الفخرُ بالغرائب – محمد الضامن

الفخرُ بالغرائب – محمد الضامن


في ليالي مسامرات الوزير ابن سعدان مع أبي حيان التوحيدي سأل الوزير أبا حيان في ليلته السادسة من ليالي كتابه( الإمتاع والمؤانسة): أتفضل العرب على العجم أم العجم على العرب؟. ولدفع الحرج عنه طلب أبو حيان أن يروي له ماقاله ابن المقفع لقوم من الخاصة عن سؤاله لهم: من أعقل الأمم؟. بعد روايته لجواب ابن المقفع يروي أبو حيان رأيه فيما تفاضلت فيه العرب عن الأمم الأخرى وذلك في : ( تصاريف كلامها في أسمائها وأفعالها وحروفها، وجولانها في اشتقاقاتها، ومآخذها البديعة، وغرائب تصرفها في اختصاراتها…). قبل ليلته هذه كان أبو حيان يروي للوزير كيف يذكره أبو سليمان المنطقي السجستاني حيث مدحه أبو سليمان في رسالة كتبها عنه ذاكرا فيها ثناءه على ( غريب مايرى منك) مخاطبا الوزير. هكذا لم يكن لتفاضل لغة العرب ومدح الوزير من هيبة ومعنى لولا احتوائها على الغرائب: غرائب الفعل، والمخيلة؛ فلن يتم وصف أبي حيان لمفاخر العربية بين اللغات لولا غرائب تصرفها في الكلام، هم الذين ليس لهم من فخر سوى البلاغة كما يقول عنهم التوحيدي: ( هَمَل لا عز لهم إلا السؤدد…ولا فخر إلا بالبلاغة). فما هو الدور الثقافي الذي مارسه الافتخار بالغرائب في الثقافة العربية؟!. وكيف كانت سطوته على الأذهان؟!.

لعبت هذه الفكرة دورا ثقافيا كبيرا مع تأسيس الكثير من علوم العربية: في اللغة، والشعر، كما في علوم الحديث، في التصوف، مثلما في الكتابة النثرية، وعلوم القرآن، والجغرافيا والفلك، وأدب الرحلات، كما تدل عناوين الكثير من كتب الأدب واللغة الموضوعة تحت مسى: النوادر، والغريب. ومن أمثلتها كتاب النوادر في اللغة لأبي زيد الأنصاري، النوادر لأحمد شهاب الدين القليوي، وهو مختص بعلوم الدين، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، وغريب القرآن وغريب الحديث لابن قتيبة الدينوري، وغريب الحديث لابي عبيد _ الذي كان أبوه روميا _ وجمع الجواهر في الملح والنوادر للحصري، والنوادر لابن السكيت يعقوب بن اسحاق، وكتاب الفصوص في النوادر والغريب والأدب والأشعار لصاعد الأندلسي _ توجد للكتاب نسخة محققة تحت عنوان كتاب الفصوص ت/ عبدالوهاب التازي. يصرح أبو العلاء صاعد بن الحسن الربعي البغدادي في مقدمة الكتاب عن سبب تأليفه حيث طلب منه الأمير أبي عامر محمد بن أبي عامر أن يجمع له من حفظه ( ما استلطف من نخيلة شعر وغريبة خبر، وعقيلة كلم)_والأمالي والنوادر لأبي علي القالي. وكتاب النوادر لأبي مسحل الأعرابي، وهو من أهم كتب النوادر في اللغة؛ فصاحبه من البادية وعاش في نهاية القرن الهجري الثاني، وبداية الثالث الهجري. وقد جمع مادته من العصر الجاهلي، وصدر الإسلام، وكتاب: نظام الغريب لأبي محمد عيسى بن ابراهيم الربعي من لغوي القرن الثالث الهجري، وكتاب: نكت الأعراب في غريب الإعراب للزمخشري. وللقزويني كتاب ذائع الصيت: كتاب عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات. في هذا العصر أي القرن الثاني الهجري حتى منتصف القرن الثالث اشتهر كثير من علماء اللغة والنحو بحبهم لجمع الغريب، والنادر منهم عسى بن عمر الذي لم يجمع الغريب من أفواه عرب الصحراء فقط _حيث كان يتتبعهم_ بل كان يتحدث به مع الناس حتى رويت عنه قصص فكاهية في غريب كلماتها. فقد روي أنه تعثر مرة في الطريق، بسبب عماه، وتجمع حوله صبية فقال لهم: مالكم تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جنة فزاد من تضاحك الصبية عليه!. ويقول عنه ابن قتيبة في المعارف:(كان صاحب تقعير في كلامه، واستعمال الغريب فيه، وفي قراءته). ولقصة ابن عيسى صيغة أخرى يرويها الجاحظ في بيانه وتبيينه عن أبي علقمة النحوي يقول فيها:( مر أبو علقمة النحوي ببعض طرق البصرة، وهاجت به مِرَّةٌ، فوثب عليه قوم فأقبلوا يعضون إبهامه ويؤذنون في إذنه، فأفلت منهم فقال:( مالكم تتكأكئون عليّ كما تكأكئون على ذي جِنَّة، افرنقعوا عني)، وتعليقا عليها يقول الجاحظ:( فحديث أبي علقمة فيه غريب). وعن يحيى بن يعمر الذي عُرف بأنه لا ينطق بكلام إلا كان غريبا يقول الجاحظ:( وليس في كلام يحيى بن يعمر شيء من الدنيا الإ أنه غريب، وهو أيضا من الغريب بغيض). لقد دافع الجاحظ عن بلاغة لا تستند في جمالها بفخرها بتدبيج غرائب اللغة؛ لذلك نجده ينتقد أصحابها في بيانه بقوله:( فإن كانوا إنما رووا هذا الكلام لأنه يدل على فصاحة فقد باعده الله من صفة البلاغة والفصاحة. وإن كانوا إنما دونوه في الكتب، وتذاكروه في المجالس لأنه غريب، فأبيات من شعر العجاج وشعر الطرماح وأشعار هذيل، تأتي لهم مع حسن الرصف على أكثر من ذلك).

  إن محقق كتاب غرائب الفنون وملح العيون _ المهدي عيد الرواضية _ يشير في مقدمته الى ذروة تطور انتشار كتب الغرائب والعجائب المختصة بوصف المخلوفات والبلدان في القرنين السابع والثامن الهجريين، وهي الفترة التي ظهر فيها كتاب القزويني: عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات. لكن بصدور كتاب ابن الوردي: خريدة العجائب وفريدة الغرائب أخذ شهرة أوسع من كتاب القزويني مع أنه يروي عنه، وينقل منه. ينتقد حاجي خليفة في كتابه _ كشف الظنون  _ هذه النوعية من التآليف، واصفا أصحابها بذوي العقول القاصرة؛ كأمثال ابن الوردي. ولأن الشعر كان سيدا في ابتكار الغريب وتأليفه حيث اشتهر به أبو تمام، والمتنبي الذي عد استخدامه له من معايب شعره _ وسأتطرق لهذا لاحقا _ فإن علي بن ظافر الأزدي المصري يجمع لنا غرائب تشابيه الشعراء في كتابه:( غرائب التنبيهات على عجائب التشبيهات ). ومن كتب الغرائب أيضا كتاب الغرائب لأبي جعفر البرقي الكوفي، وكتاب البستان في النوادر والغرائب لأبي حامد الإسفرايني، وكتاب تحفة الغرائب وكشف العجائب لعز الدين ابن الاثير الجزري، وغرائب الأول وعجائب الدول للغزالي ( مخطوط)، وكتاب الغرائب وكشف العجائب لعلي الآمدي، وكتاب غرائب العجائب وعجائب الغرائب، وكتاب غرائب الإغتراب ونزهة الألباب لشهاب الدين الألوسي الحسيني، وكتاب عجائب الغرائب وغرائب العجائب لتقي الدين الناشري، وكتاب تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار لمحمد اللواتي الطنجي( المشهور  برحلة ابن بطوطة)، وكتاب تحفة الملوك والرغائب لما في البر والبحر من العجائب والغرائب لأحمد المحلي، وكتاب تحفة الغرائب للمولى علمشاه ابن صاجلي أمير، ولابن البيطار عالم النبات المشهور:( كتاب الأفعال الغريبة والخواص العجيبة). وثمة كتب غير مختصة بالغريب، لكنها تفرد له بابا، أو فصلا في متنها، كحال كتاب الفاضل للمبرد:( باب نوادر من غريب ولغة) و( باب شعر وغريب ولغة). وكذلك كتاب بهجة المجالس وأنس المجالس لابن عبد البر القرطبي يخصص بابا لذمه:( باب في اجتناب اللحن ..وذم الغريب في الخطاب). وفي كتاب أبي بكر الغرناطي( حدائق الأزاهر) بابا في النوادر المستغربة، وفي الحديقة السادسة في الحكايات الغريبة والآخبار العجيبة. كما يخصص كتاب تذكرة ابن العديم بعض الفصول فيذكر في أحدها: غرائب الاتفاقات في أنس الطيور ببني آدم، أو أبياتا في وصف الغريب، وكذلك كتاب ابن عبد ربه الشهير( العقد الفريد) الذي يضع في مجلده الثاني: بابا في الغريب والتقعيب، وكذلك يحدثنا كتاب( البحر الزاخر في علم الأول والآخر) لابن تغري بردي الأتابكي في أحد أبوابه عن: عجائب مصر وغرائبها. ومنهم من يعتمد في مصادره على بعض كتب الغريب مثل كتاب البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي الذي يذكر ثلاثة كتب في الغريب: الغريب لأبي عبيدة، وغريب الحديث، والغريب المصنف وكلاهما لأبي عبيد القاسم بن سلام. ومن الكتب من تتبع غرائب السلوك مثل كتابي الجاحظ: حيل سراق الليل، وحيل سراق النهار، حيث يتتبع فيهما كما يذكر الجاحظ في مقدمة كتابه: (البخلاء) (غرائب الحيل). ومن العصر المملوكي ثمة كتاب لشمس الدين النواجي بعنوان: تأهيل الغريب، وهو كتاب مختارات شعرية في( الغزل)!. وقد ألفه النواجي لمعارضة كتابي ابن حجة الحموي: تأهيل الغريب الشعري، وتأهيل الغريب النثري في الموضوع ذاته. لكن شهرة النواجي جاءت من كتابه: الكميت. وهو كتاب في غرائب آداب الخمريات، حيث يقول مؤلفه فيه:( نظمت به شمل كل غريب ليكون هذا المجموع مفردا وسللت سيف الإختراع من غمده ونصلته من كل ذهن كليل لئلا يظهر على متنه صدا). وللراغب الأصفهاني كتاب: المفردات في غريب القرآن. ويروي ابن بسام في كتابه:( الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) فصلا عن غرائب أشعار الناقد الشهير ابن رشيق القيرواني وعجائب أخباره. ولشبيل بن عرعرة الضبعي _ من خطباء الخوارج _ قصيدة الغريب. أما أبو منصور الثعالبي فيقول عن كتابه: لطائف المعارف:(هذا كتاب في لطائف المعارف وظرائفها، وغررها وغرائبها ونكتها وعجائبها). ومن التقاليد التعليمية في التراث العربي نظم العلوم والقواعد ليسهل حفظها وتلقينها للطلاب، وهذا مايقوم به ابن المنير _في القرن السابع الهجري_ شارحا غريب القرآن نظما، في كتابه: التيسير العجيب في تفسير الغريب!. ويلتقط ابن حجر العسقلاني غرائبه في الحديث من الهوامش في كتابه المخطوط: الغرائب الملتقطة من مسند الفردوس مماليس في الكتب المشهورة. ومن مغاصات المتصوفة يخرج علينا تلميذ ابن عربي الإمام العارف بالله عبدالكريم الجيلي برسالة: الإسفار الغريب نتيجة السفر القريب، وله كتاب مفقود يقول عنه في كتابه( الإنسان الكامل) بضرورة فهمه لمن أراد استيعاب ( الأنسان الكامل) وهو كتابه: قطب العجائب وفلك الغرائب. ولابن الأثير المؤرخ المعروف كتاب مخطوط وهو يماثل كتاب القزويني في موضوعه: تحفة العجائب وطرفة الغرائب يتأمل فيه غرائب الخالق من نجوم وسماوات وكائنات البر، والبحر. وفي الفقه أيضا ثمة غرائب نجد أحد أمثلته في فترة متأخرة_ في القرن العاشر الهجري_عند أحد علماء الهند، وهو أحمد زين الدين المعبري المليباري، حيث يضع مؤلفا بعنوان: الأجوبة العجيبة عن الأسئلة الغريبة. وهو صاحب كتاب: تحفة المجاهدين في أحوال البرتغاليين الذي يدون فيه مجازر الغزو البرتغالي لسواحل الهند( ماليبار)، وهو فيه أيضا يدون شيئا من غرائب عقائد أهل ماليبار!. وفي التاريخ أيضا لدينا كتاب غرائب الأثر في حوادث ربع القرن الثالث عشر لياسين خير الله العمري الموصلي. وفي العصر الحديث حين ينظر الإنسان إلى قرون ماقبل الميلاد فإنه يستغرب، لذا يخرج علينا بكر محمد إبراهيم بكتاب عن: غرائب وعجائب الفراعنة!. أما كيف وصلتنا أخبار وآثار الماضين؟. فقصص ضياعها ووجودها لايخلو من غرائب، لذلك يرويها لنا الدكتور فاضل جابر ضاحي تحت عنوان: أغرب الأخبار في ضياع الحقائق والكتب والآثار!. ويتتبع حميد السعفي وجود العجيب والغريب لدى المفسرين في كتابه: العجيب والغريب في تفسير القرآن. وفي بداية القرن العشرين كتب الباحث السوري المعروف محمد كرد علي كتابه حول: غرائب الغرب، وكما كتب محمد عبدالله الشنقيطي كتابه عن غرائب المفسرين حديثا:( من غرائب المفسرين في أواخر القرن العشرين) . وكان المتقدمون كما يذكر زكي مبارك في مقدمته لكتاب: زهر الآداب وثمر الألباب لابي اسحاق القيرواني لا يصفون زهر الآداب إلا بأنه:( جمع كل غريبة) وهو وصف عامر بالفخر. ومن النصوص النادرة والفريدة التي يستشهد بها، ويتفحصها كشاهد على معرفة العرب فن المسرح أ. ش. موريه في كتابه (المسرح الحي والأدب الدرامي في العالم العربي الوسيط) نص ابن دانيال( عجيب وغريب)  في القرن الثالث عشر _ وقد استعرضه شوقي عبدالحكيم في موسوعته عن الفلكلور والأساطير العربية _ وفي صلب الادب العربي الحديث يخرج علينا ايمل حبيبي بروايته المقلقة، والشهيرة:( الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل)!، وقبله كتب عبدالرحمن بدوي نشيده الوجودي: (نشيد الغريب) الذي يمكن عد انشاده لغربته من باب الفخر الوجودي الذي ضاهاه من قبل أبو حيان التوحيدي في ( اشاراته الإلاهية) حيث قلب وجوه معنى ( الغريب) للمدى الذي يجعل كل إنسان يقرأه لا يتمنى إلا أن يكون بفخر غريبا!. واستمرارا لطريقة القدماء في كتابة الحكايات، والسير الغريبة يكتب الإعلامي نجم عبدالكريم كتابه:( أدباء من العالم، غرائب مأساوية، سير وحكايات).

من كل هذه القائمة التي تبدو لي مختصرة يتضح لنا التغلغل البليغ لظاهرة الغريب في الثقافة العربية، وهي من العمق بيحث يمكن القول بأنها سمة من سمات الحضارة التي يشهد عليها حضورها المتنوع في كافة أشكال الكتابة وتطورها، وكأن الحضارة حين تفرز هذه الظاهرة تعبر عن الطموح اللامحدود الذي ترغب بالوصول إليه، حيث الغرائب هنا في كافة تمظهرها تحيل إلى البعيد كأقصى مايمكن بلوغه، لكنها سترمز هذا الطموح اللانهائي في غرائب الأحلام عن الحياة كما لم يعشها أحد ك( جنات الخلد) _ انظر رواية عبدالله بن سلام عن أهل الجنة في كتاب العظمة، الأدب العجائبي والعالم الغرائبي كما يطلق عليه محققه كمال أبو ديب_ كما أنها رافقت التحولات الدينية في تصوراتها الماورائية والطقسية، وفي ذروة النماذج الكتابية الأدبية، وفي أشكال المتع الغريبة التي يتتطلبها الملك والثراء!. وهي من العمق في الثقافة العربية حتى تشكّٓل مايمكن تسميته (جماعة الغريب) كتيار ثقافي أعطى ثقله، وتصوراته التي مازالت شاهدة في مدونة التراث. ولنا في تصريح الجاحظ في كتاب الحيوان شاهدا على هذا التيار حين يحددهم بأصحاب الغرائب في قوله:( ويزعم أصحاب الغرائب أن العلاجيم منها الذكورة السود). ويمكن القول بأن كتاب الحيوان نفسه يقف شاهدا على الظاهرة. إذ يستعرض الجاحظ عبر كتابه الضخم طبائع الحيوان وحياته، وغرائبه حيث سيروي لنا (شعر الحكم بن عمرو في غرائب الخلق)، وكذلك سيذكر:( جملة القول في نصيب الضِّباب من الأعاجيب والغرائب)؛ لكنه سيجادل (أصحاب الغرائب) كما يصفهم بمنطق ينحاز للعقل _ هو المعتزلي العنيد في جداله _ إذ يقول معلقا تحت عنوان ( اختلاف أحوال الناس عند سماع الغرائب) : ( والحق الذي أمر الله تعالى به ورغب فيه، وحث عليه أن ننكر من الخبر ضربين: أحدهما ماتناقض واستحال، والآخر ما امتنع في الطبيعة، وخرج من طاقة الخلقة. فإذا خرج الخبر من هذين البابين، وجرى عليه حكم الجواز، فالتدبير في ذلك التثبت وأن يكون الحق في ذلك هو ضالتك، والصدق هو بغيتك، كائنا ماكان، وقع منك بالموافقة، أم وقع منك بالمكروه. ومتى لم تعلم أن ثواب الحق وثمرة الصدق أجدى عليك من تلك الموافقة لم تقع على تعطي التثبت حقه) هذا التعليق الطويل نسبيا يضعنا في صلب حوار كان دائرا في الثقافة _ كما يُفهم من جدال الجاحظ _ حول الغرائب التي يشحذ لها الجاحظ همته مدافعا عن التثبت، والتحري فهو يقول بأن ( هؤلاء وما أشبههم يفسدون العلم، ويتهمون الكتب، وتغرهم كثرة أتباعهم ممن تجده مستهترا بسماع الغريب، ومغرما بالطرائف والبدائع. ولو أعطوا مع هذا الاستهتار نصيبا من التثبت، وحظا من التوقي؛ لسلمت الكتب من كثير من الفساد). مع ذلك فإن همة الجاحظ وخطابه العقلاني لايبدو أنه ناجع مع خطاب وصفه سهل بن هارون بأنه طبيعة بشرية ف( الناس موكلون بتعظيم الغريب، واستطراف البعيد) وهي كلمة يرددها الجاحظ عن سهل بن هارون في بيانه وتبيينه. مع ذلك لا يعارض الجاحظ خطاب الغرائب، لأنه في صلب بيانه، ومقدسه حيث يفاضل بين الإنسان، والحيوان فيما قسم بينهما من قدرات حيث يدرج تحت عنوان( ماعجز عنه الإنسان مما قدر عليه الحيوان) فضائل الحيوان على الإنسان بما ( أودع صدور صنوف سائر الحيوان، من ضروب المعارف، وفطرها عليه من غريب الهدايات..)؛ لكنه يكافح الاستهتار بالغرائب، وكأنه يسعى للحفاظ على وهجها، وإجلالها من الاسفاف عبر خطاب عقلاني، على الرغم من أنه يتناقض مع خطاب لا عقلاني بُنيت عليه فكرة الغرائب. وهو ما يتسرب له في معرض بيانه أثناء رده على من انتقد استعمال العرب للمخاصر والعصي أثناء الخطب فما كان من الجاحظ وهو يعدد محاسنها إلا أن يقول بأنها ربما كانت:( من غرائب الخشب ومن كرائم العيدان..). وفي حكاية عن الشرقي يرويها الجاحظ أيضا في بيانه في معرض بيانه لمحاسن العصا أن الشرقي صحب فتى تغلبيا من ولد عمرو بن كلثوم كانت بيده عصا، وحين سأله عن شأنها معه ذكر له موسى بن عمران وأمر عصاه، وأنه قيل له:( ألق عصاك) حين صار بالوادي هكذا : ( جعل الله جماع أمره في من أعاجيبه وبرهاناته في عصاه، ثم كلمه من جوف شجرة ولم يكلمه من جوف إنسان ولا جان). يروي الجاحظ الرواية دون أن يمد لها عصا عقله بل استعملها كغرائب محاسن العصا بوصفها من أعاجيب الخالق!. فأن يحكي الشخص حكاية مشتملة على أحداث توصف بكونها غريبة توحي لنا بأن الراوي جاء بما لم يُقل والتقط مالم يُر من قبل. فهو سعي لاستعراض أقصى مدى تبلغه أحداث الحياة، والعالم؛ وكأنه يحاكي قدرة إلهية تحكي الكون كما ترد في حكايات الكتب المقدسة!.

إن خطاب الغرائب أشد سطوة على الذهن من خطاب التعقل الذي يكافح من أجله الجاحظ، وذلك لارتباط الغرائب بالمقدس، وطقوس بدائية عن حكاية اكتشاف الإنسان للعالم، وبالتالي تحول الغرائب إلى مفردة رمزية عن علاقة الإنسان بالعالم محفوفة بهالة سحرية، وغيبية استثارت الدهشة، والخوف في الإنسان منذ القدم!. وعلى هيبة سحرها بنى تصوراته عن العالم. هذا الخطاب الذي مازال يتواجد في خطاب العلم عن العالم الذي يقول عنه رتشارد دوكنز في أحد أفلامه الوثائقية عن نظرية التطور بأنه مليء بالغرائب أكثر مما تحدث عنه الكتاب المقدس الذي ينبني على خطاب غرائبي عن الكون باعتباره أعجوبة الخالق!. من هنا يجد العلم دافعه الأقوى من أجل الفهم هي الظواهر الغريبة التي مازالت لغزا محيرا. هكذا يقول المفكر ج. ستورس هول المختص في تقنيات النانو الجزيئية عن عالم الكم : ( عالم الكم عالم غريب عصي على الفهم. وغرائزنا في طريقة عمل الأشياء تتشكل في العالم الأكبر حيث توجد الأشياء، وحيث يجب أن تحدث الموجات في شيء ما، مثل الصوت في الهواء أو على سطح الماء. ينطبق في عالم الكم كل من هذين الوصفين إلى حد ما على كل شيء، فشيء ما يبدو وكأنه جسم ما، مثل الإلكترون، لكنه يستطيع التصرف كأنما هو في عدة مواضع، أو أنه يتحرك في اتجاهات مختلفة، أو أنه يمتلك طاقات مختلفة في وقت واحد. وتدعى هذه الخاصية الغريبة تراكب الحالات) _ من كتابه( المستقبل النانوي) _ هذا السلوك الغريب للظواهر هو بلا شك أقوى دافع للإدهاش، والحيرة لعالِم يعيش في القرن الواحد والعشرين، وينظر أيضا لمستقبل الحياة بقيادة تقنيات النانو التي ستملأ الحياة بالغرائب كما يتحدث عن انجازاتها ستورس في كتابه، فكيف يكون عليه حال الإنسان من آلاف السنين، وهو يستقبل العالم كصدمة غريبة على وعيه، حتى تحول الوعي بها مع الحضارات إلى مفاخر تدل على امتلاك لغز العالم وكنوزه!؟.

 فالغريب، والحوشي، والشاذ إذن كلمات كان النقاد، ورواة الشعر القدماء يعيبون بها على الشعراء المغرقين استخداما لتلك الألفاظ، والتراكيب الغريبة، مع أنهم أكثروا من البحث عن النادر الغريب!. ففي رأي الجاحظ أن رواة الشعر لا يكترثون بشعر ليس به غريب كما يقول في بيانه:( ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج). وبتراكم هذا التقليد صار بينهم اختلاف في تحديد المقصود بنادر الكلام وغريبه: هل بسبب اختلافه عن القياس، أم قلة الاستعمال؟!. وشاعت وصية تتضمن إضافة على التنبيه من طلب الدِّين بالكلام ،التنبيهِ على متتبع الغريب في الحديث بحيث تنفي الصدق عنه كما يروي لنا التوحيدي في إمتاعه، ومؤانسته:( ومن تتبع غرائب الحديث كُذب). إلا أن متتبعيه كثر. وقد طالت الأيام في استعماله وهو ربما مايثبت هذه الوصية كما يقول التوحيدي تعقيبا عليها:( وما شاعت الوصية جزافا، بل بعد تجربة كررها الزمان، وتطاولت عليها الأيام). فبيان شيوعه يتبين أيضا حين يطلب وزير، أو خليفة عملا من أحد الأدباء، والعلماء فلا يطلب ما باليد، ولا يسعى الأديب إلى المتداول إذا استجاب لطلبه؛ بل يوصيه بأن يكون لاما للغريب كما في طلب الوزير ابن سعدان حين طلب من التوحيدي في نهاية إحدى مسامراته معه أن يحدثه إذا جاءه في الليلة القادمة عن:( غرائب أخلاق الحيوان). هكذا شق خطاب الغرائب مخيلة الأدباء، والعلماء حتى صار بعضهم تذهب به همته في طلبه إلى مزيد من التقول في الكذب العامر بالغرائب بشهادة التوحيدي في قوله عن أبي علي مسكويه:( وله بعد ذلك مآخذ كشدوٍ من الفلسفة…وغرائب من الكذب…).

 لقد امتلأت الهمة في طلب المعرفة بهذه التصورات بوصف الغرائب السقف العليا للمعرفة احتذاء برمزية الغرائب كتعبير عن معجزة الخالق في الخلق _ كما سبق القول _ على الرغم من أن خطاب القرآن لم يستعمل مفردة الغرائب بل رديفتها: العجائب!. هذا التطاحن، والتسابق فضاح أيضا لمن كان امتلاكه لناصية العلم، وغرائبه عن حق وطبع، أم ادعاء وتكلف. مثلما نجد في تعليقات أبي حيان التوحيدي عن ذي الكفايتين، وهو ابن لابن العميد الكاتب الذي يعيبه التوحيدي، ويفضل ابنه ذا الكفايتين عليه؛ لكنه لا يسلم من نقده، إذ يقول فيما يخص تتبعه للغرائب:( وكان مع هذا أشد الناس ادعاء لكل غريبة). ومن شدة ادعائه للغريب صار حسودا لمن يجيده فقد:( كان أحسد الناس لمن خط بالقلم…أو أغرب في جواب).

كانت مجالس العلماء هي المسرح الثقافي الذي يجري فيه تداول قصص الشغف بغريب اللغة، ومفاخره التي يمكن الاستئناس بها_ كما يقول الأسلاف _ منها ماينقله لنا الزجاجي في كتابه( مجالس العلماء)، عما حدث في مجلس الأصمعي مع أبي توبة مؤدب أبناء سعيد بن سلم. فقد جاء الأصمعي البصرة ونزل على سعيد، فاجتمع به يوما وأخذ يسائله، فدعا سعيد بأبي توبة:( فجعل أبو توبة إذا مر شيء من الغريب بادر إليه، فيأتي بكل مافي الباب أو أكثره). لقد عجز حينها الأصمعي عن مجاراته في الغريب. فغير الجهة إلى المعاني، فسأل أبا توبة عنها، فقال له سعيد:( لا تتبعه يا أبا توبة في هذا الفن فإن هذه صناعته). إن المجالس هذه كما يرويها الزجاجي بين اللغويين، والنحاة، والإخباريين، والنسابة، والقادة، والخلفاء، والأمراء هي ساحة للمفاخر، وطلب الرئاسة، والحظوة عند الخاصة. وهذا مانلقاه في حكاية يعقوب بن السكيت الذي يتعمد مرات حضور مجالس شيوخه، وغيرهم والإشكال عليهم، وتخطئتهم حتى قال عنه الأثرم صاحب الأصمعي حين اعترض عليه في تصحيف كلمة فقال الأثرم:( إنه يريد الرياسة).

يعترف الأصمعي الراوية الشهير، و( إمام الانثروبولوجيا العربية) كما يلقبه الباحث العراقي فاضل الربيعي في رواية ينقلها لنا العقد الفريد لابن عبد ربه بسعيه لجمع الغريب، حيث يقول في سياق حكايته لقصة طويلة عمن أخذ منه:( كنت أختلف إلى أعرابي أقتبس منه الغريب…). عاش الأصمعي في عصر شكل أساسات المرويات الشعرية، وماضي العرب التي يطلق عليها في الأدبيات( أيام العرب). وتحت حمى هذا الإزدهار نافس، وخاصم الراوية الكبير أبا عبيدة معمر بن المثنى، حتى ليسخر المعري في رسالة الغفران من دخولهما الجنة سخرية متهكمة، عن كيفية تحول حقدهما على بعض إلى أخوة في الجنة سيقارنها بنماذج أخوية سابقة عليهما؛ لكنها لم تطأ عتبات الجنة لعدم ادراكها الإسلام، وذلك حين يقول في رسالة الغفران:( وأبو عبيدة صافي الطوية لعبد الملك بن قريب_ يقصد الأصمعي_ قد ارتفعت خلتهما عن الريب؛ فهما كأربد ولبيد أخوان، أو ابني نويرة فيما سبق من الأوان)!. مع ذلك فإن في منجز معمار مرويات الثقافة العربية كان الأصمعي أحد بناتها الكبار!. لكن كيف أنجز الأصمعي هذه المكانة التي يتمتع بها في الثقافة العربية؟!. إن سياق حضور الأصمعي الثقافي، والتاريخي كان مشغولا بالجمع والتدوين، وفي صلب اهتماماته، ومعاصريه كان جمع( الغريب) كما تشير الرواية السابقة. هذا الشغف بالغريب هو مصدر المكانة، والمفاخر بتلك الكنوز التي كانت مخبأة في جيوب البعيدين عن الحواضر من الأعراب. كما كان الأصمعي يجمع الحكايات الغريبة التي يسمعها، أو تحدث معه، فيسعى بها إلى الخليفة ليقصها عليه، حيث آذان، وعيون الخليفة، وحواسه تواقة لكل غريب أيضا. فهناك الكثير من حكايات التجار والبحارة _ أوالبحريين كما يسميهم الجاحظ، وصاحب كتاب عجائب الهند _ ترويها لنا بعض كتب التراث ككتاب عجائب الهند لبزرك بن شهريار الرامهرمزي. أن الخلفاء تصلهم أخبار البضائع الغريبة، وكذلك الحيوانات الغريبة، فيسعون للفوز بها، بل نجد التجار هم المبادرون لتقديمها للخليفة، فالخليفة يمثل الهرم الأعلى لسلطة المال الذي لا يشبع رغباته سوى الغرائب!. فقد جلب أحد البحارة كما يذكر صاحب عجائب الهند من إحدى جزر الهند نملة سوداء بحجم السنور _ القط _ وضعها في قفص، وجاء بها للخليفة المقتدر، وكذلك حكاية الدرة اليتيمة التي أخذها صاحبها من عمان للرشيد في بغداد والتي يقول عنها صاحب عجائب الهند:( وحدثني غير واحد من البحريين بأمر الدرة المعروفة باليتيمة وإنما سميت باليتيمة لأنه لم يوجد لها أخت في الدنيا). ولا ندري هل أخذ الثعالبي عنوان كتابه( يتيمة الدهر) الذي كتبه سنة ٣٨٤ه من حكاية هذه الدرة اليتيمة، فحكايات عجائب الهند أسبق في الزمن، حيث يقول كراتشكوفسكي صاحب كتاب تاريخ الأدب الجغرافي العربي أن القصاص والرواة في كتاب عجائب الهند ينتمون إلى فترة ٢٨٨ه . فمثلما كان هؤلاء التجار، والبحارة يسعون بغرائبهم للخليفة، فالأصمعي كحالهم. فقد نقل لنا أبو علي المحسن بن علي التنوخي في كتابه:( المستجاد من فعلات الأجواد)، حكاية عن الأصمعي تعطينا تصورا عن هوس الأصمعي بجمع ليس غريب اللغة فقط بل غرائب الحكايات. فبعد أن حدثت للأصمعي حكاية مع أحدهم كما ينقلها التنوخي قال:( فقلت والله لأتحفن أمير المؤمنين بهذا الخبر، فما مر بي مثله فجئت إليه). لكن مايفاجئنا هو تصريح الأصمعي بمفاخره في رواية شاردة، وغامضة في باب الطلاق يرويها ابن عبد ربه في العقد الفريد على لسان ابن أخ الأصمعي حيث تقول الرواية:( محمد بن الغاز قال: حدثني عبدالرحمن بن محمد ابن إخي الأصمعي قال: سمعت عمي يقول: توصلت بالملح، وأدركت بالغريب). الإدراك كما يعرفه لسان العرب هو الوصول إلى المبتغى، والمنتهى. يقول اللسان:( أدرك الشيء: بلغ وقته وانتهى). يلمح تعبير الأصمعي إلى ثقة كبيرة ببلوغ موقعه، ومكانته كرجل معرفة، وأدب، وأنه بلغه حتى المنتهى؛ كأن لم يبق من شيء في الشعر واللغة، وأيام العرب لم يدركه!. وهو كلغوي لا يمكن أن نهمل استعماله لفعل (أدرك) دون أن نستشعر إشارته المتقصدة لمكانته في الأدب العربي، وكل هذا لم يكن إلا لأنه كان مدركا للغريب!، حيث الحظوة لا معنى لها دون أن يكون قلبك لاما للنادر الغريب، الذي لا يتهيأ لقلب أي أحد، فكأن غاية الحياة هي إدراك ما لايدرك، وما لا يدرك هنا إلا بمشقة هو اكتناه الغريب إذ شحذ الذهن يمر بطريقه مثلما تخبرنا هذه المرويات!.

يحدد القاضي الجرجاني في كتابه: الوساطة بين المتنبي وخصومه ابتداء اشتغال الغريب في الشعر مع شعر المحدثين. فبرأيه أن العرب كانت تفاضل في الشعر حسب جزالة اللفظ واستقامته، وسبقه في المعاني، وكثرة شوارد أبياته وأمثاله، فلم يعبؤوا بالتجنيس، والمطابقة وفنون البديع. لكن حين وصل شعر القدماء إلى أيدي المحدثين، فكيف استقبلوه وهضموه!؟. يقول الجرجاني:( رأوا مواقع تلك الأبيات من الغرابة والحسن، وتميزها…فتكلفوا الاحتذاء عليها). إن الجرجاني كما غيره يقرون حكما على استعمال الغريب، فيشرطونه بعدم التكلف كما رأينا في دفاعات الجاحظ في استعماله، لذلك يعذرون الشعر الجاهلي لأن الشعراء ساروا فيه بسليقتهم، دون أن تكون لهم هم الصنعة. وهو رأي يقره ابن رشيق القيرواني في كتابه: العمدة. حيث يعلق على بيت للمتنبي معيبا عليه استعماله للغريب:( وهذا مع غرابته وتكلفه غير محمول على ضرورة يكون فيها عذر). وكذلك يشير الجرجاني صاحب كتاب: أسرار البلاغة، إلى أن شرط اللفظ المستحسن:( لا يكون وحشيا غريبا). إن مسلسل النقد هذا بين نقاد الشعر، والشعراء في استعمال الغريب يأخذه الناقد المشهور عبدالقاهر الجرجاني الى جدل علم الكلام؛ ليحاجج به المعتزلة، وذلك في كتابه الذائع الصيت: دلائل الإعجاز. نافيا أن يكون سبب إعجاز القرآن هو توارد الغريب فيه. فهو يقر أيضا بأن الغريب في القرآن قليل!. و يعلل استعمال الغريب في القرآن بقوله:(إنما كان غريبا من أجل استعارة هي فيه). ويحاجج  في ذلك، بأنه لو كان الغريب مما يتحدى به في الإعجاز لكان في قدرة الشخص العالم بالغريب أن يأتي بمثله. إن الملفت في الأمر أن التأليف فيما سمي بعلم الغريب في القرآن يكاد لم يمتنع أيُ لغوي، أو مختص بعلوم القرآن أن يؤلف في غريب القرآن، فقائمة الكتب المصنفة فيه طويلة جدا، وأحد الذين يذكر لهم التاريخ أربعة كتب في الغريب _ غرائب الحديث، والعشرات في غريب القرآن، ويوم وليلة في اللغة والغريب، وياقوتة الصراط في تفسر غريب القرآن _ وهو أبو عمر البغدادي المشهور بغلام ثعلب ( وثعلب اللغوي الراوية الكوفي المعروف صاحب كتاب مجالس ثعلب وهو أستاذه) يقول عن كتابة( ياقوتة الصراط في تفسير غريب القرآن) معاصره _ غلام ثعلب من علماء اوائل القرن الرابع الهجري وتوفي قبل الجرجاني فالجرجاني ت سنة ٤٧٤ بينما ابو عمر ت_٣٤٥_ أبو منصور الأزهري:(هو كتاب حسن، وفيه غرائب جمة، ونوادر عجيبة). فكلام الأزهري يعطي دلالة على أن غريب القرآن الذي تم جمعه في كتاب غلام ثعلب كثير، وهو مما يثير العجب أيضا ويفتخر به!. إن احتجاج الجرجاني بإعطاء قيمة أقل لظاهرة الغريب في القرآن لاينفي تلك الرغبة الحردة التي حركت الكثير من العلماء للحديث عنه، والتفاخر به كدليل على فصاحة القرآن وعربيته وعلى قداسته، باعتبار الغريب كان أقرب للغة العرب فلم يكونوا يستغربونه حين كانوا يسمعونه من فم الرسول كما يشير محقق كتاب الياقوتة، وإنما صار الكلام غريبا حين دخل الموالي في الإسلام وابتعدت لغة القرآن عن فهمهم وصارت غريبة، فانكبوا على تفسيره. وهذا ما تمت الإشارة له، وهو أن الذين انهمكوا بالغريب غرباء على العربية، كحال محقق كتاب غلام ثعلب _ ياقوتة الصراط_ محمد بن يعقوب التركستاني!.

لقد اشتهر اللغوي كلاع النمل( أبو الحسن الهنائي) بكتبه عن الغريب في اللغة، منها أمثلة الغريب، والمنتخب من غريب كلام العرب، إضافة إلى كتابه المجرد الغريب. إن الفترة الزمنية التي جمع فيها كلاع النمل، أو ابن عيسى، وسائر المشتغلين في اللغة، والأدب العربي كانت فترة هجر فيها الناس الكثير من الألفاظ بفعل التأسيس لحضارة جديدة انصهرت فيها كل التراكمات الثقافية السابقة عليها. وبفعل التغير الديموغرافي الناتج عن الهجرات، وبناء مدن مركزية للدولة انصهرت فيها قوميات أخرى بالعرب. هذه الفجوة تسببت بهلع العلماء على ضياع وخراب لغة العرب. إذ جُعل سبب بناء النحو كما في حكاية أبي الأسود الدؤلي الذي يعزى له أنه واضع أسسه الأولى لحفظ العربية من العجمة الناتجة من تداخل العجم بين العرب، جعلت تلك اللغة المهجورة كنزا منسيا في الصحراء. هذا الكنز المغري، والثمين حيث ليس في يد أي أحد، ولا بقدرة أي شخص جمعه، وتثمينه، ومعرفته هو مثل تلك الكنوز التي تحكي عنها القصص الشعبية المخشوشة في الكهوف، والتي يتنافس عليها اللصوص، والتجار، والملوك، وكذلك الرواة الذين بدونهم لا تُعرف تلك الكنوز حيث يلملمون حكاياتهم كما تجمع الأحجار النادرة!.

وللدلالة الرمزية التي يتضمنها معنى استعمال الغريب بوصفه دلالة على المهارة العالية، ومفخرة ببعد الهمة، والتبحر في اللغة، والعلوم؛ فإننا نقرأ هجاء أبي تمام ليوسف السراج الشاعر المصري _ شرح ديوان أبي تمام باب الهجاء _ يعيب عليه عدم قدرته على استعمال الغريب؛ وكأنه في معرض هجائه لقلة حيلته مع الغريب يذكره بعلو مكانته فيه يقول أبو تمام:

أيوسفُ جئتَ بالعجب العجيب        تركت الناس في أمر  مريبِ

سمعتُ     بكل     داهية    نادٍ         ولم أسمع بسرَّاج      أديب

فما لك    بالغريب   يدٌ    ولكن         تعاطيك الغريبَ من الغريب

 ذاع صيت أبي تمام بأنه محدث مذهب جديد في الشعر، وصاحب طرق خاصة في غريب الكلام. عاداه الكثير من نقاد الشعر، ورواته، والمشتغلين به، على رأسهم ابن الأعرابي، وتلميذه أبو سعيد الضرير الذي تروى عنه أشهر قصة تطلب الكف عن استخدام الغريب في القول مع أبي تمام، والتي لازال صداها يتكرر على ألسنة الشعراء. تقول الرواية كما يرويها الصولي في أخباره عن أبي تمام: أن أبا سعيد الضرير التقى بأبي تمام؛ فقال له:( يا أبا تمام لم لا تقول من الشعر مايعرف؟. فأجابه أبو تمام:( وأنت يا أبا سعيد لم لا تعرف من الشعر مايقال). هذا الجواب يقاربه في نسخة حديثة قول الشاعر سليم بركات جوابا لأحدهم _ على صفحات الغرفة الكونية التي أطلقها موقع جهة الشعر وقد استضافت سليم في أول انطلاقة لها تحت إشراف الشاعر قاسم حداد _ حين قال له:أنه لايفهم مايقول، و أن لغته أشبه باللوغاريتمات؛ فأجابه سليم بركات بأخف من قول أبي تمام: إن حالك يشبه حالي حين أتصفح صفحة اسهم البورصة!. يتقارب الشاعران أبو تمام، وسليم بركات في كونهما جاءا من ضفة أخرى إلو العربية. فأبو تمام الذي يقال أنه من أب يوناني، والتي يستخدمها أعداءه للنيل منه. وسليم بركات ذو الأصول الكردية، كلاهما صاحب طريقة فريدة في الشعر. غريبا المنبت؛ لكنهما طموحان في رصد منابع اللغة، وهضمها. إن مفارقة المنبت تحث على اكتناز لغة الآخر، فالغريب أقدر على استيعاب تفاصيل الآخر، خصوصا حين يصبح شريكا معهم في الدين، وثقافة العيش. فلا وعي الغريب يسعى عبر استيعاب مكتسبات الآخر لزرع لؤلؤته فيهم عبر احتواء كنوزهم، وما قول أدونيس: أن اللغة العربية في جيب هذا الشاعر، قاصدا سليم بركات إلا تأكيدا لهذه الظاهرة. إن الغريب يزني باللغة يفتضها، وتعطيه بشغف ذلك دون أن يشعر أنه يرتكب محرما. كما أن اللغة تعشق الغريب. وفي قصة زوجة الحكيم لقمان دلالة مقاربة على ذلك. فحين انغرمت بالغريب السميدع الذي استضافه زوجها، وأسكنه مكان عبادته تخوفا من ملاحقة أعدائه؛ كان من زوجته، أن وهبته نفسها وأعطته كنزها، هكذا هي اللغة مع كل غريب. يكتب سليم بركات العربية بلذة المغتصب، والمفتض لامرأة عذراء جميلة كمن لم يلمسها أحد غيره؛ إنها تستوعبه كما يقول، ولا يشعر معها بغربة، ولا بعقدة أهلها الذين يخافون على انهدامها، وخرابها؛ لذلك يكتب بمتعة افتضاض أرض مهجورة، وكنوز لايعرف أهلها عنها شيئا هكذا يذهب إلى هذه الأرض المهجورة بحثا عن غرائبها كما فعل قبله اللغويون والشعراء. فهو يحاجج في إحدى مقالاته عن المتنبي متسائلا: من يقدر الآن على قراءة المتنبي دون الرجوع للمعجم؟!، حيث يفخر هو بهذه المعرفة. من هنا نتلمس كل ذلك في استعمال سليم لأساليب عربية قديمة لم تعد مستعملة في العصر الحديث – خصوصا بعد أربعينات القرن الماضي – من ضمنها استعمال نون التوكيد بكثرة، وكلمات لم يعد أحد يستعملها حتى في أقسام اللغة العربية. مثل استعماله كلمة الاقراباذين عنوانا لأحد كتبه، وهي من مصطلحات علوم الصيدلة، والكيمياء القديمة. فصفحة واحدة من أحد كتبه تكفي لجمع قائمة لكلمات خارجة عن التداول، بل يمكن القول كما يقول النقاد القدماء أنه يستخدم حوشي الكلام وغريبه. هذا العالم الغريب الذي يدشنه سليم مع اللغة، والمخيلة راجا عبره كل يقين عن الإنسان، واللغة جعلت الشاعر محمود درويش يسأله مرة: من أين تأتي بكل هذه المخيلة؟. لكن جواب سليم هو مزيد من غرائب المخيلة؛ إنها أجمل جريمة يرتكبها الغريب!. مع أن سليم بركات يقر في أحد لقاءاته التلفزية مع قناة الجزيرة ( برنامج موعد في المهجر)؛ بأن اللغة العربية ليست غريبة عليه؛ فهي لغة الشريعة والفقه، حيث تتموضع في الذاكرة الروحية لانتماءاته؛ لكن جرح الطرد الذي عاناه صغيرا من أحد معلمي العربية- العربي- موضعه كغريب يقتحم كنوز الآخر النديم في إجابة بليغة على ذلك الطرد!!. كسيبويه أيضا حين خطئ في العربية سعى في طلب علم لا يُخطئ معه أبدا؛ فكان كتابه( الكتاب) الذي ملأه بغرائب اللغة، وترك وراءه العشرات من الشراح يلهثون في تفسيره وتأويله!.

بالطبع يكاد لم يسلم شاعر من استعمال الغريب فهو يتموضع في صلب ادعاء المهارة، ومفاخر امتلاك كنوز اللغة، والمعاني. على الرغم من تصنيف النقاد القدماء استعمال الغريب في الشعر من قبيل السفسفة والضعف. فالمتنبي المحدث _ كحال أبي تمام _ لم يخل من استعماله والتفاخر بمعرفته، لذا يقول عنه _ في معرض  حديثه عن وحشي الكلام وغريبه _ ابن رشيق القيرواني صاحب كتاب العمدة:( كذلك أبو الطيب كان يأتي بالمستغرب ليدل على معرفته). فالمتنبي كما يقول ابن رشيق في نقده يستخدم الغريب أيضا، ويتكلف فيه دون ضرورة تعذره في استخدامه، وهذا مايجعله من المعائب!. أما الثعالبي في كتابه يتيمة الدهر، فيفرد أقساما في معايب المتنبي، أحد هذه الأقسام: استعمال الغريب الوحشي، بادئا كلامه:( إذا كان المتنبي من المحدثين بل من العصريين، وجرى على رسومهم في اختيار الألفاظ المعتادة المألوفة بينهم، بل ربما انحط عنهم بالركاكة والسفسفة، ثم تعاطى الغريب، والوحشي، والشاذ البدوي، بل ربما زاد في ذلك على أقحاح المتقدمين). يعيد كاتب سيرته الشيخ يوسف البديعي في كتابه: ( الصبح المنبي عن حيثية المتنبي) ما قاله الثعالبي بنصه حيث يضع كلامه هذا في باب تعسفات المتنبي تحت فصل: استعمال الغريب الوحشي!.

يجادل أبو بكر الصولي في روايته لأخبار أبي تمام منتقدي شعره، واصفا آفة الغريب في الصدور بحيث تجعل راكبه يدعي المعرفة؛ لكنه لا يملك زمام الشعر. يقول الصولي عنهم:( رأيت صنفا من الناس بعد ذلك ليس غرض الواحد منهم إلا أن يقرأ قصائد، ويحفظ غريبها، ويتعلم من النحو مسائل، وينظر من اللغة في كتاب، ثم يحضر المجالس غير مستزيد ولا مستفيد). ليعقب تاليا على تفاخرهم بما حفظوه حين يصادف أن صاحب المجلس لا علم له به!. لكن هل هذا دليل على معرفة الشعر؟!. مايحاجج به الصولي خلاف التفاخر بالغريب. يقول في مكان آخر من أخباره:( أتراهم يظنون أن من فسر غريب قصيدة، وأقام إعرابها، أحسن أن يختار جيدها، ويعرف الوسط والدون منها، ويميز ألفاظها؟). لقد حاز شعر أبي تمام من الاهتمام بحيث فاحت رائحة حظوته في كثرة الإختلاف فيه حتى يروى شعره لمن لا يفضله، وهو على جهل به وما أن يسمعه يهلل له: لقد أحسن شاعركم وأجاد. تفيض أخبار الصولي بالكثير من هذه الحكايات منها أن الشاعر عمارة بن عقيل دخل البصرة مرة، وتعلق به بعضهم وقالوا له:( هاهنا شاعر يزعم قوم أنه أشعر الناس طرا، ويزعم غيرهم ضد ذلك). فقال أنشدوني له، فأنشدوه:

غدت تستجير الدمع خوف نوى غد      وعاد قتادا عندها كل مرقد

فقال عمارة: لله دره، لقد تقدم صاحبكم في هذا المعنى جميع من سبقه على كثرة القول فيه، حتى لحبب الاغتراب). إن عمارة بن عقيل الأعرابي الذي يأخذ عنه نحاة البصرة اللغة ينفي عن أبي تمام تهمة إغراقه بالغريب، وانغلاق كلامه حين يعقب في نقده:( إن كان الشعر بجودة اللفظ…واستواء الكلام، فصاحبكم هذا أشعر الناس). بأمثال هذا الأعرابي العارف بالغريب، والشعر يحتج الصولي على مآخذ النقاد، والشعراء على شعر أبي تمام.

إذا كان استعمال الغريب في شعر المحدثين يعده النقاد من المناقص والمثالب في عرف فهمهم للشعر والنثر أيضا؛ لكنه من مفاخر الشعراء بمعرفتهم باللغة، كما يقول ابن رشيق عن المتنبي، فإن علماء اللغة والنحو أسسوا لهوس هذه المفخرة بالغريب. فقد أهملوا مدونة أشعار العرب التي صنعها الراوية الشهير الأصمعي، وكان أحد أسباب أهمالهم لها كما يشير ابن النديم في الفهرست: قلة غربتها!. الأصمعي الذي يسجل ابن النديم له كتابين في الغريب: كتاب غريب الحديث، وكتاب غريب الحديث والكلام الوحشي، وليس مستغربا في هذا السياق حظوة الغريب؛ فمعظم من جمع الغريب، ودونه وشد الرحال إلى عرب الصحراء هم غرباء عن العربية، وهذا مايثير استغراب ابن خلدون فيقول في المقدمة:( من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم عجم) _يذكر أحمد أمين في كتابه: ضحى الإسلام كلام ابن خلدون هذا في معرض استعراضه، ودراسته للمجتمع العباسي الأول منتقدا قول ابن خلدون، وواصفا إياه بالمبالغه، مع أن استعراض أحمد أمين لحضور الموالي والعجم في ذلك العصر يثبت مقولة ابن خلدون دون مبالغة، لكن مايجب التنبيه عليه أن مايهم هنا هو الأثر، لا بالعدد، فقد اخترقت رواية وهب بن منبه، وأبي عبيدة معمر بن المثنى المدونة الإسلامية بعمق، واستبعادهما يعرض ذاكرة الإسلام لخلل النسيان، والتلاشي، والضعف فهي التي تؤسس جذوره الماضية_ وقد دون مؤرخو سيرهم كابن النديم في الفهرست نوادر حكاياتهم مع الأعراب، واللغة. فأبو محلم الشيباني كما يروي ابن السكيت أصله من الفرس. يذكر ابن النديم عن المبرد أنه سمعه يقول: عندي خمسة عشر هاونا، وقال لي يوما: لم أر الهاون في البادية، فلما رأيته استنكرت منه. فأخبار هؤلاء العلماء من أبي عبيدة معمر بن المثنى، وأبي عبيد القاسم بن سلام، والاخفش، وأبي محلم الشيباني، ويونس بن حبيب، وسيبيويه الذي كان يأخذ اللغة من عيسى بن عمر أستاذ الخليل بن أحمد، والجرمي الذي له كتاب تفسير غريب سيبويه، تروي لنا سيرة انغرامهم بالغريب النادر!. وفي سياق الحكاية هذه يروي لنا ابن النديم أن المازني ( جهم بن خلف) كان راوية عالما بالغريب والشعر، وكان  معاصرا للأصمعي وخلف( خلف الأحمر من موالي خراسان) فقد كانوا يتقاربون في علم الشعر، والغريب!.

 يخرج علينا الجاحظ دائما بخلاف عما يلهج، ويركض وراءه معاصروه بحيث نجده يدافع عن بلاغة لا تتوسل بالغرائب فهو يعلق على قول الرسول في قوله الشهير:( إن من البيان لسحرا)، وكذلك قوله ( لا خِلابة) بقوله في بيانه وتبيينه الذي هو رد بيلغ على الشعوبية التي استنقصت من بلاغة العرب:( فالقصد في ذلك أن تجتنب السوقيّ والوحشي، ولا تجعل همّك في تهذيب الألفاظ، وشغلك في التخلص إلى غرائب المعاني). فالجاحظ يرى البلاغة في البساطة، والاقتصاد في الكلام قائلا:( وفي الإقتصاد بلاغ). يُعقلن الجاحظ خطاب غرائب موجودات العالم، لكنه يحارب استعمال غرائب اللغة، والمعاني في البلاغة؛ فنقلا عن أبي داود بن حوريز الإيادي عند حديثه حول ( الخطب وتحبير الكلام) يقول أن:( الاستعانة بالغريب عجز). وهو مايؤكده الجاحظ في موقع آخر في بيانه:( لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميا، وساقطا سوقيا، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريبا حوشيا؛ إلا أن يكون المتكلم بدويا أعرابيا…). فترك الغريب الوحشي من صفات بلاغة الرسول كما يقول الجاحظ أنه:( هجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي)!. تستثير نظرة الجاحظ هذه مؤيدة بكلام أبي حريز الإيادي حين نضع سياق كتابه ( البين والتبيين) في اللحظ الثقافية التي يدافع فيها الجاحظ عبر كتابه عن لغة العرب، وبلاغتهم ضد الهجمة الشرسة التي تلقاها العرب من الموالي، والأجانب رؤية أن الاهتمام بغرائب اللغة والمعاني كان وراءه الغرباء من الفرس وغيرهم حيث كان نتاج الحماس الشديد لاتقان لغة القوم الذين صارت الحياة بين أيديهم بفعل الدين والسياسة. وما هذا الحماس إلا لغة الغريب للإندماج في الثقافة!. هكذا حولوا بوصلة الذات من البساطة وعفو الخاطر التي يدافع عنها الجاحظ إلى التشدق والتصنع بملاحقة الغرائب!.

هذه المفاخر بالغريب يمتد أثرها في التاريخ الثقافي بحيث نسمع عنها في القرن التاسع عشر الميلادي، وذلك في آخر قرن من حياة السلطنة العثمانية على لسان المفسر الشهير شهاب الدين السيد محمود الألوسي الحسيني الذي يقول عن أحد علمائه الذين التقاهم في رحلاته العلمية:( كان مولعا بنقل الغريب، ولا يبالي إذا تكلم أيخطىء أم يصيب!). ولم يسلم الألوسي نفسه من هذا الفخر بالغريب فكتابه: غرائب الأغتراب، الذي ينقد فيه أحد اساتذته المولع بالغريب مليء بالحكايات الغريبة. إذ يشير تحت وطأة الشعور بالفخر بما صابه من غرائب بقوله:( فاطلعت على أسرار تطيش لو قرنت بها في الميزان سجلات المشقة…وقد..كتبت بعض ما وقفت عليه قبل الوصول من غرائب محسوس وعجائب معقول). فمن يستطيع أن لا يتحدث بالغريب وعن الغرائب؟!. وكأن التواضع شق من احتمال السكوت عنه!. هذه السيرة الحافلة للغريب في الآداب العربية صارت تروى تحت عنوان: فن الغريب، وعلم الغريب!. كأن يقول ابن النديم في الفهرست، وله في فن الغريب كتاب: الغريب في الحديث!، أو أن يحدد ابن قتيبة في كتابه: المعارف اختصاص الراوية خلف الأحمر بقوله:( عالما بالغريب). وبهذه الهالة من حضور الإهتمام بالغريب في نفوس العلماء والشعراء، والقصاصين سيظهر التفاخر بالغريب وعلمه في تلك اللحظة القلقة من التاريخ العربي حين تصادم الموالي مع العرب في العصر العابسي وأظهروا لهم مشاتم شتى، وعابوا على العرب في الكثير من مسالك حياتهم، وثقافتهم. وهو ما عُرف: ( بالشعوبية) وأصبحت شتيمة عنصرية، وكفرا وإلحادا. ففي إحدى تلك الرسائل التي كتبها ابن غرسية في الأندلس خاطب العرب ب: أبناء الرايات الحمر!. في إشارة للنساء البغايا اللواتي كن يرفعن رايات حمر في مكة ليستدل عليهن مريدو المتعة. ابن غرسية نفسه الذي سيتذكره ابن الشيخ في القرن السابع الهجري كتب رسالته بشعور أنه أغرب فيها كما يقول ابن الشيخ في ( كتاب ألف باء):( يُذكر عن أبي عامر بن غرسية البشكسي أنه أنشأ رسالة يفضل فيها العجم على العرب، ظن أنه أعرب فيها وأغرب، ففسق فيها وبدع وسب بسببها وجدع..)!. في هذا الصدام تفاخر الشعوبيون بامتلاكهم كتابا يعلم البلاغة والغريب بحسب مايذكر الجاحظ في بيانه وتبيينه الذي هو رد على هذا الخطاب:( قالوا: ومن أحب أن يبلغ صناعة البلاغة، ويعرف الغريب، ويتبحر في اللغة، فليقرأ كتاب كاروند…فمن قرأ هذه الكتب، وعرف غور تلك العقول، وغرائب تلك الحكم، عرف أين البيان والبلاغة، وأين تكاملت تلك الصناعة). هذه العبارة التي تشير إلى رغبة في تعليم العرب أصول الغريب، وأن يكونوا معلمين لهم، وسادتهم في العلم؛ لأنهم يملكون كتابا يعلم غرائب الفنون، والآداب تشي بشعور متوار بالإنكسار الحضاري أمام لغة العرب؛ فكان من نتائجها هذا التدافع بالافتخار بامتلاك أصول معرفة الغرائب. وتحت هذا التدافع تبدلت القيم وتحولت العادات، وفهم اللغة، والأدب وهو مايصفه لنا التوحيدي في ( الإمتاع والمؤانسة) بشكوى حانقة، منها مايلاحظه من تغير صفة الكرم، فقد صار في زمان أبي حيان كما يقول يمتدح الرجل لأنه:( جيد في الاستخراج، مدبر للأموال) أي أن يمتدح على بخله، فيما كانت شكواه متذكرة كيف كان حال الناس مع الكرم. يقول التوحيدي:( وقد بُلينا بهذا الدهر الخالي من الديانين الذين يُصلحون أنفسهم ويصلحون غيرهم بفضل صلاحهم، الخاوي من الكرام الذين كانوا يتسعون في أحوالهم، ويوسعون على غيرهم من سعتهم..)!. كانت عيون التوحيدي تقارن بدايات الإسلام الذي كانت عادات العرب مازالت ماثلة، وبين زمانه الذي تطاحنت فيه الثقافات!.

 

error: المحتوى محمي