العلم والأمن: تحديات بحث الإرهاب من الميدان – سكوت آتران، روبرت آكسيلرود، ريتشارد ديفيس، باروش فيشوف / ترجمة: مضر عبّود

العلم والأمن: تحديات بحث الإرهاب من الميدان – سكوت آتران، روبرت آكسيلرود، ريتشارد ديفيس، باروش فيشوف / ترجمة: مضر عبّود

 

images


ينبغي أن يركز البحث على كيفيّة توريط الشبان

ظلّت ملامح الإرهاب الجوهرية غير واضحة المعالم برغم الجهود الحثيثة المبذولة من وكالات الاستخبارات والكم الهائل من المؤتمرات والمقالات والكتب في هذا المجال. ما الذي يميّز الإرهابيين قبل إقدامهم على الفعل؟ كيف ينجرّون للتطرف؟ وما الدافع وراء عنفهم؟ متى يشنّون فِعلتهم؟ وماهي الإجراءات المضادّة الأكثر فاعلية؟ لكن تلك الجهود تهاوت إلى حد ما نتيجة الخلل في تصميم البرنامج على الرغم من التزام وجرأة العديد من العناصر المشاركة.

نحنا هنا نقترح تصميماً بديلاً مستنداً على بحث ميداني ذو قاعدة نظريّة ومتآلف مع رسم السياسات، حيث أنَّه من الممكن التقدم إلى الأمام في مجال معرفة وفحص الفرضيات باستخدام البيانات الميدانية المستقاة بطرق علمية موثوقة من الإرهابيين والداعمين لهم ومن بيئاتهم الحاضنة.

عّولت الحكومة الأميركية بصورة حصرية تقريباً على المجتمع الاستخباراتي الذي يراقب الأفراد والمجموعات المهددة للأمن القومي وهو يختص سرياً بجمع وتحليل المعلومات وثيقة الصلة. لكنّ المصاعب في جمع هذه المعلومات وتفسيرها قيّدت الجهود الرامية إلى استيعاب دوافع المجموعات الإرهابية وعملية تجنيدهم وقدراتهم. وكان المجتمع الاستخباراتي في البداية قد حاز على جميع المعلومات المتوفرة تقريباً عن الإرهابيين الفعليين والمحتملين والمؤهلين لأن يصبحوا كذلك، غير أن هذه المعلومات مع ذلك لم تتقيد بالضرورة بالنظريات والنظم القابلة للفحص العلمي كما أنها لم تُعايَن من ناحية التزامها الدقة والكمال. وقد تبرّر الحاجة الماسة لحماية حياة الأشخاص وممتلكاتهم استخدام المعلومات المجتزئة أحياناً لما لها من تأثير جيد في القبض على الإرهابيين الخطرين وصدّ الهجمات الإرهابية. لكن صُناع القرار ينزعون إلى تكييف هذه المعلومات مع الأمثلة السائدة في السياسة الخارجية والعقيدة العسكرية والعدالة الجنائية ولكن كلّ منها يتضمن عيوباً جدية حينما يتعلق الأمر بالإرهاب. ومثال ذلك هيكلية الأمن القومي للحكومة الأميركية حيث كانت قد أُنشئت للمواجهات فيما بين الدول أيام الحرب الباردة، وبالتالي فهي غير مؤهلة بشكل كافٍ لأن تواجه التهديدات الفرعية أو العابرة للدول مثل القاعدة وحالياً الدولة الإسلامية. كذلك، فإن عقيدة الحرب العسكرية الأميركية اعتمدت على سياسة “فرض تكلفة إضافية على الطرف الآخر” كأساس لأي استراتيجية لهزيمة أي عدو بمن فيهم الإرهاب و الإرهابيين [1]، وبرغم ذلك يبدو أن الانتحاريين ،على سبيل المثال، أنهم لم يتأثروا بتلك الاستراتيجيات النفعية من حيث المردود والكلفة [2]. في نهاية الأمر وعلى عكس الإرهاب فإنّ معظم الجرائم الجنائية لا يكتنفها أحداثاً ذات احتمالية ضعيفة وبالوقت نفسه بالغة الأثر ومن شأنها استهداف السواد الأعظم من المدنيين المجهولين، أو الدعم الفعال من غير المجرمين أو حتى تجنيدهم. وفي حين أنّ علم الجريمة قد طوّر إلى حد ما قوائماً معتمدة ومؤشرات من حوادث سابقة بالإضافة إلى ملفات لحالات معينة من الأعمال الإجرامية ومرتكبيها (الاحتيال في السندات المالية والقتلة المتسلسلين) إلا أنّ الوصول إلى الموثوقية الإحصائية أو الموضوعية لا يزال متدنياً حينما يتعلق الأمر بالإرهاب والإرهابيين [3].

ومن أجل هذا اجتمع أكاديميون من مجالات عديدة في العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانيات، ولكن الغالبية (وبمعزل عن كلّيات علوم الحرب العسكرية وجامعة الدفاع القومي) لم يكن لديهم معرفة مسبقة بهذه القضايا وليس لديهم الحق في الاطّلاع على المعلومات السرية ولا تجربة البحوث الميدانية المطلوبة لموائمة النظريات مع واقع المعلومات الدقيقة المجموعة في مناطق النزاع، ومن الطبيعي في هكذا فضاء محدود أن تسود نماذج “السبب الجذري للواقعة” ومنها الأسباب الاجتماعية الاقتصادية والتطورات النفسية أو الدوافع السياسية، لكن هذه التفسيرات بدت عديمة جدوى، وخصوصاً عند توافر المزيد من المعلومات المعقدة. لكن الحكومة الأميركية مدركةً الحاجة لتوحيد شتّى المعلومات دون أن تطلق حق الاطلاع على المعلومات السرية للجميع ابتكرت استراتيجية أسمتها “طول الذراع (عدم التورط المباشر) ” تطلب من الباحثين تطوير خوارزميات نظرية إدراك المعلومات المجهولة والعمل المعتمد على الاستطلاعات البيانية الضخمة.

وعلى الرغم من أنّ الحاجة إلى بحث ميداني واسعٍ وملّم بكافة المواضيع ينبغي أن تكون جليّة [4] فقد جاءت مساندة الحكومة الأميركية هزيلة، حيث أن تمويل وزارة الدفاع (DOD) للعلوم الاجتماعية لم يتخطّ اثنان بالمئة (2%) من ميزانيّتها السنوية المقدرة بين الخمسة مليارات والستة مليارات دولار المخصصة للبحوث العلمية والهندسية في السنوات الخمس الأخيرة [5]. ويشابهه في الضآلة التمويل الاتحادي للبحوث العلمية النفسية والاجتماعية في الجامعات (958 مليون دولار من مجموع 16 مليار دولار أي ما يعادل 6% من البحث الأساسي لعام 2016) [6] ، وقد كان هذا الرقم مستقراً بشكل أساسي في العقد الأخير [7] في الوقت الذي ينادي فيه البعض في الكونغرس (مجلس الشيوخ) لقطع هذا التمويل نهائياً برغم الإسهامات الحيوية في المصالح الوطنية على مستوى الاقتصاد والتكنولوجيا والطب والدفاع.

في العام 2008، أطلق وزيرة الدفاع الأميركي آنذاك روبرتس غيتس “مينيرفا” الجهد البحثي الأساسي الأكثر أهمية ودعماً من قبل الحكومة الأميركية حول النزاعات العالمية، وتركز البحث على مفهوم التطرف العنيف، وقد تم نشر بحوثه على نطاقٍ واسع وساندت هذه البحوث بتزويد المعلومات ذات الصلة بالسياسة للشهادات الخاصة بمجلس الشيوخ ولملخصات الإدارة العسكرية. ومن الأمثلة عليه مشروع الدراسات التجريبية للنزاع والذي تطور فيما بعد ليصبح مجتمعاً بحثياً مختصاً بالسياسة تتشارك به الحكومة الأميركية وكبريات الجامعات الأميركية من أمثال (برينستون وستانفورد وجامعة شيكاغو وجامعة كاليفورنيا بالإضافة إلى سان دييغو)، وكذلك برنامج التغير المناخي والاستقرار السياسي في أفريقيا في جامعة تكساس في أوستن الذي حلل الصراع المتعلق بالتغيير المناخي وأبلغ بذلك اللجنة الحكومية الدولية في تقرير التغير المناخي لعام 2014. ومع ذلك فقد بقيت مبادرة مينيرفا في حالة قصور من حيث عدد الباحثين كما من حيث التمويل بميزانية تقل عن 2% من الميزانية الأساسية لوزارة الدفاع الأميركية (28 مليون دولار من مجمل 1.7 مليار دولار) [8] [9]. حتى أن وزارة الدفاع الأميركية لم تعيّن منصباً حكومياً واحداً في إدارة برنامج مينيرفا وتدفع أقل من عشرة ملايين دولار سنوياً للبحث العلمي الذي له جزء ميداني.

وإنّ أحد أهم التحديات التي تواجه البحث الميداني يبرز من البروتوكولات القانونية والأخلاقية الموضوعة لحماية وزارة الدفاع ضد اتهامات قد توجه إليها مثل التجسس والتدخل أو ضد سوء معاملة الأشخاص. وعلى الرغم من أن هذه البروتوكولات غالباً ما تؤدي تلك الغايات إلا أننا نرى في سياقات معينة أنها تضفي القليل من المعقولية، على سبيل المثال غالباً ما يكون تصريح الدولة المستضيفة لإجراء البحث صعب المنال سواء حين تكون حكومة هذه الدولة ضعيفة جداً (خلال حربٍ أهلية) أو حينما تكون الحكومة قوية جداً (فتمنع بحثاً قد لا يروق للسلطة الحاكمة). وقد لا يمكن مقابلة المقاتلين المعتقلين لأي سبب من أسباب الحماية المؤمنة لهم (مثل إخفاء الهوية أو عدم القبول) وذلك مردّه أن المؤسسات الأكاديمية تتطلب وجود ممثلين عن المساجين أمام مجلس المراجعة المؤسسية (IBR). ومن جهة ثانية فإن وجود ممثل مباشر عن المقاتلين قد ينتهك حكم المحكمة العليا في قضية (هولدر ضد مشروع القانون الإنساني) والذي منع أي عضو في منظمة مسجلة على لائحة الحكومة الأميركية للإرهاب من المشاركة في عمل إنساني. وحتى حينما تضمن الحكومة الأميركية الموافقة على العينات البشرية موضوع البحث، فإن كلَّ مؤسسة أكاديمية يكون لها حرية اتخاذ قرارها والذي يختلف من مؤسسة لأخرى ومن سنة إلى سنة، ولكنَّه عادة ما يكون متسقاً مع مراعاة مشاعر طلاب الجامعات الأميركية (مثل الابتعاد عن الإزعاج الفكري أو العاطفي، كالذي يحصل في البيئات المكروبة ومناطق الحروب).

أحد طرق المعالجة الممكنة هو نقل المسؤولية في الحالات المماثلة إلى مجلس مراجعة مؤسساتي وطني ؛المؤلّف على وجه الدقة من خبراء من المجالات القانونية والأخلاقية والعلمية وعلى دراية تامة بالمهام التي من شأن البحث أن يخدمها. ويجب أن يكون هذا المجلس الوطني بمنأى عن الضغوط السياسية والمالية، وأن يمتلك خطاب للاهتمامات مما قد يساعده على تفادي أوضاعٍ معينة كالتي تورّطت الجمعية الأميركية لعلم النفس في التعذيب رغم أن الأمر تم نفيه هذه الأيام. ويكون اختصاصه بالمعنى الدقيق كبحث ذو ارتباط بالأمن القومي. وكانت السنوات الأخيرة قد شهدت جهوداً ابتكارية في العمل في ظل تقييدات الحكومة الأميركية من حيث تمويل البحث الميداني  [10] والتحليلات الدوافع النظرية من الباحثين الجامعيين [11]. وفي العديد من كبريات الجامعات هنالك التزام وطيد بتجهيز الباحثين قبل أن يتم طلب ذلك (ومنهم برنامج الاتحاد الوطني في جامعة ميريلاند لدراسة الإرهاب والاستجابة عليه «START»، برنامج الدراسات الأمنية في معهد ماساشوستس للتقنية، برنامج جامعة ييل للعلوم السياسية المقارنة، مركز مكافحة الإرهاب في جامعة جون جاي للعدالة الجنائية). من ناحية ثانية، هنالك تطويرين جوهريين عليهما أن يتوافرا لتحويل هذه الجهود البحثية إلى مقدرات وطنية لمواجهة الإرهاب العابر للدول (I) مع التسليم بأن الدولة الإسلامية في العراق والشام كانت قادرة لوحدها على تجنيد الإرهابيين من أكثر من (100) مئة دولة فإن البحث الميداني المتماسك من حيث الأفكار والمبادئ (وتمويله) يحتاج لأن يمتد إلى ما وراء المشاركة المتقطعة لهؤلاء الباحثين من الجامعات الغربية إلى التعاون المنسّق والمتعدد الجنسيات. (II) يحتاج البحث لأن يصبح متعدد الاختصاصات في الواقع بحيث تكون المقابلات مع المقاتلين والاستفتاءات الوطنية والتجارب السيكولوجية متكاملة مع تصاميم البحث ذي الدوافع النظرية لضمان أن تحليل البيانات الضخمة المبينة على النظرية والتجربة الميدانية يعير اهتماماً خاصاً للارتباطات الهادفة والبنّاءة.

إنّ بعض الأساليب من أمثال التعليم الآلي [12] و تحليل النصوص المتعددة اللغات [13] تتيح إمكانيات لاستخراج كميات هائلة من البيانات لأنماطٍ ومؤشرات قد تستعصي على المراقبين البشريين، وإن إدراك مقدراتهم سوف يقتضي غرس هذه التقنية في بيئات البحث الموصوفة. وأما المعرفة النظرية والميدانية فهي مطلوبة لخلق بيانات تدريبية مراعية للثقافات والتي تحتاجها التقنية: تضييق دائرة البحث وإيجاد صلة بالعالم الحقيقي لهذه الأنماط المكتشفة [14]، ولتكون إنذاراً ينبئ عن التغيرات السلوكية المتبناة من الخصوم والتي قد تحبط الاستفادة من تلك المراقبات المؤرشفة. ومن الممكن أن يُعزى نجاح الدولة الإسلامية في العراق والشام جزئياً لعملهم الميداني الخاص عندما يعلمون تلك الفوارق الدقيقة في الكلمات والصلات الاجتماعية المطلوبة لتجنيد الأتباع.

ويمكن أن ترى إمكانية البحث في أن يطغى على التقييدات المطبقة في المحاولات الأخيرة لفهم التطرف العنيف، وبشكل جزئي في التحريم والمنع. لكنّ الأكثر بروزاً كان انحسار الاهتمام بتعليل الأسباب الجذرية التبسيطية لتحول الأفراد إلى متطرفين عنيفين (كالفقر والجهل والتهميش والاحتلال الأجنبي والتعصب الديني) والتي لا يمكن لها أن تستوعب تنوع واختلاف الأوضاع التي تحتضن الإرهاب أو تدعم إجراءات تدخل بنّاءة. يطرح هنا جدلٌ أكثر سلاسة وهو كيف يصبح الأشخاص متورّطين بشبكاتٍ إرهابية (كيف يتطرّفون وما آليّة تجنيدهم ومتى ينتقلون للهجوم وكيف يهجرون الدعوى أو الرفاق) [15].

تشير تقارير مجموعة سوفان: المركز الدولي لدراسة التطرف (جامعة الملك، لندن) ومركز مكافحة الإرهاب (الكلية العسكرية الأميركية) إلى أن تقريباً ثلاثة أرباع الذين انضموا إلى الدولة الإسلامية أو القاعدة إنما فعلوا ذلك ضمن مجموعات. وغالباً ما استبق وجود هذه المجموعات وجود مجموعات أخرى على شكل شبكات اجتماعية وتكتلات نموذجية خصوصاً في القرى والأحياء السكنية [16] ، وهذا يوحي بأن الكثير من التجنيد لا يقتضي إغراءات شخصية مباشرة من قبل عملاء تلك المنظمات أو الانفتاح الشخصي على شبكت التواصل الاجتماعية ( مما قد يستلزم نماذج تجنيد متفرقة).لذا فالعمل الميداني ضروري لتحديد ماهية الظروف الخاصة التي تحقق بها هذه العمليات مهامها. وعندها تكون نماذج النمو الطبيعي للشبكات الإرهابية من الممكن أن تبنى على طريقة الانتشار الوبائي لهذه الأفكار التطرفية عند شبكات التواصل الاجتماعي المضيفة أكثر من بنائها على النظرية وبعدها يتم تكييفها على الواقع وقد يودي ذلك إلى اتخاذ منحى الصحة العامة لمقاربة هذا التطرف العنيف أكثر من الأسلوب الجنائي البحت. تنتج هذه الاعتبارات آثاراً في مكافحة التجنيد الإرهابي، حيث أن التركيز الحالي للحكومة الأميركية على مكافحة “الرواية المضادة” مزمع لأن يكون بديلاً للإيديولوجيات التي تشكل دوافعاً للإرهابيين.  وتتعامل هذه الاستراتيجية مع الأفكار على أنها منبثقة عن الأوضاع الإنسانية وعندها تغرس وتصبح حيوية وتكون كمنشطات للمجموعات الاجتماعية. بدلاً من ذلك، الأفضل للأبحاث والسياسة أن تركز جهودها على الارتباط المضاد الشخصي وأن تناقش وتستغل ارتباط الناس وانفعالهم وغاياتهم ضمن سياقات اجتماعية معينة، كما تفعل “داعش” و”القاعدة” في معظم الأحيان. ويستمر هذا التركيز في تباينٍ حاد بالاعتماد على إرسال الرسائل الجمعية الهدّامة وعمليات الغش للانحراف بمجموعات الشبان إلى مرحلة الارتياب عن طريق الاحتيال بقصد الإيقاع بهم وعن طريق القصاص (العرف الأكثر استخداماً في تطبيق القانون الأمريكي) [17] أكثر من الاعتماد على الإقناع بطرق بنّاءة والهداية نحو طرق الحياة المثمرة. نحتاج هنا وعلى أقل تقدير إلى البحث الميداني في هذه المجتمعات بحيث يكون قادراً على انتزاع الأدلة التي تكشف فيما إذا كانت تلك الاستراتيجيات ناجعة أم فاشلة أم ذات مفعول عكسي.

في العام 2015 أطلق البيت ألبيض برنامجاً اتحادياً لمكافحة التطرف العنيف (CVE) بعد استشارة العديد من الخبراء في المجالين الحكومي والأكاديمي وكذلك القطاع الخاص. وعلى الرغم من أن هذه المبادرة لم تكن مدفوعة بالدليل العلمي إلا أن الوكالات الاتحادية بدأت بتدريب كوادر ووسطاء ومجتمعات محلية ومؤسسات قطاع خاص لتمييز ومنع التطرف العنيف. ويبقى الأمل بالاستمرار في “جمع أطياف واسعة من الضوابط” واتخاذ النهج مجتمعي المنحى للمنع بقيادة الحكومة الفيدرالية سوف يجدها بالطريقة الصحيحة [18]. ولكن الاطلاع على المعرفة المجتمعية المنحى وتحليلها والاستفادة منها يتطلب بحثاً ميدانياً ملماً ومنقاداً نظرياً وذي ضوابط، ضمن وبالاشتراك مع المجتمعات المعرضة للخطر. ويذكر أنه ينقص المبادرة حالياً الآلية والتمويل [19].

الشباب هو أحد العناصر الضرورية التي على البحث الميداني أن يركز عليه، الشبان الذين يشكلون الجزء الأعظم من مجنّدي الإرهابيين اليوم والسكان الأكثر ضعفاً في المستقبل [20]. وينظر في الوقت الحالي إلى الأجيال الشابة وخصوصاً الذكور منهم (مع تزايد في أعداد النساء) على أنهم مشكلة أكثر من كونهم دلالة تبشّر بالحل. وبالتالي ولردع الإرهاب نحتاج لبحث عن الوقاية من الإرهاب ويكون من شأنه تعزيز الإنماء البنّاء للشباب عبر قدرات حقيقية لإدراك آمال وتطلعات الشباب وأحلامهم. وإحدى قصص نجاح برنامج كهذا هي برنامج الفتيات الواعين الذي أسسته المراهقتين غولالاي وسابا إسماعيل منذ عقد من الزمن في الجزء الشمالي الغربي من الباكستان، يزود البرنامج النساء الشابات بخطط للتعلم والدفاع عن حقوقهم، وقد ساعدت تدخلاتهم مئات الشباب على الابتعاد عن العنف السياسي والديني [21]. والميزة الأساسية لهكذا برامج هي أنها محلية مما يسمح بالمشاركة الشخصية من قبل الأفراد كونهم من نفس الثقافة ومعتادون على نفس الظروف.

والانتقال من النجاح على المستوى المحلي إلى الإنجازات على الصعيد العالمي يتطلب مؤسسات وبرامج قادرة على بناء نسيج متكامل من المبادئ العامة والممارسات التي شكلت هذا النجاح، وفي الوقت نفسه تشجيع المبادرة المحلية وتحقيق الملائمة بالإضافة إلى الاستقلالية. الشبكة المتحدة لبناة السلام هي إحدى المنظمات التي يديرها الشبان وتتبع هذه الاستراتيجية حيث تعتمد الدراسات الأساسية ومن ثم النتائج اللاحقة للبحث [22] وبوسائل محدودة جداً. ولقد كانت ذات دور فعال في التوصل إلى قرار الأمم المتحدة رقم 2250 الذي حض الدول الأعضاء على منح الشباب صوتاً أكبر في صنع القرار على المستويات المحلية والإقليمية والدولية لمواجهة أفضل مع تهديدات الاستقرار والتطور التي يفرضها التطرف العنيف. ويتطلب تنفيذ القرار بحثاً علمياً مستقلاً لا عن الشباب فحسب بل مع الشباب في الميدان للإلمام بسياسات الدول الأعضاء وربما بصورة أهم لخلق قنوات فكرية واجتماعية عابرة للدول لفسح المجال أمام الشباب لصياغة واختيار الممارسات الأفضل.  ويقتضي تزويد الشباب بالأسس العلمية لعملهم بالإضافة إلى الوقاية والبرامج الأخرى لوقف التطرف العنيف بحثاً ميدانياً عميقاً ومتكاملاً مع العلوم الأساسية، كذلك يتطلب تكاملاً مع الحكومة لمقاربة الحاجات الملموسة لصنّاع القرار وإبلاغهم بمحتويات العلوم الأساسية ونقاط القوة فيها وما يسهم في محدوديتها.

ولتحقيق هذه الأدوار ينبغي على الباحثين التمسك باستقلاليتهم لتفادي المشاركة في الاختيار مع أعضاء الحكومة أو المصالح السياسية وبالوقت نفسه المحافظة على احترام زملائهم. ومالم تتحد العلوم وتستقل فإن الحكومة قد تحصل على آراء غاية في البساطة من باحثين يجهلون محدودية الفرع المختار للدراسة أو أخرى غير لائقة من قبل أولئك الباحثين المتعطشين للنفوذ والاهتمام. وما لم تبقَ الحكومة بعيدة نوعاً ما فإنها ستعيقُ هؤلاء الباحثين المستعدين لبناء معرفة لاحتواء الإرهاب ولكنهم يخشون أن تذهب جهودهم سدى أو أن يُضطرّون للمساومة على نزاهتهم.

 

 


المصدر

 

[1] (DOD) وزارة الدفاع الأميركية، السنة المالية عام 2016، طلب الميزانية (DOD، واشنطن دي سي، 2015) ص 2-2 http://bit.ly/2iG8M42

[2] ب هوفمان، جي مكورميك ،دراسة عن النزاع والإرهاب  27، 243 (2004)

[3] آر هافيركامب قانون الجرائم ، التغير 62، 257 (2014)

[4] جي يورغان السلوك والعلم والإرهاب والسياسة والعدوان 4، 195 (2012)

[5] المؤسسة الوطنية للعلوم ، مؤشرات العلوم والهندسة 2016 (إن إس إف، آلرينغتون، في إيه، 2015) الفصل الرابع

[6] إن إس إف

[7] المرجع السابق

[8] (DOD) وزارة الدفاع الأميركية

[9] مينيرفا

[10] سي سي فاير

[11] دووسجيه

[12] دافولكو

[13] غريمير

[14] إن إف جونسون

[15] أترانت

[16] بيرليغر

[17] جي نوريس

[18] جي سيليم

[19] جي غريين

[20] إس أتران

[21] بي بريغس

[22] ديل فيليتشي

error: المحتوى محمي