُحتفى به. فأصالة العروبة هي الأمر الأكثر أهمية. إذا ما أردتُ فهم ثقافة علم الأنساب في المملكة العربية السعودية من خلال ضوء عالمي ومقارن، فإنني سأنظر إلى أمثلة في أماكن مثل الصين أو اليابان، لأرى كيف فكروا وتعاملوا مع هذه المسألة في فترة القرن 19 إلى 21، عوضا عن النظر إلى حالة الولايات المتحدة. فالولايات المتحدة غير اعتيادية فيما يخص علم الأنساب، على الرغم من أن اهتمام الأمريكيين في الموضوع يُظهر أن المجتمعات والثقافات حول العالم تحاول أن تمنح معنى لعلاقاتها الاجتماعية من خلال نظام قرابة.

 

 

  • حين ظهرت ترجمة كتابك إلى العربية، علق أكاديمي بعجبه من أولئك الين يترجمون كتبا عن الأنساب وما أثار عجبه أكثر هو أولئك الذين يبتاعونه؟ هل تملك تعليقا على هذا؟

 أود القول بأن أولئك الذين يسعون لإقامة ضريبة جمركية على سوق الأفكار لا يضرون سوى المستهلك. وفي الوقت نفسه، هناك الكثير من الكتب المثيرة للاهتمام للقراءة بحيث على المرء أن يستغل وقته بحكمة. يشارك الأكاديمي الذي تذكرينه خلجات أحمد بن حنبل وموسى بن ميمون الذي أعتقد كلاهما أن دراسة علم الأنساب هدر للوقت. بالطبع لا أوافق!

 

  • هل تعتقد أن مع رؤية 2030 التي تتبناها الدولة والتحول السريع الحاصل أن النسب سيظل عنصرا حاضرا في الطريقة التي يرى بها السعوديون المواطنة والهوية؟

 لا يمكنني القول حقيقة، ولكن لن أتفاجأ لو تحور معنى النسب للسعوديين ليتناسب مع التغيرات الجديدة، بما فيها الحاجة لاعتبار موقع للنساء لم يكن المعترف فيه سابقا في الخريطة النسبية. إن مشهد شجرة العائلة في فيلم وجدة مؤثر على وجه الخصوص فيما يخص هذا الأمر.

إن منظوري القريب هو أن لكون النسب مجال تاريخي جوهري في التراث العربي والإسلامي، فإنه سيظل عنصرا متعلقا بالهوية السعودية ولو ضمن نسبة متضائلة من السكان. أما فيما يخص ما إذا النسب سيستمر في لعب دور في مسائل المواطنة، فإن هذا يعود للمحامين والبيروقراطيين لتحديده.

 

  • هل لديك كلمات أخيرة تود قولها؟ 

أشكر دعوتكم لي للتواصل مع قراء حكمة. أتمنى لكم النجاح في هذا المجال.

error: المحتوى محمي