“الفكر الفرنسي” وأشكال الخلخلة – جاك دريدا

“الفكر الفرنسي” وأشكال الخلخلة – جاك دريدا

مجلة الجابري – العدد الثاني / رجمة: عبدالسلام بنعبد العالي


أود الآن، استخلاص لما تقدم، أن أضم، تحت عناوين عامة، العلاقات التي يظهر أنها تحدد، وفق هاته الضرورة التي تـهمني هنا، تأثير الخلخلة الكلية على ما أطلقت عليه في البداية “الفكر الفرنسي”.

1 ـ اختزال المعنى
إن الاهتمام بالمنظومة والبنية في دلالته القوية التي لم يسبق لـها مثيل، وأعني تلك التي لا تـنزل إلى مستوى الثرثرة الثقافية والصحافية، وفي أحسن الأحوال، إلى مستوى التقليد “البنيوي” للميتافيزيقا، إن هـذا الاهتمام النادر لا يتوخى :

أ ـ لا إعادة المجد للمفهوم التقليدي للمنظومة، الذي في إمكاننا أن نبين أنه يرتبط دوما بالغاية والحقيقة والجوهر، أي بكل القيم التي يتضمنها مفهوما الماهية والمعنى.

ب ـ كما لا يتوخى إلغاء المعنى والقضاء عليه.
يتعلق الأمر، بالأولى، بتحديد إمكانية المعنى انطلاقا من تنظيم “صوري” لا معنى له في ذاته. لا ينبغي أن يفهم من هذا أنه هو نفسـه لا ـ معنى أو عبث يبعث على القلق أو كل ما يدور في فلك النـزعة الانسانية الميتافيزيقية. والحال أننا، إن اعتبرنا أن انتقاد النـزعة الإنسانية الذي قام به فلاسفة الميتافيزيقا الكبار المتأخرين (هيجل وهوسرل على الخصوص)، كان يتم باسم الحقيقة والمعنى ؛ وإذا اعتبرنا أن هاته “الفينومينولوجيات” ـ التي كانت فلسفات ميتافيزيقية ـ كانت تدور أساسا حول اختزال المعنى (والعبارة راجعة لهوسرل)، فإننا نفهـم إن اختزال المعنى -أي المدلول- قد اتخذ أولا شكل نقد للفينومينولوجيا. وإذا اعتبرنا من ناحية أخرى أن التقويض الهايدغري للنـزعة الإنسانية الميتافيزيقية كان يتم أولا انطلاقا من مساءلة تأويلية للمعنى أو لحقيقة الوجود، فإننا نفهم كون اختزال المعنى كان يتم عن طريق نوع من الانفصال عن فكر للوجود اتسم بجميع خصائص التجاوز الهيجلي للنـزعة الإنسانية.

2 ـ الرهان الاستراتيحي
لا يمكن للخلخلة الجذرية أن تأتي إلا من خارج. والخلخلة التي اتخذت عنها أنا لا تصدر إذن نتيجة قرار تلقائي للفكر الفلسفي جاء عقـب نضج ونمو داخلي لتاريخه. هاته الخلخلة تكمن في العلاقة العنيفة بين الغرب في كليته مع أخره، سواء أتعلق الأمر بالعلاقة “اللغوية” (حيث سرعان ما تطرح مسألة حدود كل ما يؤدي إلى قضية معنى الوجود) أو العلاقة العرقية والاقتصادية والسياسية والعسكرية الخ… الأمر الذي لا يعني أن العنف العسكري أو الاقتصادي غير مرتبطين بنيويا بالعنف “اللغوي”. إلا أن “منطق” كل علاقة مع الخارج منطق معقد، وهو يثير كثيرا من المفاجآت. ذلك أن قوة المنظومة وفعاليتها تحولان بانتظام أشكال التجاوز الفعلي إلى “خروج كاذب”. اعتبارا لما يتولد عن المنظومة، لن يكون لنا الاختيار انطلاقا من الداخل الذي “نوجد فيه” ألا بين استراتيجيتين :

1 ـ أن نحاول الخروج وفك البناء دون أن نغير من موقعنا، مستبعدين ما تنطوي عليه المفاهيم الأساسية لإشكاليتنا الأصليـة، مستعملين ضد البناء الأدوات والأحجار التي نتوفر عليها داخل البيـت، أي داخل اللغة كذلك. عيب هـذا المنحى هو أن من شأنه أن يؤكد أو يدعـم أن ينقل إلى عمق أبعد ما يزعم تفكيكه. فمن شـأن السعي الدائب نحو الانفتاح أن يغرق في اجترار الانغلاق ؟

2 ـ أن نغير من موقعنا، منفصلين عنه بغثة، مقيمين توّا في الخارج، مؤكدين الانفصال والاختلاف المطلقين. وإذا استثنينا جميـع الزلات والأوهام التي يمكن أن ينـزلق فيها هذا التحول ليظل متمسكا بالداخل الذي يود الابتعاد عنه، فإن مجرد استعمال اللغة يجعل الموقع “الجديد” ينجر إلى الأرض القديمة. وبإمكاننا أن نستدل على ذلك بأمثلة دقيقة وعديدة، وأن نبين وقع هذا الانجرار أو العماء.

من الواضح أن هذه المفعولات ليست كافية للتخلي عن “تغيير الموقع”. ومن البيّـن كذلك أن الاختيار بين هاتين بين الصيغتين من فك البناء لا يمكن أن يكون بسيطا ولا واحدا. إن كتابة جديدة ينبغي أن تلعـب اللعبتين معا. وهذا يعني أن عليها أن تتكلم عدة لغات، وأن تنتج نصوصا متعددة في الوقت ذاته. أود أن أشير في الأخير إلى أن الأسلوب الأول للتفكيك هو الذي تنهجه الأسئلة الهايدغرية، أما الثاني فهو الذي يهيمن حاليا في فرنسا.

 

error: المحتوى محمي