الغرب والإسلام (1): الأنا والآخر … أو مسألة الغيرية – محمد عابد الجابري

الغرب والإسلام (1): الأنا والآخر … أو مسألة الغيرية – محمد عابد الجابري

مجلة الجابري – العدد الثاني


عرفت العقود الأخيرة، ومنذ الثورة الإيرانية بصفة خاصة، اهتماما متزايدا بموضوع “الغرب والإسلام”. ويلاحظ أن الاهتمام بهذا الموضوع كان وما يزال في أوربا وأمريكا أكثر منه في البلاد العربية والإسلامية: فعلاوة على ما ينشر في الصحف والمجلات بمختلف اللغات الأوربية، وبصورة متواصلة تكاد تكون يومية، عقدت وتعقد، في مختلف جهات أوربا وأمريكا، ندوات في الموضوع نفسه، إما بنفس العنوان (الإسلام والغرب) وإما بعناوين مختلفة بعض الشيء. وقد تطور الأمر إلى أن توسع الكلام في هذا الموضوع ليندرج تحت ما أسماه صمويل هنتنغتون بـ “صراع الحضارات” الذي يعني به، أساسا، الصراع بين الحضارة الغربية، الأوربية الأمريكية، والحضارة الإسلامية (والكنفوشية)، وهو الصراع الذي يتركز عنده على محور الغرب والإسلام ويجعل منه الصراع الرئيس الذي سيسود في المستقبل.

إننا لا نريد هنا الانخراط في هذا النقاش من موقع إيديولوجي أو قومي، ولا من موقع المؤرخ، محايدا كان أو غير محايد! كل ما نريد فعله في هذه المحاولة هو القيام بنوع من التفكيك لهذه العبارة (الغرب والإسلام) التي صارت اليوم مشحونة بدلالات غامضة تجمع بين قلق الحاضر والخوف من المستقبل، وتستعيد في أحيان كثيرة معطيات ذاكرة تعمرها تصورات حول حوادث تاريخية معينة (الحروب الصليبية مثلا)، تصورات امتزجت فيها الحقيقة بالوهم والواقع بالمتخيل والخوف بالرغبة الخ… إن الهدف من عملية التفكيك التي نروم القيام بها هنا هو المساهمة في “تحرير” هذا الزوج (الغرب والإسلام) من الأفكار الموروثة والمسبقة، ومن البطانات الوجدانية التي تؤسس العلاقة بينهما في الوعي المعاصر، في بلاد الغرب كما في بلاد الإسلام.

إن الأمر يتعلق، إذن، بتفكيك المضامين الإيديولوجية، الصريحة والمضمرة، التي تجعل من عبارة “الغرب والإسلام” اليوم أداة اختزال للمتعدد، وإغلاق للمنفتح، ونَظْم ونَسْق لما هو بطبعه يقع خارج النُّظُم والأنساق. ومن أجل تحقيق هذا الغرض بأكبر قدر من الوضوح والشمول سنتحرك على المستويات الثلاثة التالية: مستوى المرجعية الدلالية لمقولتي “إسلام”، “غرب”، ثم مستوى العلاقة التقابلية، أو الغيرية، التي يقيمها “واو العطف” بين هاتين اللفظتين، لنختم أخيرا بالتحرك على مستوى تعدد أنماط الوعي بـ “الآخر”، حيث سنختار نمطا معينا نكشف من خلاله عن نوع آخر من “الغيرية” غير غيرية النفي والاستبعاد والتحدي والصراع الخ…

 

ولكن، لنبدأ أولا بإبداء ملاحظتين:

الملاحظة الأولى مفادها أن التقابل الذي يراد تضمينه لهذه العبارة غير مبرر وغير مشروع، ابتداء. ذلك لأن الأمر يتعلق هنا بمقولتين مختلفتين في “الطبيعة”، لا تقوم بينهما علاقة تقابل أصلا: فـ “الغرب” مقولة جغرافية، و “الإسلام” دين. والتقابل إنما يكون بين المختلفات التي تندرج تحت جنس واحد كالتقابل بين الغرب والشرق الذين يجمعهما كونهما معا جهة جغرافية، والتقابل بين الإسلام والمسيحية اللذين يجمعهما جنس يندرجان تحته هو “الدين” الخ… هذه حقيقة تكاد تكون بديهية. دليل ذلك أننا لو سمعنا مثلا عبارة من قبيل “الشمال والإسلام” أو “الجنوب والمسيحية” لاَنْتَابنا استغراب ودهشة مَردُّهما أننا نحس بأن الجمع بين هاتين المقولتين غير مبرر، غير مألوف، وبعبارة القدماء “غير معروف بنفسه”، بمعنى أنه يحتاج إلى بيان وتبرير.

فلماذا لا يشعر الناس، اليوم، في بلاد الغرب كما في بلاد الإسلام، بوجود مفارقة عند الجمْع في خطابهم بين “الغرب والإسلام”، بينما يشعرون بالمفارقة والاستغراب حين الجمع، مثلا، بين “الجنوب والإسلام” أو “الشمال والبوذية”؟

لاشك أن لتكرار العبارات دورا في التعود عليها والاستسلام لها. غير أن التكرار هنا لا يفسر كل شئ: فالحمولة الدلالية والرمزية التي لعبارة “الغرب والإسلام”، وكذا البطانة الوجدانية الملازمة لها، ليستا نتيجة لمجرد تكرار الألفاظ. فالتكرار الذي من هذا النوع يعمل في العادة على التخفيف من حدة الأشياء، مادية كانت أو معنوية، أعني أنه يجعلها من المألوف اليومي الذي لا يثير تساؤلا ولا نقاشا، ولا يخطر بالبال أن تعقد من أجله ندوات ولقاءات وتكتب فيه مجلدات. وإذن فالأمر يتعلق بتكرار من نوع آخر: تكرار المخاوف والرغبات بفعل مؤثرات ودوافع تَجِد مصدرها في قراءة معينة لأحداث معينة، قراءة المتشابه من الحوادث بواسطة أفكار يتلقاها الناس خلفا عن سلف، أو بتوجيه من أحكام مسبقة، كما سنبين فيما بعد.

أما الملاحظة الثانية التي نريد تسجيلها هنا ونحن بصدد التقديم لعملية تفكيك لعبارة “الغرب والإسلام” في الخطاب المعاصر، الأوربي منه والعربي، فهي أن المقولتين كلتيهما (الغرب، الإسلام) تخضعان عند وضعهما متقابلتين لوحدة إيديولوجية تخفي النسبية والتعدد على صعيد الماهية في كل منهما.

الغرب في الاصطلاح الجغرافي نسبي ومتحرك: فالشيء الواحد يكون غربا بالنسبة لشيء معين ويكون شرقا بالنسبة لشيء آخر. أما في الاصطلاح السياسي الراهن فـ “الغرب” متعدد يضم عدة دول وعدة قوميات. فهناك أمريكا الشمالية والدول الأوربية. وهناك أيضا أمريكا اللاتينية وروسيا واليابان.. هل تدخل هذه الأخيرة كلها في مفهوم “الغرب”، وبأي معنى؟

والشيء نفسه يقال بالنسبة للإسلام: فسواء قصدنا من لفظ “إسلام” الممارسة الدينية وحدها أم قصدنا به “المسلمين” فالتعدد يفرض نفسه: فهناك الشيعة والسنة ومذاهب أخرى من جهة، وهناك العرب والأتراك والإيرانيون والباكستانيون والأندونيسيون والنيجيريون الخ… وهذا التعدد واقع حقيقي، سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وحضاري، وذلك إلى درجة تجعل من المبرر تماما التساؤل: ما الذي يجمع هذه البلدان والشعوب لتوضع في مقابل بلدان وشعوب أخرى تندرج تحت اسم “الغرب”، الذي يحيل هو نفسه إلى متعدد كما رأينا؟

هناك إذن وحدة إيديولوجية -أو بالأحرى تعميم إيديولوجي-يخفي هذا التعدد بهدف إظهار علاقة التقابل بين “الغرب والإسلام” كعلاقة مقبولة ابتداء. والخطوة الأولى التي علينا القيام بها هنا هي تفكيك هذه الوحدة/التعميم والكشف عن خلفياتها، وسيكون سبيلنا إلى ذلك هو النظر في الكيفية التي تتحدد بها كل من المقولتين (الغرب، الإسلام) داخل الحقل الثقافي لكل منهما.

بالنسبة للمرجعية العربية الإسلامية يمكن أن نلاحظ بادئ ذي بدء أن عبارة “الغرب والإسلام” عبارة طارئة نقلت إليها بالترجمة الحرفية من اللغات الأوربية. ليس هناك في النصوص القديمة مثل هذا التعبير، أما النصوص الحديثة التي ترجع إلى بداية القرن الماضي على الأكثر فمن النادر جدا العثور فيها على هذا التقابل بين “الغرب” و “الإسلام”. ذلك أن العبارة التي برزت في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، في الخطاب العربي الإسلامي، هي عبارة ” الإسلام والنصرانية” وذلك في إطار المقارنة بين موقف كل من الإسلام والمسيحية من العلم والعقل الخ.. (قارن مثلا: كتاب محمد عبده: “الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية).

أما اصطلاح “الشرق والغرب” الذي شاع في الخطاب السياسي الأوربي في القرن الماضي وهذا القرن فهو، في المرجعية العربية الإسلامية، محكوم بالنسبية والتعدد إلى حد كبير. ففي القرآن: “ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب” (البقرة 177) – والمشرق هنا هو الشرق عموما، قبلة اليهود، والمغرب هو القدس قبلة النصارى – وأيضا: “رب المشرقين والمغربين” (الرحمان 17)، وأيضا: “فلا أقسم برب المشارق والمغارب” (المعارج 40). وفي زمن ابن سينا كان “المشرق” و”المشرقيون” هم فارس وأهلها شرقا، بينما كان “المغرب” و”المغربيون” هم بغداد وأهلها وما يليها غربا. ثم تخصص لفظ “المغرب” فيما بعد للدلالة على ما يلي مصر غربا، وتم التمييز فيه بين المغرب الأدنى ( طرابلس وتونس) والمغرب الأوسط (الجزائر) والأقصى (المغرب الحالي)، ثم ظهرت عبارة “الغرب الإسلامي” لتشير إلى بلدان شمال إفريقيا والأندلس.

وبالجملة لم تكن كلمة “غرب” في المرجعية العربية الإسلامية تعني في يوم من الأيام وجود “آخر” يقع بالتحديد خارج بلاد الإسلام، ولا دينا ولا حضارة تمثل “الآخر” بالنسبة للإسلام، و إنما صارت هذه الكلمة تحمل بصورة ما هذه المعاني جميعها من خلال الترجمة من اللغات الأوربية. وهكذا فاصطلاح “الغرب” Occident, West أي الدول الغربية، و”الشرق” Orient, East بمعنى دول الشرق، هما معا ترجمة من اللغات الأوربية التي ميزت في هذا الأخير بين الشرق الأدنى والشرق الأوسط والشرق الأقصى، وذلك حسب القرب والبعد من أوربا.

هذا عن “الغرب”. أما “الإسلام” فهو يحيل، في المرجعية العربية الإسلامية، إلى الدين الذي جاء به النبي العربي محمد بن عبد الله. ذلك ما نجده في المعاجم العربية. ففي “لسان العرب” مثلا نقرأ: الإسلام: إظهار الخضوع وإظهار الشريعة والتزام ما أتى به النبي (ص). وعلى العموم، ليس هناك في المرجعية العربية الإسلامية معنى آخر للإسلام غير مضمونه الديني ذاك. وهو مضمون يتسع في القرآن ليشمل الديانات السماوية التي تنتمي إلى دين إبراهيم: “إن الدين عند الله الإسلام” (آل عمران 19)، “ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه” (آل عمران 85)، فالإسلام هنا هو دين إبراهيم، والمقصود دين التوحيد، في مقابل الشرك والوثنية.

أما عبارة: “دار الإسلام” ومقابلها “دار الحرب” فهما مصطلحان فقهيان متخصصان ينتميان إلى مصطلح “القانون الدولي” في العصور الإسلامية الأولى، عصور الفتوحات. فـ “دار الحرب” عبارة تطلق على “بلاد المشركين الذين لا صلح بينهم وبين المسلمين”، سواء كانوا في الجزيرة العربية أو في الشرق أو في الغرب أو في الشمال أو في الجنوب، كما تطلق عبارة “دار الإسلام” على بلاد المسلمين أينما كانوا، وهي دار سلام لا يجوز التحارب فيها إلا إذا تعلق الأمر بقتال “المحاربين” وهم قطاع الطرق الخارجين عن النظام العام الذين يعتدون على أرواح الناس وأموالهم. وليس لهذا التصنيف أية دلالة إيديولوجية أو “سياسية” معينة يجعل معنى “دار الحرب” ينصرف بالتحديد إلى أوربا أو إلى المسيحية دون غيرهما، كما يفهم من ذلك كثير من المستشرقين الذين يستعيدون اليوم هذا التصنيف لتكريس وهم “الصراع الأبدي” بين “الإسلام” و “الغرب”. إن “دار الحرب” اصطلاح يطلق في وقت من الأوقات على الجهة التي تكون، في ذلك الوقت، في حالة حرب مع الدولة الإسلامية، سواء كانت تلك الجهة في الغرب أو في الشرق، نصرانية كانت أو غير نصرانية، وسواء كانت هذه الدولة الإسلامية في المشرق أو في المغرب الخ…

أما في المرجعية الأوربية فالأمر يختلف. ففي المعاجم الأوربية المعاصرة يتم التمييز بين “الغرب”occident كجهة جغرافية وبين “الغرب” Occident (بحرف O الكبير للدلالة على العلمية)كاصطلاح جيوسياسي يطلق على: 1) “جزء العالم القديم الذي يقع غربا في الأمبراطورية الرومانية”. 2) أوربا الغربية والولايات المتحدة، وبكيفية عامة الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي 3) بلدان أوربا الغربية والولايات المتحدة بالتحديد. وقد تختص بهذا المعنى كلمة West ( Ouest بالفرنسية).

ويتضح هذا المعنى الاصطلاحي لكلمة “غرب” باستحضار المقابل الخاص بها في اللغة السياسية الأوربية. فـOccident استعملت أولا في مقابل الـ “لوفان” Levant (المشرق = جهة شروق الشمس)، وذلك منذ أوائل القرن السادس عشر، وكان يقصد به الدول التي توجد في الشرق بالنسبة لفرنسا، وخاصة منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط. ثم استعملت في مقابل Orient (جهة مشرق الشمس) ويشار بها إلى آسيا وأحيانا إلى دول البحر الأبيض المتوسط وأوربا الوسطى. ويصنف الشرق إلى شرق أقصى وشرق أوسط وشرق أدنى حسب قربه أو بعده من أوربا. وأما كلمة Est, East وتعني في الأصل الشرق الجغرافي فقد تخصصت خلال الحرب الباردة في الدلالة على دول المعسكر الشيوعي، وذلك في مقابل “الغرب” Ouest West الذي يراد به، في هذا السياق، دول المعسكر الرأسمالي.

واضح إذن أن التقابل بين أوربا/المشرق Europe/Levant من جهة والشرق/ الغرب Orient/ Occident من جهة أخرى، تقابل يعكس التصنيف السائد في مرحلة التوسع الاستعماري وبالخصوص خلال النصف الثاني من القرن الماضي وأوائل هذا القرن، بينما يعكس التقابل بين الشرق/الغرب Est/Ouest الصراع بين الرأسمالية والشيوعية خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية.

وهكذا فكلمة “غرب”، في المرجعية الأوربية غنية بالدلالة، فهي تشير إلى “أنا” تتنوع هويته بتنوع الأطراف التي يتخذها مقابلا له: شرق (أدنى أو أوسط أو أقصى)، أو معسكر شيوعي (سابقا)، هذا بينما لا تحمل هذه الكلمة في المرجعية العربية غير معناها الجغرافي الذي يشير إلى جهة غروب الشمس. وهي لم تستعمل في العربية بنفس المضامين التي تحملها في المرجعية الأوربية إلا في وقت متأخر نقلا عن هذه المرجعية نفسها.

هذا بالنسبة لكلمة “غرب”. أما بخصوص كلمة “إسلام”، التي تطلق في المرجعية العربية الإسلامية على الدين الإسلامي لا غير، كما بينا قبل، فهي تستعمل في المرجعية الأوربية للإشارة إلى متعدد. ففي دائرة معارف لاروس الفرنسية لسنة 1962 تطلق كلمة “إسلام” Islam على: 1) دين المسلمين. 2)مجموعة البلدان التي تعتنق دين الإسلام. أما في قاموس لاروس الصغير لسنة 1994 فالكلمة نفسها تشير إلى: 1) دين المسلمين. 2) العالم الإسلامي. 3) الحضارة التي تميزه..

وهكذا ينصرف معنى “الإسلام” في القواميس الغربية إلى ثلاثة أمور: الدين الإسلامي، البلدان والشعوب الإسلامية، والحضارة الإسلامية.

 

من أين جاءت هذه المعاني الثلاثة؟

أكيد أن القواميس الغربية لم تستقها من المعاجم العربية الإسلامية فهي خالية من هذا التعدد ولا تعرِّف الإسلام إلا بكونه الدين المعروف بهذا الاسم. وإذن فالمعاني الثلاثة التي تعطيها القواميس الغربية لكلمة “إسلام” تشير إلى “أطراف” وضعت ليكون كل منها كالمقابل لأحد المعاني التي تحملها كلمة “غرب” في المرجعية الأوربية. وهكذا فـ “الغرب” مسيحي و “الإسلام” دين (إسلامي). والغرب أقطار وشعوب، و “الإسلام” أقطار وشعوب كذلك. والغرب حضارة، و “الإسلام” حضارة كذلك.

“الإسلام” هنا هو الآخر/ المرآة التي يرى فيها الغرب نفسه. إن الغرب يسقط على “الإسلام” تقسيماته وتعدديته ويجعل منه الآخر لكل وجه من وجوهه: فالإسلام آخر على مستوى الديانة، وآخر على مستوى البلدان والشعوب، وآخر على مستوى الحضارة. وهكذا يتحدد الإسلام، في مرجعية الغرب، لا بما هو في نفسه، بل بما هو آخر للغرب، وبعبارة أخرى فالتقابل الذي يقيمه الغرب بينه وبين الإسلام هو من نوع التقابل الذي به تتحد العلاقة بين “الأنا” و “الآخر”، التقابل الذي يعبر عن الغيرية الضدية.

هذا ينقلنا مباشرة إلى المستوى الثاني من حديثنا.

***

قلنا في مستهل هذا الحديث إن عبارة “الإسلام والغرب” عبارة غير أصيلة في الحقل الثقافي العربي وأنها منقولة إليه من اللغات الأوربية، وانتهينا إلى أنها تستعمل، في هذه اللغات، في نفس السياق الذي تستعمل فيه هذه اللغات نفسها عبارة “الأنا والآخر”، سياق الغيرية الضدية، وعلينا الآن أن نضيف قائلين: والشيء نفسه يصدق على عبارة “الأنا والآخر” ذاتها، بمعنى أنها هي الأخرى تدين بوجودها، في الخطاب العربي المعاصر للترجمة، إذ هي غير مألوفة، بل ولا موجودة، في الخطاب العربي، القديم منه والحديث. وفضلا عن ذلك فهذه العبارة المترجمة تنطوي على خطأ نحوي لغوي. ذلك أن كلمة “أنا” ضمير منفصل وهو معرفة، والمعرفة لا تدخل عليها “ال”، فهذه تدخل على النكرة لتصيرها معرفة (باب-الباب). وهل هناك ما هو أعرف لدى الإنسان من نفسه التي يعبر عنها بكلمة “أنا”؟

أما كلمة “آخر” فإنها وإن كانت تدخل عليها “ال” التعريف فهي في أصل معناها صيغة “أفعل” (أأخر) من التأخر، أي المجيء بعد… فهي لا تفيد الضدية وإنما تقال “لأحد الشيئين” (هذا باب، وهذا باب آخر)، وفيها معنى الصفة والنعت كما في مرادفها “غير”. وكلمة “غير” نفسها من الألفاظ الموغلة في الإبهام لأن معناها لا يتضح إلا بما تضاف إليه، وهي لا تستفيد التعريف من المضاف إليه إلا عندما تقع بين ضدين معرفتين مثل قولنا: “رأيت العلم غير الجهل”. أما في الأحوال الأخرى فتبقى نكرة مبهمة، في معنى الصفة و البدل مثل قولك: “رأيت سيارة غير سيارتك”. فكل سيارة أخرى هي غيرها. كما تجئ “غير” بمعنى الحال مثل قوله تعالى: “فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه” (البقرة 173)،. وقد تستعمل بمعنى “سوى” فتفيد الاستثناء مثل قولنا: “حضر الطلاب غير فلان”، كما تأتي بمعنى “إلا” إذا تقدمتها كلمة “ليس” أو “لا” مثل قولك: “قرأت خمس صفحات ليس غيرها” (بالرفع والنصب). وقد تقطع عن الإضافة في مثل قولنا: “قرأت خمس صفحات ليس غير” (بالرفع والنصب والضم والفتح)، كأنك قلت: “قرأت خمس صفحات ليس إلا”. وقد تستعمل لإفادة الكثرة مثل قولك: “قرأت هذا الكتاب غير ما مرة”، أي أكثر من مرة واحدة. وفي جميع هذه الاستعمالات تفيد ما يعبر عنه بـ “الغيرية” (مصدر صناعي من كلمة غير) بمعنى مطلق الاختلاف، ولا تفيد الضدية بالضرورة، فتقول: “القمح غير الشعير”، لمجرد المغايرة، كما تقول: “البياض غير السواد” للضدية.

والفرق بين لفظ “آخر” ولفظ “غير” عند اللغويين العرب أن الأول منهما يفيد استثناء الشيء من جنس ما تقدمه كقولك “رأيت رجلا وآخر معه”، فـ “آخر” هنا من جنس ما تقدم (=الرجل) ولا يمكن أن يكون امرأة أو صبيا أو حيوانا الخ… وذلك على العكس من كلمة “غير” التي تفيد مطلق المغايرة فتقول “رأيت رجلا وغيره”، وهذا “الغير” قد يكون رجلا مثله وقد يكون صبيا أو امرأة أو كائنا آخر.

هذا من الناحية اللغوية، أما في الاصطلاح فقد ميز المتكلمون والفقهاء وعلماء البلاغة وغيرهم من البيانيين بين درجات ومستويات في التماثل والاختلاف. وفي هذا الإطار قد يحسن الرجوع إلى نصوص هؤلاء.

يحصر أبو هلال العسكري أنواع “الاختلاف”، والفرق بينها كما يلي. يقول: “الفرق بين الاختلاف والتفاوت أن التفاوت […] هو الاختلاف الواقع على غير سنن (=على غير نظام)، وهو دال على جهل فاعله”، بينما الاختلاف يكون “على سنن واحد”. ومرجعيته في ذلك قوله تعالى: “ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت” (الملك 3) من جهة وقوله: “وله اختلاف الليل والنهار” (المؤمنون 80) من جهة أخرى.

كما يميز بين الاعوجاج والاختلاف: فـ “الاعوجاج من الاختلاف ما كان يميل إلى جهة ثم يميل إلى أخرى، وما كان في الأرض والدين والطريقة فهو عِوج مكسور الأول (=بكسر العين)، تقول في الأرض عِوج وفي الدين عِوج مثله. والعَوج بالفتح ما كان في العود والحائط وكل شئ منصوب”. و الاختلاف قد يكون في المذاهب وقد يكون في الأجناس: فـ “الاختلاف في المذاهب هو ذهاب أحد الخصمين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر، والاختلاف في الأجناس امتناع أحد الشيئين من أن يسد مسد الآخر. ويجوز أن يقع الاختلاف بين فريقين وكلاهما مبطل كاختلاف اليهود والنصارى في المسيح”، فهم جميعا على خطأ بالنسبة لما يقرره القرآن.

 

“والفرق بين المختلف والمتضاد أن المختلفين [هما] اللذان لا يسد أحدهما مسد الآخر في الصفة التي يقتضيها جنسه مع الوجود كالسواد والحموضة، والمتضادان هما اللذان ينتفي أحدهما عند وجود صاحبه إذا كان وجود هذا على الوجه الذي يوجد عليه ذلك، كالسواد والبياض. فكل متضاد مختلف وليس كل مختلف متضاد، كما أن كل مختلف ممتنع اجتماعه وليس كل ممتنع اجتماعه متضادا، وكل مختلف متغاير وليس كل متغاير مختلفا، والتضاد والاختلاف قد يكونان في مجاز اللغة سواء، يقال: زيد ضد عمرو إذا كان مخالفا له.

والفرق بين التنافي والتضاد أن التنافي لا يكون إلا بين شيئين يجوز عليهما البقاء، والتضاد يكون بين ما يبقى وبين ما لا يبقى.

والفرق بين الضد والترك أن كل ترك ضد وليس كل ضد تركا، لأن فعل غيري قد يضاد فعلي و لا يكون تركا له”.

 

التغاير، التفاوت، الاختلاف، الاعوجاج، امتناع الاجتماع، التضاد، التنافي… تلك هي درجات “الغيرية” في الحقل البياني العربي كما يحددها أبو هلال العسكري، وذلك في مقابل درجات “المثلية” التي يجعلها تمتد من مطلق “الشبه” إلى الشبيه والمثل والند والمُشاكِل والنظير والمتفق والعديل والمساوي والمماثل. وأبو هلال العسكري من كبار علماء اللغة والأدب والبلاغة اشتهر بكتابه: الصناعتين في النظم والنثر، وله كتب أخرى عديدة في مقدمتها كتابه “الفروق في اللغة” الذي اقتبسنا منه التعريفات السابقة، وهو ليس أقل أهمية ولا شهرة من “كتاب الصناعتين”. والحق أنه ليس كتابا في مجرد “الفروق اللغوية”، كما يتبادر ذلك إلى الذهن، بل هو كتاب في المصطلح البياني يقف جنبا إلى جنب مع كتب المصطلح الفلسفي والمصطلح الصوفي والمصطلح الفقهي الخ… وقد حرص أبو هلال العسكري نفسه على تأكيد ذلك فكتب يقول في مقدمة كتابه ذاك: “وجعلت كلامي فيه على ما يعرض في كتاب الله و ما يجري في ألفاظ الفقهاء والمتكلمين وسائر محاورات الناس”. وإذن فالكتاب كتاب في المصطلح البياني عموما. ومعروف أن الحقل البياني، أو النظام المعرفي البياني، هو أوسع الحقول في الثقافة العربية وأكثرها تعبيرا عن العقل العربي: آلياته وطريقة رؤيته لأشياء العالم. ولذلك يصح القول إن درجات “الغيرية” مثلها مثل درجات “المثلية”، كما يحددها أبو هلال العسكري، هي عبارة عن “الشبكة” التي يرى العقل العربي البياني من خلالها وبواسطتها علاقات التشابه والاختلاف التي تبلغ ذروتها في التماثل من جهة والتنافي من جهة أخرى.

وما يثير الانتباه في هذه الشبكة -وهذا ما ستتضح بعد قليل أهميته الفائقة بالنسبة لموضوعنا – هو غياب “الذات” أو “الأنا” كطرف. ذلك أن الأمر يتعلق في هذه الشبكة بعلاقات بين أشياء العالم كما تراها الذات. فالذات مجرد ملاحظ وليس طرفا في هذه العلاقة: فالاختلاف ليس بينها وبين الأشياء بل بين الأشياء بعضها مع بعض. ومن هنا لم يكن ينظر إلى الذات على أنها إنما “تتعرف على نفسها من خلال الآخر”، كما في الفكر الأوربي، بل ينظر إليها على أنها قائمة بنفسها وتتعرف على الأشياء من خلال مقارنة بعضها ببعض. والمثل العربي القائل: “بضدها تتميز الأشياء” يلخص بكامل الدقة والوضوح الرؤية البيانية لـ “الاختلاف”، فالأشياء هي التي “تتميز” بعضها عن بعض و لا تدخل مع “الذات” في علاقة من هذا النوع إلا إذا اعتبرت الذات نفسها من جملة “الأشياء”. وبعبارة أخرى إن ما كان يشغل الحقل البياني العربي ليس مسألة “الذات” و “الموضوع”، أو الذات والعالم أو “الأنا والآخر”، بل إن ما شغل البيانيين حقبة طويلة هو مسألة “الذات والصفات”: هل صفات الإله زائدة على ذاته كما هو الحال في الإنسان، أم أنها هي عين الذات… وتلك مسألة أخرى ليس هاهنا مجال الخوض فيها.

 

***

 

وبعد فما علاقة هذه الاستطرادات بموضوعنا: “الإسلام والغرب”؟

إنها علاقة وطيدة ومباشرة. فعبارة “الإسلام والغرب” لا تفيد في الحقل البياني العربي شيئا آخر غير ما تفيده عبارة: “المسلمون والنصارى” أو “المسلمون واليهود” أو “النصارى واليهود” أو “الإيمان والكفر” أو “القوي والضعيف” أو “الرجل والمرأة” الخ… هكذا يرى العربي المسلم العلاقة بين “الإسلام والغرب” ابتداء: يراها كعلاقة (تشابه أو اختلاف) بين شيئين من أشياء العالم وليس كعلاقة بين “الأنا” الإسلام و “الآخر” الغرب. واكثر من ذلك تفرض الرؤية البيانية على المنتمي إليها أن يتعامل مع الإسلام -في عبارة “الإسلام والغرب”- كموضوع يقع خارجه، في الزمان والمكان، إنه لا يتعامل معه هنا كجزء من ذاته ولا كذاته حتى في أوج دفاعه عنه. ذلك أن “الإسلام” بالنسبة له ليس ذاتا ولا جزءا في الذات بل هو صفة زائدة على الذات مثلها مثل جميع الصفات. ولعله من المفيد أن يستحضر المرء هنا الفرق بين تعبير “الدخول في الإسلام” ومقابله في الفرنسية (واللغات الأوربية). فاللفظ المستعمل فيها ليس مجرد “الدخول في المسيحية” بل “التحول” من عقيدة خاطئة se convertir. أما من الناحية العملية فيتطلب الأمر ليس مجرد “الشهادة”، أي الاعتراف باللسان كما في الإسلام، بل يتطلب “التعميد” وهو قداس (أحد الأسرار) يتم به تحول الشخص من حالة الخطيئة الأصلية إلى حالة الغفران. بعبارة أخرى: “الدخول في الإسلام” يُكسب المَعْنِيَّ بالأمر صفة “مسلم”، وهي صفة تنتمي إلى ظاهر الأشياء، يكفي فيها “الإظهار”، بينما “التحول” إلى المسيحية يتطلب حصول تغيير ماهوي. ومن هنا كان “التغاير” في الحقل الثقافي الأوربي يتم على صعيد الماهية بينما يتم في الحقل الثقافي العربي الإسلامي على صعيد الصفات. ويمكن التعبير عن ذلك بملاحظة أن التعريف في المنطق (اليوناني) يكون ب (الحد) أي بذكر مقومات الماهية بينما يكون في العربية وعلوم البيان ب “الرسم”، أي بذكر الصفات المميزة للشيء.

 

لنخط خطوة أخرى تقربنا أكثر من موضوعنا

دون الرجوع إلى الفكر اليوناني الذي انبنت رؤيته للعالم على ثنائية الإنسان والطبيعة، باعتبار أن الإنسان مركز الكون، ومقياس الأشياء، وأن حقيقته أنه عقل أو صورة في مقابل الطبيعة أو المادة، ودون الرجوع كذلك إلى الفكر المسيحي وثنائية الأب والابن، واللاهوت والناسوت الخ… قد يكفي هنا التذكير بأن الفلسفة الأوربية الحديثة هي أساسا فلسفة “الذات” أو “الأنا”: الإنسان ذات في مقابل العالم الذي هو موضوع لها. والفكرة المؤسسة لفلسفة “الذات” هذه هي كوجيتو ديكارت: لقد شك هذا الفيلسوف الفرنسي في كل شئ و “مسح الطاولة”، حسب تعبيره، مسحا ولم يبق لديه أي شئ آخر غير كونه يفكر: ومن هنا قولته الشهيرة: أنا أفكر إذن أنا موجود. وجود الأنا سابق ومستقل عن وجود العالم وعن أي وجود آخر. ومن هنا كان كل وجود غير “الأنا” هو “آخر” بالنسبة لها، وبالتالي فعلاقة التغاير هي علاقة بين الأنا والآخر ابتداء، سواء كان هذا الآخر شيطانا ماردا يريد تضليل ديكارت أو كان إلها ضامنا ليقينه ذاك أو كان شيئا من الأشياء المادية المحسوسة التي يتوقف وجودها على يقينه… وهكذا فالشبكة التي يرى “العقل الأوربي” العالم من خلالها وبواسطتها شبكة تستحوذ فيها علاقة أساسية هي علاقة “الأنا” و”الآخر”، لا علاقة “آخر” “بآخر”.

سيطول بنا الحديث ويتشعب لو أننا أخذنا نتتبع فكرة “الآخر” في الفكر الأوربي. ذلك لأن هذا الفكر يتمحور كله حول هذه الفكرة، من ديكارت إلى هيجل وماركس إلى سارتر والذين جاءوا من بعده. لنقتصر إذن على إشارات مقتضبة، من هنا وهناك، الهدف منها ليس استقصاء الموضوع بل مجرد إثارة الانتباه.

نقرأ في قواميس الفكر الأوربي ومصطلحاته الفلسفية ما يلي: “الآخر: أحد المفاهيم الأساسية للفكر (=كان يجب إضافة: الأوربي) وبالتالي يستحيل تعريفه، ويقال في مقابل الذات Le même ” أو “الأنا”. أما هذه الأخيرة (الذات) فلا معنى لها سوى أنها المقابل، لـ”الآخر” Autre تقابل تعارض وتضاد، أو أنها المطابق لنفسه المعبر عنه بـ identité وهو ما نترجمه اليوم بلفظ “الهوية” أو “العينية”، أي كون الشيء هو هو: عين نفسه. وإذن فالغيرية في الفكر الأوربي مقولة أساسية مثلها مثل مقولة الهوية (أو العينية أو الذاتية). ومما له دلالة في هذا الصدد أن كلمة altérité أي الغيرية ذات علاقة اشتقاقية بـ altérer و altération وتعنيان تغير الشيء وتحوله إلى الأسوأ، (تعكر، استحالة، فساد)، كما ترتبط بالاشتقاق بكلمة altérnance التي تفيد التعاقب والتداول. بعبارة أخرى: يمكن القول إن ما يؤسس مفهوم الغيرية في الفكر الأوربي ليس مطلق الاختلاف، كما هو الحال في الفكر العربي، بل الغيرية في الفكر الأوربي مقولة تؤسسها فكرة “السلب” أو النفي. La négation ، فـ “الأنا” لا يفهم إلا بوصفه سلبا، أو نفيا، لـ “الآخر”.

وغني عن البيان القول إن لفظ “الأنا” في العربية المعاصرة إنما هو ترجمة لأداء معنى Le même بالفرنسية و ego بالإنجليزية والألمانية. وكلمة ego لاتينية تدل على ما تدل عليه كلمة “ذات” في اللغة العربية حينما يقصد بها الشخص المتكلم. ومن هذه الكلمة اشتقت مصطلحات أخرى مثل égocentrisme وهو ما نترجمه اليوم ب “التمركز حول الذات” وكذلك égoisme بمعنى “الأنانية” في الاستعمال اللغوي العام. أما في الاصطلاح الفلسفي فالكلمة تدل على المذهب الفلسفي الذي يعتبر وجود الكائنات الأخرى، غير “الأنا”، وجودا وهميا، أو موضوع شك على الأقل. ومن هنا المذاهب الفلسفية المثالية idéalismes التي لا تعترف بأي وجود آخر غير تمثلات الأنا: فالعالم هو ما أتمثله وأتصوره وليس هناك وجود آخر.

نقرأ في معجم لالاند الفلسفي في معنى الأنا MOI ما يلي: “وعي فردي، بوصفه منشغلا بمصالحه ومنحازا لذاته”، وأيضا: “الميل إلى إرجاع كل شئ إلى الذات”. ويستشهد لالاند بعبارة للفيلسوف واللاهوتي العالم الفرنسي باسكال يقول فيها: “للأنا خاصيتان، فمن جهة هو في ذاته غير عادل من حيث إنه يجعل من نفسه مركزا لكل شئ، وهو من جهة أخرى مضايق للآخرين من حيث إنه يريد استعبادهم، ذلك لأن كل “أنا” هو عدو، ويريد أن يكون المسيطر على الكل”.

مفهوم “الأنا” مبني على السيطرة، سيطرة الذات على ما تتخذه موضوعا لها، سواء كان هذا الموضوع أشياء الطبيعة أو أناسا آخرين. وفي هذا المعنى كتب ماكس هوركهيمر يقول: “من الصعب جدا أن يحدد المرء بدقة ما أرادت اللغات الأوربية في وقت من الأوقات أن تقوله وتعنيه من خلال لفظ égo (الأنا)، إن هذا اللفظ يسبح في تداعيات غامضة قاحلة. فمن حيث أنه مبدأ “الأنا” الذي يحاول جاهدا كسب المعركة ضد الطبيعة على العموم وضد الآخرين من الناس على الخصوص، كما ضد الدوافع السلوكية التي تحركه، يبدو (ال égo ) مرتبطا بوظائف السيطرة والحكم والتنظيم[…] ولم يتحرر مفهوم الأنا في أي وقت من حمولاته وشوائبه الأصلية الراجعة إلى نظام السيطرة الاجتماعية. وحتى الصياغات المثالية كنظرية الأنا عند ديكارت تنطوي بالفعل، فيما يبدو، على معنى السيطرة. إن اعتراضات جاساندي على “التأملات” (=اسم كتاب لديكارت) تضع موضع السخرية تصور روح صغير، ال égo أو “الأنا”، يقوم من داخل قلعته المخبأة في أعماق الدماغ […] بالتنسيق بين ما تنقله الحواس ويصدر أوامره إلى مختلف أجزاء الجسم”.

من خلال هذا التصور لـ “الأنا” كمبدأ للسيطرة يتحدد موقع “الآخر” ودلالته ووظيفته في الفكر الأوربي، أي بوصفه موضوعا للسيطرة أو عدوا، أو بوصفه قنطرة تتعرف الذات من خلاله على نفسها. يقول سارتر: “أنا في حاجة إلى توسط الآخر لأكون ما أنا عليه”.

هذا بصورة عامة. أما إذا انتقلنا إلى الكيفية التي يعي بها الفكر الأوربي المعاصر العلاقة بين ” الإسلام والغرب” فإن الجواب ” الموضوعي” و”المحايد” نجده عند الباحث الاجتماعي الفرنسي المعاصر بيرتراند بادي، في مقالة حديثة له كتبها بعنوان “الغرب والعالم الإسلامي”. يقول فيها: “نحن نتحدث دائما عن الآخر، خصوصا عندما لا نحبه أو عندما نخافه أو عندما يكون فاتنا ساحرا”، والكاتب يفكر هنا في الإسلام كما يتناوله الفكر الأوربي. ثم يضيف: “إن هذا النوع من النظرة الاجتماعية للغيرية أمر تقدمه الملاحظة، فلا يمكن أن يغيب لا عن الباحث الاجتماعي ولا عن المؤرخ ولا عن رجل السياسة. إنه يكشف عن موقف، ويساعد، بادئ ذي بدء على اكتساب فهم أفضل عن الشخص الذي يتكلم، عن طريقته في التفكير وأسلوبه في العمل. والغيرية من هذه الزاوية يمكن اعتبارها “غيرية متخيلة” (أو وهمية). وهذا التعريف لـ “الآخر”، الذي يجعل منه مصدرا للسلوك، يتدخل بصورة أكيدة في سلوك الفاعلين. إنه يخلق وضعيات مصنوعة من التوترات والنزاعات، كما يخلق في الوقت نفسه مناسبات تستغل لتأكيد الذات وتبرير التصرفات وفرض الإرادة، أو الظهور بمظهر الضحية، كما يحدث أحيانا. ففي هذا المستوى من التحليل يمكن الحديث بكل اطمئنان عن غيرية استراتيجية. غير أن هذه الأخيرة التي تشيدها تمثلات وافتراضات ومصالح لا يمكن النظر إليها مع ذلك كغيرية مخترعة ابتداء، ذلك أنها تتغذى من قراءة لتاريخ عزل بصورة تعسفية عن تواريخ أخرى، تاريخ يضم مع ذلك مجموعة من التجارب والحوادث والمنشئات الفكرية والمؤسسية التي لا يمكن اعتبارها كلها غير ذات أهمية. إن الغيرية بهذا الاعتبار تضفي الشرعية على المقارنة وتغذيها وتجعل في الإمكان فهم الفوارق بين نماذج التطور والنمو. إنها في هذه الحالة تسمح بإضفاء الوضوح على منهج المقارنة وبالتالي يمكن النظر إليها بوصفها غيرية منهجية”

يريد هذا الباحث الاجتماعي أن يقول إن العلاقة بين الغرب والإسلام، في الفكر الأوربي، هي من جنس علاقة الأنا بالآخر التي يحكمها الإعجاب والافتتان (بسحر الشرق وهذا ما يسميه بالغيرية الوهمية أو التصورية ) أو توجهها إرادة القوة وحب السيطرة (التوسع الاستعماري وهذه هي الغيرية الاستراتيجية) وهما تتغذيان من تاريخ طويل من الاحتكاك والصراع … وأنه يجب الآن بناء هذه العلاقة على المقارنة والاعتراف ب “الآخر” وخصوصيته، وهذا ما حاول هذا الباحث القيام به في كتاب صدر له منذ سنوات بعنوان: “الدولتان: السلطة والمجتمع في الغرب وبلاد الإسلام”.

لنقف بهذه الاستشهادات عند هذه النقطة فهي كافية لتجعلنا ندرك أن “الغرب” عندما يفكر في نفسه من خلال عبارة “الغرب والإسلام” فهو يفكر في “الغرب” ك “أنا”، وفي الإسلام كـ”آخر” عدو، أو كموضوع للسيطرة أو كمصدر للخوف. إن هذا النوع من الرؤية ل “الآخر” من صميم الفكر الأوربي الحديث والمعاصر، كما بينا.

 

هل يفعل ” الإسلام” -أعني أهله- الشيء نفسه؟

إن غياب مقولة “الآخر” في العقل العربي، بوصفها “أحد المبادئ الأساسية للعقل” (كما في الفكر الأوربي) يجعلنا نتردد في الجواب. إن المسألة تحتاج إلى مزيد بحث ونظر.

وللحديث بقية.

 

error: المحتوى محمي