الفصل الأول من كتاب “عقل جميل” – سلفيا نصار/ ترجمة: حنين الهطلاني

الفصل الأول من كتاب “عقل جميل” – سلفيا نصار/ ترجمة: حنين الهطلاني

1

بلوفيلد  1928-1945

 

 

علموني أن أستشعر قوة الإكتفاء الذاتي في لحظات العزلة, ولكن بشكل أكثر من اللازم.

– ويليام ووردزورث

 

 


     إن من بين ذكريات جون ناش الأولى تلك الذكرى عندما كان طفلًا في الثانية أو الثالثة من عمره, فقد كان يستمع لجدته من أمه وهي تعزف على آلة البيانو في الردهة الأمامية لبيت شارع تيزويل القديم, الذي كان فوق تلة عالية نسيمها عليل, وكان مطلًا على مدينة بلوفيلد جنوب فرجينيا.[1]

001

مدينة بلوفيلد

 

     كانت هذه الردهة هي نفس الردهة التي تزوج فيها والدا جون في السادس من سيبتمبر من سنة 1924, في يوم سبت وفي الساعة الثامنة صباحًا وعلى أوتار التراتيل البروتستانتية, وسط باقات رائعة من أزهار الهيدرانيا الزرقاء, وأزهار عصا الذهب, وأزهار السوسن ببتلاتها السوداء, وكذلك أزهار المارغريت البيضاء والذهبية.[2] كان الزوج ذو الاثنين وثلاثين عامًا طويلًا ووسيمًا بشدة. أما الزوجة والتي تصغره بأربع سنوات فقد كانت جميلة ممشوقة القوام بعينين سوداوين. وإن فستانها الضيق ذي القصات المخملية البنية قد أبرز خصرها النحيل وظهرها الطويل والفاتن. ويبدو أنها قد اختارت أن تضع تلك القطع الغامقة في فستانها لإظهار الاحترام لأبيها الذي كان قد توفي في وقت قريب. وقد حملت في يديها باقة أزهار من تلك الأزهار قديمة الطراز والتي ملأت بها الغرفة, وقد وضعت إكليلًا من الأزهار التي تم نسجها على شكل طوق ليزيد جمال شعرها الكستنائي. فكانت إطلالتها رائعة جدًا. وإن مثل هذه القصات البنية والذهبية النابضة بالحياة والتي كان من الممكن أن تجعل من مظهر المرأة أكثر حيوية, مع بشرة جنوبية مثالية تميل للشحوب, قد زادتها جمالًا وأعطتها لونًا أكثر بهاءً, ومظهرًا مدهشًا وراقيًا جدًا.

     قام بتنظيم هذه المناسبة البسيطة والمختصرة كلًا من كنيسة المسيح الأسقفية وكنيسة شارع بلاند الميثودية, وقد حضرها أقل من دزينة من الأقارب والأصدقاء القدامى. وبحلول الساعة الحادية عشرة, كان الزوجان يقفان عند البوابة الحديدية المزخرفة, أمام المنزل الأبيض الذي صمم على نمط التسعينات من القرن السابع عشر, وكانا يلوحان مودعين. وطبقاً لما ورد في تقرير تم نشره بعد عدة أسابيع في النشرة الإخبارية التابعة لشركة الابالاش للطاقة, فقد استقل الزوجان سيارة الدودج الجديدة والبراقة للقيام “برحلة تمتد عبر بعض الولايات الشمالية”.[3]

     إن الشكل الرومانسي لهذا الزواج, وتلك المغامرة في شهر العسل, قد ألمحا إلى بعض صفات الزوجين, وأنهما لم يعودا في مرحلة ريعان الشباب بعد اليوم, مما جعلهما يؤثران الابتعاد عن المجتمع في تلك المدينة الأمريكية الصغيرة.

     وقد كان جون فوربس ناش الأب وفقًا لما قالته عنه ابنته مارثا ناش ليج “وقورًا ومثابرًا وجديًا للغاية وكذلك كان محافظًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.”[4] وقد كان عقله الشغوف والثاقب والذكي هو ما حماه من حياة الرتابة والملل. كان من سكان تكساس, الذين جاؤوا من طبقة ريفية نبيلة, من بين أولئك المعلمين والمزارعين المتدينين بشدة, والمتزمتين والاسكتلنديين المعمدانيين الذين هاجروا غربًا من انجلترا ومن أقصى الجنوب.[5] وقد ولد سنة 1892 في مزرعة أجداده لأمه التي تقع على ضفة النهر الأحمر في شمال تكساس, وقد كان الطفل الأول بين ثلاثة أبناء, وأمه مارثا سميث ووالده أليكسندر كواينسي ناش. وقد أمضى سنوات حياته الأولى في شيرمان في تكساس, عندما أسس جداه لأبيه – وكان كلاهما مدرسًا – معهد شيرمان (والذي أصبح كلية ماري ناش للبنات فيما بعد), كان المعهد متواضعًا ولكنه متقدم, وقد تعلمت فيه بنات الطبقة الوسطى في تكساس مبادئ السلوك الرفيع, وقيمة التمارين الجسدية المنتظمة, وكذلك تعلمن شيئَا من الأدب وعلم النبات. وقد درست أمه في هذا المعهد ثم أصبحت معلمة في الكلية قبل أن تتزوج ابن مؤسسي هذا المعهد. وبعد وفاة جديّه قام والدا ناش الأب بإدارة الكلية إلى أن انتشر وباء الجدري وأجبرهم على إغلاق الكلية للأبد.

     إن طفولته التي قضاها داخل جدران المعاهد المعمدانية للتعليم العالي كانت تعيسة. وقد كان مصدر تعاسته الأكبر هو زواج والديه. وإن سبب وفاة مارثا ناش يعود إلى أنها “تحملت أعباء كثيرة, ومسؤوليات وإحباطات أثرت بشدة على جهازها العصبي وعلى قوتها الجسدية.”[6] ولكن كان همها الأكبر هو ألكسندر, فقد كان شخصًا غريبًا وغير مستقر, وكذلك كان كسولًا وغير مسؤول وفاسق, فإما أن يكون قد تخلى عن زوجته وأبناءه الثلاثة بعد أن تم إغلاق الكلية, أو أنه قد غادر ببساطة وبلا سبب. وبالنسبة للوقت الذي غادر فيه أليكسندر عائلته للأبد, وماذا حصل له بعد ذلك فلا نملك معلومات دقيقة عن هذا, ولكنه كان متواجدًا في حياة أبنائه لفترة جعلتهم يكنون له عداوة أبدية وقد غرس أيضًا في ابنه الصغير توقًا عميقًا ودائمًا لأن يكون جديرًا بالاحترام. “فقد كان مهووسًا بالمظاهر الخارجية,” هذا ما قالته مارثا عن والدها, “وكان يريد لكل شيء أن يظهر بأحسن صورة.”[7]

     إن والدة جون الأب كانت امرأة ذكية جدًا بل داهية. إذ قامت مارثا ناش بإعالة نفسها وأبنائها الثلاثة بمفردها, بعد أن انفصلت عن زوجها, فعملت لسنوات كمديرة في كلية بايلور, التي كانت معهدًا معمدانيًا آخر للفتيات, في وسط تكساس. وقد كُتب عنها في نعيها أنها كانت تملك “قدرة إدارية رفيعة” وأيضًا “مهارة إدارية مذهلة.” وطبقًا لما قاله مشرفو المعمدانية فقد كانت, “امرأة بارعة وغير اعتيادية.. وقد كانت تملك الكفاءة لإدارة المشاريع الضخمة.. فهي ابنة حقيقية لنبلاء جنوبيين حقيقيين.” كذلك كانت متدينة ومجتهدة, وكان الكثيرون يصفون مارثا بأنها أم “مخلصة كرست نفسها لأبنائها”, ولكن صراعها المستمر مع الفقر وصحتها المعتلة, ومع روحها المعنوية المنخفضة, وكذلك خجلها من تربية أبنائها في منزل بلا أب, قد ترك جروحًا في نفس جون الأب مما ساهم بنشوء ذلك التحفظ العاطفي الذي أبداه فيما بعد تجاه أبنائه.

     لقد كان جون الأب تعيسًا في منزله, لذلك وجد في العلوم والتكنولوجيا عزاءً وسلوى لنفسه. وكان قد درس الهندسة الكهربائية في كلية تكساس للزراعة والمكانيكا, وتخرج منها في حوالي 1912. وبعد مدة قصيرة من دخول الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى, تم استدعاؤه للجيش ولكنه أمضى أغلب فترة خدمته الحربية كملازم في الكتيبة المسؤولة عن تزويد الجند بالمؤن في فرنسا. وعندما عاد إلى تكساس لم يرجع إلى وظيفته السابقة ككهربائي عام, بل قرر أن يلج مجال تدريس الهندسة في جامعة تكساس اي اند ام. وبالنظر لخلفيته التاريخية ولاهتماماته, فيبدو أنه كان يتمنى أن يحصل على وظيفة أكاديمية. وإن كان هذا صحيحًا, فإن أمنياته هذه قد أصبحت هباء منثورا. وفي نهاية العام الدراسي, وافق على شغل منصب في بلوفيلد مع شركة الأبالاش للطاقة (التي تعرف حاليًا بالشركة الأمريكية للطاقة الكهربائية), وهي المؤسسة التي ستوظفه للثمان وثلاثين سنة القادمة. وبحلول يونيو, كان يعيش في غرفة استأجرها في بلوفيلد.

     أظهرت الكثير من صور مارغريت فيرجينيا مارتن – المعروفة بفرجينيا – أثناء فترة خطوبتها لجون الأب أنها امرأة بشوشة ومفعمة بالحيوية, أنيقة ورشيقة جدًا. وقد قيل عنها في تقرير أنها كانت “واحدة من أكثر نساء المجتمع جاذبية وتحضرًا”.[8] وقد كانت كذلك اجتماعية ونشيطة, وأكثر حرية وأقل صرامة من زوجها الهادئ والمتحفظ, وكذلك كان لها حضور قوي في حياة ابنها. وقد كانت قوية وحيوية لدرجة أن وصول الرسالة لابنها جون عندما كان في الثلاثين من عمره, تلك الرسالة التي تخبر عن إصابة والدته بانهيار عصبي قد فاجأته وقد كاد أن يتجلهلها لأنه لم يستطع تصديقها. حتى أنه استقبل نبأ وفاتها عام 1969 بشيء من عدم التصديق.[9]

     ترعرعت فيرجينيا وسط عائلة تقدس الكنيسة والتعليم العالي كعائلة زوجها. ولكن هذا الشبه كان هو الوحيد بينهما. وقد كانت احدى الفتيات الناجيات لوالدها الطبيب المعروف جيمس إيفريت مارتن, وزوجته إيما, التي انتقلت للعيش في بلوفيلد بعد أن كانت تعيش في كارولينا الشمالية في التسعينات من القرن المنصرم. وكانت عائلة مارتن عائلة ثرية ومشهورة. ومع مرور الزمن, اكتسبت العائلة عقارات في المدينة, لذلك آثر الطبيب مارتن أن يتخلى عن ممارسته للطب ليدير ملكيته الخاصة واستثماراته, وليكرس نفسه للقضايا المدنية. وقد قال عنه البعض أنه كان مدير مكتب البريد, وآخرون قالوا أنه كان عمدة المدينة. إن ثراء عائلة مارتن لم يحمهم من التعرض لبعض المآسي الحزينة, فطفلهم الأول توفي رضيعًا, أما طفلهم الثاني فقد أصيب بالصمم التام في أحد أذنيه عندما بلغ سن الثانية عشرة, بسبب إصابته بالحمى القرمزية, أما طفلهم الأصغر فقد توفي بحادث قطار, كذلك توفيت إحدى أخوات فيرجينيا بسبب إصابتها بداء التيفوئيد, ولكن فيرجينيا بشكل عام كانت قد ترعرت في وسطٍ أسعد من الوسط الذي ترعرع فيه زوجها. كذلك كانت عائلة مارتن عائلة تقدر العلم, ودليل ذلك أن كل بناتهم قد تلقوا التعليم في الجامعات. وقد كان تخرُّج إيما مارتن من كلية البنات في تينيسي شيئًا غير اعتيادي. أما فيرجينيا فقد درست اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية وكذلك اللاتينية في كلية مارثا واشنطن أولًا ثم انتقلت إلى جامعة غرب (ويست) فيرجينيا. وفي ذلك الوقت قابلت زوجها المستقبلي, وقد كانت قد امتهنت التدريس لست سنوات. كانت مدرسة بالفطرة, مما جعلها تغدق هذه الموهبة على طفلها فيما بعد. ومثل زوجها, كانت ترى أشياء أبعد مما تتيح لها تلك المدن الصغيرة من ولايتها. وقبل زواجها كانت قد قضت برفقة معلمة أخرى من بلوفيلد, إليزابيث شيلتون, بعض الإجازات الصيفية وكذلك حضرن الدورات في العديد من الجامعات, بما فيها جامعة كاليفورنيا في بيركلي, وجامعة كولومبيا في نيويورك, وكذلك جامعة فيرجينيا في شارلوتيسفيل.

     وعندما عاد العروسين من شهر العسل عاشا في منزل شارع تيزويل مع والدة فيرجينيا وأخواتها. أما جون الأب فقد عاد ليمارس عمله في الأبالاش, والذي كان يلزمه في تلك السنوات بقيادة السيارة حول الولاية بغرض تفحص خطوط الكهرباء الهوائية. وبالنسبة لفرجينيا فلم تعد تمارس التعليم. لأن أغلب المدارس في العشرينات, كانت تقضي بمنع المرأة المتزوجة من ممارسة المهنة, ونظام مدرسة ميرسير كونتري كان يطبق هذه السياسة. فالمدرسات يخسرن وظائفهن بمجرد أن يتزوجن.[10] وبصرف النظر عن موضوع إستقالتها الإجبارية, فقد كان زوجها يشعر بمسؤولية قوية كي يؤمن لزوجته ما تحتاجه وليحميها مما اعتبره عار يجعلها مضطرة للعمل, وكانت هذه خصلة قد اكتسبها من طفولته.

     بلوفيلد, لقد سميت هذه المدينة تيمنًا بحقول “أزهار الهندباء اللازوردية” التي تملأ الوديان وتنمو على طول الشوارع وحتى اليوم, هذه الأزهار تدين بوجودها لتلك الروابي المتموجة والغنية بالفحم التي تحيط بالمدينة الصغيرة النائية – “وإن تلك الولاية البدائية والرومانسية, ذات الطرق الوعرة توجد في جبال غرب فيرجينيا” – .[11] أما سكة حديد نورفولك وويسترن فقد تم بناؤها في التسعينات من القرن السابع عشر بروح “مملوءة بالقوة والجهل”, وكانت تمتد من رونوك وحتى بلوفيلد, التي تقع فوق جبال الأبالاتشيان في أقصى الحافة الشرقية لمنجم بوكاهانتاس العظيم للفحم. وقد كانت مدينة بلوفيلد وعرة ونقطة ارتكاز لمدة طويلة لكل من التجار اليهود, ولعمال البناء من الأمريكيين الأفارقة, ولمزارعي كونتري تيزويل الذي يكافحون للحصول على لقمة العيش, كذلك كان فيها المليونيرات مالكي مناجم الفحم, ومعظمهم كانوا يسكنون في منطقة تبعد عشرة أميال عن برامويل, التي اشتبك فيها الإيطاليون والهنغاريون مع المهاجرين من العمال البولنديين, وكذلك كان أن جلس فيها جون إل. لويس وشركة يو إم دبليو مع مالكي مناجم الفحم للتفاوض حول العقود, تلك المفاوضات التي غالبًا ما أدت إلى نشوء نزاعات دموية وإضرابات تم توثيقها في فيلم (matewan) الذي قام جون سايليس بإخراجه.

     بحلول العشرينات من القرن الماضي, وعندما تم زواج عائلة ناش, كان دور مدينة بلوفيلد قد تغير. فقد أصبحت المدينة مركزًا مهمًا للسكك الحديدية, مباشرة على الطريق بين شيكاجو ونورفولك, مما جعلها تجتذب ذوي الياقات البيضاء الأثرياء من المدراء والمحامين ورجال الأعمال الصغار والوزراء وكذلك المعلمين.[12] وفي قلب المدينة تم إنشاء المباني المكتبية والمتاجر من الجرانيت. كذلك انتشرت الكنائس الجميلة في أنحاء المدينة. والمنازل المبنية بأسلوب محكم التفاصيل التي تم تجميلها بحدائق صغيرة مملوءة بأزهار النرجس المنتشرة على التلال. وفي المدينة كانت توجد صحيفة يومية ومستشفى ودار للمسنين. أما المؤسسات التعليمية فقد كانت مزدهرة فهي عبارة عن روضات خاصة للأطفال, ومدارس تعليم الرقص, وكليتين صغيريتين واحدة للسود والأخرى للبيض. وبالنسبة لأجهزة الراديو, والتلغراف, والهاتف, والسكك الحديدية, وبشكل أخص السيارات, فقد خففت من الشعور بالعزلة في هذه المدينة.

     لقد قال جون ناش فيما بعد وببعض السخرية أن مدينة بلوفيلد لم تكن “مجتمعًا علميًا”.[13] ولكن روحها التجارية المتوهجة, واحترامها للبروتستانتية, وخيلاءها رغم كونها مدينة صغيرة لم تستطع أن تزيلها من الوسط الفكري والتعليمي كالتي عند بودابست وكامبردج التي أنتجت جون فون نيومان ونوربرت فينر. وفي الوقت الذي كان فيه جون ناش في مرحلة النمو, كانت المدينة قد اجتذبت مجموعات كبيرة من الرجال ذوي الاهتمامات العلمية والمواهب الهندسية, رجال مثل جون الأب الذين اجتذبتهم السكك الحديدية والمؤسسات ذات النفع وكذلك شركات استخراج المعادن.[14] وبعض أولئك الذين قدموا لكي يعملوا في الشركات انتهى بهم الأمر لأن يكونوا مدرسي علوم في المدارس الثانوية أو في إحدى الكليتين المحليتين. وقد كتب جون ناش في إحدى مقالاته التي تناولت بعضًا من سيرته الذاتية “اضطررت للتفكر والتبحر في العلوم الكونية بدلًا من التعلم وفق ظروف مجتمعي الحالي” كما لو “كان هذا عبارة عن تحدي”.[15] ولكن مدينة بلوفيلد في الواقع كانت محفزة بشكل كبير – وباعتراف الجميع, من مختلف الطبقات – لعقل متوهج ومتسائل؛ وإن المهنة التالية لجون ناش كرياضي, وبغض النظر عن شخصيته البراغماتية, تدين ببعض الأشياء لسنواته في بلوفيلد.

          لقد كان الزوجان الحديثان مناضلين ومجتهدين جدًا. كذلك كانا فردين مخلصين ضمن الطبقة المتوسطة الأمريكية الجديدة والمهنية, فقد شكلا تحالفًا قويًا وكرسا نفسيهما لتحقيق ثروة مالية, ومنزل محترم يليق بهما في الوسط الإجتماعي لتلك المدينة.[16] وكأغلبية مواطني مدينة بلوفيلد الأثرياء, أصبح الزوجين ناش تابعين للأسقفية, عوضًا عن اتباع الكنيسة الأصولية التي كانا أفرادًا فيها أيام شبابهما. وكذلك أصبحا جمهوريين مخلصين, خلافًا لما كان عليه معظم أفراد عائلة فرجينيا, ولكن لم يتم تسجيلهما كأعضاء للحزب ( وذلك لكي يتمكنا من التصويت لقريبهما الديمقراطي في الانتخابات التمهيدية). كذلك كونا دائرة اجتماعية كبيرة. فقد انضما لنادي مدينة بلوفيلد الجديد, والذي أصبح مركز النشاطات الاجتماعية للمدينة, بدلًا من الكنيسة البروتستانتية. وقد انضمت فيرجينا إلى نوادٍ نسائية مختلفة, كنوادي الكتاب, أو نوادي لعبة الجسر, أو نوادي البستنة وتنظيم الحدائق. أما جون الأب فقد كان عضوًا في منظمة الروتاري التطوعية, كذلك انضم لعدد من جمعيات الهندسة. وفيما بعد, كان الشيء الوحيد الذي رفضا أن يقوما به ضمن سلوك الطبقة المتوسطة, هو إرسال ابنهما إلى مدرسة داخلية. وقد قالت ابنة فيرجينا عن أمها: “كانت والدتي ذات فكر خلاق في المدرسة العمومية”

     كان عمل جون الأب مع شركة الأبلاش مستقرًا حتى أثناء فترة الكساد التي حدثت في الثلاثينات من القرن الماضي. ففي تلك الفترة تدبر أفراد هذه العائلة الصغيرة أمرهم بشكل أفضل مما حدث مع جيرانهم ومع رفقاء كنيستهم, وكذلك كان حالهم أفضل من حال رجال الأعمال الصغار. ورغم أن راتب جون الأب كان يسيرًا إلا أنه كان ثابتًا, ومع التوفير استطاعوا تدبر أمورهم. كذلك كانت كل قراراتهم بما يخص الإنفاق تؤخذ بعين الإعتبار مهما كانت متواضعة؛ وغالبًا ما كان القرار بأن يتم تجنب الدفع أو تأجيله أو تقليله. كذلك لم يكن هناك رُهُن عقارية في تلك الايام, ولا معاشات, حتى للمدراء الشباب الناشئين في أحد أكبر المؤسسات النفعية للدولة. وعندما كان الزوجان ناش يتشاجران – خارج محيط سمع أطفالهما – اعتادت فيرجينيا أن تتهم زوجها بأنه سيتزوج امرأة أصغر منها عندما تموت, ويجعلها تنفق كل المال الذي ادخرته فيرجينيا بصعوبة شديدة. (وقد تبين أن مدخراتهما كانت كبيرة, فعندما توفي جون الأب قبل فيرجينيا بثلاث عشرة سنة, وحتى مع تكاليف المستشفى الكبيرة التي أقام بها جون الابن, لم تضطر فيرجينيا إلى الإنفاق من مالها الخاص, وقد كانت قادرة على الإنفاق بسخاء على أطفالها).

     ورغم أن الزوجين ناش قد بدآ حياتيهما كأبوين في منزل مستأجر تملكه إيما مارتن, إلا أنهما قد تمكنا بعد ذلك من الانتقال إلى منزلهما المتواضع والمريح الذي يحوي ثلاث غرف نوم ويقع في واحدة من أجمل المناطق من المدينة, منطقة كونتري كلوب هيل. وقد تم بناء معظمه من قوالب إسمنتية اشتراها جون الأب بسعر زهيد من محطة الأبلاش القريبة لمعالجة الفحم, وقد كان المنزل مشابهًا لمنازل العائلات التي تعمل في معالجة الفحم, والتي تنتشر حول التلة. وقد كان على بعد مئة ياردة من النقطة التي تم بناء النادي فيها, وقد أشرف على بنائه مهندس معماري من أهل المدينة, وتم تزويد المنزل بجميع وسائل الراحة التي يمكن أن تحلم بها عائلة تعيش في مدينة صغيرة من الطبقة المتوسطة: فقد كان في المنزل غرفة معيشة والتي كانت تستخدمها فيرجينيا لاستضافة أعضاء نادي لعبة الجسر فيها, فقد كانت مبنية على طراز جميل, يتوسطها موقد, وفيها مكتبة داخلية, وكذلك زخارف خشبية جميلة فوق كل مدخل, ومطبخ صغير وأنيق مع ركن للإفطار, وغرفة طعام يتم تقديم الدجاج والوافل فيها في عشاء يوم الأحد, وقبو حقيقي يمكن أن يكون غرفة للخادمة في يوم ما, هذا إذا أصبح من الممكن للخدم أن يسكنوا في نفس المنزل, وكذلك غرفتي نوم منفصلتين لكلا الطفلين.

     ورغم أن الزوجين ناش كانا مجبرين على أن يقتصدا في نفقاتهما، إلا أنهما حافظا دومًا على فخامة مظهرهما الخارجي. فقد كانت فيرجينيا تملك فساتين جميلة, قامت بنفسها بخياطة أغلبها, كذلك كانت تسمح لنفسها ببعض الرفاهية فتزور صالون التجميل مرة كل أسبوع. وعندما انتقلا لمنزلهما الجديد كانت تأتي امرأة لتنظف المنزل مرة في الأسبوع. وقد كانت فيرجينيا تمتلك سيارة من نوع دودج, والتي كانت غير اعتيادية في محيط الطبقة المتوسطة في ذلك الزمن. أما جون الأب فقد كان يقود سيارة الشركة, من نوع بيويك. وعمومًا فقد كان الزوجين ناش ثنائيًا مخلصًا, ومتفقًا فكريًا.

     ولد جون فوربس ناش الابن بعد حوالي أربع سنوات من زواج والديه, في 13 من يونيو, 1928. وقد رأى النور لأول مرة في مصحة مدينة بلوفيلد , التي كانت عبارة عن مستشفى صغير يقع على شارع رامزي والذي استمر هناك حتى تم استخدامه لأغراض أخرى. ولم يكن هناك أي معلومة غير هذه فيما يخص ولادة ناش. فهل أصيبت فيرجينيا بالإنفلونزا أثناء حملها له في فصل الشتاء؟ وهل كان هناك تعقيدات جانبية؟ أو هل احتاج الطبيب لاستخدام الكلَّاب[17] أثناء عملية الولادة؟ وهل تعرض رحم فيرجينيا لفيروس أو هل كان هناك إصابة طفيفة أثناء الولادة لم ينتبه لها أحد وكانت سببًا في إصابة جون لاحقًا بمرضه العقلي؟ ولكن لم يكن هناك أي مصادر مؤكدة يمكن أن تقترح إصابات من هذا النوع. وقد أخبرت فيرجينيا ابنتها لاحقًا أنها لم تكن بحاجةٍ لأن يتم تخديرها أثناء الولادة. ووفقًا لما يتذكره كل من عاش في تلك الفترة فقد بدا ذلك الطفل ذو السبع باوندات في صحة جيدة, وقد تم تعميده في الكنيسة الأسقفية التي تقع قبالة منزل مارتن من شارع تيزويل, وكذلك تمت تسميته بالاسم الكامل لوالده. ولكن الجميع كانوا ينادونه بجوني.

     لقد كان جوني ناش طفلًا متفردًا ووحيدًا وانطوائيًا.[18] ووفقًا للرأي المجمع عليه والذي يعزو سبب الإصابة بالفصام إلى ذلك الإيذاء والإهمال والتجاهل الذي يجعل الطفل يتخلى عن رغبته بالحصول على إشباع نفسي فيرفض تكوين علاقات مع أقرانه في سن مبكرة جدًا.[19] إلا أن مثل هذا الحدث لم يحدث مع جوني. فقد غمره والداه بالحب وخاصة أمه. وكدليل ورد في السير الذاتية للعديد من العباقرة الذين كانوا غريبي الأطوار ومنعزلين في طفولتهم, يمكن القول أن الطفل المنغلق على نفسه يقوم بالرد على البالغين المتطفلين بأن ينسحب تدريجيًا إلى عالمه الخاص وأن كل تلك الجهود التي يبذلها البالغون ليجعلوه يختلط مع أقرانه تتصادم مع رغبته الشديدة بأن يفعل الاشياء وفق طريقته الخاصة – أو قد يرجع السبب لتهكم أقرانه التعسفي عليه. ولكن الحقائق الواردة عن طفولة ناش تظهر انها كانت طفولة مثالية في تلك الصفوف التعليمية والمدن الأمريكية الصغيرة من المنطقة التي عاش فيها, لذلك نعتقد أنه مصاب بذلك النوع من الفصام الذي يولد به الشخص.

     ويبدو أن جوني ناش قد عاش طفولة جميلة وفقًا لتلك الذكرى التي ذكرها عن عزف جدته على البيانو, فهو لم يحظ بصحبة أمه المحبة فقط, ولكنه كان محاطًا بجدته, وخالاته, وكذلك أبناء خالاته وبناتهم.[20] وإن منزل شارع هايلاند الذي انتقلت إليه عائلة ناش بعد ولادة جوني بوقت قصير, كان يبعد مسافة أقدام عن شارع تيزويل والذي تمضي فيه فيرجينيا أغلب وقتها, حتى بعد ولادة أخت جوني الصغرى مارثا سنة 1930. وعندما كان جوني في السنة السابعة أو الثامنة من عمره, قالت عنه خالاته أنه كان طفلًا مهووسًا بالكتب وقد كان غريبًا بعض الشيء. فبينما كانت مارثا وأبناء خالاتها يمتطون العصي متخيلين أنها خيول, وبينما كانوا يصنعون دمى ورقية من الكتب القديمة, وبينما كانوا يلعبون لعبة المنزل ولعبة الإختباء في تلك العلية “المخيفة والرائعة جدًا”, كان جوني في الردهة غارقًا في قراءة كتاب أو مجلة. وفي المنزل كان يتجاهل إلحاح أمه عليه بأن يخرج ويلعب مع أطفال الحي, مفضلًا أن يبقى وحده في المنزل. أما أخته فقد كانت تمضي أغلب وقتها في بركة السباحة أو في لعب كرة القدم أو بأخذ دور في معركة قطف التفاح باستخدام عصي طويلة ورهيفة. ولكن جوني كان يلعب وحيدًا بطائراته وسياراته.

     رغم أن جوني لم يكن طفلًا عبقريًا, إلا أنه كان ذكيًا وفضوليًا ويحب الإطلاع. وكانت أمه هي الأقرب له دومًا, فقد شجعته بأن جعلت مهمة تعليمه أولوية تركز عليها في حياتها اليومية. وقد قالت عنها مارثا: “إن أمي كانت معلمة بالفطرة”. “لقد كانت تحب القراءة, وكذلك تحب التعليم, ولم تكن مجرد ربة منزل عادية.” وإن فيرجينيا التي أصبحت عضوًا فعالًا في جمعية الآباء والمعلمين قد قامت بتعليم جوني القراءة عندما كان في الرابعة من عمره, وقد سجلته في روضة خاصة, فرأت أنه قد تخطى نصف فصل من المدرسة الإبتدائية في وقت مبكر, وقد أشرفت على تدريسه في المنزل, وبعد ذلك, في المرحلة الثانوية, جعلته يسجل في كلية بلوفيلد ليدرس مقررات في اللغة الإنجليزية, وفي العلوم, والرياضيات. أما مساهمة جون الأب في تعليم ابنه فقد كانت أقل. ولكنه كان يشارك أبناءه باهتماماته – فقد كان يأخذ جوني ومارثا في جولات أيام الأحد لفحص أسلاك الكهرباء – وأهم من ذلك أنه كان يجيب عن أسئلة ابنه التي لا تنتهي فيما يخص الكهرباء, وعلم طبقات الأرض, والطقس, وعلم الفلك, وعن مواضيع تكنولوجية أخرى وكذلك فيما يخص العالم الطبيعي. وقد ذكر أحد جيران عائلة ناش أن جون الأب كان يتحدث دومًا لابنائه كما لو كانوا أشخاصًا بالغين: “فلم يقم يومًا بإعطاء ابنه جوني أي كتاب للتلوين. وعوضًا عن هذا كان يعطيه كتبًا علمية.”[21]

     عندما كان جوني في المدرسة كانت فجاجته واضطرابه أول ما يظهر على محياه, حتى أنها غطت على قدراته العقلية. كذلك وصفه أساتذته بأنه كان دون المستوى. فقد كان يستغرق كثيرًا في خيالاته, أو كان يتحدث باستمرار, كذلك كان يواجه صعوبة شديدة في اتباع التوجيهات, مما كان مصدرًا أساسيًا لمشاكله مع والدته. وفي تقريره الدراسي للصف الرابع, والذي حصل فيه على أدنى العلامات في كلٍ من الرياضيات والموسيقى, كتب له الأساتذة ملاحظة يخبروه فيها بما يجب عليه فعله: “عليه أن يبذل جهدًا أكبر, وأن يضبط سلوكه ويحترم القوانين.” كان جوني أثناء الكتابة يمسك بقلمه كما يسمك بعصا, مما جعل خط كتابته بشعًا جدًا, كذلك كان يميل للكتابة بيده اليسرى, ولكن أباه أصر عليه أن يكتب بيده اليمنى. وفيما بعد قامت فيرجينيا بإلحاقه بدورة لتعلم فن الخط في كلية السكرتارية المحلية, حيث تعلم الكتابة وفق أسلوب معين, كذلك تعلم كيفية استخدام آلة الكتابة. وقد ظهر جوني في واحدة من القصاصات التي تقوم فيرجينيا بجمعها من بعض الصحف, جالسًا في حجرة دراسية وسط صفوف من الفتيات المراهقات, وكان يجول بعينيه من شدة الملل, مما يوحي لمن لا يعرفه بأنه غبي بعض الشيء. كذلك كان غير مكترث بأحد وقد صاحبته طوال دراسته الثانوية كثير من الشكاوى على رداءة خطه, وعلى حديثه الذي كثيرًا ما كان يبدأه في غير أوانه, وعلى استئثاره بالحديث في النقاشات الصفية.[22]

     كان جوني يفضل صحبة الكتب على الناس, فقد كان الكتاب صديقه المفضل, وكان يفضل التعلم بمفرده, وكثيرًا ما أسعده هذا. وقد ألمح ناش إلى هذا الأمر بشكل غير مباشر في مقالته التي تحدث فيها عن نفسه, فقال:

     ” لقد قام والديّ بتوفير موسوعة كومبتونز المصورة في المنزل, تلك الموسوعة التي تعلمت منها الكثير عندما كنت طفلًا. كذلك كان هناك الكثير من الكتب المتاحة للقراءة والتي كانت ذات قيمة علمية, سواء في منزلنا أو في منزل جديّ”.[23]

     كذلك كانت فترة ما بعد العشاء من كل ليلة هي الوقت المفضل للعائلة, عندما يجلس جون الأب في مكتبه الواقع في غرفة العائلة الصغيرة قبالة غرفة المعيشة, تلك الغرفة التي لا يتجاوز حجمها حجم شرفة, أما جون الابن فيفضل أن يسترخي أمام الراديو في ذلك الوقت, مستمعًا لمقطوعات من الموسيقى الكلاسيكية أو لبعض التقارير الإخبارية, وفي بعض الأحيان يفضل أن يقرأ الموسوعة أو أحد أعداد مجلة الحياة والزمن القديمة والمكومة فوق بعضها البعض, أو يقضي وقته بسؤال والده عما يخطر بباله من الأسئلة.

     كذلك كان جوني شغوفًا جدًا بإجراء التجارب. فعندما بلغ الثانية عشرة من عمره قام بتحويل غرفته إلى معمل. وقد كان يعبث طوال الوقت بأجهزة الراديو, ويحوم بالأرجاء حاملًا أدوات كهربائية, كذلك كان كثيرًا ما يقوم باجراء بعض التجارب الكيميائية.[24] حتى أن جارًا لهم يتذكر أن جوني قد عبث يومًا بهاتف منزلهم فجعله يرن حتى عندما تكون السماعة مرفوعة.[25]

     ورغم أن جوني لم يكن له أصدقاء مقربون, إلا أنه كان يحب الاستعراض أمام الأطفال الآخرين. فمرة أمسك بيده بمغناطيس ضخم كان قد وصله بتيار كهربائي, وذلك فقط ليري الأطفال ما مقدار التيار الكهربائي الذي يمكنه تحمله دون أن يجفل.[26] وفي مرة أخرى, قرأ عن وصفة هندية قديمة تعطي الشخص مناعة ضد سم نبتة اللبلاب. ثم قام بلف أوراق من نبتة اللبلاب السامة وسط أوراق من نبتة أخرى وقام بابتلاعها وسط أنظار بقية الأطفال.[27]

     وفي ظهيرة أحد الأيام, ذهب جوني إلى مهرجان أقيم في مدينة بلوفيلد.[28] وفي المهرجان اجتمع الأطفال لمشاهدة أحد العروض. كان العرض عبارة عن رجل جالس في كرسي كهربائي, ممسكًا سيفين بيديه. وقد ظهرت بعض الشرارات المتراقصة من قمة السيفين. وبعدها تحدى الرجل الجمهور أن يفعلوا مثله. وحينذاك كان جوني في الثانية عشرة من عمره, ولكنه تقدم وأمسك بالسيفين وقلد ما فعله الرجل. ثم قال: “لا يوجد شيء في ذلك” كما لو أنه يشارك الآخرين. ثم قام أحد الأطفال بسؤال الرجل: “كيف أمكنك فعل ذلك؟”. فأجاب ناش مباشرة: “باستخدام مبدأ الكهرباء الساكنة”, أجاب قبل أن يتطرق الرجل لتوضيحات أكثر.

000

مارثا ناش في أقصى اليمين, وجون ناش في أقصى الشمال

     ولقد كان افتقار جوني للرغبة في اللعب ومطاردة الأطفال الآخرين, وكذلك عدم وجود أصدقاء له, هو الهاجس الأكبر الذي أقلق والديه. كذلك أصبحت جهود والديه في جعله محاطًا بالأصدقاء أشبه بهوس يطارد العائلة.[29] وسواء كان السبب في مزاجه هذا نابعًا من إصراره الواضح على أن يفعل الأمور بطريقته الخاصة دون أن يأخذ في اعتباره آراء الآخرين, أو كان بسبب جهود والديه المضنية لتغيير طبيعته, إلا أن النتيجة كانت أنه بدأ ينسحب ويرتد إلى عالمه الخاص شيئًا فشيئا. وتقول أخته مارثا التي كان جوني كثيرًا ما يتشاجر معها:

     “كان جوني مختلفًا دومًا. حتى أن والديَّ كانا واعيين باختلافه هذا. كذلك كانا واعيين بمدى ذكائه. لكنه كان دومًا يريد أن يفعل الأمور وفق طريقته الخاصة. وكثيرًا ما أجبرتني أمي على أن أفعل بعض الأشياء لأجله, كأن أحاول استدراجه ليتعرف على بعض أصدقائي. كذلك كانت تطلب مني أن أدبر له موعدًا غراميًا مع إحدى الفتيات. وقد كانت محقة بفعلها هذا. لكني لم أكن راغبة بأن يدرك الناس مدى غرابة أخي.”

     ولم تقم العائلة بدفع ناش اجتماعيًا فقط, ولكنها كانت تحفزه أكاديميًا كذلك. ففي البداية كانوا يشجعونه للاشتراك في مخيم الكشافة للصغار, ولحضور دروس الكتاب المقدس أيام الأحد؛ وفيما بعد, قاموا بإجباره على أخذ دروس في مدرسة فلويد وارد لتعلم الرقص والتي كانت تابعة لمنظمة جون ألدن التي تُعنى بتنمية الخصال الحميدة في أعضاءها. وعندما أصبح في المرحلة الثانوية, كانت أخته اللطيفة تدعوه دومًا وتشركه معها في علاقاتها الإجتماعية. وفي العطل الصيفية, كان والداه يصران عليه بأن يعمل, فعمل مرة في صحيفة بلوفيلد اليومية (بلوفيلد ديلي تيليغراف). ولكي يتأكد والداه من ذهابه للعمل, تقول مارثا: “كانا يستيقظان في وقت مبكر جدًا, فقد كانا يعتقدان أنه من المهم مساعدته ليكون محاطاً بالآخرين. ويبدو أن هذا مهم جدًا مع شخص يملك عقلًا كعقل جوني. كذلك كان والديّ يرفضان مكوث جوني في المنزل طوال الوقت بين هواياته واختراعاته.”[30]

     إن جوني لم يكن عنيدًا فلم يرفض القيام بما أراد منه والداه القيام به, فقد التحق بمخيم الكشافة, وبمدرسة الرقص, وبدروس الكتاب المقدس, وكذلك وافق فيما بعد على الخروج في مواعيد غرامية مع فتيات لا يعرفهن, وفق ترتيب أخته مارثا والتي ألحت عليها أمها فيرجينيا أن تفعل هذا, وقد فعل كل هذه الأشياء بشكل اساسي ليرضي والديه, وخاصة أمه, ولكن أيًا من هذه النشاطات لم يأت بنتيجة, فلم يكوِّن جوني أي صداقات أو علاقات اجتماعية. ولكنه استمر بممارسة الرياضة, والذهاب للكنيسة, ولحفلات الرقص التي كانت تقام في نادي المدينة, ولكل تلك الزيارات التي خرج فيها مع أقاربه – وقد فعل كل تلك الأشياء التي تدخل البهجة على أقرانه – إلا أنه كان يجدها مملة جدًا وسببًا يبعده عن كتبه ويلهيه عن القيام بالتجارب. وقد كان جوني آخر من يتم اختياره في فرق لعبة البيسبول, لأنه كان يقف دومًا في الجانب الأيمن من الملعب, محدقًا إلى السماء, وأحيانًا يتناول شيئًا من العشب. وقد ذكرت مارثا أن أمها قد أجبرت جوني مرة على أن يرافقهم لحضور مأدبة عشاء دعاهم إليها أعضاء شركة الأبالاش للطاقة. فوافق جوني على الذهاب ولكنه أمضى جل وقته داخل المصعد, صاعدًا ونازلًا, مما أبهجه وأدهشه كثيرًا, إلا أن المصعد تعطل مما سبب إحراجًا شديديًا لوالديه. وكثيرًا ما وجد طرقًا لامتاع نفسه أثناء عمله في الصيف. فقد ذكر أحد رفاق ناش, أن ناش كان يختفي لساعات عن موقعه في شركة بلوفيلد للتموين, إلى أن تم ضبطه منغمسًا في تصميم نظام مفصل ودقيق لاختراع مصيدة للفئران.[31] أما في تدريبات الرقص, فقد كان جوني يقوم بدفع كومة من الكراسي إلى ساحة الرقص, ثم يبدأ بالرقص معها بدلًا من أن يرقص مع أي فتاة.[32]

     لقد احتفظت فيرجينيا بالكثير من القصاصات التي احتوت أحداثًا تؤرخ حياة أطفالها وإنجازاتهم الشخصية. ومن بين هذه القصاصات كانت هناك قصاصة بالية ومصفرّة تحوي مقالًا للكاتب أنجلو باتري, قامت فيرجينيا بقصها من إحدى الصحف, وملئها بإشارات وعلامات وخطوط ودوائر مكتوبة بخط يدها, كذلك كانت القصاصة تحوي بضع تلميحات مؤثرة لما كان يختلج في عقل فيرجينيا من آمال ومخاوف؛ وهذه إحداها:

     إن الانعطافات والنزوات الغريبة هي التي تخلق الفردية. لذلك على المرء ألا يقوم بكبحها والاكتفاء بالسير وفق زمن وتاريخ محددين أو يغالي بأداء شعائر دينه, لكي لا يذوب وسط القطيع الرمادي, الذي يخالف سيره سير ما جئنا حقًا لأجله.. إن أهم خاصية في الحياة هي, العيش, وكون المرء قد أتقن السير وفق قوانين شخص آخر لا يعني أنه يعيش. وصحيح أننا نتوق ونتعطش للاشياء نفسها تقريبًا, إلا أن كل شخص منا يقوم باستخدام هذه الأشياء لأغراض مختلفة وبطرق ومواسم مختلفة أيضًا.. لذلك اصنع يومك, وواصل هذا حتى موعد الظهيرة, نعم موعد الظهيرة الخاص بك وحدك, وإلا ستجد نفسك يومًا ما جالسًا في الفناء الخارجي, تستمع إلى دقَّات أجراس الآخرين لكنك غير قادر على أن تضرب جرسك الخاص لتجعله يرن.[33]

     وياللسخرية, فقد كانت أول إشارة دلت على أن جوني موهوب في الرياضيات ظهرت عندما نال تقدير “ب سالب” في مادة الحساب من الصف الرابع. فعندما أخبرت المعلمة فيرجينيا أن جوني لم يستطع أن يتقن مهارات المقرر, اتضح لفرجينيا أن ابنها كان يقوم بكل بساطة باختراع طرق جديدة خاصة به ليحل المسائل. كما قالت عنه أخته: “إن جوني دائمًا ما يبحث عن طرق أخرى لتأدية بعض الأمور”.[34] وقد حصلت الكثير من الأحداث التي تؤكد على موهبة جوني, خصوصًا عندما كان في المرحلة الثانوية, فعندما يجاهد معلمه لإيجاد برهان صعب وطويل لمسألة ما, كان جوني ينجح دومًا بإظهار برهان يمكن الوصول إليه بخطوتين أو ثلاثة خطوات وبامتياز لنفس المسألة.

     ولم يكن هناك أي إشارة على وجود شخص موهوب في الرياضيات في شجرة عائلة ناش, حتى أنه لم يرد أي دليل يجعلنا نقول أن محيط جوني المنزلي كان مهتمًا بالرياضيات. فأمه فيرجينيا كانت مهتمة بالأدب, ووالده لم يكن ضليعًا أيضًا في الرياضيات رغم اهتمامه بمواكبة التطورات في مجالي العلوم والتكنولوجيا. فناش لم يذكر أنه قد قام مرة بمناقشة والده عن أحد بحوثه.[35] أما ما أوردته مارثا عن محادثاتهم العائلية حول مائدة الطعام فقد كانت تتمحور حول معاني الكلمات, أو ما يقرأه الأطفال من الكتب, أو عن بعض الأحداث اليومية.

     وأول قضمة قضمها ناش من تفاحة الرياضيات حدثت عندما بلغ عامه الثالث عشر أو الرابع عشر, فقد قام بقراءة كتاب إريك تيمبل بيل المذهل (رجال الرياضيات), وقام بتدوين تجربته مع الكتاب في مقال كتبه عن نفسه.[36] فقد كان كتاب بيل الذي تم نشره عام 1937 نافذة لجوني اطلع من خلالها على علم الرياضيات الحقيقي, والذي كان أشبه بمملكة تطفح رموزًا وغموضًا, وهي أبعد ما يكون عما تعلمه في المدرسة من قوانين اعتباطية ومملة في علم الحساب والهندسة, والتي رغم تفاهتها إلا أنه كان يطبقها ليتسلى أثناء قيامه بتجاربه الكيميائية والكهربائية.

     كذلك فقد أكد بيل في كتابه رجال الرياضيات على أن هؤلاء الرجال قد عاشوا حياة مبهجة – رغم أن هذه المعلومات ليست دقيقة تمامًا.[37] فقد صرح مؤلفه اللامع, والذي كان بروفيسور رياضيات في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا, أنه بدأ يشمئز من “تلفيق الأكاذيب المضحكة التي تشوه صور هؤلاء الرياضيين” مثل إظهارهم بصورة أشخاص “حالمين وقذري الثياب ذوي عقول مجردة من التفكير المنطقي السليم.” وقد أكد لقرائه أن عظماء الرياضيات التاريخيين هؤلاء كانوا رجالًا استثنائيين, ومن سلالات مغامرة وغير اعتيادية. كذلك سعى لأن يثبت ما كتبه بواسطة جمع بعض القصص القوية على سيطرتهم التعليمية والمتوحشة والمتبلدة التي تدل على نبوغهم المبكر, كذلك تناول موضوع فقرهم المدقع, ومنافسيهم الغيورين, وعن علاقاتهم العاطفية, وعن حماية السلطة لهم, وكذلك العديد من القصص فيما يخص من مات منهم مبكرًا, والذي جعل سببه نتيجة المبارزات بالسيوف. كذلك فقد استطرد كثيرًا في دفاعه عن الرياضيين, وأتى بإجابة على سؤال “كيف أصبح أغلبية الرياضيين العظماء منحرفين وفاسدين أخلاقيًا؟” فقد قال ألا أحد منهم كان منحرفًا. “فالبعض قد عاش أعزبًا دون أن يحظى بأي علاقة.. وربما كان هذا بسبب صعوبة وضعه الاقتصادي, أما الأغلبية فقد كانوا أزواجًا سعداء.. ولكن الرياضي الوحيد الذي كان في حياته أحداث قد تكون ذات أهمية للفروديين كان باسكال”.[38] أما هذا الكتاب فقد أصبح من أكثر الكتب مبيعًا بعد نشره مباشرة.

003

إريك تمبل بيل

 

     وكتاب بيل لم يكن ساحرًا فقط, ولكنه كان مغريًا فكريًا أيضًا, وهذا بسبب وصف بيل الجميل والمشوق للمعضلات الحسابية التي ألهمت الرياضيين الذين كتب عنهم في كتابه عندما كانوا صغارًا, وعن تأكيده الباعث على البهجة من أنه لا زال هناك مسائل عميقة وجميلة يمكن أن يتم حلها بواسطة صغار يهوون الرياضيات, مؤكدًا على أولئك الذين بلغوا سن الرابعة عشر. ولكن ما أثار اهتمام جوني هو المقال الذي كتبه بيل عن المأمور الفرنسي فيرما الذي كان من أعظم الرياضيين على مر العصور, والذي كان يعيش في القرن السابع عشر رغم كونه قد عاش حياة “هادئة, وشاقة, وخالية من الأحداث”.[39] أما الشيء الذي شد اهتمام جوني بفيرما – ذلك العالم الذي ساهم مع نيوتن باختراع علم التفاضل والتكامل, وكذلك اخترع الهندسة التحليلية مع ديكارت – كان نظرية الأعداد – “الحسابي الأعلى”. ونظرية الأعداد هذه “تبحث في مسألة العلاقات التبادلية فيما بين هذه الارقام الصحيحة والعادية, 5,4,3,2,1 … والتي ننطقها فورًا بعد تعلمنا الكلام”.

     وبالنسبة لناش فقد كان إثبات نظرية رياضية مثل نظرية فيرما عن الأعداد الأولية, تلك الأعداد الصحيحة والغامضة التي لا تقبل القسمة إلا على نفسها أو على الرقم واحد, كان أشبه بحالة تجلي أو إدراك. وإن عباقرة الرياضيات الآخرين, من أمثال آينشتاين وبرتراند راسل أوردوا حالات اختبروا فيها هذا الإحساس عندما كانوا في سن المراهقة. فأما آينشتاين فيذكر هذا الضرب من “الذهول والتساؤل” عندما كان في الثانية عشرة من عمره وقرأ لأول مرة عن العالم إقليدس, وقد قال عن هذا:

     إن هناك أشياء مؤكدة, فانظر مثلًا إلى تقاطع الأعمدة التي تُرسم وسط المثلث, مبتدئة من إحدى زواياه ومتعامدة على الخط المقابل لها, إنها تتقاطع دائمًا في نقطة واحدة, وهذه النقطة يمكن إثباتها مباشرة وبكل تأكيد, ولا يمكن أن يشك في حدوثها أحد. فمثل هذه الدرجة من الوضوح والتأكيد هي ما طبع على وجهي تعبيرًا لا يمكن وصفه.[40]

          ولكن ناش لم يقم بوصف مشاعره عندما نجح باكتشاف برهان ضمن نظرية فيرما للاحتمالات, وذلك البرهان ينص على أنه إذا كان ن عبارة عن أي عدد صحيح و ب عبارة عن عدد أولي, فإنه يمكن لـ ن أن يضاعف نفسه مقدار ب من المرات, ناقص ن ويقبل القسمة على ب.[41] ولكنه كتب هذه النظرية في سيرته الذاتية, ويدل تأكيده على هذه النتيجة الواقعية والمحددة والتي أدركها بعد لقائه الأول مع فيرما, أن تلك الدهشة والإثارة التي شعر بها عندما اكتشف واستخدم قواه العقلية الخاصة به, كانت السبب الرئيسي الذي جعل من هذه اللحظة لحظة أبدية لا تُنسى – مثلها مثل تلك التساؤلات التي تثيرها بعض المعاني والمواقف الغير متوقعة يوميًا. وقد أصبحت هذه الدهشة أو الإثارة شيئًا حاسمًا لكل رياضيي المستقبل. فقد وصف بيل كيف أن النجاح بحل معضلة طرحها فيرما, أدى إلى جعل الرياضي الألماني المشهور كارل فريدريك جاس يحتار في الاختيار بين وظيفتين, فقد كان محترفًا فيهما جميعًا. يقول بيل: “إن هذا الاكتشاف.. هو الذي ألح على ذلك الشاب لأن يختار العمل في مجال الرياضيات لما تبقى من حياته, عوضًا عن العمل في مجال علم اللغة المقارن”.[42]

     ورغم الصعوبة التي واجهها ناش في حل نظرية فيرما, إلا أن هذه التجربة لم تكن كافية لتجعله يرى نفسه عالم رياضيات في المستقبل. وعندما كان طالبًا في المرحلة الثانوية درس مادة الرياضيات في كلية بلوفيلد, ولكن ذلك قد حدث متأخرًا وفي سنته الأخيرة, وعندما كان قد قطع شوطًا طويلًا في نظرية الألعاب, وقد كان مصرًا على أن يتبع خطى والده فيصبح مهندسًا كهربائيًا مثله. وعندما دخل معهد كارنيجي رأى أساتذته أن من الأفضل له أن يتخطى بعض المراحل الأولى في الرياضيات لأنه كان ماهرًا فيها وليس بحاجة لدراستها من جديد, وعندها بدأ أساتذته بمحاولة اقناعه أن الرياضيات مخصصة لمجموعة مختارة من الناس وأنها تُعتبر خيارًا واقعيًا كمجال للعمل في المستقبل.

     بدأ هجوم اليابان على القاعدة البحرية في هاواي في ميناء بيرل (Pearl Harbor) في السابع من ديسمبر سنة 1941, وكان هذا في منتصف أولى سنوات المرحلة الثانوية لجوني. وبعد أيام قليلة من الهجوم, ذهب جوني وموب – اعتاد جوني أن يسمي أخته بـ موب – لتعلم الرماية باستخدام بندقية عيار 22 برفقة والدهما.[43] فقد ذهب بهما إلى قمة جبلية كانت اسلاك الكهرباء فيها قد قُطعت مسببة خطًا ترابيًا كبيرًا وسط غابة أشجار الصنوبر المبعثرة والمغطاة بالثلج. وفي تلك الأثناء كان ثلاثتهم يصوبون بندقياتهم ناحية المدينة من أسفل الجبل, مجتمعين تحت غيوم رمادية ومليئة بالسخام, وبتلك النغمة الرقيقة وذلك الأسلوب الرسمي الذي كان كثيرًا ما يستخدمه الأب مع أطفاله قال لهم أن اليابانيين لن يرف لهم جفن حتى يستولوا على موطنهم النائي والمحاط بالجبال في فيرجينيا الغربية, وذلك لأن تفجير قطارات الفحم يعتبر الوسيلة الوحيدة التي يمكن لليابانيين فيها تعطيل آلة الحرب الأمريكية الجبارة.

     إن البندقية من عيار 22 هي بندقية تصلح لصيد السناجب فقط. فلا يمكنك قتل غزال أو دب بها, كذلك قال لهم والدهم. ولكنها كانت بندقية أسهل استعمالًا وأخف وزنًا بالنسبة للنساء والأطفال. ولذلك لم يكن لديهم أي خيار آخر. ولن يرضي اليابانيين تفجير القطارات فقط. ولكنهم يريدون تدمير المدينة بالكامل, والقبض على جميع الرجال, وقتل جميع المدنيين, بما فيهم طلاب المدارس مثل جوني وموب. فإذا كان بإمكانك التصويب على هذا الهدف, سيكون باستطاعتك ايقاف شخص يحاول اللحاق بك لمدة تكفيك للهرب والاختباء في مكان حتى يأتي أحد أفراد الجيش وينقذك. وبعد سنوات, عندما بدأ جوني برؤية إشارات سرية في كل مكان من تلك الكائنات التي تريد احتلال الأرض, صدق بها وصدق أنه الوحيد القادر على إنقاذ هذا الكون, لذلك كان يعاني من القلق والارتعاش والتعرق والأرق لساعات وأحيانًا لأيام. ولكن في تلك الظهيرة المشرقة من ديسمبر, كان سعيدًا ومتحمسًا جدًا لمجرد أن يلمس بندقيته ويتحسسها.

     لقد بدأت الحرب بالزحف نحو مدينة بلوفيلد وغرب فيرجينيا وكانت أولى علاماتها سيارات النقل تلك ذات الهدير المخيف والصاخب, المتعاقبة والمحملة بأكوام من الفحم المستخرج من حقل الفحم العظيم في بوكاهانتس الواقع في الجبال الغربية – وقد كان 40% من الوقود المستخدم في تعبئة الآلات الحربية من هذا الحقل – وكذلك تلك الأفواج من القطارات المكتظة بالملَّاحين والجنود, وأبناء المزارعين ذوي الوجوه الدائرية القادمين من مقاطعتي آيوا وإنديانا, وكذلك عمال المصانع الهائجون والقادمون من بيتسبورج وشيكاغو.[44] وقد أرعبت الحرب المدينة وأيقظتها من سباتها الكئيب, وجعلت أهلها يبدؤون بملء مخازنهم وشوارعهم, مما عاد على بائعي الخردة وتجار العجلات بثروة كبيرة بين ليلة وضحاها. ولكن عدد العاملين كان أقل من المطلوب لذلك كان هناك فرص عمل للجميع. أما مراهقو بلوفيلد فقد احتشدوا في محطة القطار ليشاهدوا كل ما يحصل هناك, كذلك شهدوا تجمعات الناس التي تمت اقامتها بغرض تمويل الجيش عبر السندات المالية للحرب (حتى أن الممثلة جرير جارسون قد حضرت إحدى هذه التجمعات), وفي المدارس قاموا بإعداد حملة للأطعمة المعلبة وكذلك اشتروا سندات مالية وكتبًا تتألف من طوابع بسعر عشرة سنتات. كذلك جعلت الحرب العديد من صغار مدينة بلوفيلد متشوقون لأن يكبروا سريعًا خشية أن تنتهي الحرب قبل أن يصبحوا مؤهلين للانضمام للجيش. أما جوني فقد قالت عنه أخته أنه لم يشارك هؤلاء الأطفال بهذه الرغبة. إذ كان مهووسًا باختراع شفرات سرية مكونة من رموز هيروغليفية حيوانية وبشرية شديدة الغرابة, كما قال عنه زميل دراسة سابق, وأحيانًا أراه يزينها ويزخرفها ببعض الجمل التوراتية, مثل: رغم أن الأثرياء عظماء/ ويتنعمون بالرخاء ويقودون الدولة/ إلا أني لن أحسدهم/ وها أنا أصرح بهذا.

     لم تكن المراهقة بالمرحلة السهلة على فتى عبقري وأكبر من سنه مثل جوني, فبسبب افتقاره للكثير من المهارات الاجتماعية وعدم اهتمامه بالنشاطات الرياضية لم يستطع الانسجام مع مراهقي مدينته الصغيرة. ورغم أن الفتيات والفتيان من منطقة كونتري كلوب هيل دعوه لينضم لهم في جولاتهم وسط الغابات, وأثناء اكتشافهم لبعض الكهوف, وعندما يصطادون الخفافيش.[45] إلا أنهم وجدوا في حديثه وسلوكه وحتى في تلك الحقيبة التي يصر دومًا على حملها, ضربًا من الغرابة.[46] فقد قال عنه دونالد في. رينولدز, الذي كان يقطن في الشارع المقابل لمنزل ناش: “لقد كان الأطفال يضايقون ناش ويسخرون منه كثيرًا – وهذا بالطبع بسبب كونه بعيدًا جدًا عنهم. كذلك كانت الأحداث التي يعتبرها جوني مغامرات, ضربًا من الجنون بالنسبة لنا. حتى أننا قمنا بتسميته بصاحب العقل الضخم.”[47] وفي إحدى المرات دعاه بعض الفتية لخوض مباراة ملاكمة معهم وقد أوسعوه ضربًا فيها.[48] ولكن بسبب قامته الطويلة, وقوته, وجسارته, كان من النادر جدًا أن تتحول هذه الإغاضات إلى تنمر صريح له. أما بالنسبة له فلم يفوّت أي فرصة كان يمكن له فيها أن يثبت كيف أنه أذكى, وأقوى, وأشجع من بقية الفتيان.

     أدى الملل والعدوانية التي تصيب الشخص في مرحلة المراهقة إلى جعل جوني ضليعًا بتدبير المقالب والخدع التي تؤدي أحيانًا إلى نهايات سيئة لمن حوله. أما بالنسبة لمن لم يحبهم من زملاء صفه, فقد كان يقوم برسمهم بأسلوب كاريكاتوري غريب. وعندما كبر أخبر أحد زملائه الرياضيين من معهد ماساتشوستس للكنولوجيا أنه كان يستمتع في بعض الأحيان بتعذيب الحيوانات عندما كان شابًا.[49] وقام مرة ببناء كرسي مهتز وغير ثابت باستخدام لعبة التينكرتوي[50], وقام بتوصيله بتيار كهربائي, وحاول أن يجعل أخته مارثا تجلس عليه.[51] حتى أنه دبر مقلبًا مماثلًا لأحد الصبية من أبناء جيرانه. هذا الصبي هو نيلسون والكر, الذي أصبح رئيس الغرفة التجارية في مدينة بلوفيلد, وقد أخبر والكر مراسل الصحيفة بهذه القصة التي حدثت له مع جوني قائلًا:

     “كنت أصغر من جوني بسنتين تقريبًا. وفي أحد الأيام كنت أتمشى بالقرب من منزله في منطقة كونتري كلوب هيل, وكان هو جالسًا على عتبة باب منزله. فدعاني لأن أحضر إليه وأقوم بمصافحة يده ولمسها. فذهبت إليه, ولكن عندما لمست يده, أحسست بأقوى صعقة كهربائية شعرت بها طوال حياتي. فقد تلاعب بشكل ما ببعض البطاريات والأسلاك ووضعها خلفه بحيث أنها لا تصيبه بأي صعقات كهربائية لكني عندما لمست يده, أحسست وكأن شعلة شديدة قد أحرقتني. وبعد هذا اكتفى جوني بالابتسام لي بينما ذهبت أنا في طريقي.[52]

     وقد سببت له هذه المقالب مشاكل كثيرة وبشكل متكرر. ففي إحدى المرات تسبب جوني بإحداث إنفجار صغير في معمل الكيمياء في مدرسته الثانوية, مما جعل المدير يستدعيه في مكتبه.[53] وفي مرة أخرى, قام رجال الشرطة بالقبض عليه وعلى رفاقه بسبب انتهاكهم قانون حضر التجول.[54]

     وعندما كان جوني في الخامسة عشر من عمره, رافق كلًا من دونالد رينولدز وهيرمان كيرتشنير الذين كانا يقطنان في الجانب الآخر من الشارع, وقد كان الثلاثة يعبثون في أنحاء المنطقة حاملين متفجرات من صنع أيديهم.[55] وقد اختاروا قبو منزل كيرتشنر ليجتمعوا فيه, حتى أنهم أسموه “المعمل” الخاص بهم, حيث يقومون بصنع قنابل أنبوبية وبارودًا خاصًا بهم. كذلك قاموا بتصميم بعض المدافع من الأنابيب واستعملوها بالتصويب والإطلاق على بعض الأشياء. حتى أنهم نجحوا مرة بإطلاق شمعة بقوة شديدة لدرجة أنها اخترقت لوحًا خشبيًا سميكًا. وفي أحد الايام جاء ناش إلى المعمل حاملًا بيده فنجانًا صغيرًا, وقال بحماسة: “لقد تمكنت للتو من إعداد سائل النيتروجليسرين.”[56] ولكن دونالد لم يصدقه. فقال له “دعنا نذهب إلى جبل كريستال روك ونقوم برمي هذا السائل عبر الحافة لنرى ما سيحدث.” وبالطبع قام ناش بفعل ما اقترحه صديقه. يقول رينولدز “ولكن لحسن الحظ أن شيئًا لم يحدث. إذ كان هذا الفعل سيتسبب بتفجير كل ذلك الجانب من الجبل.” وبما أن لكل شيء نهاية, فقد انتهت عملية صناعة القنابل هذه إلى حدث مأساوي في ظهيرة أحد الأيام من شهر يناير عام 1944. ففي ذلك الوقت كان هيرمان كيرتشنير وحيدًا في المعمل, ومنشغلًا بتصميم أحد القنابل الأنبوبية, ولكنها انفجرت وتسببت بقطع شريان هيرمان. فنزف حتى توفي في سيارة الإسعاف التي أتت لتقله إلى المستشفى. أما دونالد رينولدز فقد قرر والداه إرساله إلى مدرسة داخلية في الخريف المقبل. وبالنسبة لناش, والذي لم يكن يدري إن كان والداه عالمين بتورطه في عملية صناعة القنابل هذه أم لا, فقد أيقظته هذه التجربة وجعلته يعي مقدار المخاطر التي تتسبب بها مثل هذه التجارب.

     كبر جوني دون أن يستطيع تكوين صداقة حقيقية مع أي شخص. ومثلما تعلم كيف يصرف نظره عن انتقادات والديه المستمر لسلوكه عبر التركيز على إنجازاته ونشاطاته الذهنية, تعلم كذلك كيف يصون نفسه ويحميها من الرفض عبر اللامبالاة الشديدة بالآخرين, فقد كان يستخدم ذكائه العالي ليرد الصاع صاعين على من رفضه أو أساء إليه. وعن هذا كتبت جوليا روبنسون – التي كانت أول امرأة تشغل منصب رئاسة المجتمع الرياضي الأمريكي – في مذكراتها أنها تؤمن بأن أغلب علماء الرياضيات عندما كانوا صغارًا شعروا بالغربة وبأنهم منبوذون وغير محبوبين وسط أقرانهم العاديين والمتطابقين في شخصياتهم إلى حد كبير.[57] ولأن جوني كان متفوقًا بشكل كبير على من هم في عمره, فقد كان انطواؤه, وتصرفه العنيف في بعض الأحيان ليست إلا طرقًا تعكس ما يعتمل داخله من شعور بالوحدة والريبة. فقد تسبب افتقاره للتفاعل الصريح والصادق مع بقية الأطفال من عمره بأن جعله غير قادر على “الشعور بالحيوية, وعلى الإحساس بأنه عضو حقيقي ومهم في المجتمع البشري” وهذا العنصر ساهم بحماية بقية الأطفال الذين يملكون مهارات اجتماعية عادية من الشعور بالضعف أو القوة الغير حقيقيين.[58] فلو كان الطفل غير قادر على أن يشعر بأنه محبوب ومرغوب وسط أقرانه, فإن شعوره بالقوة سيكون بديلًا مناسبًا لافتقاره للحب. ولذلك سيبقى تقديره الذاتي لنفسه سليمًا ومرتفعًا طالما بقي ناجحًا.

     اختار جوني أن يسلك الأسلوب التقليدي للهرب من قيود الحياة في مدينته الصغيرة: فقد درس بجد في المدرسة. وكذلك حضر بعض الصفوف في كلية بلوفيلد, بعد أن أصرت والدته فيرجينيا أن يفعل. كذلك كان يقرأ بنهم, مركزًا على قراءة الكتب التي تتناول مواضيع التصورات المستقبلية, والمجلات العلمية الرائجة, وكذلك الكتب العلمية البحتة.[59] وفيما بعد قال أستاذ الكيمياء الذي قام بتدريس جوني في المرحلة الثانوية لصحيفة بلوفيلد ديلي تيليجراف: “كان جون مذهلًا في حل المسائل, فعندما أكتب مسألة كيميائية على اللوح, يقوم جميع الطلاب بإخراج قلم رصاص وورقة. ولكن جون لا يبدي أي حركة. بل يبقى محدقًا في المسألة المكتوبة, إلى أن يقف بأدب ويبدأ بحلها لنا. وكان يفعل كل هذا في عقله. فلم يحتج يومًا إلى استخدام قلم رصاص وورقة.”[60] وإن قدرته الغضة على حل المسائل في عقله ساعدته فيما بعد على تشكيل أسلوبه الخاص في حل المسائل الرياضية. مما جعل زملاءه يكنون له الاحترام والتقدير. ففي ذلك الوقت الذي كانت فيه الحرب تصنع أبطالًا من بين صفوف العلماء, قدَّر زملاء جوني أنه سيصبح واحدًا من هؤلاء العلماء يومًا ما.[61]

     أصبح ناش في المرحلة الثانوية لطيفًا وودودًا مع اثنين من زملائه, جون ويليامز وجون لوثان, وكانا ابنين لأساتذة في كلية بلوفيلد, لكنه لم يصبح صديقًا مقربًا لأي منهما. وقد كان الثلاثة جميعًا يستقلون حافلة عامة في طريقهم إلى المدرسة, وكثيرًا ما ساعد جوني زميله ويليامز في فروض الترجمة اللاتينية. يقول ويليامز: “لقد كان جوني جذابًا جدًا. فقد كان شخصًا مثيرًا بحق. ولكني لا أذكر أننا قمنا بزيارة منزله في أحد الأيام. فقد كانت علاقتنا مقتصرة على التواجد في المدرسة فقط.”[62] كذلك كان الثلاثة يدبرون الخطط ليفروا من بعض الحصص قدر ما أمكنهم ذلك. وقبل الانتشار الواسع لاختبارات SAT[63], كانت هناك منظمة تُعنى باختيار الطلبة وفق تفوقهم ومواهبهم بغرض إلحاقهم بالجامعة التي تناسبهم, وكانت هذه المنظمة تقوم بزيارة مدارس المرحلة الثانوية باستمرار, وتدعو الطلاب لأداء اختبارات القبول. وقد قال ويليامز عن هذا: “لقد كنا نقوم بتأدية اختبار القبول كلما تسنى لنا هذا, فقد قضينا أغلب صباحاتنا في تأديته.”

     وقد قام الثلاثة بالتراهن في أول السنة على أن ينالوا مرتبة الشرف دون أن يفتحوا أي كتاب – ولمدة لم يتم تحديدها – وكانت هذه فكرة ناش بالطبع. فجميعهم كانوا واثقين بأنهم أذكياء جدًا, ولكن في نفس الوقت كان الطلبة المجتهدون وأولئك المفضلون لدى بعض الأساتذة يحتقرونهم وينظرون لهم بازدراء. ويقول ويليام عن هذا: “أظن أن ناش هو من دفعنا إلى فعل هذا”. وكانت النتيجة أن ناش الذي كان يحضر صفوفًا في كلية بلوفيلد بنفس الوقت, لم ينل مرتبة الشرف, لكنه كان أقل منها ببضعة أعشار من المئة, أما ويليامز ولوثان فبالكاد نالا المرتبة.

     اقترح جون الأب على ابنه أن يقدم طلبًا للإلتحاق بأكاديمية ويست بوينت العسكرية في الولايات المتحدة, وهذا الاقتراح يُظهر مدى القلق الذي كان يشعر به الأب حول إمكانية فشل ابنه جوني بتحقيق الشروط التي تقتضيها مسألة استمرار منحته, فلم يكن الابن محيطًا بأغلب المواضيع المراد اجتيازها كما تنص شروط المنحة لطلاب الكلية الموهوبين. أما مارثا فقد قالت عن هذا الاقتراح: “لا أظن بأن هذا سيعود عليه بالنفع أيضًا.”[64] وعندما طُلِب من جون أن يقوم بوصف المهنة التي تلهمه, ورغم تلك الخيالات التي قد تكون زَرعت في رأسه فكرة أن يصبح عالمًا, كتب جوني أنه يأمل في أن يصبح مهندسًا مثل والده.[65] فقد قام هو ووالده بكتابة مقالة وصفا فيها أسلوبًا متطورًا ومتقدمًا لحساب الضغط الملائم للأسلاك والكابلات الكهربائية – استلزمهما هذا المشروع أسابيعًا قضياها في أخذ قياسات ميدانية – وقاما بنشر نتائج هذا العمل بالتعاون مع إحدى الصحف التي تُعنى بمجال الهندسة.[66] اشترك جوني بعد ذلك بمنافسة جورج ويستنجهاوس وفاز فيها, فحصل على منحة دراسية كاملة, وهي من تلك الجوائز التي كثيرًا ما يتم منحها محليًا.[67] وحقيقة أن لويد شابلي, نجل الفلكي المشهور هارفارد شابلي قد ربح أيضًا جائزة ويستنجهاوس في تلك السنة, وقد جعلت عائلة ناش تنظر لإنجاز جوني بسعادة وفخر أكبر. وعلى إثر هذا تم قبول جوني في معهد كارنيجي للتكنولوجيا. وذلك لأن الحرب جعلت جميع الكليات في عجلة من أمرها فيما يخص مسألة الجداول والحصص, وكذلك جعلتها تعمل على مدار العام حتى يتسنى للطلاب أن يتخرجوا في ظرف ثلاث سنوات. وهكذا غادر جوني بلوفيلد إلى بيتسبورج, مستقلًا قطارًا يمر بمدينة هينتون, وكان ذلك في منتصف يونيو, وقبل بدء الاستعراض العسكري ليوم النصر بأسابيع قليلة, والذي كان احتفالًا بمناسبة هزيمة هتلر.

 

 

 

لقراءة الفصل الثاني من كتاب (عقل جميل)، اتبع الرابط التالي:

عقل جميل: حياة جون ناش – سيلفيا نصار / ترجمة: حنين الهطلاني

لقراءة مقدمة كتاب (عقل جميل)، اتبع الرابط التالي:

مقدمة كتاب A Beautiful Mind (عقل جميل) – سيلفيا نصار/ ترجمة: حنين الهطلاني

 

 


[1] John Forbes Nash, Jr., مقال السيرة الذاتية، جائزة نوبل عام 1994، مرجع سابق. الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
[2] “ناش مارتن،” طاقة الأبالاش والضوء الكشاف، مجلد 3 (9 سبتمبر 1924)، ص. 14.
[3] المرجع نفسه.
[4] Martha Nash Legg, مقابلة, رونوك, 7,31,95
[5] تاريخ عائلة ناش يستند على كتب الأنساب وتاريخها الإقليمي، وقصاصات الصحف التي قدمتها مارثا ليغ وريتشارد ناش، بما في ذلك تاريخ مقاطعة غرايسون. تكساس، المجلد 2 (غرايسون قرية مقاطعة الحدود، 1981) وغراهام ندروم وألان سميث، عدد غرايسون}: التاريخ المصور (فورت وورث بولاية تكساس: الناشرون التاريخيون). وتستند وقائع جون فوربس ناش، الأب في وقت مبكر من الحياة على مقابلات مع مارثا ناش ليغ وكذلك نعيه.
[6] نعي مارثا ناش (1944) م. ليغ، مقابلة، 8.1.95. ناش، مقابلة، سان فرانسيسكو، 1.7.97.
[7] م. ليج, مقابلة, 7,31,95
[8] تاريخ عائلة مارتن والحقائق عن أولى سنوات Virginia Martin مأخوذة من مقابلات مع Martha Legg وأيضًا مما ورد عنها وعن Emma Martin في سجل الوفيات وفق صحيفة بلوفيلد ديلي تيليجراف.
[9] رسالة من  John Forbes Nash, Jr., إلى Martha Legg, غير مؤرخة (1969).
[10] لإلقاء نظرة على تاريخ شرط الزواج, انظر Claudia Goldin “الوظيفة والعائلة: النساء الجامعيات يلقين نظرة على الماضي,” ورقة عمل رقم 5188
[11] سي. ستيوارت مكجيهي, مدينة بلوفيلد  1889–1988  تاريخ مجتمع بلوفيلد.
[12] المرجع نفسه؛ جون ويليامز، أستاذ علم النفس، جامعة ويك فورست، مقابلة، 8.95.
[13] جون ناش، حائز على جائزة نوبل عام 1994، مرجع سابق. الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
[14] وليامز، مقابلة، ل10.24.95؛ وليام لويس، ماكينزي وشركاه، مقابلة، 10.94.
[15] جون ناش، حائز على جائزة نوبل عام 1994، مرجع سابق. الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
[16] M. Legg,  مقابلة, بتاريخ , 8.3.95.
[17] أداة تستخدم في العمليات الجراحية. المترجمة
[18] راجع المرجع السابق
[19] John G. Gunderson, “اضطرابات الشخصية”, مرجع سابق. سبق ذكره, ص 343-344؛ ايضًا Nikki Erlenmeyer-Kimling, أستاذ علم الوراثة والتنمية, جامعة كولومبيا, مقابلة, تاريخ 1.17.98.
[20] M. Legg, مقابلة
[21] George Thornhill, مقتبس من William Archer, صحيفة بلوفيلد ديلي تيليجراف, تاريخ 10.94.
[22] بطاقات التقرير، سنوات مختلفة، قدمتها Martha Legg.
[23] John Nash, حائز على جائزة نوبل عام 1994، مرجع سابق. الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
[24] M. Legg مقابلة بتاريخ , 8.1.95.
[25] Eddie Steele, مقتبس من وليام آرتشر، صحيفة بلوفيلد ديلي تلغراف، 10.13.94.
[26] Donald V. Reynolds مقابلة بتاريخ , 6.29.97.
[27] المرجع السابق
[28] المرجع الساق
[29] M. Legg مقابلة بتاريخ , 8.2.95.
[30] المرجع السابق
[31] E. T. Bell, رجال الرياضيات، مرجع سابق.؛ Beth Umberger, منقولة من وليام آرتشر، صحيفة بلوفيلد ديلي تلغراف، 10.13.94.
[32] Janice Thresher Frazier, الاتصالات الشخصية, 9.97.
[33] أصل هذا الاقتباس غير معروف
[34] مقابلة M,Legg بتاريخ , 10.94.
[35] مقابلة Kuhn,  بتاريخ, 3.97.
[36] جون ناش، الحائز على جائزة نوبل عام 1994، مرجع سبق ذكره.
[37] Bell, مرجع سبق ذكره.
[38] المرجع السابق
[39] المرجع السابق
[40] Denis Brian, آينشتاين: حياة (نيويورك: جون وايلي وأولاده، 1996).
[41] Bell, مرجع سبق ذكره; أيضًا Kuhn, مقابلة, بتاريخ 10.21.97.
[42] Bell, مرجع سبق ذكره.
[43] M. Legg, مقابلة, بتاريخ 8.1.95.
[44] Williams, مقابلة.
[45] Donald V. Reynolds, مقابلة.
[46] مقابلات مع Peggy Wharton, بتاريخ 12.96; و Robert Holland, بتاريخ 6.9.97; و John Louthan, بتاريخ 6.21.97; وكذلك John Williams Reynolds.
[47] Reynolds, مقابلة.
[48] المرجع السابق
[49] Felix Browder, الرئيس, المجتمع الرياضي الأمريكي, مقابلة, بتاريخ 11.2.95.
[50] Tinkertoy هي لعبة مكونة من عصي ومكعبات تحوي حفر يتم ادخال العصي فيها لتركيب بعض الأشكال. المترجمة
[51] M. Legg, مقابلة, بتاريخ 11.94.
[52] Nelson Walker, مقتبسة من William Archer, صحيفة بلوفيلد ديلي تيلجراف, بتاريخ 10.94.
[53] Edwin Elliot, مقتبسة من William Archer, صحيفة بلوفيلد ديلي تيليجراف, بتاريخ 11.14.94.
[54] M. Legg, مقابلة, بتاريخ 8.2.95.
[55] Reynolds, مقابلة; وراجع أيضًا William Archer, مقالة بعنوان “Boys Will Be Boys,” من صحيفة بلوفيلد ديلي تيليجراف, بتاريخ 11.14.94.
[56] Nitroglycerin هو سائل أصفر قابل للانفجار, يستخدم في صناعة المتفجرات مثل الديناميت. المترجمة
[57] كلًا منJulia Robinson,  في  Donald Albers و Gerald L. Alexanderson, و  Constance Reid, والعديد من علماء الرياضيات, من كتاب (New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1990), صفحة. 271.
[58] Anthony Storr, ديناميكيات الخلق, مرجع سابق.
[59] M. Legg, مقابلة, بتاريخ 11.94.
[60] Vernon Dunn, مقتبسة من William Archer, صحيفة بلوفيلد ديلي تيليجراف, بتاريخ 11.94.
[61] الكتاب السنوي لمدرسة بيفار الثانوية, عام 1945.
[62] مقابلات مع ويليامز ولوثان.
[63] اختبارات تم تنظيمها بغرض قياس المهارات الأكاديمية للطالب, مما يؤهله للدخول في إحدى الجامعات الأمريكية. المترجمة
[64] M. Legg, مقابلة, بتاريخ 8.1.95.
[65] John Nash, الحائز على جائزة نوبل 1994, مرجع سابق.
[66] مقالة John F. Nash و John F. Nash, الابن, بعنوان “حسابات الضغط والانحراف للكابلات والأسلاك الممدودة باستخدام صيغة السلسلة,” الهندسة الكهربائية, عام 1945.
[67] نشرة أخبار أنكل آب, 7.45.
error: المحتوى محمي