الفن والسياسة عند رانسيير – نايف الهنداس

الفن والسياسة عند رانسيير – نايف الهنداس

جاك

جاك رانسيير، فيسلوف فرنسي


لم يلقَ الفيلسوف الفرنسي جاك رانسيير إهتماما من المترجمين العرب بالرغم من انتشار ترجماته بالإنجليزية مؤخرًا، رغم من كتاباته حديثة ومستمرة حتى الآن و ظهوره الإعلامي غير القليل. فرانسيير يمثل حالة من الفرادة الفلسفية في وقتنا الحاضر بصفته يطرح أفكارًا جديدة في الفكر الراديكالي المعاصر الذي يتقدمه فلاسفة مثل سلافوي جيجيك، ألين باديو، جورجيو، أغامبين، رانسيير، أنطونيو نيجري و غيرهم. فيصف الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك مثلا كتابات جاك رانسيير بأنها ” تتيح تصورات ثابتة عن كيفية المقاومة ” و بالفعل هو يقدّم نموذجًا ناقدًا لماركسية جيله، و ناقدًا لسرديات الحداثة و مقدمًا لصورته الخاصة لما بعد الحداثة ناقدا من خلالها لما بعد الحداثيين.

جاك رانسيير كان تلميذاً للفيلسوف الفرنسي الكبير لويس ألتوسير وتأثر به تأثرًا شديدًا، و كتب معاه كتاب ذو أهمية كبيرة حينها ألا وهو ” قراءة رأس المال ” بالإضافة إلى أسماء معروفة مثل اليساري الفرنسي إيتيان باليبار. وأثناء ثورة الطلاب في مايو عام 1968 اختلف جاك مع ألتوسير اختلافًا تسبب في افتراقهما زاعمًا أن موقف ألتوسير التنظيري لم يسمح بإنتفاضة شعبية عفوية آنذاك، يذكر أن ألتوسير أثار لغطًا كبيرًا حين تغير موقفه من أحداث عام 68 ووصفه للطلاب الثائرين ” بالمتأثرين باليسار الطفولي”.

إنشغل رانسيير بمجالي السياسة والاستطيقا والعلاقة بينهما بشكل مختلف عن الطرح السابق لهذه العلاقة، أطروحات مثل أطروحات أدورنو و قبله والتر بينيامين الذي كان سبّاقًا في الربط بينهما خاصةً في نظريته المعنية بالأبعاد الإستطيقية في السياسة aestheticization of politics والذي بحث من خلالها في تركيبة الأنظمة الفاشية.

أيضا اهتم بنقد باراديغم الحداثة والعودة للفلسفة السياسية بوصفها تقدم هجينًا غير متجانسًا لأفكار شتى لا تتسق مع بعضها البعض، ليقدم طرحًا ما بعد ماركسي خاص به انتقد فيه الماركسية التاريخية و كل الفلسفات المعنية بمعاني التاريخ التي تتنبأ بتاريخ الشعوب بحجة أن هناك حاجة لإختراع هذه الشعوب المتجانسة أساسا قبل التنبأ بها حسب رانسيير.

 

مفاهيم السياسة في فكر رانسيير

يجدر بنا بداية تعريف السياسة بمفهوم رانسيير فمفهوم السياسي ليس مختصا بالسلطة و الصراع عليها، فهو لا يرى أن السلطة مرتبطة عضويا بالسياسة وليس كافيا وجود السلطة ليوجد مفهوم السياسي.

فهو يقسم مفهوم السياسة إلى مفهومين هما التدبير (Police) و هنا تعني نوع من أنواع النظام وليس الشرطة كما تُترجم حرفيا، وقد ترجمها الكاتب التونسي مصطفى حداد لهذا المصطلح وأرى أنها ترجمة تعطي المعنى الحقيقي المرادف للكلمة الأصلية بالفرنسية. ذكر رانسيير هذا التصنيف في مقالته ” النظرية و الحدث ” حيث قدم فيها 10 أطروحات عن السياسة ومفاهيمها.

و التدبير هو مجال يشمل المؤسسات الحاكمة والسلطات وممارساتها ومفاهيم الحوكمة الخاصة بفوكو حيث هي تعبر عن تشكيل إجتماعي بشكل عام و تشريع للسلطة. و المفهوم الآخر هو مفهوم السياسة حيث هي مجال للفعل التدبيري ذاته ومتعلقة بما نقوله ونراه وبالطريقة الكفيلة لقول ما نراه. حيث السياسة هي مجال تنازع التدبير وإدعاء المساواة بين الناس، وهنا التناقض المميز لدى رانسيير حيث السياسة وظيفتها كشف زيف إدعاء التدبير بأنه يساوي بين أفراد المجتمع رغم هيكلته التراتبية عادة من خلال إعطاء هذا المجال لتنازع التدبير.

هنا يجدر بنا الإشارة للحس النقدي لدى رانسيير تجاه مفاهيم التدبير من حيث هي ناتجة عن نقوداته التي تحث على الخروج من براديغم الحداثة بوصفها أداة للسلطة للتدجين والتسلط وسلب مفاهيم المساواة بين البشر وخلق تصادم دائم بين أفراد المجتمع، هذا الخروج من الحداثة هو ربما الإطار الرئيسي لمشروع فيلسوفنا. ففي مفهومه للسياسة الذي كما قلت آنفا بأنه هو مجال للمساواة بين أفراد المجتمع ونقد التدبير، يقترح جاك رانسيير مفهوم الفلانية حيث المجتمع مجموعة فلانيات أي ” جماعة من المتساوين ” لا علاقة لها بأي هوية سابقة. وهذا المجتمع إنما يشترك على ما يطلق عليه رانسيير بالمحسوس Sensible والسياسة هي أول الإحتماليات للإشتراك في هذا المحسوس والعمل من خلاله.

والحداثة تحبس هذا المحسوس وتحتكر ميدان الإحساس في مساحات ضيقة قائمة غالبا على الهيمنة ، فيعلق على هذا في كتابه مصير الصور قائلا : ” قد انتهى بأن أُغرق العالم داخل ضرب من الدراما المرضية التي تخلط بين رائع كانت وعقدة أوديب لفرويد وتحريم التمثيل بالمحرقة اليهودية والمشهد البدائي بأفول الآلهة عن سماء المحدثين”.

هذا النموذج التحرري يسميه رانسيير بـ الإشتراك بالمحسوس Distribution of the sensible الذي يقترح نمطا من التعايش تتبرأ فيه المجتمعات من تراث الحداثة الذي يجمع متناقضات كفيلة باستطالة المعاناة البشرية.

 

الاشتراك بالمحسوس

في نظرية الإشتراك بالمحسوس هناك علاقة ارتباط بين ما هو سياسي وما هو إستطيقي، والإستطيقا هنا ليست عبارة عن مجموعة ممارسات فنية وليست أيضا النظرية العامة التي تحكم هذه الممارسات. لكن من أجل فهم العلاقة بين الإستطيقا و السياسة، يحيلنا رانسيير لمفهوم الإستطيقا عند إيمانويل كانت في كتابه نقد العقل المحض. حيث الإستطيقا هي نمط من أنماط الوجود أو كما يضعها كانت ” نظام الصيغ الإستباقية التي يحدد ما يقدم ذاته كحس المشترك “. فرانسيير يقول بأن العلاقة بين الإستطيقا والسياسة هي علاقة مقارَنَة لعلاقة تلك الصيغ الإستباقية بالحس المشترك لدى كانت. فكما تحدد الصيغ الإستباقية هذه شكل وحدود وهيئة التجربة البشرية و صوغ حالتها الشكلية عادة، فإن الإستطيقا تأتي على هيئة شكل هيكلي بنائي يقوم بترسيم حدود العالم الذي نشتركه في حياتنا اليومية وتقسم المساحات التي ممكن يحتلها حس شخص ما بناءً على أنظمة إستطيقية aesthetic systems معينة. لكن السياسة ليست قابلة للتجزيئ طبقا لهذا الشكل الهيكلي للمحسوس الآنف ذكره ولكنها ما زالت محكومة بالإستطيقا.

إذن الموضوع ليس معنيا باستخدام الإستطيقا من أجل جعل السياسة تصبح ذات توزيع عادل للمحسوس. بل إن الاشتراك بالمحسوس كما تصفه أم الزين بن شيخة بأنه يقود إلى البحث عن التمفصلات التي تخترق الفضاءات المشتركة بين السياسي و الاستطيقي و ” تشكيل نمط خاص من الجماعة “.

يسوق رانسيير أمثلة على مجالات تستطيع طرح نماذج لتوزيع المحسوس مثل الفن والأدب، حيث هذه المجالات تقوم بإعادة توزيع المحسوس من خلال تدمير بنى التراتبية الإجتماعية و السلم الإجتماعي وتمدّ عامة الناس بمجال للتساوي فيما بينهم. فهناك قيمة جوهرانية لهذين المجالين بإمكانهما كسر جميع الحواجز التي تصنعها برديغمات الحداثة في حياتنا، وكلاهما كمجالين فنيين قادران على خلق مساحة متخيلة خارج المنظومات السياسية القائمة وخارج الأجهزة التدبيرية القائمة على الهيمنة والسيطرة. ايضا بمقدرة أنواع الفنون هذه ابتكار مفهوم آخر للحرية خارج النصوص المؤسسية للأنظمة السياسية وخارج مفاهيم القانون. أخيرًا يعطي الفن رمزية symbolism خاصة لمفاهيم المساوة والحرية والعدالة بين أفراد المجتمع.

إن القارئ لرانسيير في الوهلة الأولى يظنه طوباويًا يعيش في عالمٍ آخر، حسنٌ ربما هو كذلك. فهو يقدم مشروع نقدي راديكالي ضد الحداثة وضد مفاهيم كبرى في المجالات العامة والسياسية منها خاصة. لكن من أجل فهم رانسيير بشكل واقعي، علينا أن نعيد النظر في استخدامه المتكرر لنظريات سابقيه في نقد الحداثة وإن كان ينقدهم هو ذاته مثل دولوز وهابرمس وفوكو ودريدا. فهو ينطلق من مرحلة يدمر فيها أغلب المتعارف عليه والبديهي عند القارئ، ومن يتساءل كيف استطاع أن يجمع نظريات الفن والأدب بالسياسة علينا تذكيره بأن الفصل بين النظرية والممارسة العملية قد انتهى في الفلسفة الحديثة منذ ماركس ومنذ ارتباط النظرية بالعمل الثوري.

 

error: المحتوى محمي