حول الفرضية المذهلة لفرانسيس كريك (الفصل ٢-غموض الوعي) – جون سورل / ترجمة: سارة اللحيدان

حول الفرضية المذهلة لفرانسيس كريك (الفصل ٢-غموض الوعي) – جون سورل / ترجمة: سارة اللحيدان

51uvagwiyfl-_sy344_bo1204203200_فرانسيس كريك، المشكلة المعقدة، وفرضية الأربعون هيرتز

الفصل الثاني من كتاب: (The Mystery of Consciousness غموض الوعي – جون سورل)

ترجمة: سارة اللحيدان


 

استهلال:

صُدّر كتاب (الفرضية المذهلة لفرانسيس كريك) بأسطر لجون سورل يقول فيها:

مؤخرًا، أي منذ بضع سنوات، حينما يثير عالم ما، مسألة الوعي في نقاشات علمية معرفية، سيعتبر بوجه عام شكلا من أشكال التذوق المعرفي السيء، وسيقلّب طلاب الدراسات العليا أبصارهم نحو السقف بنوع من الاشمئزاز، كيف لا، وهم الذين لطالما تناغموا مع الأعراف الاجتماعية لمجالاتهم العلمية.

 

حتى وقت قريب، كان هناك تردد بين العلماء حول معالجة مشكلة الوعي، لكن الوضع قد تغير الآن. فهناك كتب وفيرة تتناول هذا الموضوع من قبل علماء حيويين، رياضيين، وفيزيائيين، وكذلك الفلاسفة. من بين هؤلاء العلماء سأشير في هذا الفصل إلى فرانسيس كريك، ومحاولته تقديم تفسير بسيط ومباشر لما نعرفه عن عمل الدماغ في كتابه (الفرضية المذهلة، بحث علمي عن الروح- The Astonishing Hypothesis, The scientific search for the soul). والفرضية المذهلة التي يقوم عليها الكتاب هي:

ها “أنت” بفرحك وأساك، بذكرياتك وطموحاتك، بإحساسك بهويّتك الشخصية وإرادتك الحرة، كل ذلك في الواقع ليس إلا سلوكًا لتجمع كبير من الخلايا العصبية والجزيئات المرتبطة بها. (ص3). (1)

قرأت مراجعات تذمّ كتاب كريك، لأنه ليس من المذهل على الإطلاق أن نعلم الآن وفي هذا العصر أن ما يجري في أدمغتنا له المسؤولية الكاملة عن حياتنا العقلية، لذلك نقول: إن أي شخص يملك معرفة علمية متوسطة سيقبل فرضية كريك على أنها أمر تافه. ولا أظن ذلك ذمّا عادلا، إذ أن هناك جزئين من إذهال هذا العالِم، الأول: أن حياتنا العقلية بأكملها لها وجود مادي في الدماغ- وهذا بكل تأكيد ليس مذهلا- لكن الجزء الثاني وهو الأهم، أن الميكانزمات المعينة في الدماغ المسؤولة عن حياتنا العقلية، هي العصبونات والجزيئات المرتبطة بها، مثل جزيئات النواقل العصبية. إنني في حالة ذهول دائم من خصوصية الأنظمة الحيوية، إذ تأخذ الخصوصية في حالة الدماغ شكلاً لم يكن لك أن تتوقعه بمجرد معرفة ماهيتّه. فلو أنك تصمم آلة عضوية لتضخ الدم، لربما تأتي بشكل يشبه القلب، لكن ماذا لو أنك تصمم آلة لتبثّ الوعي، من سيفكر بمئات المليارات من العصيونات؟

لا يبدو كريك واضحا في تمييزه بين التفسير السببي للوعي والاختزال الاقصائي للوعي(2). فالاقتباس الذي أشرت إليه جعله وكأنه ينكر أننا نملك تجارب وعي، إضافة إلى المحفزات العصبية. لكنني أعتقد أن قراءة متأنية للكتاب ستُظهر أن ما يعنيه شبيهٌ بادعاء تقدمت به مسبقا ألا وهو: أن جميع تجارب الوعي موضحة عبر مسلك العصبونات، وأنها هي بذاتها منبثقة من نظام العصبونات.

إن الجزء التأويلي من ادعاء كريك هو معتقد عصب-حيوي قائمٌ اليوم، وسيبهر قلّة ممن سيقرؤون هذا الكتاب، لكن هذه الحقيقة لا يجب أن تمنعنا من الموافقة على أن العقل مذهل وقادر على عمل الكثير بميكانيزما محدودة. علاوة على ذلك، ليس كل من يعمل في هذا الحقل يتفق على أن العصبون هو العنصر الوظيفي الأساسي. فقد آمن بينروس أن العصبونات كبيرة جدا، وأراد أن يفسر الوعي على مستوى أصغر بكثير من ظاهرة الوحدة الميكانيكية. وإيدلمان بدوره اعتقد أن العصبونات ضئيلة للقيام بمعظم الوظائف، واعتبر العناصر الوظيفية كـ “مجموعات عصبونية”.

brain

شكل 1

اتخذ كريك الإدراك البصري كدعّامة عندما حاول الدخول إلى مشكلة الوعي. وأظن أن هذا سيكون خيارا جيدا لو أنه كان نتيجة عمل متزايد حول علوم الدماغ والتشريح الفسيولوجي للنظر. لكن المشكلة الوحيدة هو أن عمل النظام البصري معقد بشكل مبهر، أبسط فعل على ذلك هو أن ملاحظة وجه صديقك بين الحشد تتطلب أبعد من ذلك، كطريقة المعالجة وما نحن قادرون على فهمه في الوقت الحاضر. في ظنّي – وهو مجرد تخمين- عندما نصل أخيرا إلى فهم كيفية أداء السيالات العصبية للوعي أو الشعور، فالمرجح أن ذلك سيأتي من فهم نظام أبسط في الدماغ البشري. لكن ذلك لا ينقص من أهميته، إن ما وصلنا إليه عبر كريك مذهل بكل تأكيد، من شرائح الخلايا في شبكية العين إلى النواة المشتركة الجانبية، وعودا على القشرة البصرية ثم انتهاء بالمناطق المختلفة لقشرة الدماغ.

نحن لا نعلم حقيقة كيف تعمل بشكل تفصيلي، لكن هنا تفصيل واسع في شكل ١ . حيث تعكس الموجات الخفيفة هجوم الهدف على خلايا الإبصار في شبكية مقلة العين. هذه الخلايا هي قضبان ومخاريط معروفة وهي تُشكل أول خمسة شرائح لخلايا الشبكية، والتي تعبر الإشارات من خلالها. وتسمى الأخريات بالأفقية، ثنائية القطب، عديمة الاستطالات، الخلايا العقدية. تنسلّ الخلايا العقدية أكثر أو اقل داخل العصبون البصري وعبر التصالب البصري إلى جزء في منتصف الدماغ يسمى النواة الجانبية المشتركة. تعمل هذ النواة الجانبية المشتركة كنوع من محطة اتكالية، حيث تقوم بإرسال الإشارات إلى قشرة

2

شكل 2

الدماغ البصرية، والتي تقع في مؤخرة الجمجمة. عندما بدأ اهتمامي بهذه الأسئلة، كان الاعتقاد السائد أن هناك ثلاثة أجزاء لقشرة الدماغ البصرية وهي مناطق 17 ،18 ،19 التي ارتبطت باسم ك. برودمان في بداية هذا القرن، وذلك عندما قام بعمل خريطته الشهيرة للدماغ. هذا الاعتقاد فيه نوع من البساطة الآن، فنحن نقوم حاليا بجمع تصاعدي للمناطق البصرية السبعة، تسمى ب 1 ب 2.. إلخ، ولا زلنا نجمع. عودا على بدء، تذهب الإشارة عبر مناطق متعددة حيث تقوم النواة الجانبية المشتركة باسترجاع قدر جيد منه. أخيرا، تؤدي تلك العملية بأكملها إلى تجربة وعي بصري، وكيف يحدث ذلك؟ هذا ما نحاول اكتشافه.

 

كيف يعمل العصبون؟ العصبون هو خلية مثل أي خلية أخرى، بغشاء خلوي ونواة مركزية شكل ٢، تختلف العصبونات بطرق معينة ومذهلة، سواء في تشريحها او فسيولوجيتها، عن أنواع الخلايا الأخرى. فهناك العديد من أنواع العصبونات، لكن المألوف العصبون الطبيعي له خيط طويل بنتوء يسمى المحوار، والذي ينمو من جانب واحد بتفرعات شوكية، أحيانا تكون قصيرة بخيطان حادة وتفرعات في جانبها الآخر تسمى

3

شكل 3

التغصنات. ويستقبل كل عصبون إشارات عبر تغصناته ويقوم بتحويلها لخلية الجسم، ثم يطلق إشارة عبر محواره للعصبونات المجاورة على الخط.

يُستثار العصبون عن طريق إرسال نبضات كهربائية أسفل المحوار، فالمحوار لعصبون واحد لايتصل مباشرة بالتغصنات التابعة للعصبونات الأخرى، لكن النقطة التي ترسل فيها الإشارة من الخلية الواحدة للخلية التالية هي فجوة صغيرة تسمى الشق المشبكي شكل ٣. يحتوي المشبك عادة على نتوء على المحوار يسمى “الحبة” أو “عقدة انتهاءية” والتي تبرز على شكل فطر، وهي تنطبق إلى حد ما على نتوء شبيه بالعمود الفقري على سطح التغصنات. أما المنطقة التي بين الحبة وخلف مشبك السطح التغصني فهي الشق المشبكي، وعندما يستثار العصبون ترسل الإشارات من خلاله.

لا ترسل الإشارة عبر اتصال كهربائي مباشر بين الحبة وسطح التغصنات، بل بتحرير قدر صغير من السوائل تسمى النواقل العصبية. فعندما تنطلق الإشارة الكهربائية من خلية الجسم إلى المحوار إلى نهاية الحبة، ينتج عن ذلك إطلاق سوائل النواقل العصبية داخل الشق المشبكي. يخلق ذلك اتصالا مع المستقبلات على الجانب التغصني خلف المشبك. وهذا يؤدي لفتح أبواب لتدفق الأيونات- الذرات ومجموعة الذرات الكهربائية المشحونة- داخل وخارج الجانب التغصني. فالنموذج هو كالتالي: هناك إشارة كهربائية في جانب المحوار، متبوعة بانتقال كيميائي في الشق المشبكي- متبوعا بإشارة كهربائية في جانب التغصن. تحصل الخلية على مجموعة الإشارات كافة من تغصناتها، فتُنتِج محصلة كاملة ملهمة في خلية الجسم، وعلى أساس هذه المحصلة تقوم بضبط معدل الإثارة للخلية التالية في الخط.

تستقبل العصبونات إشارات إثارة تميل الى زيادة معدل إثارتها، وإشارات أخرى مثبطة تميل لخفض معدل الإثارة لديها. والغريب أنه بالرغم من أن كل عصبون يستقبل كلا من إشارات إثارة وتثبيط معا، إلا أن كل عصبون يرسل إشارة واحدة فقط أو نوع آخر من الإشارات. فحسب علمنا، العصبون إما عصبون إثارة أو تثبيط.

لكن المذهل هو كالتالي: بحسب ما تهمنا حياتنا العقلية، فإن هذه القصة التي ذكرتها لكم عن العصبونات هي المسبب الأساسي الكمي لحياة الوعي لدينا. وقد تركت تفاصيل متعددة حول نتوءات الأيون، المستقبلات العصبية، وأنواع مختلفة من النواقل العصبية، لكن الحياة العقلية بأكملها نتجت عن سلوك العصبونات، وكل ما تعمله هو زيادة أو خفض معدل إثارتها. فعلى سبيل المثال: عندما نخزن الذكريات، من اللازم تخزينها في الاتصالات المشبكية بين العصبونات.

إن كريك بارع بين الآخرين، ليس فقط في تلخيصه للتفسير البسيط لوظيفة الدماغ، بل أيضا في محاولته دمج ذلك بالعمل في مجالات متعلقة، من ضمنها علم النفس، العلم المعرفي، واستخدام الكمبيوتر لتصميم شبكة عصبونية.

بوجه عام، ظهر كريك عدائيا تجاه الفلسفة والفلاسفة، لكن ثمن ازدراءه للفلسفة أنتج أخطاءا فلسفية. معظم تلك الأخطاء لا تدمر حجته الأساسية صراحة، لكنها مزعجة. سأقوم بذكر ثلاثة من هذه الأخطاء، والتي أرى أنها جدية وغير ضرورية.

الخطأ الأول، هو أنه أساء فهم “الكيفيات المحسوسة-Qualia” فهو يعتقد أن المشكلة في المقام الأول حول الطريقة التي يعرف بها الإنسان الكيفيات المحسوسة لإنسان أخر. “الحقيقة أن المشكلة تنبع من أن احمرار الأحمر الذي أدركه بوضوح، لا يمكن أن يتصل بشخص أخر” (ص9). لكن هذه ليست المشكلة، أو بالأحرى جزء صغير من المشكلة. حتى في نظام كيفياتٍ محسوسةٍ أملك عنه علما كاملا، نظامي أنا على سبيل المثال، ستكون مشكلة هذه الكيفيات مشكلة جدية. وهي كالتالي: كيف يمكن أن تتسبب محفزات عصبية، مادية، حسية، وكمية، لأن تنتج تجربة كمية، ذاتية، وخاصة؟ لأقولها بسذاجة، كيف يمكن للدماغ أن يأخذنا على سنام من الكيميائية الكهربائية إلى الشعور؟ هذا هو أصعب جزء من المشكلة الجسد-عقلية المتروكة، بعدما رأينا أن هذا الوعي ناتج بالضرورة عن عمليات دماغية، وهو بذاته صورة للدماغ أو هيئته.

علاوة على ذلك، إن مشكلة ” الكيفيات المحسوسة” ليست فقط جانبا من مشكلة الوعي، وإنما هي مشكلة الوعي. فبإمكانك أن تتكلم عن ميزات مختلفة أخرى للوعي- على سبيل المثال، القوى التي يختار منها النظام البصري الألوان، لكن أن تتكلم عن تميز الوعي فأنت تتحدث عن الكيفيات المحسوسة. أعتقد ان هذا المصطلح “الكيفيات المحسوسة” مصطلح مضلل، وذلك لأنه يلمح إلى أن حالة من الإحساس بالوعي، ربما نتجت من الوعي بأكمله لتستقر في جانب واحد، كما لو أنك تستطيع أن تتكلم عن بقية مشكلة الوعي، بينما تتجاهل الشعور الذاتي والنوعي للوعي. لكنك لن تستطيع أن تثبت أن الكيفيات في جانب واحد، لأنك إن فعلت فلن يكون هناك وعي.

الخطأ الثاني، أن كريك منسجم بتفسيره حول اختزال الوعي في محفزات عصبية. فهو يتحدث حديثا اختزاليا، لكن التفسير الذي يعطينا إياه ليس تفسيرا اختزاليا بطبيعته. أو بالأحرى، هناك معنيين اختزاليين فشل في التمييز بينهما؟ في معنى أول “الاختزال” إقصائي، فنحن نتخلص من الظواهر الاختزالية عن طريق إيضاح أنها شيء أخر. غروب الشمس مثال جيد على ذلك، فالشمس خيال يتضح من خلالها دوران الأرض حول محورها. بمعنى آخر للاختزال، نحن نشرح الظاهرة لكننا لا نتخلص منها. وهكذا، تُفهم صلابة المادة من خلال سلوك جزيئاتها، لكن ذلك لايرينا أنه ليس هنالك من مادة صلبة بحق، او أنه ليس هنالك فارق بين، لنقل الصلابة والسيولة. هنا يتكلم كريك وكأنه يريد إقصاء اختزاليا للوعي، لكن الحقيقة أن توجه كتابه كان تجاه الشرح السببي. فهو لا يحاول الاستعراض بأن الوعي ليس موجودا في حقيقته، بل يكشف اللعبة حينما يقول- والذي أعتبره صحيحا كليا بالنسبة لي- “أن الوعي خاصية تنبثق من الدماغ”، ويقول أيضا بأن الأحاسيس المعقدة خواص منبثقة وهي: “تنشأ في الدماغ من تفاعلات في العديد من أجزاءه” (ص11)

المحير أن كريك يبشر بالإقصاء الاختزالي بينما يمارس النشوئية السببية. إن الجدل المعياري في الفلسفة ضد الإقصاء الاختزالي للوعي، هو أننا حتى لو امتلكنا علما كاملا حول علم الأعصاب، سيبقى هناك سمتين مميزتين، النمط العصب-حيوي للمحفزات العصبية، وشعور الألم. التحفيز العصبي هو ما يحدث من خلاله الشعور، لكنهما لا يتشابهان مع الشعور. هذا الجدل هو جدل متقدم في نسخ مختلفة بين فلاسفة آخرين، مثل توماس نايجل، سول كريبكي، فرانك جاكسون، وأنا أيضا. أيد كريك عن طريق الخطأ الجدل القائم ضد مناهضي الاختزالية، والذي أتى من قبل بول وباتريشيا تشرتشلاند. فالجدل الذي أقاماه كان سيئا، وسأقوم بتوضيح سوء ذلك. هما يعتقدان أن التفسير الفلسفي المعياري مبني على الحجج المعيبة التالية:

  • يعلم سام أن شعوره هو الألم.

  • لا يعلم سام أن شعوره هو نمط من المحفزات العصبية.

  • وعلى هذا، فشعور سام ليس نمطا من التحفيز العصبي.

قاما تشرتشلاند بالإشارة إلى أن هذه الحجة خادعة، لكنهما أخطأ باعتقادهما أنها حجة اُستخدمت من قبل خصومهم. والحجة التي هاجموها حجة “معرفية” عن العلم. لكن حجة عدم قابلية الوعي للاختزال ليست معرفية، بل حول كيفية الأشياء في العالم، عن علم الوجود. هناك عدة طرق لتوضيح ذلك، لكن النقطة الأساسية لكل واحدة منها هي ذاتها، فالشعور النوعي المطلق للألم هو ميزة مختلفة عن نمط إلمحفزات العصبية التي تسبب الألم. بهذا، يمكن أن تحصل على اختزال سببي للألم من التحفيز العصبي، لكنه ليس اختزاليا وجوديا. وهذا يعني أنك قادر على إعطاء تفسير سببي كامل حول ماهية شعورنا بالألم، لكن هذا لن يظهر أن الألم لا يظهر حقيقة.

الخطأ الثالث، أن كريك بدا غير واضح حول البناء المنطقي للتفسير الذي يعرضه، حتى لمن يقرأها بأكبر قدر من التعاطف ستبدو له غير متسقة. حتى الآن، كنت قد بينت أفكاره طمعا بتفسير سببي للوعي البصري، وحديثه عن ” الميكانيزمات” و “التفسير” يدعم ذلك التفسير. لكنه لم يقل بوضوح أنه يعرض تفسيرا سببيا حول كيفية إنتاج العمليات الدماغية للإدراك البصري. فطريقته المفضلة في الحديث أن يقول إنه يبحث عن “ترابط عصبوني” للوعي (على سبيل المثال صفحة 9و 204-207) لكن من خلال شروطه لا يمكن أن يكون “الترابطات العصبونية” المصطلح السليم. أولا، الترابط هو علاقة بين شيئين مختلفين، لكن علاقة شيئين اثنين لا تنسجم مع خط الاختزال الإقصائي الذي يؤمن كريك بتبنيه. فرأي الاختزاليين الإقصائيين يقول بوجوب وجود شيء واحد وهو المحفزات العصبية. ثانيا، وهو الأهم حتى لو جردنا الخطأ الاختزالي، فالترابطات بنفسها لن تشرح أي شيء. فكّر في مرأى الضوء وصوت الرعد، المرأى والصوت مترابطين تماما، لكن من دون نظرية سببية فلن تحصل على شرح لذلك.

إضافة لذلك، كريك غير واضح حول العلاقة بين التجارب البصرية والماديات التي تتم عليها التجارب في العالم. فأحيانا يقول إن التجربة البصرية هي (3)“وصف رمزي” (ص32) أو “تفسير رمزي للعالم” (ص 33). وأحيانا يقول إن العمليات العصبية تقدم “ماديات في العالم” (ص 206). وانقاد أيضا الى إنكار أن لدينا حس إدراكي مباشر للماديات في العالم، وختاما استخدم حجة رديئة تعود للقرن السابع عشر (ص 33) حيث يقول، بما أن لدينا تفسيرات قد تكون خاطئة أحيانا، فليس لدينا إذن معرفة مباشرة بالماديات في العالم. هذه الحجة قال بها ديكارت وهيوم، لكنها فكرة مغالطة. إن حقيقة أن تجاربنا الإدراكية تتوسط دائما بين عمليات الدماغ (ومن أين لنا أن نحصل عليها من دونه؟) وحقيقة أنه معرّض للأوهام من مختلف الأنواع، لا ترينا أننا لم نرى العالم الحقيقي بل “وصف رمزي” أو “تفسير رمزي” للعالم. وعلى هذا القياس، حينما أنظر إلى ساعتي فأنا أرى الساعة الحقيقية ولا أرى “وصفا” أو “تفسيرا” للساعة.

أعتقد أن كريك قد أُرشد فلسفيا على نحو خاطئ، لكن لحسن الحظ تستطيع أن تجرد اعترافاته الفلسفية بعيدا، ويبقى لديك كتاب مذهل. أظن أنه يريد في النهاية-وهو ما أريده أنا على أي حال- هو تفسير سببي للوعي، سواء كان بصريا أو غير ذلك. يعكس الفوتون “وحدة الكم الضوئي” الماديات التي تهاجم خلايا مستقبلات الضوء في شبكية العين، وهذا من شأنه أن يؤسس سلسلة العمليات العصبية (الشبكية لكونها جزء من الدماغ) والذي ينتج عنها في النهاية، إذا مضى كل شيء على نحو ملائم، تجربة بصرية يحدث فيها إدراك للمادي بعينه والذي هو في أساسه انعكاس الفوتون. هذه هي الطريقة السليمة للتفكير به، وأتمنى أن يأخذ بها العالم.

إذن، ما الحل لمشكلة الوعي عند كريك؟ أحد أهم المميزات الجذابة في كتاب كريك هو حماسه واستعداده الفعلي للاعتراف بأن ما نعلمه قليل جدا. لكن بالنظر إلى ما نعلمه حقيقة، يقدم لنا بعضا من التخمينات، ولشرح تخميناته حول الوعي، أود أن أقول شيئا حول ما الذي يدعوه عالم الأعصاب بـ “المشكلة المعقدة”. نعلم أن النظام البصري لديه خلايا ومناطق مسؤولة عن ميزات معينة للماديات مثل اللون، الشكل، الحركة، الخطوط، الزوايا الخ. لكننا عندما نرى المادة فإننا نملك تجربة موحدة لمادة واحدة. فكيف يُلزم الدماغ كل تلك المحفزات المختلفة بتجربة موحدة للمادة؟ تتوسع المشكلة عبر طرائق مختلفة للإدراك، فكل تجاربي في أي زمن معطى هي جزء من تجربة وعي كبيرة وموحدة. فبالتالي، على سبيل المثال، عندما أفكر بالوعي البصري، أنا أرى مدخلا حاسوبيا، أستطيع أن أرى محيط كلبي عن يسار عيني، أشعر بوزن جسدي على الكرسي، وأسمع جدولا خارج نافذتي، فكل هذه التجارب، إضافة إلى أخرى أستطيع تسميتها، ماهي إلا أجزاء من حالة وعي موحدة لهذه اللحظة. (كانط بعبقريته المعهودة في التقاط الألفاظ سمّى هذه ” وحدة مبهمة من الإدراك المترابط”)

يقول كريك بان المشكلة المعقدة هي “كيف لتلك العصبونات أن تصبح نشطة مؤقتا كوحدة” (ص 208). لكن هذه ليست المشكلة المعقدة: بل هي نهج محتمل لحلها. على سبيل المثال، قُدم نهج محتمل لحل المشكلة المعقدة للبصر من قبل باحثين مختلفين، أهمهم وولف سينجر وزملاؤه في فرانكفورت. اعتقدوا بأن الحل ربما يحتوي على تزامن للتحفيز العصبي مكانيا، مسؤولة عن ميزات مختلفة من المادة. فالاستجابة العصبية للون، الشكل، الحركة، هو تحفيز عصبي بالتزامن في النطاق العام (40 هيرتز). تقدم كريك وزميله كريستوف كوخ بهذه النظرية خطوة إلى الأمام، واقترحا بأن التحفيز العصبي التزامني في النطاق (تقريبا 40 هيرتز) أو أقل (30) أو أعلى (75) ربما يكون “ترابطا عصبونيا” للوعي البصري.

علاوة على ذلك، يظهر أن المهاد البصري يلعب دورا مركزيا في الوعي، ويُظهر الوعي تحديدا اعتماده على الحلقات المحيطة والمرتبطة بالمهاد البصري والقشري، خصوصا الطبقات القشرية الرابعة والسادسة. فبالتالي، خمّن كريك أنه مادام التحفيز التزامني على نطاق 40 هيرتز في الشبكة المرتبطة بالمهاد البصري فقد تكون قشرة الدماغ هي مفتاح حل مشكلة الوعي.

إنني أقدر حماس كريك للتخمين، لكن طبيعة التخمين تُفصح عما لم نصل إليه بعد. لنفترض أنه قد تبين لنا أن الوعي مرتبط بثبات مع التحفيز العصبي بمعدل 40 هيرتز في الحلقة العصبية المرتبطة بالمهاد البصري للقشرة الدماغية. هل سيكون ذلك تفسيرا للوعي؟ لا، ولن نقبله على الإطلاق كتفسير بهذه الصورة. ولكننا سنعتبره خطوة هائلة للأمام، لكننا لا زلنا نريد معرفة كيفية عمله؟ سيكون مثل معرفة أن حركات السيارة هي “ترابطات مع” تأكسد الهيدروكربون تحت غطاء المحرك. ولكنك هنا بحاجة أيضا لمعرفة الميكانزمات المستخدمة في إنتاج أكسيد الهيدروكربون، أي مسببات حركة العجلات. حتى لو اتضح أن تخمينات كريك صحيحة 100% لا زلنا بحاجة لمعرفة الميكانزمات التي بواسطتها تحدث الترابطات العصبونية المؤدية للشعور بالوعي، ونحن أبعد ما نكون عن شكل التفسير المتخذ لذلك.

لقد كتب كريك كتابا رائعا ومفيدا، فهو يعلم الكثير ويشرحه بوضوح. وقد كانت معظم اعتراضاتي على ادعاءاته الفلسفية وفرضياته السابقة، لكنك عندما تقرأ كتابه بإمكانك أن تتجاهل الأجزاء الفلسفية وتتعلم الكثير حول سيكولوجية البصر وعلم الدماغ. إن حدود الموضوع في كتابه هي حدود العلم الآن، فنحن لا نعلم كيف لسيكولوجية البصر أن تتوءام مع فسيولوجية الجهاز العصبي، ولا نعلم كيف للعمليات الدماغية ان تُحدث الوعي سواء كان وعيا بصريا أو غير ذلك.

 


هوامش المترجمة:

  • الصفحات المشار إليها في هذا الفصل تابعة لكتاب (The Astonishing Hypothesis) – فرانسيس كريك. بالنسخة الإنجليزية.
  • الاختزال نهج فلسلفي يقوم على فهم أي نظام معقد عن طريق اختزاله إلى شيء أبسط، وهنا قدّم كريك الوعي على أنه مجرد تحفيز عصبي فقط.
  • بيّن كريك في كتابه أن استخدام مفردة (رمز) لا يجب أن تؤخذ وتطبق على الوجود الحرفي للمصغرات، وهي بالكاد تعني أن المحفزات العصبية مرتبطة تماما بجانب معين من العالم البصري.

 

المصطلحات:

 

النواة الجانبية المشتركة- lateral geniculate nucleus LGN
الشق المشبكي- synaptic cleft
التغصنات- dendrites
الكيفيات المحسوسة- qualia
المحوار – axon
خلف المشبك- postsynaptic
عقدة مشبكية- synaptic Knob
التصالب البصري- optic chiasm

Save

Save

Save

Save

Save