الغرب والإسلام (2): نمط  آخر من الوعي بـ “الآخر” – محمد عابد الجابري

الغرب والإسلام (2): نمط آخر من الوعي بـ “الآخر” – محمد عابد الجابري

مجلة الجابري – العدد الثالث


أبرزنا في القسم الأول من هذا الحديث (العدد الماضي) أهمية مقولة “الآخر” في الفكر الأوربي عموما، والحديث والمعاصر منه خصوصا. وقد رأينا كيف أن هذه المقولة تحتل فيه مكانتها كبديهية من بديهيات الفكر ومقوم من مقوماته الجوهرية. وبعبارة أخرى يعتبر مفهوم ” الآخر” داخل الفكر الأوربي كـ “أحد المفاهيم الأساسية للفكر، وبالتالي يستحيل تعريفه، وهو يقال في مقابل الأنا” ( أو الذات). وبما أن هذه الذات -الأوربية- لا تعي نفسها إلا عبر “آخر”، فإن “الآخر” شرط في وجودها. وهل الذات شيء آخر غير “الوعي بالذات”؟

انطلاقا من هذا التصور حاول الباحث الاجتماعي الفرنسي بيرتراند بادي، كما رأينا، تصنيف درجات أو أنماط الوعي بالآخر/الإسلام لدى الغرب، فميز بين رؤية للإسلام تقوم على التوهم والتخيل، ويتعلق الأمر بالكيفية التي يتصور بها الغرب الإسلام كموضوع، غريب فاتن أو كخصم وعدو، من جهة، وبين رؤية تقوم على اعتبار الإسلام طرفا يتم التعامل معه بحذر وتخطيط ومن أجل أهداف مرسومة، من جهة أخرى.

يتعلق الأمر هنا بما أسماه بـ “الغيرية الاستراتيجية”، وهي غيرية تؤسسها ذكريات تاريخية ومواقف معينة ومعطيات ثقافية الخ… مما يفسح المجال لنوع من الرؤية للآخر/الإسلام، سماها -هذا الباحث- بالغيرية المنهجية، واقترحها كوسيلة لفهم الآخر فهما قوامه الاعتراف به ومقارنة كيانه ومراحل تطوره بما تنسبه “الأنا”/الغرب لنفسها من خصوصية وتاريخ الخ….

غني عن البيان القول إن هذه الأنواع الثلاثة من الوعي بالآخر يمكن أن نتبينها، بصورة أو بأخرى، في العلاقات التي تربط بين طرفين تتشابك في وعيهما علاقات الجوار وذكريات التاريخ وطموحات المستقبل الخ… وبالتالي فقد لا نعدم مثيلا لها في الطرف الذي يضعه الغرب تحت مقولة “الإسلام”. بل يمكن القول إن هذه الأنماط الثلاثة من الغيرية قد وجدت في الإسلام منذ قيامه ومازالت موجودة إلى اليوم. إن المجال لا يتسع للقيام هنا بـ “مسح” تاريخي شامل -وهل بالمستطاع ذلك؟- لحضور هذه الأنواع بالوعي للآخر في علاقة الإسلام بالغرب، والغرب بالإسلام. غير أننا قد لا نجانب الصواب إذا نحن قلنا إننا نستطيع أن نلمح هذه الأنماط الثلاثة من الوعي بالآخر/الغرب (=النصارى، الروم) في القرآن نفسه.

إن موقف القرآن من النصارى ينطلق -في البداية على الأقل- من الاعتراف بهم، لا كـ “آخر” بالمعنى الأوربي للكلمة، بل كواحد من “آخرين” يعترف بهم، كأهل دين، وهم جميعا، بما في ذلك “الأنا”/الإسلام، متساوون أمام الله. يقول تعالى: “إن الذين آمنوا (المسلمون) والذين هادوا (اليهود) والنصارى والصابئين، من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون” (البقرة 62). بل إن القرآن يعتبر النصارى أقرب مودة إلى المسلمين من اليهود والمشركين: “لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا. ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى. ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون” (المائدة 82).

وهذا الموقف الذي يمكن وصفه بـ “الغيرية الإيجابية” لم يكن يخص النصارى العرب وحدهم بل يعم النصارى عموما، إذ يتم التعبير عنه في موقف آخر بصورة أقرب ما تكون إلى الموقف السياسي الإيجابي من الغرب المسيحي الذي كان يتمثل آنذاك في الروم (البيزنطيين). ففي القرآن: “الم، غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وعد الله، لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون” (الروم 1-6). إن القرآن ينتصر هنا للروم البيزنطيين في حربهم مع الفرس، زمن البعثة المحمدية، وذلك عندما كان “النصارى” الروم، كالنصارى العرب، مجرد “آخر” مختلف، ومجرد جار مسالم، على صعيد الدين كما على صعيد السياسة.

لكن، عندما أصبح الجوار والعلاقات الاجتماعية المختلفة، كعلاقات الولاء، يطرحان مسالة رسم الحدود بين المسلمين واليهود والنصارى، المتساكنين في “المدينة”، برزت الحاجة إلى تحديد الهوية، فظهر نوع جديد من الغيرية أشبه بالغيرية المنهجية المقارنة التي تعرفنا عليها سابقا، وهي غيرية تؤكد على الانفصال والاختلاف الماهوي كما في قوله تعالى:”يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتوَلَّهم منكم فإنه منهم. إن الله لا يهدي القوم الظالمين” (المائدة 51).

ويرتفع الاحتكاك، بفعل الجوار، من مجرد احتكاك التساكن داخل المدينة الواحدة (مدينة الرسول) إلى احتكاك بين دولة صغرى ناشئة ودولة كبرى قائمة، ذات مصالح اقتصادية واستراتيجية في المجال الذي تتحرك فيه الدولة الوليدة. وهكذا فبمجرد ما رأت دولة الروم/الغرب أن الإسلام لم يعد مجرد حركة محلية، وأنه صار دولة تهدد مصالحها في المنطقة بادرت إلى الاصطدام العسكري معه (غزوة مؤتة). ثم جاء فتح مكة، التي كانت مركزا تجاريا عالميا، فازدادت مخاوف الروم على مصالحه التجارية والاستراتيجية فجهز هرقل، رئيس الروم، جيشا ضم إليه جموعا من القبائل العربية النازلة بالشام وفلسطين، يريد اقتحام مكة وانتزاعها من الدولة الجديدة، دولة الإسلام.

لقد تغيرت طبيعة هذا الآخر/الروم/الغرب فكان من الطبيعي أن يتغير موقف الإسلام منه. و تأتي سورة(1) ” براءة” لتقرر “غيرية” أخرى إزاء أصناف “الآخر” التي تعاملت معا: إزاء المشركين من قريش، الذين كانت تربطهم مع الرسول معاهدات (نقضوها)، وأيضا إزاء اليهود والنصارى الذين صاروا خصوما معلنين: إنها “غيرية البراءة”، وهي غيرية استراتجية لا لبس فيها عبر عنها القرآن في غير ما آية من السورة المذكورة. من ذلك قوله تعالى: “وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، ذلك قولهم بأفواههم، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله، أنّى يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، والمسيحَ ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون. يردون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون” (براءة/التوبة 31-32 -انظر تحلينا لهذه السورة والأحداث المرتبطة بها في كتابنا: “العقل السياسي العربي” مركز دراسات الوحدة العربية بيروت. ص121 وما بعدها.)

 

***

لقد أتينا على ذكر هذه الأنماط من الغيرية، إزاء “النصارى” والروم/الغرب، كما وردت في القرآن الكريم ليس فقط من أجل الرجوع إلى الجذور الأولى لعلاقة الإسلام بالغرب، بل أيضا لأن هذه الأنماط من الوعي إزاء الآخر المسيحي/الغرب قد ترسخت في ضمير المسلمين ليس فقط من خلال علاقات الجوار وصنوف الاحتكاك التي عرفها تاريخهما على مدى خمسة عشر قرنا والتي بقيت مستمرة إلى اليوم، بل أيضا لأن ورودها في القرآن جعلها تتأسس في وعي المسلمين كحقائق مطلقة، كما هو الشأن في كل ما تقرره الكتب المقدسة، خصوصا عندما تقرأ مع الجهل بـ “أسباب النزول”. ومن دون شك فإن ورود هذه الأنماط من الوعي بالآخر/الغرب في القرآن يفسح المجال، اليوم كما بالأمس، لتبرير المواقف التي تفرضها الأحداث والاحتكاكات وإضفاء الشرعية الدينية عليها.

إن المجال هنا ليس مجال استعراض مواقف المسلمين إزاء الغرب المسيحي، ولا مواقف هذا إزاء الإسلام، فهي مواقف متنوعة وتاريخية محكومة بالظروف. ومع ذلك فلا ينبغي أن تفوتنا الإشارة هنا إلى أن مواقف المسلمين إزاء المسيحية كانت أقل عداء من مواقف المسيحيين إزاء الإسلام. وقد تكفي الإشارة هنا إلى أن المسيحية لا تعترف بالإسلام دينا بل تعتبره بدعة وهرطقة (=نحلة منحرفة). أما الموقف من نبي الإسلام محمد (ص) فهو أبعد ما يكون من موقف الإسلام و المسلمين من النبي عيسى. ومع أن الباحث يصادف من حين لآخر في كتب التراث الإسلامي عبارات عدائية وجارحة أحيانا، إزاء المسيحيين وإزاء رجال الدين منهم خاصة، فإن عنف العبارة بل القذف الصريح للإسلام، والمتَّسِم أحيانا بالمبالغة وتجاوز الحدود إنما نجدهما بصورة أوسع وأوضح في التراث الغربي في القرون الوسطى، بل وفي كتابات بعض المحدثين من الكتاب الأوربيين، مستشرقين وغير مستشرقين. (لنترك هذا الآن، سنخصص ملفا لموضوع “الغرب والإسلام”، ينشر في عدد قادم وسيكون من بين مواده هذا الجانب).

لننتقل، إذن، إلى نمط آخر من الغيرية يختلف عن الأنماط التي ذكرنا، نمط ساد ويسود العلاقات بين الغرب والإسلام منذ القرن الماضي، ليس الإسلام كدين بل الإسلام كأرض وسكان وموقع الخ… نكتشف هذا النمط في الخطاب الأوربي كما نجده في الخطاب العربي الإسلامي. وفيما يلي نماذج منه كما عبرت عنه النصوص هنا وهناك.

يرجع هذا النمط “الخاص” من الوعي بالآخر، عند الغرب، إلى تلك الحركة الفكرية، والعملية الصناعية، التي اشتهرت في فرنسا خلال النصف الأول من القرن الماضي والمعروفة باسم السانسيمونية، نسبة إلى المفكر الفرنسي الشهير سانسيمون Saint Simon (1760-1825)، أحد الدعاة الكبار لما عرف بـ”الاشتراكية الطوباوية”. كان مذهبه يقوم على التنظيم العقلاني للاقتصاد والإدارة وعلى المشاريع الصناعية الكبرى لخير الكادحين، مع نزعة إنسانية مؤطرة ضمن ما أسماه سانسيمون نفسه بـ “المسيحية الجديدة”، المبنية على العلم والصناعة. لقد اعتقد سانسيمون في أواخر حياته أنه بُعِث رسولا لقيادة البشرية إلى عصر جديد، عصر الصناعة والسلم و”التشارك” ASSOCIATION على الصعيد العالمي.

التف حول سانسيمون جماعة من الأنصار خلفوه في دعوته وطوروا مذهبه، وكان من أبرزهم الداعية الشهير آنفانتان Enfantin (1796-1864). لقد تحولت أفكار سانسيمون على يد هذا الداعية النشط إلى مذهب فكري واجتماعي و”علمي” بالغ الطموح. لقد كان يرمي إلى أن يجعل من هذا المذهب دينا جديدا يتولى القيام بنفس الرسالة التي قامت بها الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى، ولكن بصورة جديدة قوامها مشروعات صناعية كبرى تربط أجزاء الأرض بعضها ببعض هادفة إلى توحيد العالم صناعيا، وصولا إلى توحيده روحيا.

وبما أن مصر هي البلد الذي يربط الشرق بالغرب، إذ تجاور البحر الأبيض المتوسط الذي تطل عليه أوربا من جهة والبحر الأحمر الذي تبدأ عنده آسيا من جهة أخرى، فقد اتجه آنفانتان باهتمامه إلى أرض الكنانة التي لم يكن قد مضى وقت طويل على حملة نابليون عليها (1798)، حملته العسكرية والعلمية الشهيرة. وكان سانسيمون، الذي عاصر نابليون، قد وضع مشروعا لشق قناة في السويس تربط البحر الأحمر والأبيض المتوسط. وكان كثير من السانسيمونيين من خريجي مدرسة البوليتيكنيك الشهيرة بفرنسا. أراد آنفانتان أن يحقق مشروع سانسيمون هذا ويوحد بين الشرق والغرب، ولكن محاولته فشلت إذ واجهته صعوبات وعراقل بعضها من الجانب المصري وبعضها من فرنسا ذاتها. غير أن المشروع سرعان ما انبعث من جديد على يد دوليسبس De Lesseps الذي نجح في إنشاء شركة عالمية لشق القناة، فابتدأ العمل فيها عام 1859 ليتم الاحتفال بتدشينها في 16 نوفمبر 1869.

كان السانسيمونيون يعقدون آمالا كبيرة على قناة السويس، إذ كانوا يرون فيها البرزخ الذي سيكرس التوافق والتفاهم والانسجام بين الشرق والغرب. كانوا يبررون التوسع الغربي بكونه وسيلة لإعادة الحياة والتقدم إلى الشرق من جهة، ومرتعا يستقي منه الغرب الروحانية التي افتقدها، من جهة أخرى. وهكذا دعا ميشيل شوفاليي Michel Chevalier، من جماعة آنفانتان، الشعوب الأوربية إلى التوسع والانتشار حاملة نشاطها العلمي الصناعي إلى “هذا الشرق الذي يمد إليها ذراعيه العطرتين”. لقد كان يرى أن قناة السويس ستصبح “فراش ليلة زفاف الشرق والغرب”Le lit nuptial de l’Orient et de l’Occident ولكن أي زفاف؟ ومن هو العريس الذكر، ومن هي العروس الأنثى؟

نجد الجواب صريحا واضحا في قصيدة يتغنى فيها آنفانتان بالسويس. ومما جاء فيها:

“السويس Suez,
هي مركز جانب الشغل والعمل من حياتنا est le centre de notre vie de travail
هناك سنقوم بإتيان الفعل Là nous ferons l’ACTE
الذي ينتظره العالم attend que le monde ليعترف بأننا رجال فحول pour confesser que nous sommes mâle

[…]

الكرة الأرضية، تلك Le globe, voilà notre fiancée notre MERE, pour le moment هي خطيبتنا، أمنا،لهذا الوقت،
الشعب عائلتنا Le PEUPLE est notre famille, ENGENDRONS par le travail
لنتناسل بالعمل
لنحتضن الأرض، ولنداعبها embrassons; caressons la TERRE.
لننتظر Attendons le lait de la FEMME mais nous HOMMES préparons le pain..
حليب المرأة، ولكن علينا نحن الرجال أن نهيء الخبز.

عندما انتهى العمل في قناة السويس أقيم حفل تدشين حضرته شخصيات دولية، منها ممثل الكنيسة الذي ألقى خطابا، كان مما جاء فيه قوله: “اسمحوا لي أن أؤكد أن الساعة التي تدق الآن ليست من أبرز الأوقات في هذا القرن وحسب، بل إنها من أعظم اللحظات في تاريخ الإنسانية وأكبرها أثرا. ففي هذا المكان الذي تلتقي فيه آسيا وافريقا بدون صدام، نحتفل اليوم احتفالا عالميا يجمع جميع الأعراق التي على الأرض. إن جميع الأعلام والرايات ترفرف بفرح تحت السماء الواسعة الساطعة. و ها هو الصليب بجانب الهلال […]

أمامنا هنا، أمام أرجلنا، يتاح لنا أن نتدبر العمل العظيم الذي كان يراه مستحيلا أولئك الذين مازالوا لا يدركون ما يستطيع الإنسان أن يفعله، عندما تحركه الإرادة والعزيمة. لننظر إلى النهر الذي شقته بأيديها مخلوقات بشرية والذي سيبقى موضوع اندهاش للأجيال المقبلة. لننظر إلى ما صنعه العلم والتكنولوجيا والشجاعة والإخلاص، إلى ما حققته المثابرة، المنتصرة على الخلافات والنزاعات، إلى ما أنجزته عبقرية الإنسان تحت رعاية الله. لننظر إلى البواخر التي تنتمي إلى جميع الأمم، والتي تتهيأ لأن تجتاز لأول مرة العتبة التي توحد الشرق والغرب لتجمعهما في عالم واحد. لقد سقط الحاجز، وهاهي المسافة، التي هي العدو الخطير للإنسانية والحضارة، تفقد في لحظة واحدة ألفي فرسخ من مملكتها. وهكذا يقترب طرفا العالم ليحيي أحدهم الآخر. وستكتشفون بذلك أن الناس جميعا هم أبناء الله […] وكما أن التاريخ قد جعل في الماضي اكتشاف أمريكا فاصلا بين القرون، فسنقول في المستقبل عن حادثة ما إنها حدثت قبل أو بعد أن ارتبط الشرق بالغرب بواسطة الجانب المفتوح من مصر، قبل أو بعد 16 نوفمبر 1869، قبل أو بعد فتح قناة السويس”.

وفي مقابل هذه الخطبة الدينية الرومانسية المتفائلة، التي تبشر بغيرية “المثابرة المنتصرة على النزاعات والخلافات” غيرية “الصليب بجانب الهلال”، كان هناك خطاب آخر واقعي هذه المرة، خطاب الغيرية الستراتيجية الخالية من أية مواربة. يتعلق الأمر بقصيدة ألقيت بالمناسبة، وتمجد نفس الإنجاز، إنجاز قناة السويس، ولكن من منظور آخر. لقد جاءت ردا مباشرا على الخطبة السابقة. فيا لها من مصادفة!

جاء في هذه القصيدة:

“نعم، إنه من أجل العالم، Oui, c’est pour l’ Univers
من أجل آسيا وأوربا، Pour l’ Asie et l’ Europe,
من أجل هذه الأصقاع النائية،
التي يغلفها الليلPour ces climats lointains que la nuit enveloppe,

من أجل الصيني الماكر، والهندي النصف عريانPour le Chinois perfide et l’indien demi-nu;
بنت أوربا قناة السويس. ولكنها بنتها، أولا وقبل كل شيء، لنفسها هي
que l’Europe construit le Canal. Mais c’est d’abord pour elle.
لنضف فقط هذه الملاحظة وهي أن هذه القصيدة، وليس خطبة ممثل الكنيسة، هي التي نالت جائزة الأكاديمية الفرنسية الخاصة بالمناسبة‍.(استقينا هذه النصوص الخاصة بقناة السويس من: Claude Liauzu, RACE ET CIVILISATION, SYROS , PARIS 1992, PP.254-257)

 

***

 

لننتقل الآن إلى الخطاب العربي الإسلامي المتزامن مع نفس المناسبة، مناسبة تدشين القناة. في هذا الوقت بالذات كان جمال الدين الأفغاني يستنهض أمم الشرق لمقاومة التوسع الاستعماري الغربي. وما يهمنا الآن هو نص محاورة كتبها تلميذه وملازمه محمد المخزومي ونشرها في مجلة “الرياض المصرية” التي أنشأها يوم كان شابا في العشرين من عمره وذلك سنة 1888 وجعل عنوانها: “المحاورة بين الشرق والغرب”. وفيما يلي ملخص لهذه المحاورة التي تصدر عن نمط آخر من “الوعي بالآخر”، شبيه بذلك الذي تعرفنا عليه في خطبة ممثل الكنيسة بمناسبة تدشين قناة السويس.

نص المحاورة مختصرا.

1- “ذهب الشرق بآثاره القديمة وهياكله العظيمة لزيارة زميله الغرب… (*) تقابل الطرفان… وأخذ الشرق يهش ويبش… وحوله تلك الآثار… أما الغرب فلم يأت من التكريم غير رد السلام وتقضيب الحاجب… وقد طال الصمت ساعات… حتى علم الشرق أنه إذا لم يفتح الكلام فزميله يثابر على الصمت أعواما… فقال من غيظ لم يستطع كتمانه: إننا وجدنا في سفرنا هذا نَصَبًا… فالسماء مظلمة والوجوه كالحة، وما الغرب بعد المشاهدة إلا شبيه الطبل يدوي من بعيد وداخلُه من الخيرات خالي.

2- “فقام الغرب وقعد، وعلا وجهه علامات الغضب وقال: عادة الغريب أن يكون أديبا… وأنت غرورك زائد… ابتدأت بالذم قبل الاختبار…

3- “فقال الشرق: أنا معدن الفضائل، أدبي مشهود، بنا عرِفت المكارم… بنا ظهر العلم… منَّا العلماء الأعلام والفلاسفة العظام… بنا اهتديتم في الظلماء… قمت في الزمن الأخير من ظلمة القهر والتقصير، والتقطت مني بعض المعارف، وادعيت أنك الكامل العارف…

4- “كل ذلك والغرب ثابت الجنان… حتى انتهى الشرق من مقاله وخيل له أنه فاز على مناظره… فقال: أيها الضيف الكثير الإعجاب، المسهب بمدح ذاته… أتيت بخواص أعوانك وعظيم آثارك، فلو علمت شيئا مما لدينا من عظيم الأحجار لكفيت نفسك مشقة حمل هذه الآثار… فلو كان فيك الحزم ما قدمت لتُقاضِي الغرب في الجيل التاسع عشر، والإنسان ابن يومه لا ابن أمسه… من كشف لك الأسرار عن آلة البخار؟ من سيرك في البحار آمنا من الأخطار؟… من أتاك بالطباعة؟… أليس الغرب؟ تهافتَّ على الأزياء الجديدة، وتغاضيت عن الأمور المفيدة… سيَّرْتُ أبنائي إليك… فعمَّروا الخراب… وأدخلوا لك التجارة… وأحيَوا فيك العلوم الدوارس.

5- “قال الشرق: أيها الغرب… لدغتنا من جحر واحد أكثر من مرتين… فوالله ما طرقت بلادي إلا لعِلْم تختلسه ومال تحتبسه، وما أدخلت التجارة لخطتي إلا لتلاشي ثروتي وتدعم تجارتي… أدخلت الربا… أوْلدت فينا الشقاق وأفسدت مكارم الأخلاق…

6- “فأجاب الغرب: ما هذه العبارة الكاشرة؟ وما هذه الألفاظ الباسرة؟ لقد جعلت الغالب مغلوبا وجئت بالكلام المقلوب… أنا الذي عملت فيك معرفة اللغات وصيرت من أبنائك للإنسانية دعاة… كن من المنصفين… وخذني صديقا مدى الأزمان، فإني لو تجردت من موالاتك لعسر عليك القيام بضرورياتك…

7- “فأجاب الشرق: كم قلبت لنا ظهر المجن وألقيتنا في مهاوي الإِحَن… فأنت إن شئت الوفاق وزوال الانشقاق، سٍرْ على الصراط المستقيم… واعتزل البغضاء… ولا تطمع في مال الغير… وأجزل ما استطعت من الإحسان… هذا ما أراه من النصيحة أبديها إليك…

8- “فقال الغرب: إنا ذهبنا في جدلنا وهما، ولم يحس أحدنا من مرامي الآخر فهما، فأنا لا أنكر ما لك من الفوائد… فالآن حصحص الحق، وعلمت أن نصحك هو الوجه الأحق، فلا تؤاخذني على فرط، إذ لا يخلو أحد من الشطط…

9- “فقال الشرق: لا تثريب عليك، فما منا إلا صديق صادق وخل موافق، لا يغير ما بيننا من الود شرارة من الحمق والعناد”

تلك هي الأفكار الأساسية الواردة في هذه المحاورة الطريفة التي تعكس نمطا فريدا من “الغيرية”. لقد انتهى السجال الذي امتزجت فيه المفاخرة والهجاء بتقديم الشرق للغرب “نصيحة” ، قائلا: “سر على الصراط المستقيم… واعتزل البغضاء… ولا تطمع في مال الغير… وأجزل ما استطعت من الإحسان…”. إنها “الغيرية النصوح” التي تطلب من الآخر: “التوبة النصوح”. وإذا نحن شئنا استعمال عبارة مألوفة لدينا قلنا إن هذا النمط من الوعي بـ “الآخر” الذي تعكسه هذه “المحاورة” يتلخص في القول: ” الغرب، يهديه الله”.

وبما أن خطبة ممثل الكنيسة التي استمعنا إليها قبل قد ألغتها، أو على الأقل ناقضتها، تلك القصيدة التي نالت جائزة الأكاديمية الفرنسية فبإمكاننا أن نلتمس قصائد مماثلة عند أبناء الشرق تلغي هي الأخرى، أو على الأقل تناقض، مع انتهت إليه هذه المحاورة. غير أننا نفضل أن نعطي الكلمة لأستاذ صاحب المحاورة نفسه، أقصد جمال الدين الأفغاني الذي سيحدثنا عن الغرب بالعبارات التالية، يقول:
n “الغرب في الحقيقة ليس من مصلحته إصلاح سير ولا إصلاح سيرة المسرف المبذر -الشرق- لترجع إليه حقوقه، بل أقصى أمانيه أن يتمادى الشرق في غيه وإسرافه لكي يطول عهد الحِجْر. ومع تمادي الزمن أن يتم بعد الاستعمار التملك والاستعباد”.

n “ما من دولة غربية تطرق باب مملكة شرقية إلا وتكون حجتها إما حفظ حقوق السلطان أو إخماد فتنة قامت على أمير… وإما بحجة حماية الأقليات أو حقوق الأجانب وامتيازاتهم أو حرية الشعب”.
n “يرتاح الشرقي إلى تلك المواعيد ويرضخ إلى حجر الغربي ويقدم في كل يوم نوعا من الطاعة… يغالط -الشرقيون- أنفسهم… معللين أنفسهم أن الغربيين سيوفون بوعودهم”.

n – “أما الغربي فهو يحمل برنامجه في محفظته، ثم ينقله إلى ذاكرته وحافظته، مسطورا فيه: شعب خامل، جاهل متعصب. أراض خصبة. معادن كثيرة. مشاريع كثيرة. هواء معتدل. نحن أولى بالتمتع بكل هذا”…

وبإمكاننا الاستمرار طويلا في سرد عبارات من هذا النوع لجمال الدين… عبارات تعكس نمطا آخر من “الغيرية” إزاء الغرب ،نمطا مخالفا تماما، تلخصه عبارة نمطية أخرى من العبارات السائدة لدينا، عبارة : “الغرب، عدو الله”.

( أنظر نص “المحاورة” في: محمد المخزومي. خاطرات جمال الدين الأفغاني.دار الفكر الحديث. بيروت.1965 ص.293 .ومن الكتاب نفسه أخذنا عبارات جمال الدين ، أعلاه.)

 

***

-“الغرب، يهديه الله”.
-“الغرب، عدو الله”.

نمطان من الوعي؟ لا. بل نمط واحد، فالمخزومي تلميذ لجمال الدين، ومرافقه وكاتب سيرته وجامع “خاطراته”، واكثر من ذلك يؤكد لنا المخزومي أن السيد جمال الدين وافق على نشر تلك “المحاورة” مع “خاطراته”… إذن يتعلق الأمر بوعي واحد.

وعي مزدوج؟ وعي مغلوط؟ وعي “شقي”؟
احكم بما شئت، ولكن لا تنس أننا استمعنا قبل قليل إلى خطبة:

-تشيد بـ ” الصليب بجانب الهلال”، على ضفاف قناة السويس.
و إلى أخرى تصرح:
-” من أجلها هي… بنت أوربا قناة السويس”.

إذن، هناك ازدواجية في الوعي على الجانبين. فهل تعود هذه الازدواجية إلى طبيعة الوعي ذاته أم إلى موضوعه؟ الإسلام بالنسبة للغرب موضوع مزدوج: هو في الوقت الراهن: موقع وبترول، وأيضا منافس، منافسة العبد للسيد، إذا تمرد انهارت “السيادة”. والغرب بالنسبة للإسلام (للشرق، للعرب) سيد مزدوج -وإذا شئت قلنا موضوع مزدوج كذلك- هو في الوقت الراهن، بل منذ أوائل القرن الماضي: المَثَل والقدوة، حرية وديمقراطية وتقدم… ولكنه أيضا وفي الوقت نفسه: توسع واستعمار وهيمنة وامبريالية الخ…

هل نماثل بين الطرفين؟ هل نعادل بينهما؟
سيكون ذلك خطأ فاحشا. فالأمر يتعلق قبل كل شيء، وبعد كل شيء، بغالب يمارس الغلبة، وبمغلوب ينتفض ضدها. وإذا كان هذا الانتفاض يمارس أحيانا بطرق ووسائل لاعقلانية و “غير معقولة” فيجب أن لا ننسى أن “الغلبة”، غلبة الغرب الاستعمارية، هي دوما غير عقلانية وتمت وتتم بوسائل غير أخلاقية، غير مشروعة.

الغرب والإسلام: علاقة قوى. وتموج هذه العلاقة مع المصالح والأحداث هو الذي يحدد طبيعة الغيرية التي تنطوي عليها هذه العلاقة بين وقت وآخر ·

شمال/جنوب
“إن سقوط الخصم السوفياتي الذي كنا نعتمد عليه، منذ أربعين سنة، في إرهابنا قد أوقع الديموقراطيات [الغربية] في قلق شديد. ذلك لأنه: “ماذا ستكون روما بدون أعدائها؟”، كما قال كاتون متهكما، بعد هدم قرطاجة!

“الجنوب! ذلك هو التهديد الجديد”.

“لقد زال الصدام شرق/غرب وحل محله الصدام شمال/جنوب”.

“الشرق؟ لقد كان واضحا ما يعنيه هذا اللفظ: كان العالم الشيوعي يشكل معسكرا قاريا ( الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية) تدور في فلكه توابع بعيدة ولكنها صلبة”. أما الجنوب فكيف نحدده؟ وهل يتمتع بوجود مستقل؟”.

“إن الجنوب المجزأ، المضطرب، غير القابل للتوقع، لا يمكن أن يحل محل التجمع الأحادي الذي كان يشكله الشرق. إن التقابل بين الشمال والجنوب يمكن أن يتبع التقابل بين الشرق والغرب، أن يأتي بعده، ولكنه لا يحل محله”.

“إن الخصم هذه المرة ليس معطى لنا، ولذلك سيكون علينا أن نخلقه، أن نوحده، أن نبحث له عن الانسجام الذي يفتقده”.

جان كريستوف روفان

 

error: