الفاشية الدائمة – أمبرتو إيكو / ترجمة:بثينة الإبراهيم

الفاشية الدائمة – أمبرتو إيكو / ترجمة:بثينة الإبراهيم


في عام 1942 عندما كنت في العاشرة من عمري، حصلت على المركز الأول في مسابقة لودي الإقليمية لليافعين1 ( وهي مسابقة اختيارية إلزامية للشباب الإيطالي الفاشي، أي لكل شاب إيطالي). وقد حشدت مهاراتي البلاغية في موضوع المسابقة الذي كان: “هل علينا أن نموت لمجد موسوليني وخلود إيطاليا؟” وأجبت بنعم لأني كنت ولدًا ذكيًا.

أمضيت عامين من سنيّ الأولى بين الفافن إس إس2 والفاشيين والجمهوريين وقوات الأنصار3 وهم يتبادلون إطلاق النار، وكان ذلك تمرينًا جيدًا لي على تجنب الطلقات.
في شهر أبريل من عام 1945، استولت قوات الأنصار على ميلان ووصلت بعد ذلك بيومين إلى القرية الصغيرة التي كنت أعيش فيها ذلك الوقت. كانت لحظات سعيدة، حيث احتشد الناس في الميدان الرئيسي يغنون ويلوحون بالأعلام ويهتفون بحياة ميمو_ قائد قوات الأنصار في تلك المنطقة_ بأصواتهم العالية. وكان ميمو المارشال السابق في الشرطة العسكرية قد انضم إلى أنصار الجنرال بادوليو4 خليفة موسوليني، وفقد ساقه في إحدى الاشتباكات الأولى مع فلول قوى موسوليني. ظهر ميمو على شرفة قاعة المدينة شاحبًا متكئًا على عكازه محاولًا تهدئة الجموع بإشارة من إحدى يديه. كنت أنتظر خطابه لأن طفولتي كانت موسومة بخطابات موسوليني التاريخية الرائعة التي حفظنا أكثر مقاطعها روعة في المدرسة. خيم صمت على الساحة، وتحدث ميمو بصوت أجش بالكاد يمكن سماعه، وقال:” أيها المواطنون، الأصدقاء، ها نحن هنا بعد الكثير من التضحيات الأليمة… طوبى للذين سقطوا من أجل الحرية”. وكان هذا كل ما قاله ثم عاد إلى الداخل. هتفت الحشود ورفع الأنصار أسلحتهم وأطلقوا الأعيرة النارية ابتهاجًا، وهرعنا نحن _ الأطفال _ إلى التقاط الخراطيش غنائمنا الثمينة، لكني حينها تعلمت أيضا أن حرية التعبير تعني التحرر من التكلف.
وبعد عدة أيام من ذلك شاهدت طلائع الجنود الأمريكان، الذين كانوا من الأمريكان الأفارقة. أي أن اليانكي الأول الذي أقابله كان رجلا أسود، جوزيف، الذي عرفني على قصص ديك ترايسي وليل أبنرالمصورة 5 بألوانها الزاهية ورائحتها الزكية.

قابلت أحد الضباط (الميجور أو الكابتن مادي) في حديقة فيلا أهل زميلتيّ في المدرسة حيث حل ضيفًا عليهم، وكان محاطًا بالسيدات اللاتي يتحدثن فرنسية خجولة، كما كانه هو يتحدث شيئًا من الفرنسية. ولذا كانت الصورة الأولى التي استقرت في ذهني عن المحررين الأمريكان – بعد رؤية عدد من البيض يرتدون القمصان السوداء- رجلًا أسود مهذبًا يرتدي زيًا أصفر يميل إلى الاخضرار يقول بالفرنسية:”نعم، شكرا جزيلا سيدتي، أنا أيضا أحب الشمبانيا”، ولسوء الحظ لم يكن هنالك شمبانيا، غير أن الكابتن مادي قدم لي علكة ريجلي سبيرمنت وأخذت أمضغها طوال اليوم، ووضعتها في الليل في كأس ماء لتكون طرية في اليوم التالي.
في مايو، سمعنا أن الحرب انتهت. وحرض السلم لديّ حس الاسكتشاف، لأني تعلمت أن الحرب الدائمة كانت هي الحالة الطبيعية لإيطالي شاب، واكتشفت في الأشهر اللاحقة أن المقاومة لم تكن ظاهرة محلية فحسب، بل كانت ظاهرة أوروبية أيضا. وتعلمت كلمات جديدة مثيرة مثل “الشبكة”،و”العصابات” 6″، “الجيش السري”7، “لأوركسترا الحمراء”8 و”جيتو وارسو”9، واطلعت على الصور الأولى للهولوكوست، الأمر الذي جعلني أفهم المعنى قبل معرفة المصطلح فأدركت مم تحررنا.
في بلادي اليوم، هنالك أناس يتساءلون فيما إذا كان للمقاومة10 تأثير عسكري فعلي في سير الحرب، ولكن ذلك السؤال بالنسبة لجيلي لم يكن مناسبًا. لأننا فهمنا مباشرة المعنى النفسي والأخلاقي للمقاومة ، وكان محل فخر بالنسبة لنا أن نعرف أننا_ الأوروبيين_ لم نقف مكتوفي الأيدي بانتظار التحرير، كما كان مهمًا أن نعرف أن الأوروبيين خلف خطوط النار كانوا يسددون الدين مقدمًا للشباب الأمريكان الذين يضحون بأنفسهم لتحريرنا.
في بلادي اليوم، هناك من يقول إن أسطورة المقاومة كانت كذبة شيوعية، وصحيح أن الشيوعيين استغلوا المقاومة كما لو كانت امتيازًا شخصيًا لهم لدورهم الأساسي فيها، لكني أذكر أن عناصر قوات الأنصار كانوا يحملون مناديل من مختلف الألوان. أمضيت لياليّ ملتصقا بالمذياع، وكانت النوافذ مغلقة والعتمة تجعل المساحة الصغيرة حول الجهاز هالة للعزلة المضيئة . كنت أستمع إلى الرسائل المرسلة إلى قوات الأنصار عبر “صوت لندن”، وكانت تلك الرسائل مشفرة وشعرية في الآن نفسه ( الشمس تشرق أيضا والأزهار تتفتح) ومعظمها كانت” رسائل إلى فرانكي”. همس لي أحدهم أن فرانكي كان قائدا لواحدة من أقوى الشبكات السرية في شمال غربي إيطاليا، رجل ذو شجاعة أسطورية وأصبح فرانكي بطلي (كان اسمه الحقيقي إدجاردو سوجنو)11 وكان مناصرا للملكية معاديا للشيوعية بشراسة لدرجة أنه انضم بعد الحرب إلى الجماعات اليمينية المتطرفة، واتهم بالتواطؤ في محاولة لانقلاب رجعي ضد النظام. ولكن من يهتم بذلك؟ يظل سوجنو بطل طفولتي. لقد كانت الحرية حقا مشتركا بين الناس من مختلف الألوان.

في بلادي اليوم، هنالك من يقول إن حرب التحرير كانت فترة انقساماتٍ فاجعة، وإن كل ما نحتاجه هو المصالحة الوطنية. ولذا يجب أن تمحى ذكرى هذه السنوات الفظيعة. لكن محاولة ذلك تسبب عصابًا، إن كانوا يرون أن المصالحة تعني الشفقة والاحترام لكل أولئك الذين قاتلوا في حروبهم الخاصة بكل إخلاص، لأننا إذ نسامح لا يعني أن ننسى، كما يمكنني أن أعترف أن إيخمان12آمن بمهمته بإخلاص لكن لا أستطيع أن أقول له حسن يمكنك العودة لتقوم بذلك مرة ثانية. نحن هنا لنتذكر ما حدث ولنقول جديا أن عليهم ألا يكرروا ذلك ثانية.
ولكن من هم؟ إذا تأملنا الحكومات الشمولية التي حكمت أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية، يمكن لنا القول ببساطة إنها سيصعب عليها أن تعود إلى الظهور في الشكل نفسه في ظروف تاريخية مختلفة. إن كانت فاشية موسوليني مبنية على فكرة الحاكم الساحر، وعلى المؤسساتية، وعلى قدر روما الإمبراطوري الطوباوي، وعلى الإرادة الإمبريالية لهزيمة الطغاة الجدد، وعلى الوطنية المتزايدة، وعلى مثالية الأمة كاملة التي تحكمها القمصان السوداء، وعلى رفض الديمقراطية البرلمانية، وعلى معاداة السامية، إذن فلن يكون الأمر صعبًا عليّ في إدراك أن الاتحاد الوطني الإيطالي _الذي ولد من الحزب الفاشي ما بعد الحرب ومن الحركة الاشتراكية الإيطالية بالإضافة إلى حزب يميني_ لن يكون قادرا على فعل الكثير بفاشيته القديمة. في السياق نفسه، بالرغم من أنني معنيّ أكثر بالحركات العديدة الشبيهة بالنازية التي ظهرت هنا وهناك في أوروبا بما فيها روسيا، لا أعتقد أن النازية بشكلها الأصلي يمكن أن تعود ثانية كحركة قومية النطاق.
*ومع ذلك بالرغم من أنه يمكن أن يطاح بالأنظمة السياسية ويمكن انتقاد الإيديولوجيات ورفضها، فإن هناك أسلوبًا للتفكير والشعور خلف كل نظام وإيديولوجيته، ومجموعة من العادات الثقافية، وطبائع مبهمة ودوافع غامضة. هل ما يزال هناك شبح يطارد أوروبا ( إن لم نتحدث عن بقية أنحاء العالم)؟
قال أونيسكو مرة:” إن الكلمات هي ما يهم فقط، أما الباقي فهو محض ثرثرة.” إن العادات اللغوية أعراض مهمة لتحديد المشاعر، ما يعني أنه يجدر السؤال لم اعتبرت حركة المقاومة والحرب العالمية الثانية عمومًا في العالم كله بأنهما حرب على الفاشية. إذا أعدت قراءة “لمن تقرع الأجراس” لهمنغواي سترى أن روبرت جوردان يصف أعداءه بالفاشيين حتى عندما يفكر بالكتائبيين الإسبان. وهذا ما نراه أيضا لدى فرانكلين روزفلت الذي يقول:” إن انتصار الشعب الأمريكي وحلفائه سيكون انتصارًا على الفاشية و كبحًا للاستبداد الذي تمثله.
خلال الحرب العالمية الثانية، أُطلق على الأمريكيين الذين شاركوا في الحرب الإسبانية “طليعة مناهضي الفاشية”13، ما يعني أن القتال ضد هتلر في الأربعينيات كان واجبًا أخلاقيا لكل أمريكي صالح، ولكن القتال ضد فرانكو قبل ذلك بكثير، في الثلاثينيات، بدا مرفوضًا لأن من قاد القتال غالبًا هم الشيوعيون واليساريون…لمَ كان الراديكاليون يستخدمون تعبيرًا مثل خنزير فاشي بعد ثلاثين سنة للإشارة إلى شرطي لم يسمح لهم بالتدخين، لم لم يقولوا خنزير”أخوي”14أو خنزير كتائبي15 أو أوستاشي16 أو كويلسي17 أو حتى نازي؟
يعد كتاب “كفاحي” بيانًا لبرنامج سياسي كامل، فقد كان للنازية نظرية تتمحور حول العنصرية والشعب الآري المختار، والفكرة الدقيقة عن الفن المتدهور18، و فلسفة الرغبة في السيطرة والرجل الخارق “السوبر مان”. كانت النازية بلا ريب تنتهج الوثنية الجديدة لأنها معادية للمسيحية، بينما كانت المادية الدياليكتيكية لستالين ( النسخة الرسمية للماركسية الشوفينية ) مادية وإلحادية على نحو صريح، وإن كنا نعني بالشمولية نظاما يُخضع كل تصرفات الفرد للدولة وإيديولوجيتها، فإن كلا من النازية والستالينية كانتا أنظمة شمولية بامتياز.

* مما لا شك فيه أن الفاشية الإيطالية كانت ديكتاتورية، لكنها لم تكن شمولية تماما، ولم يكن ذلك بسبب اعتدالها بل بالأحرى بسبب الضعف الفلسفي لإيديولوجيتها، وعلى النقيض من الرأي الشائع، لم يكن للفاشية في إيطاليا فلسفة خاصة، أما المقال الموقع باسم موسوليني في موسوعة تريكاني، فقد كتبه جيوفاني جينيل19 أو استلهمه منه أساسًا، لكنها عكست هيجلية حديثة للدولة الأخلاقية المطلقة التي لم يدركها موسوليني تماما. لم يكن لموسوليني أي فلسفة، كل ما امتلكه هو الخطابة فقط. كان ملحدا محاربا في البداية ولكنه لاحقا وقع الاتفاقية مع الكنيسة ورحب بالأساقفة الذين باركوا رايات الفاشية. في سنواته الأولى لمقاومة الإكليروس، حسب ما تقوله الأسطورة، أنه سأل الله مرة _ من أجل إثبات وجوده_ أن يصعقه في مكانه، لكنه صار لاحقا يكثر من ذكر الله في خطاباته ولم يمانع بأن يطلق عليه “رجل الله”.
كانت الفاشية الإيطالية هي الديكتاتورية اليمينية الأولى التي تسيطر على دولة أوروبية، وكل الحركات المشابهة التي ظهرت لاحقا وجدت في نظام موسوليني نوعا من المثل الأعلى. كانت الفاشية الإيطالية أول من أسس طقوسا عسكرية، أي نوعًا من الفولكلور حتى في طريقة اللبس _ كانت مؤثرة بقمصانها السود أكثر مما يمكن لأرماني، أو بينيتون أو فيرساتشي أن تفعل. لقد ظهرت الحركات الفاشية في الثلاثينيات فقط على يد موسلي20 في بريطانيا العظمى، كما ظهرت في كل من لاتيفيا و إستونيا و ليتوانيا و بولندا وهنغاريا و رومانيا وبلغاريا واليونان ويوغسلافياو إسبانيا والبرتغال والنرويج و في أمريكا الجنوبية حتما، وقد كانت الفاشية الإيطالية هي من أقنعت العديد من القادة الليبراليين الأوروبيين أن النظام الجديد كان يحمل نظاما إصلاحيا هاما وأنه كان يوفر بديلا ثوريا معتدلا للمد الشيوعي.

ومع ذلك لا يبدو السبق التاريخي بالنسبة لي سببا كافيا لشرح لماذا أصبحت كلمة الفاشية مجازا مرسلا، حيث أنها يمكن أن تستخدم لوصف العديد من الحركات الشمولية، ولا يعود هذا إلى أن الفاشية تتضمن في جوهرها كل العناصر التي تضمنتها الديكتاتوريات التي ظهرت بعدها. بالمقابل لم يكن للفاشية جوهر فقد كانت نظامًا شموليا مشوشا، مزيجا من مختلف الأفكار السياسية والفلسفية، و خلية من المتناقضات.هل يمكن للمرء أن يتخيل أن حركة شمولية قادرة فعلا على الجمع بين الثورة والملكية، الجيش الملكي والميليشيا التابعة لموسوليني، الاستفادة من امتيازات الكنيسة والسيطرة المطلقة للدولة على السوق الحرة؟ لقد تجسد ذلك في الحزب الفاشي الذي كان يتبجح بجلبه نظاما ثوريا جديدا لكنه في الوقت نفسه كان يحصل على تمويله من مالكي الأراضي المحافظين الذين توقعوا منه معارضته للثورة. كانت الفاشية في بدايتها جمهورية ولكنها ظلت مع ذلك تعلن عن ولائها للعائلة المالكة طوال عشرين عاما، بينما الدوتشي (الزعيم) (القائد الأعلى الذي لا يقهر) كان يقف جنبا إلى جنب مع الملك الذي منحه أيضا لقب الإمبراطور، ولكن عندما عزل الملكُ موسوليني عام 1943 عاد الحزب الفاشي للظهور بعد شهرين بدعم ألماني تحت مسمى الجمهورية “الاشتراكية” معيدا خطه الثوري القديم ومدعما إياه بمسحة يعقوبية21.
كان لدى النازية نظام معماري واحد وفن واحد، وإن كان المهندس النازي هو ألبيرت سبير22،فذلك يعني أنه لم يكن هنالك مكان لميس فان دير رو23، والأمر نفسه ينطبق على حكم ستالين، فإن كان لامارك24 موجودا لن يكون هناك متسع لداروين، أما في إيطاليا كان هناك مهندسون فاشيون حتما ولكنك تجد العديد من الأبنية التي استلهمت العقلية الحديثة لجروبيوس25 قرب مقر مؤتمراتهم.
لم يكن هناك “جدانوف”26 فاشي يضع خطا ثقافيا صارما. فقد كان في إيطاليا جائزتان فنيتان هامتان ، جائزة كريمانو التي يسيطر عليها الفاشي الوقح المتعصب روبرتو فاريناتشي الذي شجع الفن باعتباره دعاية، ( يمكنني أن أتذكر الرسومات التي تحمل عناوين مثل” الاستماع إلى خطاب الزعيم في المذياع” أو “التجليات الذهنية للفاشية”)، بينما كانت الأخرى جائزة بيرجامو27 التي يرعاها الفاشي المهذب المعتدل جيسبو بوتاي، الذي دافع عن مفهوم الفن للفن والأنواع المختلفة من الفن الطليعي الذي حُـظـِر في ألمانيا باعتباره فسادا وشيوعية مقنـّعة.

كان الشاعر الوطني المتأنق دا أنونزيو28 _ الذي لو كان في ألمانيا أو روسيا لأرسل إلى المحرقة_ قد عين باعتباره شاعرا للنظام بسبب وطنيته وإعجابه بالبطولة التي كانت في الواقع ممزوجة بالمؤثرات الغزيرة لعصر الانحطاط الفرنسي في نهاية القرن التاسع عشر29.
* انظر إلى “المستقبلية” التي قد يظنها المرء أحد نماذج الفن المتدهور إلى جانب التعبيرية والتكعيبية والسريالية، ولكن المستقبليين الإيطاليين الأوائل كانوا قوميين، وأيدوا مشاركة إيطاليا في الحرب العالمية الأولى لأسباب علمانية، واحتفوا بالسرعة والعنف والمغامرة التي بدت كلها مرتبطة نوعا ما بالإعجاب الفاشي بالشباب. وفي الوقت الذي أعلنت فيه الفاشية تأييدها للإمبراطورية الرومانية وأعادت التقاليد الريفية، عُين مارينيتي30 (الذي قال إن السيارة كانت أجمل من تمثال “النصر في ساموتراس”31 وأراد أن يقتل ضوء القمر) عضوا في الأكاديمية الإيطالية التي عاملت ضوء القمر بكثير من الاحترام.
كان العديد من الحزبيين المستقبليين ومثقفي المستقبل للحزب الشيوعي قد نالوا تعليمهم في الاتحاد الفاشي لطلاب الجامعة الذي كان يفترض به أن يكون مهدا للثقافة الفاشية الجديدة، وأصبحت هذه النوادي نوعا من البوتقة الثقافية التي تدار فيها الأفكار الجديدة دون أي سيطرة إيديولوجية حقيقية، ولم يكن ذلك بسبب تساهل رجال الحزب في التفكير الراديكالي، بل لأن القليل منهم امتلك العدة الثقافية للسيطرة عليه.
خلال هذه السنوات العشرين كان شعر مونتالي32 وبعض الكتاب الآخرين المتعاونين مع جماعة تسمى إرميتيشي ردة فعل على الأسلوب الطنان للنظام، وقد سمح لهؤلاء الشعراء بالتعبير عن معارضتهم الأدبية من داخل برجهم العاجي. لقد كان نمط شعراء إرميتيشي بالضبط هو نكوص نحو الإعجاب الفاشي بالبطولة والتفاؤلية، وقد تساهل النظام مع معارضتهم الصريحة بالرغم من ضآلتها اجتماعيا لأن الفاشيين ببساطة لم يكترثوا للغة رمزية كهذه.
كل هذا لا يعني أن الفاشية الإيطالية كانت معتدلة، فقد سجن جرامشي حتى مات، واغتيل قادة المعارضة جياكومو مايتوتي والإخوة روسيلي، كما قضي على حرية الصحافة وفككت نقابات العمال ونفي المعارضون السياسيون إلى جزر بعيدة، وأصبحت السلطة التشريعية محض خيال، وأصدرت السلطة التنفيذية (التي سيطرت على القضاء والإعلام) مباشرة قوانين جديدة من بينها قوانين تدعو للحفاظ على العرق (الحركة الإيطالية الرسمية لدعم ما أصبح اسمه الهولوكوست).
لم تكن الصورة المتناقضة التي أصفها نتيجة التسامح، بل بسبب التشوش السياسي والإيديولوجي، ولكنه كان تشوشا صلبا واضطرابا منظما، فقد كانت الفاشية مفككة فلسفيا لكنها مرتبطة بشدة ببعض الأسس البدائية عاطفيا.

* وأنتقل الآن إلى نقطتي الثانية، إذن فقد كان هناك نازية واحدة و لا يمكننا أن نصم كتائبية فرانكو الكاثوليكية بالنازية، فالنازية وثنية في جوهرها ومشركة وضد المسيحية، لكن يمكن أن تُمارَس لعبة الفاشية في أكثر من شكل دون أن يتغير اسمها. لا تختلف فكرة الفاشية عن فكرة فيتجنشتاين 33عن اللعبة 34فهي يمكن أن تكون تنافسية أو لا تكون، ويمكن أن تتطلب مهارة خاصة أو لا، كما يمكن أن تشمل المال أو لا تشمله. فالألعاب أنشطة مختلفة تظهر بعضًا من صور العائلة فقط كما يصفها فيتجنشتاين، وانظر إلى هذه المتتالية:
1 2 3 4
أ ب ت / ب ت ث / ت ث ج / ث ج ح
لنفرض أن هناك سلسلة من الجماعات السياسية التي يمكن وسم أحدها بالأحرف أ ب ت، وجماعات أخرى بـ ب ت ث وهكذا.. تشبه المجموعة الأولى الثانية بما أنها تمتلك عنصرين مشتركين، وللسبب نفسه فإن المجموعة الثالثة ستكون مشابهة للمجموعة الثانية والرابعة مشابهة للثالثة. انتبه إلى أن المجموعة الثالثة تشبه الأولى ( فهما يشتركان بالحرف ت) وتمثل الرابعة الحالة الأكثر غرابة التي تشبه المجموعتين الثانية والثالثة بوضوح، لكنها لا تشترك في أي عنصر مع الجموعة الأولى. وعلى أية حال بسبب السلسلة غير المنقطعة للتشابهات المتناقضة بين الأولى والرابعة يبقى هنالك _ بنوع من الانتقالية الوهمية_ ارتباطا عائليا بين الأولى والرابعة.
أصبحت الفاشية مصطلحا لكل الأغراض لأنه يمكن للمرء أن يستأصل من النظام الفاشي سمة أو اثنتين ويظل مع ذلك مميزًا بفاشيته، فإن اقتطعت الإمبريالية من الفاشية سيبقى لديك فرانكو وسالازار، وإن اقتطعت الاستعمارية (الكولونيالية) سيبقى لديك الفاشية البلقانية للأوستاش، وإن أضفت المناهضة الراديكالية للرأسمالية ( التي لم تعجب موسوليني كثيرا) سيقى لديك إزرا باوند، كما سيبقى لديك الزعيم الفاشي الأكثر احتراما يوليوس إيفولا35 إن أنت اجتزأت عبودية الأساطير السلتية والكأس المقدسة (المغايرة تماما للفاشية الرسمية).
و يمكن تحديد قائمة من السمات النمطية لما قد أسميه الفاشية الدائمة بالرغم من غموضها، ولا يمكن ترتيب هذه السمات في نظام معين فالعديد منها يناقض الآخر، كما أنها نموذجية لأنواع أخرى من الاستبداد أو التعصب لكن يكفي وجود واحدة منها لتسمح للفاشية بالتخثر حولها.

1. تتجلى السمة الأولى للفاشية الدائمة بالتمسك بالتقليدية التي هي بالطبع أقدم من الفاشية ولم تكن نموذجا للفكر الكاثوليكي المعادي للثورة بعد الثورة الفرنسية فحسب، لكنها ولدت في أواخر الحقبة الهلنستية كردة فعل على العقلانية الكلاسيكية الإغريقية . بدأت كثير من الشعوب من مختلف الأديان في حوض المتوسط (التي يقبل البانثيون الروماني أغلبها بتسامح) بدأت بالحلم بالوحي المستقبل في فجر التاريخ البشري ، وقد ظل هذا الوحي بحسب الهالة المحيطة بالتقليدية مخبوءا لوقت طويل تحت ستار اللغات المنسية في الهيروجليفية المصرية وفي الحروف السلتية وفي الصحائف القليلة للأديان المعروفة في آسيا.
كان على هذه الثقافة الجديدة أن تكون توفيقية، وهي لا تعني فقط _ كما يقول القاموس_ الجمع بين مختلف أشكال المعتقدات أو الممارسات، فجمع كهذا يجب أن يتساهل مع المتناقضات، لأن كل واحدة من الرسائل الأصلية تحوي جوهر الحكمة، وكلما بدا أنها تقول أمورا مختلفة أو متضاربة فإن ذلك يعود إلى أن كلها تشير مجازا إلى الحقيقة القديمة ذاتها.
وكنتيجة قد لا يكون هناك ارتقاء للمعرفة، فالحقيقة قد اتضحت مسبقا على نحو حاسم، وما نستطيع فعله هو أن نواصل تأويل رسالتها الغامضة فقط.
على المرء فقط أن ينظر إلى منهج كل حركة فاشية ليجد أهم المفكرين التقليديين، فالغنوصية النازية غذتها العناصر التقليدية التوفيقية المستترة. وقد جمع يوليوس إيفولا وهو المنظّر الأكثر تأثيرا لنظريات اليمين الإيطالي الجديد، جمع الكأس المقدسة مع بروتوكولات حكماء صهيون، وسحر الإمبراطورية الرومانية مع الجرمانية المقدسة، وقد تبدو حقيقة أن اليمين الإيطالي وسع منهجه أخيرا ليظهر انفتاحه حين ضم أعمالا لدي ميستر وجينون وجرامشي كدليل صريح على التوفيقية.
إذا بحثت في رفوف العصر الحديث في مكتبة أمريكية ستجد هناك القديس أوغسطين الذي لم يكن فاشيا على حد علمي، لكن الجمع بين أوغسطين وستونهينج هو عَرض من أعراض الفاشية الدائمة.

2. تعني التقليدية رفض الحداثة، وفي حين يعبد كل من النازيين والفاشيين التقنية، يرفضها المفكرون التقليديون عادة باعتبارها نقيضا للقيم الروحية التقليدية، و بالرغم من أن النازية كانت فخورة بإنجازاتها الصناعية فإن مدحها للحداثة كان ظاهريا فقط في إيديولوجيا مبنية على الدم والأرض. وكان رفضها الحداثة بحجة معارضة أسلوب الحياة الرأسمالي، ولكنها غالبا اهتمت برفض روح 1789 ( و1776بالطبع)، وكانت تعتبر التنوير وعصر المنطق بداية الفساد الحداثي، وفي ظل هذا المنطق يمكن اعتبار الفاشية الدائمة لاعقلانية.

3. تعتمد اللاعقلانية أيضا على تمجيد الفعل من أجل الفعل نفسه، فحتى يكون هذا الفعل جميلا في نفسه يجب أن يكون قد اتخذ من قبل أو دون أي تفكير مسبق. لأن التفكير هو شكل للإخصاء لذا فالثقافة يكون مشكوكا فيها بقدر ما تعرف باتجاهاتها الحاسمة. كان الارتياب بالعالم الثقافي دوما من أعراض الفاشية الدائمة، بدءا من عبارة جيورنج “عندما أسمع حديثا عن الثقافة أمسك مسدسي” إلى الاستخدام المتكرر لتعابير من مثل انحطاط المثقفين، الرفيع الثقافة، نفاج عاجز، الجامعات شبكة من الحمر. لقد كان المثقفون الفاشيون الرسميون مرتبطين غالبا بمهاجمة الثقافة الحديثة والإنتلجنسيا الليبرالية لخيانتها للقيم التقليدية.
4. لا يمكن لعقيدة توفيقية أن تقاوم النقد التحليلي، لأن الروح النقدية تصنع الاختلافات والتميز علامة للحداثة. وفي الوقت الذي يمدح المجتمع العلمي الاختلاف باعتباره طريقة لتنمية المعرفة في الثقافة الحديثة، يعني الاختلاف خيانة بنظر الفاشية الدائمة.

5. إلى جانب ذلك يعد الاختلاف علامة للتعدد. تنمو الفاشية الدائمة وتسعى للحصول على الإجماع من خلال استغلال الخوف الطبيعي وإثارته، ولهذا تقوم الفاشية أو الحركة الفاشية المبتسرة بالدعوة إلى الوقوف ضد المتطفلين وهو ما يجعلها عنصرية في تعريفها.

6. تنشأ الفاشية الدائمة من الإحباط الفردي أو الاجتماعي، ولذا كانت أكثر الملامح نمطية للفاشية التاريخية استمالة الطبقة المتوسطة المحبطة التي تعاني من أزمات اقتصادية أو شعور بالإهانة السياسية كما أنها واقعة تحت ضغط المجموعات الاجتماعية الأخرى الأدنى منها. عندما يصبح البروليتاريون القدامى برجوازيين صغارفي عصرنا هذا ( ويقصى البرولياتريون الصغار من المشهد السياسي) ستجد فاشية الغد جمهورها في هذه الأغلبية الجديدة.

7. تقول الفاشية الدائمة للناس الذين يشعرون بأنهم محرومون من هوية اجتماعية واضحة إن امتيازهم الوحيد هو نفسه الأكثر شيوعا بينهم كونهم ولدوا في البلاد نفسها، وهذا هو أصل الوطنية. بالإضافة إلى أن الوحيدين الذين يمكن أن يقدموا هوية للأمة هم أعداؤها، وهذا يعني أن استحواذ فكرة المؤامرة -وهي غالبا مؤامرة دولية- متجذر في الفاشية الدائمة إذ يجب أن يشعر الأتباع بالقلق، والطريقة الأسهل لحل هذه المعضلة تكمن في الكشف عن الخوف من الغرباء لكن المؤامرة أيضا يجب أن تأتي من الداخل، ويكون اليهود غالبا الهدف الأفضل لأنهم يمتازون بوجودهم في الداخل والخارج في الوقت نفسه. وقد ظهر مثال واضح على الهوس بنظرية المؤامرة في الولايات المتحدة وتجلى في كتاب بات روبرتسون “النظام العالمي الجديد”، غير أن هناك أمثلة أخرى غيره كما شهدنا مؤخرًا.

8. يجب أن يشعر الأتباع بالذل من خلال تفاخر أعدائهم بالثروة والقوة، وأذكر أني حين كنت صغيرا كنت أظن أن الإنجليز شعب مرفه، فهم يتناولون وجبات أكثر مما يفعل الإيطاليين الفقراء المقتصدين، كما أن اليهود أغنياء ويساعدون بعضهم بعضا من خلال شبكة سرية للمساعدة التعاونية. على أية حال يجب إقناع الأتباع أن بإمكانهم دحر الأعداء، ما يعني أنه من خلال تحول مستمر للتركيز الخطابي سيكون الأعداء أقوياء جدا وضعفاء جدًا في الوقت نفسه، وتتهم الأنظمة الفاشية بخسارتها للحروب بسبب عدم قدرتها على تقييم قدرات الأعداء بموضوعية.

9. بالنسبة للفاشية الدائمة ليس هناك صراع من أجل الحياة بل بالأحرى الحياة تعاش من أجل الصراع، وبالتالي تتواطأ اللاعنفية مع الأعداء فهي سيئة؛ لأن الحياة نضال دائم وهذا على أية حال يخلق عقدة “أرمجدون”36. بما أن الأعداء يجب أن يهزموا يجب أن تكون هناك معركة أخيرة تسيطر بعدها الحركة على العالم، ولكن هذا الحل الأخير سيعني مجيء حقبة للسلام وعصر ذهبي يتناقض مع مبدأ الحرب الدائمة، و ليس هناك من قائد فاشي نجح في حل هذا المأزق.

10.إن النخبوية هي مظهر نمطي لأي إيديولوجيا رجعية بقدر ما هي أرستقراطية أساسا. وتعني النخبويةُ العدوانيةُ والأرستقراطيةُ ازدراءَ الضعيف بوحشية. يمكن للفاشية الدائمة أن تؤيد النخبوية الشعبية فقط، فكل مواطن ينتمي إلى أفضل الناس في العالم، وأعضاء الحزب هم الأفضل بين المواطنين، وكل مواطن يمكن (أو يجب أن) يصبح عضوا في الحزب، لكن لا يمكن أن يكون هناك أعضاء دون عوام. في الواقع يعرف القائد بأن سلطته لم تصل إليه ديمقراطيا لكنه انتزعها بالقوة، ويعرف أيضا أن قوته مبنية على ضعف الجماهير، فهي ضعيفة جدا إلى درجة أنها تحتاج وتستحق حاكما. و بما أن المجموعة منظمة تراتبيا (وفق نموذج عسكري) فإن كل قائد ثانوي يكره مرؤوسيه وكل واحد منهم يكره من هم أدنى منه وهذا يعزز حس النخبوية.
11. في منظور كهذا يتعلم الكل أن يصبح بطلا، وإن كان البطل في الأساطيركائنا استثنائيا، فالبطولة في إيديولوجيا الفاشية الدائمة هي القاعدة. هذه العبودية للبطولة مرتبطة بشدة بالعبودية للموت؛ فليس من قبيل المصادفة أن شعار الكتائبيين الإسبان كان ( يحيا الموت ). ويتعلم العوام في المجتمعات غير الفاشية أن الموت هو حدث غير سار لكنه يجب أن يواجه بشجاعة، ويعرف المؤمنون أنه الطريقة المؤلمة للوصول إلى السعادة المطلقة. وعلى النقيض يتمنى بطل الفاشية الدائمة موتا بطوليا ويرى أنه المكافأة المثلى للحياة البطولية. وهذا يعني أن البطل في الفاشية الدائمة متلهف للموت وفي لهفته هذه يرسل غالبا أناسا آخرين للموت.
12. بما أن كلا من الحرب الدائمة والبطولة هي ألعاب صعبة يحول الفاشي الدائم رغبته بالسلطة إلى الأمور الجنسية، وهذا هو أصل الفحولة (التي تعني ازدراء النساء والحساسية والإدانة للعادات الجنسية غير العادية من العفة إلى المثلية) ولكون الجنس لعبة صعبة أيضا، فإن البطل الفاشي يميل إلى اللعب بالأسلحة وبفعله ذلك يكون كمن يمارس المداعبة الجنسية الذاتية .

13. إن الفاشية الدائمة مبنية على الشعبانية الانتقائية وهي شعبانية نوعية إذا جاز التعبير. في الديمقراطية يتمتع المواطن بحقوق فردية ولكن المواطنين في كليتهم لهم تأثير سياسي فقط من وجهة نظر عددية، فأحدهم يتبع قرارات الأغلبية. بالنسبة للفاشية الدائمة على أية حال لا يملك الأفراد حقوقا كأفراد، ويعتبر الشعب مجرد صفة أو كيانا متراصا يعبر عن الإرادة المشتركة. وبما أنه لا يمكن لعدد كبير من البشر أن يكون لهم إرادة واحدة يتظاهر القائد بأنه مفسرإرادتهم، ولكونهم فقدوا سلطتهم في التعيين يفقد المواطنون قدرتهم على فعل شيء، فهم يستدعون فقط للعب دور الشعب. وهكذا فإن الشعب هو مجرد خيال مسرحي، ولن نحتاج بيزا فينيسيا في روما أو استاد نورمبريج لإظهار الشعبانية الكمية، ففي مستقبلنا شعبانية تلفزيونية أو إنترنتية يمكن أن تمثل عبرها ردة الفعل العاطفية لمجموعة منتقاة من المواطنين وتقبل باعتبارها صوت الشعب.
وبسبب شعبانيتها النوعية يجب أن تكون الفاشية الدائمة ضد الحكومات البرلمانية “الفاسدة وكان قول موسوليني:” كان بإمكاني أن أحول هذا المكان الأصم والكئيب إلى مخيم لجنودي”_ maniples قطعة من الفيلق الروماني التقليدي_ من أوائل الجمل التي قالها في البرلمان الإيطالي، و قد وجد مأوى أفضل لشرذمته، لكنه بعد ذلك بقليل حل البرلمان. وهذا يفضي بنا إلى القول إنه حينما يعبر سياسي عن شكوكه حول شرعية البرلمان لأنه لم يعد يعبر عن صوت الشعب فيمكننا أن نشم الفاشية الدائمة.

14. تتحدث الفاشية الدائمة لغة “نيوزبيك” 37 اللغة المبهمة التي قد اخترعها أورويل في عمله 1984، إنها اللغة الرسمية “للإنجسوك”38 أي الاشتراكية الإنجليزية، ولكن عناصر الفاشية الدائمة مشتركة مع أنماط أخرى من الديكتاتوريات، فقد استخدمت كتب المدارس الفاشية أو النازية لغة فقيرة ونحوا بسيطا بهدف الحد من أدوات المنطق المعقد والنقدي، ولذا علينا أن نكون مستعدين لتحديد أنواع أخرى من اللغة المبهمة حتى لو كانت تظهر بمظهر البريء ظاهريا في برنامج حواري شعبي.
في صباح 27 يوليو/ تموز 1943 علمت_ وفقا لتقارير المذياع_ بانهيار الفاشية و اعتقال موسوليني، وعندما أرسلتني أمي لشراء الصحيفة رأيت أن الصحف في الكشك القريب كانت تحمل عناوين مختلفة، وأدركت عندها أن كل صحيفة تقول أمورا مختلفة. اشتريت إحداها دون تفكير وقرأت رسالة في الصفحة الأولى وقعتها خمسة أو ستة أحزاب سياسية كان من بينها الحزب الشيوعي و الحزب الاشتراكي و الحزب المسيحي الديمقراطي وحزب العمل والحزب الليبرالي.
حتى ذلك الوقت كنت مؤمنا بوجود حزب واحد في كل دولة والذي كان في إيطاليا هو الفاشي، الآن أجد في بلادي عددا من الأحزاب يمكن أن تظهر في الوقت نفسه، وبما أني كنت ولدا ذكيا فقد أدركت على الفور أن العديد من الأحزاب لم تظهر بين ليلة وضحاها، وأن من المؤكد أنها عملت لبعض الوقت كمنظمات سرية.
كانت الرسالة في الصفحة الأولى للجريدة تحتفل بنهاية الديكتاتورية وعودة الحرية، حرية التعبير وحرية الصحافة وحرية التنظيم/ العمل السياسي. هذه الكلمات حرية وليبرالية وديكتاتورية أقرؤها الآن لأول مرة في حياتي.. فقد ولدت من جديد كرجل غربي حر بفضل هذه الكلمات الجديدة.
يجب أن نبقى متنبهين بحيث لا ننسى الإحساس بهذه الكلمات مرة أخرى، فما تزال الفاشية الدائمة حولنا، أحيانا يكون ذلك بشكل خفي. وسيكون من السهل علينا أن نميزها إن ظهر شخص ما في العالم ليقول: أريد فتح معسكر أوشفينيز من جديد، أو أريد للقمصان السوداء أن تؤدي عرضا في الميادين الإيطالية مرة أخرى، لكن الحياة ليست بهذه البساطة ويمكن للفاشية الدائمة أن تعود مقنعة بمظهر بريء، ومن واجبنا أن نكشفها ونشير بأصابعنا إلى أي شكل من أشكالها الحديثة كل يوم في كل جزء من العالم. وتبدو كلمات فرانكلين روزفلت في الرابع من نوفمبر 1938 جديرة بالاستدعاء هنا إذ يقول:”إني أجرؤ على القول بتحد أنه إذا كفت الديمقراطية الأمريكية عن التقدم كقوى حيوية تسعى ليلا ونهارا بوسائل سلمية من أجل رخاء مواطنيها ستنمو الفاشية بقوة على أرضنا.”
الحرية والتحرر مهمتان لا نهائيتان وسأنهي حديثي هذا بقصيدة لفرانكو فورتيني:
على حاجز الجسر
تتدلى رؤوس المشنوقين
وفي الجدول المتدفق
يسيل لعابهم
على رصيف السوق
أظافر الذين اقتيدوا في صف وأطلقت عليهم النار
على العشب الجاف في الفضاءات المفتوحة
أسنانهم المكسورة
تعض الهواء وتعض الأحجار
لم يعد لحمنا إنسانيا
تعض الهواء تعض الأحجار
لم تعد قلوبنا إنسانية
لكننا قرأنا في عيون الموتى
وسنصنع الحرية على الأرض
في قبضات الموتى المطبقة بإحكام
تستلقي الحرية التي علينا أن ندافع عنها)
ترجم القصيدة ستيفن ساراتاريللي

 

 


ملاحظات المترجمة:

1- مسابقة لودي لليافعين: مسابقة سنوية للثقافة والرياضة والفن في إيطاليا الفاشية.
2- فافن إس إس: الجناح العسكري للحزب النازي.
3- قوات الأنصار: تألفت هذه الحركة من عدد من المجموعات المستقلة التي قادها عدد من السياسيين الذين عارضوا الحكم الفاشي.
4- الجنرال بادوليو: عارض موسوليني فتم إقصاؤه عام 1922 كسفير في البرازيل، ثم عاد إلى إيطاليا عام 1924 وأصبح رئيس أركان حرب القوات المسلحة الإيطالية والعسكري الأكثر شهرة في إيطاليا وهو محسوب على الملك ومن المقربين إليه.
5- ديك ترايسي وليل أبنر: كتب هزلية مصورة.
6- العصابات: مجموعات من المقاتلين الذين ينتمون إلى المقاومة الفرنسية إبان احتلال فرنسا في الحرب العالمية الثانية.
7- الجيش السري: تأسس عام 1943 لتنظيم مقاتلي المقاومة الفرنسية إبان الحرب العالمية الثانية، وقد أسسه جان مولان.
8- الأوركسترا الحمراء: أكبر حركة مقاومة ضد هتلر. وصمت الدعاية النازية أفرادها بأنهم خونة وجواسيس للشيوعية. وبات هذا الادعاء حقيقة ي كتب التاريخ.
9- جيتو وارسو: هو أكبر المعسكرات التي اعتقل فيها اليهود إبان الاحتلال النازي لأوروبا في الحرب العالمية الثانية وتأسس في العاصمة البولندية.
10- المقاومة : هو المصطلح الذي اندرجت تحته قوات مختلفة من الإيطاليين لقتال النظامين النازي الألماني والفاشي الإيطالي.
11- إدجار دو سوجنو: دبلوماسي وسياسي إيطالي، انضم إلى قوات موسوليني التي شاركت في الحرب الإسبانية لكنه بعد ذلك بدأ بتشكيل مجموعات معارضة للفاشية، كما أنه مؤسس منظمة فرانكي.
12- أدولف إيخمان: أحد المسؤولين الكبار في الرايخ الثالث وضابط في القوات الخاصة الألمانية، هرب إلى الأرجنتين متخفيا حتى عام 1960 حيث قبض عيه عملاء الموساد ونقلوه إلى إسرائيل حيث حوكم وأدين وشنق ثم أحرقت جثته.
13- طليعة مناهضي الفاشية: أوائل الذين أعلنوا معارضتهم للفاشية في الوقت الذي كانت فيه حكومة الولايات المتحدة ما تزال تحتفظ بعلاقة ودية مع النظام الفاشي في إيطاليا، والنازي في ألمانيا ( وإن على نحو أقل)، بالإضافة إلى دعمها للجمهورية الإسبانية الثانية إبان الحرب الأهلية الأسبانية.
14- أخوي: أي عضو من الفاشية العسكرية التي تأسست في فرنسا بين 1935 و1940.
15- كتائبي: أي ينتمي للكتائب الإسبانية لجمعيات الهجوم الوطني المعروفة باسم الكتائي أو الفلانخي وهي التسمية التي تضم العديد من الحركات والأحزاب السياسية ويعود تاريخها إلى ثلاثينيات القرن الماضي وعلى الأخص الحركة الفاشية في إسبانيا.
16- أوستاشي: تعني من ينتمي إلى الحركة الفاشية في كرواتيا التي نشطت قبل الحرب العالمية الثانية وأثناءها.
17- كويلسي: يقصد بها من تعاون مع قوى الاحتلال خلال الحرب العالمية الثانية، وتعود التسمية إلى صحيفة التايمز البريطانية التي نشرت في عددها الصادر في 19 أبريل 1940 افتتاحية بعنوان “كويلسنغ في كل مكان” نسبة إلى فيدكان كويلسنغ النرويجي الذي تواطأ مع ألمانيا النازية في أثناء احتلالها لبلاده وصار بعد ذلك رئيس الحكومة خلال تلك الفترة.
18- الفن المتدهور: مصطلح تبناه النازيون لوصف كل الفنون الحديثة التي كان يرونها مفسدة للأخلاق.
19- جيوفاني جينتيلي: فيلسوف إيطالي مثالي من أتباع الهيغلية الجديدة، أحد زملاء من بينيديتو كروتشي. وصف نفسه بأنه “فيلسوف الفاشية” وألف مذهب الفاشية (1932) لبينيتو موسوليني. ابتكر أيضاً مذهبه الفلسفي “المثالية الفعلية”.
20- أوزوالد موسلي: سياسي إنجليزي يعرف عموما بأنه مؤسس اتحاد الفاشيين البريطاني.
21- اليعاقبة: أو الراديكالية السياسية بالمعنى العام وفي الأصل المبادئ السياسية لليعاقبة وهم مجموعة للديمقراطيين الثوريين في فرنسا إبان الثورة الفرنسية 1789-1794
22- ألبيرت شبير: مهندس وسياسي ألماني، كان وزير التسليح ومستشارا لهتلر انضم للحزب النازي عام 1931.
23- ميس فان دير روه: هو ماريا لودفينج من أشهر المعماريين الألمان وأحد أشهر معماريي القرن العشرين شهرة وتأثيرا واكتسب شهرته من التصاميم الجيدة منتظمة الأشكال للمباني التي شيدها من القرميد والصلب والزجاج وتتلخص فلسفته المعمارية في “الأقل هو الأكثر”.
24- جون لامارك: جندي فرنسي وأكاديمي مهتم بالطبيعة، نشر عام 1802 كتابه “فلسفة علم الحيوان” وهو أول نظرية لتطور الكائنات.
25- والتر جروبيوس: معماري ألماني كان له تأثير كبير على المعمار الحديث بوصفه مهندسًا معماريًا ومعلمًا على حد سواء. ولعل جروبيوس اشتهر أكثر بوصفه مؤسس كلية الباوهاوس للتصميم في ألمانيا.
26- أندريه جدانوف: مسؤول الدعاية في حزب الشيوعي السوفيتي أثناء الحرب العالمية الثانية صاحب مبدأ جدانوف الرامي إلى نشر الشيوعية في العالم ومؤسس مكتب الكومنفورم. ينسب إليه المذهب الأدبي المعروف بالجدانوفية jdanocism وتعرفه الموسوعة العربية بأنه : الجدانوفية Zhdanovism (Jdanovism) نهج سياسي إيديولوجي اشتراكي متشدد وضع ضوابط ومعايير للكتّاب والفنانين والعلماء في المدة ما بين 1934-1953، والمقصود بهذا التعبير هو التأطير الصارم والجامد للعمل الإبداعي من خلال هيمنة المضمون على الشكل، وخلق أبطال إيجابيين من أوساط العمال وعدّ العمل أسمى معيار، والتركيز على آفاق الثورة الاشتراكية في العالم.
27- جائزة كريمانو وجائزة بيرجامو: جائزتان فنيتان إيطاليتان.
28- دا أنونزيو: شاعر وأديب وكاتب مسرحيات إيطالي كانت له مكانته في الأدب الإيطالي ويشار إليه غالبا بـ”الشاعر” أو “النبي”.
29- عصر الانحطاط الفرنسي: مصطلح أطلقه النقاد الذين انتقدوا الكتاب الذي اعتنوا بالصنعة كثيرا في أواخر القرن الثامن عشر.
30- فيليبو مارينيتي: شاعر وأديب وهو من أوجد الحركة المستقبلية في الفن والموسيقى والأدب.
31- “النصر في ساموتراس” تمثال وجد في جزيرة دي ساموتراس اليونانية التي تقع شمال شرق بحر إيجة ويرجع تاريخه إلى القرن الثاني قبل الميلاد ويجسد “نيكيا” إلهة النصر التي تظهر بجناحين من الرخام.
32- أوجينيو مونتالي هو شاعر إيطالي، ناثر، مترجم ومحرر، ولد في جنوة في 12 أكتوبر 1896 وتوفي في 12 سبتمبر 1981 في ميلانو. حصل على جائزة نوبل في الأدب لسنة 1975.
33- لودفيغ فتغانشتاين، واد من أكبر فلاسفة القرن العشرين، ولد في فيينا بالنمسا ودرس بجامعة كمبردج بإنجلترا وعمل بالتدريس هناك. وقد حظي بالتقدير بفضل كتابيه “رسالة منطقية فلسفية” وتحقيقات فلسفية. عمل في المقام الأول في أسس المنطق، والفلسفة والرياضيات، وفلسفة الذهن، وفلسفة اللغة.
34- اللغة – اللعبة: اللغة عند فتجنشتاين هي الطريق إلى المعرفة باعتبارها وسيلم لفهم تكوين المعنى في الخطاب، وهو يعتبر أن اللغة تتمثل في مجموعة من الألعاب اللغوية الممكنة، وأوجه الاستعارة متعددة، فاللعبة تتضمن القواعد مثل اللغة، واللعبة فعل مثل اللغة، واللغة مكونة من الألفاظ مثلما تتكون اللعبة من القطع والأشكال واللغة نظام يأخذ كل لفظ فيه مكانه باعتبار محيطه كما تكتسب كل قطعة أو شكل في اللعبة قيمتها من القطع الأخرى.
35- يوليوس إيفولا: فيلسوف روحاني إيطالي اعتبر مواقفه وقيمه الروحية أرستقراطية وتقليدية وبطولية ورجعية.
36- أرمجدون: أو هرمجدون هي المعركة الفاصلة بين الخير والشر وتأتي على إثرها نهاية العالم.
37- نيوزبيك: أو اللغة الجديدة هي لغة مبهمة اخترعها جورج أورويل في روايته 1984 وكان يستخدمها الأخ الأكبر والحزب الحاكم وألزم الناس باستخدامها، وقام باستبدالها باللغة الإنجليزية بهدف تضييق الحصار على أفكار المواطنين فحذف منها أي معاني أو مرادفات للحرية وما إلى ذلك.ح
38- إنجسوك: العقيدةالياسية للنظام الشمولي في جمهورية أوشينيا “في رواية أورويل 1984”.

error: المحتوى محمي