الفلسفة والحجاج البلاغي بين المنطق والجدل – شاييم بيرلمان / ترجمة: أنوار طاهر

الفلسفة والحجاج البلاغي بين المنطق والجدل – شاييم بيرلمان / ترجمة: أنوار طاهر

 


أشار الفيلسوف الفرنسي رونالد بارت ضمن ورقته المكرسة عن البلاغة القديمة، لملاحظة كان على صواب فيها، هي أنه :  »ينبغي قراءة البلاغة ضمن اللعبة البنيوية لملحقاتها من (علم قواعد اللغة Grammaire ؛ والمنطق؛ والشعرية Poétique والفلسفة) « (1). ومن جانبي، أود أن أضيف، انه من اجل تحديد موقع البلاغة وتعريفها بشكل أفضل، ينبغي أيضا توضيح علاقاتها مع الديالكتيك على حد سواء.

ميّز الفيلسوف اليوناني ارسطو  في مؤلفه “الارغانون” والمتضمن على ستة أعمال منطقية، بين صنفين من أشكال الاستنباط raisonnement: التحليلي analytique؛ والديالكتيكيdialectique . ونتيجة لما قدمه من دراسة حولهما في كل من الكتاب الثالث التحليلات الأولى “Premiers Analytiques” والكتاب الرابع التحليلات الثانية “Seconds Analytiques”، جرى اعتبار أرسطو هو “أبو المنطق الشكلاني la logique formelle ” في تاريخ الفلسفة. وبذلك، لم يأخذ علماء المنطق الحديث في عين الاعتبار، الأهمية المتضمنة عليها دراسته حول القضايا الديالكتيكية في كل من: كتابه الخامس الطوبيقا ” Topiques “، وكتاب البلاغة  “Rhétorique ” وكتابه السادس في دحض السفسطائية” Réfutations sophistiques”، والتي تجعل منه وعلى حد سواء، “أبا  لنظرية الحجاج” أيضا.

تناول أرسطو في كتبه “التحليلات الأولى والثانية” أشكال الاستدلال inférence السارية المفعول – وعلى الأخص القياس المنطقي  syllogisme – والتي تمكننا من الوصول إلى استنتاجات متضمنة بالضرورة في مقدمات منطقية معينة: فأذا كان كل A هو B، واذا كان كل B هو C، نستنتج إذن، ان كل A هو C. من هنا، كان هذا النوع من الاستدلال ساري المفعول وغير نافد الصلاحية مهما كانت درجة الخطأ او الصواب التي تتضمن عليها تلك الاقيسة المنطقية، وذلك لان صواب نتيجته متضمنا في صحة المقدمات بالضرورة. من هنا، اتصف الاستدلال، وعلى حد سواء: بأنه شكلاني بحت، لأنه صلاحيته سارية مهما كان محتوى العبارات A, B, C  ( شريطة مراعاة استبدال الحرف بنفس القيمة valeur الثابتة على اختلاف الحالات التي يجري استعماله وعرضه فيها)؛ وبأنه استدلال يؤسس لعلاقة ثابتة بين كل من الحقيقة  vérité المتضمنة في مقدمات الاقيسة المنطقية والحقيقة  véritéالتي نصل إليها في النتائج. فلما كانت الحقيقة خاصية من خواص القضايا المنطقية، ومستقلة عن الآراء الشخصية، أصبح الاستنباط برهانيا démonstratife وموضوعيا وتجريديا. وهذا يقع على العكس تماما مع الاستنباط الديالكتيكي، الذي تتأسس مقدماته المنطقية على آراء opinions جرى الاتفاق العام حولها(2) – كما عرّفها أرسطو – من قبل الجميع أو الغالبية من النخب والشخصيات البارزة والأكثر أهمية من بين الفلاسفة(3).

يحصل في بعض الحالات، أن يكون ما هو مقبول/ومتعارف عليه بوجه عام، هو محتمل الاعتقاد والتصديق به vraisemblable أيضا، لكن هذا  لا يعني الخلط بين هذا الأخير وبين الاحتمالية الرياضية probabilité calculable، بل على العكس من ذلك، فمعنى الكلمة اليونانية«εύλογος »   التي  نترجمها بـ  » المقبول به بشكل عام « أو» القابل للتصديق «، فيه من الملمح الكيفي qualitatif، الذي يجعل منه معناً قريبا أكثر من مصطلح ما هو واقعي ومعقول  raisonnable » «منه إلى مصطلح ما هو محتمل  probable » «. وهنا، تجدر الإشارة، إلى انه في الوقت الذي نجد فيه أن مبدأ الاحتمالية يختص بالوقائع faits أو بالأحداث événements الماضية أو المستقبلية، نلحظ أنه من الممكن للفرضيات أو للاطروحات التي لا زالت قيد النقاش، أن تتصل بأعتبارات  في غير أوانها،  مثل: » هل العالم متناه أم لا ؟« ، »هل النظام الديمقراطي يمثل أفضل شكل للحكومة أم لا ؟«.

هكذا، سنرى في الحال، ان الاستنباط الديالكتيكي ينطلق مما هو مقبول وواقعي وومعقول، ليكون منفتحا على فرضيات أخرى التي تكون أو يمكن لها ان تكون محل خلاف.  لذا، فهو استنباط يفترض فعل الإقناع persuader أو فعل الحث والإرضاء convaincre. فهو لا يتكون من قضايا استدلالية سارية المفعول وقسرية، وإنما يسعى لعرض حجج arguments تحمل أسسا اقناعية قابلة للفهم، والتي لا يمكن لها أن تكون أبدا شكلانية محضة. فالحجاج الاقناعي يسعى للوصول إلى إقناع المخاطَب/المتلقي(4). فعلى خلاف الاستنباط التحليلي، نجد أن الاستنباط الديالكتيكي لا يمكن ان يكون موضوعيا/تجريديا، لأن فاعليته تقوم على أساس مدى ما يحققه من تأثير في الذهن الإنساني. نتيجة لذلك، ينبغي التمييز بوضوح تام بين كل من: الاستنباط التحليلي والاستنباط الديالكتيكي، فالأول يتمحور حول الحقيقة vérité والآخر على الرأي opinion. وكل حقل منهما يقتضي نوعا مختلفا من الخطاب discours، لهذا، يعتبر الاكتفاء بالرضا عن الحجج الاستنباطية من جانب عالم الرياضيات، هو أمر مثير للسخرية كما هو الحال عليه، حينما نطالب بحجج علمية من المخاطَب العادي/اليومي(5).

من هنا، وفي هذه المسألة تحديدا، يتضح مدى جِدة طروحات عالم المنطق والفيلسوف الفرنسي بيير دي لا راميه  Pierre de la Ramée وفي الوقت نفسه، ما اقترفه من خطأ كان له عواقب وخيمة على حقل البلاغة. فاستنادا على trivium، اي فنون الخطاب، artes disserendi، عرّف “راميه” علم قواعد اللغة بأنها فن التحدث بطريقة حسنة وجيدة، اي كيفية التكلم بشكل صائب، اما الديالكتيك – حسب رأيه – فهو فن الاستدلال بطريقة سليمة، في حين أن البلاغة هي فن القول الحسن، والاستعمال البليغ والمزَّوق للغة(6).

وبالنظر إلى اعتبار الديالكتيك » هو الفن العام الذي يهدف إلى ابتكار كل الأشياء والحكم juger عليها في آن واحد «(7)، زعم “راميه” » بعدم وجود مناهج أخرى إلا منهجا واحدا والتي تعود للفيلسوفين افلاطون وارسطو…، ومن الممكن العثور على ذلك المنهج عند فيرجيل وشيشرون، وكذلك عند هوميروس وديموسثينيس، انه منهج سابق على علوم الرياضيات، والفلسفة، وعلى أحكام وسلوك وميول البشر«(8).

وبزهو كبير نبذ “راميه” التمييز الارسطي بين كل من: الأحكام التحليلية والديالكتيكية، مبررا سبب ذلك:  » بأن الأشياء المدركة ذهنيا اما ان تكون الواحدة منها ضرورية وعلمية، والاخرى عرضية وقابلة لتبادل الرأي حولها، وإذا كنا نتمكن من رؤية جميع الالوان بواسطة حاسة البصر، سواء كانت الوانا ثابتة ام متغيرة، فلابد من ان يكون الحال كذلك أيضا مع فن الإدراك، سواء كان ديالكتيكيا أو منطقيا، فهو وحده وبذاته يُعتبر المذهب الأساسي في رؤية جميع الأشياء… «(9).

كان لسعة الأهمية المعطاة  للديالكتيك المتضمن في آن واحد على دراسة الاستنتاجات الصائبة وفن العثور على الحجج والحكم عليها، الأثر البالغ في استبعاد العنصريين ألاساسيين في بلاغة أرسطو وهما: الابتكار invention  وامتلاك الكفاءة والاستعداد disposition. وذلك، لغرض المحافظة على فن فصاحة اللسان élocution فحسب، والذي يهتم بدراسة أشكال اللغة المنمَّقة. وبعد هذا الاختزال المبرهن عليه فلسفيا من قبل “راميه”، قام زميله السياسي الفرنسي اومير تالون Omer Talon والذي كان متأثرا بنفس تلك النزعة، بنشر أول عمل متكامل ومخصص لدراسة الأشكال/الصور figures في البلاغة، وذلك عام 1572 في مدينة كولونيا. عرّف “تالون” الشكل figure بأنه:  » تعبير expression يجعل من مظهر الخطاب مختلف عن ما هو معتاد في طرق الحديث السديد والبسيط «(10). هكذا جرى الحفاظ على البلاغة الكلاسيكية النخبوية، بلاغة المحسنات اللفظية المنمقَّة، والتي قادت تدريجيا إلى ضمور، ومن ثمة، إلى موت وظيفة الحجاج البلاغي.

فمن المعروف على نطاق عام أن المنطق الحديث – بالشكل الذي تطور فيه منذ منتصف القرن التاسع عشر تحت تأثير الفيلسوف الألماني كانت وعلماء المنطق الرياضي –  لم يتم مماثلته مع الديالكتيك، وإنما مع المنطق الشكلاني، أي مع الاستنباط التحليلي الارسطي، وأُهمل تماما الاستنباط الديالكتيكي، بأعتباره شكلا غريبا عن علم المنطق. وهذا ما أدى إلى أن يقع المنطق الحديث، وكما يبدو لي، في خطأ مشابه لذلك الذي وقع فيه “راميه”. فأذا كان لا يمكننا إنكار ما يمثله المنطق الشكلاني من علم مستقل وقادر على إجراء العمليات الحسابية كما هو الحال عليه في العلوم الرياضية، فأنه ليس في الإمكان أيضا إنكار أننا نقوم بعملية التفكير، حتى وإن لم يكن هناك أي عملية حسابية، خلال محاورة خاصة أو في نقاش عام، حيث تعرض الحجج المتوافقة مع، أو التي تقع بالضد من، الفرضية المطروحة، وحيث يجري نقد أو دحض طروحات نقدية معينة. في جميع هذه الحالات، نحن لا نقوم بعملية برهنة مثلما هو الحال عليه في علم الرياضيات، وإنما نحن نحاجج. لهذا، كان من الطبيعي، أن كنا نرى في علم المنطق ذلك العلم الذي يهتم بدراسة الاستدلال في مختلف أشكاله، أن تصاحب نظرية البرهان démonstration التي تطورت بواسطة المنطق الشكلاني ، نظرية الحجاج l’argumentation التي تدرس الاستنباط الديالكتيكي الارسطي. وهذا الاستنباط يقوم على حجج تسعى نحو قبول أو رفض فرضية مطروحة للنقاش ،   فدراسة أسلوب وشروط عرض الحجج الاقناعية هو الموضوع الذي تعمل على دراستة نظرية البلاغة الجديدة la nouvelle rhétorique هذا الحقل الذي كلما اتسع نطاق دراسته، تتجدد بلاغة أرسطو  في آن واحد.

في الواقع، رأى أرسطو أن هناك ثمة تعارض بين البلاغة والديالكتيك، وذلك خلال دراسته لها في كتابه الطوبيقا، بل وجعل من البلاغة صنوا مناقضا (αντιστροφος) للديالكتيك(11)، الذي يُعنى بالحجج المتداولة في جدل أو في نقاش مع مخاطَب واحد، في حين أن البلاغة تهتم بتقنيات المتكلم الذي يتوجه بخطابه نحو حشد متجمِع في ميدان عام ويفتقر إلى المعرفة النخبوية/المتخصصة وغير قادر على الاستمرار في متابعة خطاب منطقي استنباطي مهما كانت درجة إعداد وطريقة إلقاء ذلك الخطاب(12).

لكن البلاغة الجديدة وعلى خلاف البلاغة الكلاسيكية، هي حقل يُعنى بدراسة الخطاب الموجه نحو المخاطَب/المتلقي/الجمهور بمختلف أشكاله المتعددة، سواء كان حشدا متجمِعا في ساحة عامة أو في اجتماع  لمختصين، أو كان خطابا موجها نحو فرد واحد أو نحو البشرية جمعاء؛ انه حقل يفحص حتى الحجج التي نوجهها إلى ذاتنا خلال حوار خاص  بيننا وبين أنفسنا. وبالنظر إلى أن موضوع البلاغة الجديدة هو  دراسة الخطاب غير البرهاني، وتحليل الاستنباطات غير المقتصرة على الاستناجات الصائبة بصورة شكلانية، وعلى حسابات رياضية أقل أو أكثر ميكانيكية، تصبح إذن، نظرية الحجاج هي البلاغة الجديدة ( أو الديالكتيك الجديد ) التي تشمل كل حقل من الخطاب الذي يسعى إلى الحث والإقناع، مهما كان نوع الجمهور الموجه إليه الخطاب، ومهما كان موضوع ذلك الخطاب. بل وينبغي -إن كان يبدو ذلك نافعا- أن تكتمل الدراسة العامة للحجاج بعلوم مناهج méthodologies مخصصة ومحددة وفق كل نموذج مختلف من الجمهور المخاطَب ولكل فرع من فروع المعرفة. بهذه الطريقة، يمكننا استحداث منطق تشريعي juridique (13) أو منطق فلسفي، والتي من شأنها أن تؤسس لتطبيقات مميزة للبلاغة الجديدة في حقول القانون والفلسفة.

من هنا، عندما جعلت من المنطق الفلسفي تابعا للبلاغة الجديدة، يعني أنني اتخذ موقفا أزاء الجدال القديم والقائم على التعارض بين الفلسفة والبلاغة، والذي بدأ مع الأشعار العظيمة لبارمنيدس. فهذا الفيلسوف إضافة إلى أفلاطون والفيلسوف الفرنسي ديكارت والفيلسوف كانت، والذين يمثلون التاريخ التقليدي الكبير للميتافيزيقا الغربية، كانوا في مجملهم يعارضون وعلى الدوام بين كل من: البحث عن الحقيقة – الهدف الذي تسعى الفلسفة للوصول إليه – ؛ وبين التقنيات الخطابية لعلماء البلاغة وللسفسطائيين الذين تقتصر وظيفتهم على حث المخاطَبين على القبول والاتفاق حول الآراء التي تتسم بكونها مختلفة ومضَللة في آن واحد – حسب آراء الفلاسفة المذكورة اسمائهم أعلاه -. لهذا، فضّل بارمنيدس طريق الحقيقة على طريق المظهر apparence، أما افلاطون فعارض بين المعرفة والآراء العامة. وفيما اسس ديكارت العلم على براهين غير قابلة للدحض، معتبرا كل ما هو احتمالي خاطئ إلى حد كبير بالضرورة، اقترح علينا الفيلسوف كانت في النهاية، طرد الآراء العامة من جمهورية الفلسفة، بتأسيسه لميتافيزيقا تمثل في جوهرها ابستمولوجيا épistémologie تشتمل على جميع المعارف التي » طالما كانت تمتلك الأسس القبلية البديهية، كان ينبغي ألتعامل معها مسبَّقا، على أنها معارف ضرورية بشكل مطلق «.  

ولغرض ضمان أن تكون النظريات الفلسفية خالية من المغالطات المنطقية ومن الآراء غير اليقينية، وإنما على حقائق غير قابلة للجدال فحسب، كان ينبغي للفلاسفة من أن يستندوا على قاعدة متينة وراسخة غير قابلة للدحض، وعلى حدس جلي، يضمن لهم حقيقة ما هو مُدرك على انه واضح بذاته évidence. ومبدأ الوضوح في ذاته، كما هو معروف للجميع، ليس حالة ذاتية subjectif يمكن لها أن تتغير بين لحظة وأخرى ومن فرد إلى آخر ، وذلك لان دوره يتمثل في تأسيس وسيط بين ما هو مدرك وواضح في ذاته بواسطة الموضوع العارف وبين حقيقة القضية الواضحة في ذاتها أيضا، والتي يجب أن تُفرض بالطريقة نفسها على كل كائن عقلاني(14).

في حين أننا نجد أن الحجاج لا يتوفر على مبدأ الوضوح في ذاته، بل وليس هناك من طريق لفتح باب المحاججة أمام كل ما هو جليّ وواضح في ذاته. لان من يطرح قضية بديهية/يقينية، لابد وان يكون متأكدا تماما من أنها ستُفرض على جميع المخاطَبين بنفس درجة وضوحها البديهي. فوظيفة الحجاج معلَّقة إذن، حتى يتم دحض مبدأ الوضوح في ذاته. وفعلا، هذا ما لاحظه أرسطو، عندما اقرّ انه من الضروري اللجوء إلى “الاستنباط الديالكتيكي” عندما يجري الطعن في المبادئ الأولى  والإلزامية في أي علم من العلوم(15). وينطبق الشيء نفسه عندما نتناقش حول تعريف مصطلح معين يكون محل جدل.

وعلى الرغم أنه من المعتاد، أن يجري إدراك المفاهيم البسيطة والمبادئ الأولى للعلوم النظري بواسطة الحدس، فأن أرسطو اقرّ بضرورة الاستعانة بالحجاج في المجالات العملية، كعلم الأخلاق l’éthique وعلم السياسة، حيث لا مفر من وجوب اتخاذ قرارات محددة بين مجمل الخيارات المتعددة من جهة، ومن الدخول في المجادلات فيها من جهة أخرى، سواء كان في حوار ذاتي/خاص أو في نقاش عام. لهذا السبب، عندما جاء أرسطو في مؤلفه الاورغانون، المتضمن على كتبه التحليلات والتي انشغلت بالاستنباط الشكلاني، نجده في الوقت نفسه انهمك في كتابه الطوبيقا على دراسة “الاستنباط الديالكتيكي” ليفسح المجال أمام اختبار أفضل الآراء القابلة للتداول العقلاني raisonnable (εϖλογοζ).

من هنا، يمكننا القول أن كل من يعتقد بأمكانية الكشف عن الحقيقة بمعزل عن الحجاج، لا يحمل إلا الازدراء للبلاغة التي ترتكز على الآراء.  لان البلاغة وفي أحسن الأحوال، قد تستعمل لأغراض الترويج لحقائق  مضمونة لدى المتكلم بواسطة الحدس ومبدأ الوضوح في ذاته، لكنها لا تعمل أبدا على جعل تلك الحقائق ثابتة. فأذا كنا لا نعترف سوى  بأمكانية تأسيس فرضيات فلسفية على حدوس بديهية، ينبغي علينا إذن اللجوء إلى تقنيات حجاجية من اجل تحويل تلك الفرضيات إلى قضايا عقلانية قابلة للتداول. وبذلك، تصبح البلاغة الجديدة أداة ضرورية ولا غنى لنا عنها في الفلسفة(16).  

ومن اقرّ، كالفيلسوف الفرنسي بول ريكور، بمكانة الحقائق الميتافورية métaphoriques في الفلسفة، تلك الحقائق التي لا يمكن أن يجري تداولها وفق مبدأ الوضوح القسري contraignante، لأنها حقائق تقترح إعادة تشكيل الواقع، فأنه لا يمكن له، في العادة، أن ينكر أو أن يتجاهل أهمية دور التقنيات البلاغية في تغليب بعض الميتافورات على أخرى غيرها(17)، إلا في حال اعترافه بوجود حدس يفرض رؤية واحدية للواقع ويستبعد الرؤى الأخرى(18). لهذا، نلاحظ أن انحسار وظيفة البلاغة منذ نهاية القرن السادس عشر، يعود إلى صعود الفكر البرجوازي، الذي سعى إلى تعميم دور مبدأ الوضوح في ذاته، سواء كان يشير إلى الوضوح الشخصي للنزعة البروتستانتية protestantisme، أو إلى الوضوح العقلاني للنزعة الديكارتية cartésianisme أو إلى الوضوح الحسي للنزعة التجريبية l’emprisime(19).

نستنتج مما سبق، أن نبذ وازدراء دور البلاغة الراديكالي ونسيان نظرية الحجاج، أدى إلى نفي العقل العملي. أما مشاكل الفعل الإنساني، فجرى تارة اختزالها إلى مجرد مشاكل تتعلق بالمعرفة، أي بالحقيقة أو الاحتمالية، وتارة أخرى تم النظر إليها على أنها تقع خارج كل ماهو عقلاني.

في حين أننا نجد أن كل من يعترف بوجود خيارات معقولة يسبقها جدل ونقاش حولها، ينتج عنها حلولا مختلفة قابلة للمقارنة وللمقاربة بعضها من الآخر، وكان متوفرا على وعي منفتح على مناهج ذهنية تداولية، نلاحظ أنه لا يمكن له أن يتجاوز نظرية الحجاج كما يطرحها حقل البلاغة الجديدة.  وهذا الحقل لا تتوقف حدود دراسته عند الجانب العملي، وإنما تتسع لتصل إلى عمق المشاكل النظرية وفق رؤية الفرد الذي يدرك الدور الذي يلعبه اختيار التعريفات définitions والنماذج modèles والمقارنات analogies في تشكيل بنية نظرياتنا، وبصورة عامة، في الوظيفة التي يؤديها استحداث لغة ملائمة تتكيف مع حقول دراساتنا المختلفة. بهذه الطريقة، يمكننا أن نعيد اللحمة بين كل من وظيفة الحجاج والعقل العملي، تلك الوظيفة التي ستكون جوهرية وأساسية في جميع الحقول حيث تتسع ممارسات العقل العملي/التاريخي، لتدخل ضمن مجالات تقديم الحلول المناسبة في المشاكل النظرية. وسأحاول فيما بعد توضيح هذه المسألة لتجنب أي سوء فهم قد يحصل حول آثار الحجاج الواسعة حسب وجهة نظري.

 

 

 

 


الهوامش:

(*)  هذا عنوان الفصل الأول (Logique, Dialectique, Philosophie et Rhétorique) من كتاب “مؤسس البلاغة الجديدة” الفيلسوف البلجيكي شاييم بيرلمان Chaïm Perelman (1912- 1984)، وهو:

L’EMPIRE RHÉTORIQUE, RHÉTORIQUE ET ARGUMENTATION, Librairie Philosophique J. Vrin, France, 1977, pp. 15-22.

(**)باحثة من العراق- مختصة في الدراسات الفلسفية

(1) BARTHES, L’ancienne rhéthorique, dans Communications, 16, Paris,1970, p. 194

(2) ARISTOTE, Topiques 100 a 30-31

(3) Ibid., 100 b 22-24

(4) ARISTOTE, Rhétorique, 1356 B 28

(5)   ARISTOTE, Éthique à Nicomaque, L. I. 1094 b, 25-28

(6) Cf. Pierre de la Ramée,Dialectiaue (1555),éd. Critique de M. Dassonville,Genève, Droze,1964,p.61

(7) Ibid., p. 50 (p. II de la préface)

(8) Ibid., p. 25, citation de la Préface de Scholae in liberales artes.

(9) Ibid., p. 62 (Dialectique, L. I. pp. 3-4)

(10) Cf. à ce propos Ch. PERELMAN et L. OLBRECHTS-TYTECA, La nouvelle rhétorique, Traité de l’argumentation, P.U.F., Paris, 1958, 3e éd. Édition de L’Université de Bruxelles, 1976, p. 227

(11) ARISTOTE, Rhétorique, 1354 a 1

(12) Ibid., 1357 a 1-3

(13) Cf. Ch. PERELMAN, Logique Juridique, Paris, Dalloz, 1976

(14) Cf. « Évidence et preuve » dans Ch. PERELMAN, Justice et Raison, Presses Universitaires de Bruxelles, 1972, pp. 140-154 et  « De l’évidence en méthaphysique », dans Ch. PERELMAN, Le Champ de L’argu,entation, Presses Universitaires de Bruxelles, 1970, pp. 235-248

(15) ARISTOTE, Topiques, 101 a et b

(16)    Cf. Ch. PERELMAN, Philosophie, Rhétorique, Lieux Communs, Bulletin de L’Académie Royale de Belgique. Classe des Lettres et des Sciences morales et politiques, 1972, pp. 144-156

(17) Cf. Ch. PERELMAN, Analogie et Méthaphore en science, poésie et philosophie, dans Le Champ de L’argumentation, pp. 271-286

(18) Cf. P. RICOER, La Métaphore vive, pp. 310-321.

(19) Cf. Ch. PERELMAN et L. OLBRECHTS-TYTECA, Logique et Rhétorique, dans Rhétorique et Philosophie,  Presses Universitaires de France, 1952, p. 30. V. aussi R. BARTHES, L’ancienne rhétorique, dans Communications, 16, 1970, p. 192

(20) Cf. à ce propos R. BLANCHÉ, Le raisonnement, Paris, P.U.F., 1973, pp. 230-231, ainsi que M. VILLEY, Nouvelle rhétorique et droit naturel, Logique et Analyse, n. 73, 1976, pp. 4-10

error: المحتوى محمي