العلمانية والإسلام في تركيا – ميشيل بوزديمير

العلمانية والإسلام في تركيا – ميشيل بوزديمير

ترجمة: ببهاء لد بديوه


يجد المراقبون الغربيون صعوبة في استيعاب خصوصية الحالة التركية فيما يتعلق بالعلمانية، وكذلك الإشكالات التي تطرحها في توجيه العلاقة بين ما هو سياسي وما هو ديني. وإذا كان بعض المستشرقين مثل برنارد لويس ( Bernard Lewis) يفردون هذه الخصوصية في بابها [1]، فإن المتخ صصين في الإسلام لم يدرسوا بالشكل الكافي التجربة التركية. من هنا تكون تلك التباينات التي تتجلى بدهيا، خاصة انطلاقا مما يحدث في بلد ضمن المجال الإسلامي تحديدا بدءا من الجار المباشر إيران. . فالمتغيرات والثوابت التي تتصارع وتتجه، رغم بقائها في الجو الديني ذاته، نحو تحولات متباينة  مثل التحرر من الإسلام على الطريقة التركية والعودة إلى الإسلام على الطريقة الإيرانية. هذا التمايز الإسلامي مرده تاريخيا إلى انهيار السلطة   المركزية العثمانية على المستوى التنظيمي والحوزة الترابية من بداية القرن السابع عشر حتى بداية القرن العشرين. فمنذ أن ألغى الكماليون منصب الخليفة عام 1924 بدأنا نشهد تخلخل الإسلام السني [2] حيث انقلبت الحال من دين يمثله إمبراطور إلى حالة دين مفكك. ومن سخرية القدر أن التفكك الأكثر بروزا حدث في نفس المكان الذي تمتع بمكانة دين الإمبراطورية. وفجأة ولأول مرة يسقط من علياء الدولة إلى أدنى مستوى في الممارسة السياسية، أي إلى مجرد الاعتقاد الشخصي دون أن تكون له أية سلطة معترف بها ولا مرخص لها في عالم الدنيا أو حتى في عالم السياسة.

 لقد تحول الإسلام التركي في الجمهورية الكمالية إلى درجة لا أهمية لها ولا مهتم بها بعد أن كان لعدة قرون هو مركز العالم لإسلامي حتى لا نقول حَرَمَه الأقدس. ولم يكن ذلك مجرد الفصل بين الدين والدولة، وإنما كان إخضاع الأول للثانية. وانطلاقا من وجهة النظر هذه يمكن اعتبار التجربة الكمالية نموذجا بدئيا للعلمانية في الإسلام المعاصر. إذا كانت هناك صورة غير مكتملة حقا للعلمانية ا حتى لا نقول الحالة الاستثنائية، فإنها هي حالة تركيا. إن كون هذه الحالة فيها تتصارع مفاهيم الإسلام المتطرف مع العلمانية الأكثر تجريدا وتشددا هو السبب وراء وصفنا لها بـ”النموذج البدئي”، وأن نصفها كذلك لا يعني أننا نعطيها قيمة لذاتها، فالاستثنائية ليست قيمة في ذاتها.

و قد يكون من المفيد تقديم حصيلة أولية عن هذه التجربة في هذا الجزء ، قبل البدء في إجراء تحليل حول تطورها وحالتها الراهنة.

كيف يمكن  القبض على دلالة هذه الحالة التي لا مثيل لها؟  بداية من خلال التحول التاريخي الحديث الذي يذكرنا بتطور العلاقات المتصارعة بين الدين والدولة في تركيا، وفي مرحلة ثانية نحاول تقديم حصيلة لهذه التجربة.

لو ما مررنا بالنظر في تجارب العلمنة في الدول الإسلامية لأدهشتنا فرادة الحالة التركية. فهي حالة انبريقية، ولكن لعلها يمكن أن تقترح  لنا طريقة في التصور. إذ يبدو أن هذه الفرادة للحالة التركية، التي ما تزال حتى اليوم استثناء مقارنة بتجارب العلمنة الأخرى، لم تقدر تقديرها الصحيح، لا من خلال المراقبين الأجانب ولا من خلال الأتراك أنفسهم، فهناك ميل إلى تحجيم أبعاد الحدث لدى الجميع.

لقد خسر الأتراك كل شيء في نهاية الحرب العالمية الأولى: إمبراطوريتهم ووطنهم ودينهم. وفجأة تحقق صعود ما تجاه الدولة – الوطن. لم يكن هناك في البداية ظرف ضاغط يدفع الأتراك نحو التوجه إلى سبيل العلمانية. فامتداد الإمبراطورية العثمانية، والشريعة المطبقة منذ عدة قرون، والأبجدية المستعملة منذ ألف عام…،  حتى لا نذكر غيرها من عناصر الديمومة لم تكن تفتح مجالا لتصور مثل تلك قطيعةً. ودون أن نهدف إلى إسناد كل شيء إلى شخصية تاريخية، فقد يكون من الملائم هنا التنبيه إلى الدور الذي لعبه مصطفى كمال من خلال سياسة طوعية، حيث قام بوضع استرتيجية تهدف  إلى القطيعة الحضارية لا يبدو أن له صلة بالتحلل من المسيحية نتيجة العلمانية الفرنسية،  بل الأمر يعني هنا في المقام الأول تحللا من الإسلام.

فأثناء الحرب ضد الاحتلال الأوروبي (1919-1922) بدأ مصطفى كمال يعد لتبنى حضارة المحتل بدلا من ترسيخ المهمة المنجزة  بعد استعادة الاستقلال عن طريق الكفاح المسلح ضد الغرب، فأخذ يفرض من خلال القوة تحولا اجتماعيا مستنسخا من الغرب. دون أن يكون نتيجة إرث استعماري أو نتيجة لتطور تاريخي، ولا تلبية لمطلب اجتماعي. وإذا كانت هناك من صلة بالتاريخ، فإنها لا تعدو في النهاية نقل المفاهيم الغربية. وما يعطي للتجربة أصالتها هو أنه ما من أحد فرض على الأتراك أن يغيروا دينهم ولكنهم كانوا مدفوعين ومجبرين على تبني نمط حياة الغرب، مع أنه هو عدوهم آنئذ.

وهكذا نتحول من حالة الإسلام فيها مقدس في أعلى قمة الدولة إلى أخرى الإسلام فيها يتم تأميمه وتدجينه ويتحكم فيه سياسيا. فالعلمانية تمثل التحول من الهيمنة الروحية حيث تهيمن القيم الروحية- على الأقل في المظهر- إلى التحكم نظريا. والجرأة الكمالية الخارقة تتجسد في المجال الديني من خلال سيطرة الدولة المطلقة على الدين ممارسة فصل الإسلام شيئا فشيئا فإقصائه فإزاحته كليا عن المجال العمومي.

فالعلمانية المطلقة يمكن أن تلحظ في على جميع المستويات. على المستوى السياسي: إلغاء السلطنة والخلافة وإعلان قيام الجمهورية وإلغاء دين الدولة…؛ على المستوى الاجتماعي حلول القوانين الغربية محل الشريعة الإسلامية، وإلغاء تعدد الزوجات، واحترام حقوق المرأة…؛ على المستوى الثقافي، كانت الصدمة عامة: استعمال الكحول، والتغير السمتي، في الأبجدية والتقويم الزمني والموسيقى… فباسم الحداثة الغربية تم وبشكل مهووس فرض عملية تثاقف شاملة.

علمانية شبه طاغية تم إدخالها مبكرا ضمن اللائحة الطويلة للإصلاحات الكمالية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، اكتسحت بعنف التقليد التيوقراطي القائم منذ قرون. وتلك حالة فريدة فالدين بما هو قوة سياسية يتم تفكيكها تماما [3]. بذلك يتميز النموذج التركي برفضه الشديد لأي سلطة دينية يمكن أن تكون منافسة للنظام السياسي، بينما في إيران على سبيل المثال لا يزال الدين قائما بوصفه سلطة موازية [4].

فأول ملمح للعلمانية التركية هو تطرفها، علمانية مطلقة، علمانية مناضلة، تبتعد برغبة عن الدين، إن لم  نقل إنها لا توليه أي احترام- خلافا للتجارب الأخرى كما في إيران أو بعض الدول العربية–   فليس هناك ظل للمهادنة أو التوافق مع الإسلام، ولا حتى الرغبة في التعايش السلمي. فجميع دساتير الدول الإسلامية تنص على أن الإسلام هو المرجع الأساسي و “الدين الرسمي للدولة”، حتى الميثاق الوطني للجزائر الاشتراكية ينص بشكل صريح على مرجعية الإسلام.

ولاستيعاب أمثل لفرادة التجربة الكمالية فيما يتعلق بالدين قد يكون من المفيد إمعان النظر في الفلسفة الإيجابية التي هي فيها بمثابة حجر الزاوية: “إننا لا نتلقى الإلهام من السماء بل مباشرة من الأرض… إننا نستقي قوتنا من العلم والحضارة المعاصرة [5]”. بذلك تتخذ الكمالية موقفا معارضا للرؤية الإسلامية: ” إن حكومة الإسلام هي حكومة القانون والقانون هو شرع الله وأمره… الحكم هو لله وحده [6] “

ومن البديهي أن نظاما سياسيا يتعامل فيه مع الدين بطريقة علمانية كما في تركيا هو مهيأ للاندماج في طرائق التفكير والعمل للعالم الغربي أكثر من نظام تحت قبضة الدين حيث ما تزال المعطيات الأساسية للتفكير الاستراتيجي مضطربة. وهذا ما يطرح مشاكل متعددة دفعة واحدة على المستوى المجتمعي، كما على مستوى العلاقات الدولية في حالة السلم أو حالة الحرب. والأمثلة الدرامية على ذلك هي الحرب الأهلية ما قبل الثورة في إيران والحرب مع العراق. إن تركيا العلمانية مثلما إيران الشاه ظلتا لوقت بمثابة الطليعة المتقدمة للعالم الغربي. لقد تقدما شوطا بعيدا في الدفاع عن قيم الغرب في الشرق الأوسط إلا أن أحدهما استطاع أن يحافظ على قوته، بينما انهار الآخر تاركا الساحة لنظام معاد للغرب بشكل عميق. إن العلمانية تستطيع إذا تم اعتمادها بشكل صحيح أن تساهم في إرساء ديمقراطية تعددية أو في تقويتها، كما هو ملاحظ في التناوب الديمقراطي في تركيا. إن العلمانية، من خلال ما تحدثه من انفتاح العقل على العالم الواقعي، ومن خلال فصلها لهذا الأخير عن عالم الغيب، ومن خلال ما تطوره من مقاومة تجاه جموح الشمولية الدينية, تتدخل في المجال السياسي كما لو كانت علاجا فعالا مضادا للإسلامية محتفظة في الوقت بالديمقراطية منهجا. إن المثال المتطرف الذي قدمته تركيا حيث آل دور الدين إلى أضعف مستوى له في الحياة العامة، يبين جيدا أن القيم الدينية في مجتمع إسلامي ما ليست بالضرورة هي القيم المهيمنة وأن نظاما سياسيا يمكن أن يقوم بدونها.

وليس المدهش هو كون الدين يؤثر في الحياة العامة إلى هذا الحد. ذلك لأن عبارة دين الدولة ظلت حية إلى عهد قريب حتى في أوروبا. فميثاق 1814(الفصل:6) يعترف بالكاثوليكية باعتبارها ” دين الدولة ” في فرنسا. وإقامة شعائر الدين التي يدفع عنها مرتبا ظلت ضمن ” الخدمات الدينية”. وحسب ميثاق 1830، فإن «الكاثوليكية هي الذي يؤمن به غالبية الفرنسيين». لقد جاءت المفاجأة من الجانب التركي: فالإسلام كمرجع سياسي لم يعد موجودا منذ وقت طويل. إذ لم يعد غير عنصر من مكونات الوعي الشعبي. إن الدراسة التحليلية للإصلاحات الكمالية تقدم لنا الجواب السريع والسالب للسؤال المطروح منذ قرون على العالم الإسلامي: “لماذا المسلمون متأخرون مقارنة مع الغرب؟ [7]”. فإن لم يكن المسلمون يرون الإسلام هو المسؤول مباشرة عن هذا التأخر، فإنه لم يعد صحيحا أنهم لا يشجبون بعنف بعضا من تجلياته الظلامية أوالخرافية.

فحسب مصطفى كمال، فإن«الدين أو على الأصح التربية أو الأخلاق التي يلقنها من يسمون رجال الدين للأفراد قد دفعت بالعالم الإسلامي إلى العبودية والخنوع »

« فهل تجمعات بشرية تقودها سَحْبًا مجموعة من الشيوخ والأسياد و الأمراء موكلة قدرها وحياتها إلى العرافين وصانعي التمائم والمنجمين وبائعي التعاويذ يمكن اعتبارها أمة متحضرة؟ [8]».

فمن أجل كسر هذه الرؤية للعالم كان لا بد من وضع نهاية للثنائية الضارة المتمثلة في وجود تعليمين: تعليم ديني وتعليم دنيوي. إن حرب المدارس على الطريقة التركية لم تدم طويلا. إذ تمت القطيعة من خلال توحيد التعليم [9]. ولائحة الإصلاحات الطويلة التي تلت ذلك كانت معروفة.

من جانبه اقتبس الشاه ريزا الذي كان معاصرا لجاره التركي الإصلاحات الكمالية فصلا فصلا بعد سنة أو سنتين من ظهورها ما بين 1925 و1941. ومهما تكن المقبلات التي أضيفت إليها لكي تغدو مستساغة مقارنة بالنموذج الأصل، فإن الإصلاحات العلمانية أظهرت الكمالية في أعين المتدينين الإيرانيين لا تقل خطورة عن الشيوعية. وستتابع جهود العلمنة تحت حكم الشاهات الفهلهيين خاصة من خلال تعدد المدارس العلمانية وقيام الدولة بالعدالة, وتخصيص مكانة أكثر فأكثر في المجتمع للمرأة, إلخ., غير أن ذلك لم يصل إلى الطبيعة الراديكالية للتجربة الكمالية، كما في الحالات الأخرى التي اتخذت النموذج التركي قدوة. إن التعليم الديني والشريعة ودين الدولة، إلخ…, كل ذلك تم الإبقاء عليه. في حين أن الإسلام التركي السني أو الشيعي لم يعد له من استقلال حقيقي إزاء الدولة. فعندما يتعلق الأمر بالمصالح العليا للدولة فإن الدين يكون تابعا  لها دائما, حتى في عهد الأتراك العثمانيين. لقد أصبح الخضوع كليا ابتداء من القطيعة الكمالية.وليس من التجاوز أن نتحدث عن إقصاء حقيقي للدين في هذا العهد.

هكذا بدا الإسلام بالنسبة لطبقة الساسة أقرب إلى كونه أداة من كونه غاية في ذاته أو هدفا ينبغي الوصول إليه. وحتى أداتية الإسلام لم تكن مقصد الكماليين. فلا هو أداة للتضامن الوطني ولا عنصرا لتجييش المجتمع. وبالتالي لم يعد من الضروري التأكيد أنه قد فقد كل وظيفة تمنحه التبرير السياسي في الجمهورية. لم يعد له من معنى سياسي. فالنظام ليس نظاما تنافسيا حيث لا وجود للزبونية ولا لمجموعة الناخبين التي يمكن أن تؤثر في خلق تعبير دعائي ما.  إن هذه الدعائية التي ستجيء يوما عندما يتطور النظام نحو الديمقراطية  ستبقى دائما محدودة ومراقبة بل مضيقا عليها في تجلياتها السياسية حتى اليوم.

إن العلمانية التركية لا تتحدد فقط من خلال سياسة فصل الدين عن الدولة،  بل إن هناك رغبة في بسط هيمنة ما سياسي على ما هو ديني. والحق أن المسألة ليست إقصاء الإسلام من خلال سياسية معادية للدين بشكل منظم، ولكن بالنسبة لمؤمن واع لطبيعة الإيمان الشمولية، فمن الجلي أن إرادة رد دين بهذا الحجم مجرد مجموعة بسيطة من المعتقدات منفصلة عن عالم الواقع لا يمكن أن ينظر إليه إلا باعتباره سياسة معادية للدين. وهذا ما يفسر في جانب كبير الثورات العرقية- الدينية العديدة التي حدثت في السنين العشر الأولى من قيام الجمهورية [10] .

في حين أن الكل يعرف أن الدين الإسلامي يمثل قبل كل شيء رؤية شمولية للزمني والروحي. إنه نظام كلي لا يعترف بالخصوصية الوطنية ولا بالفردية. ولقد ظهرت الخلافات في وقت مبكر في أرض الإسلام ما بين المسجد والقصر. وعلى العموم فإن أي سلطة فعلية رسمية ظلت ممنوعة على رجال الدين في مذهب الأغلبية السنية الذي أظهر ميلا إلى التوافق مع الحاكمين ( ألو الأمر), وفي الاتجاه الآخر مضى المذهب الشيعي الذي كان عمليا ينزع إلى معارضة السلطة، ولكنه كان أقلية في قلب الأمة.

ما كان يريد مصطفى كمال تحقيقه إنما هو تأويل الإسلام بروح قومية، وبطريقة تتوافق فيها الضرورات التي يتطلبها مجتمع علماني مع العقائد الدينية. ما هو مؤمل هو استخلاص الروح العقلانية التي يتصور أن الإسلام يحتويها. إن هذه المقاربة الوضعية كانت هي المهيمنة على كل ذلك المسلك. هذه العقلية الوضعية كانت هي التي توجه السياسة الدينية إلى غاية ما بعد الحرب في تركيا. لم يكن الدين هو المهيمن- حتى من الناحية الرمزية – على الدولة والمجتمع. وإنما على العكس من ذلك مجموعة سلسلة من التعليمات والتجديدات التي قيم بها في هذا الاتجاه. حيث تم إنشاء إدارة للشؤون الدينية وضعت تحت سلطة الوزير الأول لمراقبة التطبيق الكامل للمبادئ العلمانية. وبعد تنقيته وتصفيته وتلطيفه وصهره انطلاقا من الفلسفة السياسية الجديدة لم يعد الغرض من الإيمان أبدا هو إثارة الحماس الديني بغية الوصول إلى الله، وإنما تكوين “المواطن الجيد”. إن هذا الدين ذا الصبغة القومية تصبح فيه فكرة الأمة الإسلامية التي هي تلغي مفهومي “القومية” و”الوطنية” المحببين إلى الترك الجمهوريين لا معنى لها. إن ترجمة القرآن بالتركية والأذان بها وإدخال المضامين الوطنية في خطبة الجمعة, إلخ.، كل ذلك يجد معناه في هذا المجهود ذي النزعة القومية. ولتوضيح الدرجة التي وصل إليها الإسلام من التدجين تحت حكم الجمهورية يكفي أن نذكر العبارة التي كان يجب إدراجها في خطبة الجمعة والعيدين حيث يوجه الدعاء إلى الله : ” لتظل قواتنا عزيزة في الأرض والجو والبحر” دون نسيان كلمة شكر واعتراف للقائد الأعلى غازي مصطفى كمال، مع أنه هو الذي أطاح بالإسلام.

وحلافا للحالات العربية والإيرانية حيث يظل الحس القومي ممتزجا بالحس الديني فإن الهوية القومية التركية تطورت ونمت على حساب الإسلام بغية التخلص من الانتماء إلى الشرق عامة والإسلام خاصة, ولكي تتوجه بحماس لا يقاوم إلى الغرب، كأنما قبلة الأتراك لم تعد في مكة, وإنما في الغرب.

إن علاقة الديمقراطية والإسلام يمكن مع ذلك أن تظل مجالا للتفكير. هل يمكن تصور” ديمقراطية إسلامية تستطيع أن تلائم ما بين الإيمان والاختيار الشعبي؟ وعلى كل حال فإن السؤال لم يطرح في تركيا بهذه الصيغة. إذ لم يعد الإسلام ينتظر أكثر من أن يكون محترما على الساحة العامة. وليست له أية وظيفة تسوغ حضوره. وخلافا لذلك, فإن الشرعية في النظرة الإسلامية هي مستمدة من الله وحده. إن العلمانية من جانبها يمكن أن تساهم في انطلاقة ديمقراطية تعددية أو في تقويتها كما هو ملحوظ في التناوب الديمقراطي في تركيا. فمن خلال ما تؤدي إليه من انفتاح عقلي على العالم الواقعي, ومن خلال فصل هذا الأخير عن عالم الغيب, ومن خلال ما تطوره من مقاومة أمام جموح الشمولية الدينية، تتدخل العلمانية في المجال السياسي كما لو كانت مضادا فعالا محتفظة في الوقت بالديمقراطية منهجا.

ومن بين الفاعلين الآخرين الذين لهم دور حاسم في توازن الصراع السياسي- الديني, فإن الذي يمتلك في بعض الأحيان مفاتيح التطور السياسي إنما هو مجموعة القوات المسلحة. وعلى المستوى المؤسسي يمثل الدين والجيش مجالا واسعا للبحث. ومن المهم أن نشير هنا إلى الاهتمام المحدود الذي يوليه المراقبون الغربيون لدور الجيش في العلمنة. فموريس جانوفيتز( Morice Janovitz) الذي يعتبر الأب المؤسس لعلم الاجتماع العسكري يؤكد في الستينيات من قرن العشرين بصوت عال وقوي أن المؤسسة العسكرية في جميع الدول الإسلامية بدون استثناء متأثرة بالإسلام [11]. وعلى العكس من ذلك، فإن الجيش التركي كان دائما يمثل الجسم الاجتماعي الأكثر علمانية في جميع الدول الإسلامية. إن إزاحة الإسلام من الحياة السياسية في النظام الكمالي لم تكن ممكنة إلا من خلال الدعم الأساسي الذي قدمه الجيش. ومن العجيب أنه من بين العديد من الوسائل التي تم اعتمادها لتبرير الانقلاب كان الإسلام غائبا. وإذا ما حضر الإسلام في ذلك النظام فإن حضوره يكون حضور المتهم. إلا أن الإسلام “الصافي” و”المهادن” ظل دائما له الحق في الاحترام. بيد أن الإسلاميين الطامحين إلى حضور سياسي كانوا مدانين نهائيا. وبالنسبة للعسكريين الأتراك لم يكن للدين رصيد من الشرعية يمكن استغلاله لأغراض سياسية.

إزاء هذا النقاش، فإن الجيش بما هو قوة ” منظمة” للصراعات الأساسية داخل المجتمع التركي, قد أخذ في السنوات الأخيرة ، حتى لا نقول يسلك اتجاه مختلفا, يتغير تغيرا ملحوظا إزاء العلمانية، وكذلك إزاء المبادئ الكمالية الأخرى. لقد بدا الجيش التركي في الثمانينات كما لو كان يحاول القيام بتفسير أفكار الأب المؤسس تفسيرا جديدا, بعد أن كان رأس الحربة لإصلاحات أتاترك.

هذا التغير في التوجه يلحظ من خلال النظرة الأولى لأول مرة في تاريخ الجمهورية, من ذلك التعليم الإجباري لحصص الدين في المدارس الابتدائية والثانوية المصادق عليه في دستور1982 والموافق عليه من قبل الانقلابيين العسكريين سنة 1980. وستتوالى إجراءات ليبيرلية أخرى. والدال هنا بشكل واضح هو هذه الطبيعة التصحيحية لنظام 1980. كما اعتبر الدين من قبل الهيئات العليا من العسكر جزءا من تكوين الأجيال الجديدة. ويصرح إفرين أن ” الدين يشكل جانبا من الشخصية الوطنية”  ورغم كل شيء فإن الجيش يبقى هو المؤسسة الوحيدة التي تتم  من خلالها مراقبة تسرب الإسلاميين بشكل أفضل. ونصادف دائما بعض المعلومات التي تشير إلى طرد بعض الضباط الشباب… ومن جهة أخرى قد نرى بعض الضباط القدماء من ذوي الرتب العالية ينضمون إلى الحزب الإسلامي.

 إن الفصل الصارم بين الزمني والروحي هو الإنجاز الكمالي الذي ما زال الضباط على اختلاف مشاربهم ينتمون إليه. وحتى في العهود التي يهيمن فيها الاتجاه المحافظ في الجيش، فإن مبدأ العلمانية بوصفه عنصرا قاعديا في الدولة ظل يحظى بالاحترام قليلا أو كثيرا. فقد طورت السلطوية العسكرية خطابا سياسيا من نمط علماني [12].

 

العلمانية التركية في خطر؟

إن الملمح الواثق الذي قدمناه هنا وفي غير هذا المكان عن العلمانية التركية لا يمكن أن يخفي ما لا يمكن إنكاره من بروز بعض الحركات الدينية داخل البلاد. وللإقناع بذلك يكفي القيام بدورة داخل المدينة. فالشباب الملتحون والشابات المحجبات والرجال الذين يلبسون عمائم الصلاة ويحملون السبحات والمؤذنون الذين يرفعون النداء إلى الصلاة بجهارة وقوة،..  كل ذلك يشهد على النزول الساحق من الأرياف إلى مدينة الإسلام. إن هذه التجليات، مع أنها لا يمكن أن تقارن من حيث القوة والعنف بالظاهرة الموجودة في إيران والجزائر, تلقى عدة تفسيرات مختلفة, فالبعض يراها شهادة تصدق النبوءة المتعلقة بقيام صحوة إسلامية, والبعض يرى أنها تعبير عن عدم الثقة تجاه سياسة إرادية جسور، والبعض الآخر يرى في هذا “الإسلام الموازي” الصامت حتى الآن “خميرة كامنة للثورة [13]”.

ما هو أكثر إثارة للاهتمام، من المسائل المظهرية أو طرائق الحياة، هو المكانة التي أصبح الإسلام يستحوذ عليها أكثر فأكثر في الحياة العامة. فالرئيس أوزال المترشح الفاشل في الانتخابات التشريعية سنة 1977 في إزمير كان ينتمي لحزب سياسي، حله العسكر بسبب نشاطاته الإسلامية، هو السلف لحزب الرفاه. والأكثر غرابة من ذلك هو أن الجنرال إفرين الذي يقدم نفسه مدافعا كبيرا عن العلمانية يفتخر مع ذلك أنه ابن إمام، ولا يفوته في كل مناسبة التعبير عن احترامه للدين. وليس من الضروري أن نضيف أن الدين عملة في الحملات الانتخابية بالنسبة لكل مرشح. ففي هذا المناخ من المزايدة يظل التحدي الحقيقي الذي تواجهه العلمانية في التعليم. فالتعليم الديني مع أنه انطلق من الصفر إبان التحول نحو الديمقراطية، يشكل اليوم شبكة معتبرة من المدارس:   ففي جميع أنحاء البلاد يوجد حاليا 717 ثانوية “إمام وداعية” مقابل 1100 ثانوية للدولة. كما توجد أيضا عشرات من المدارس الدينية الكبرى من بينها ثماني كليات للشريعة وخمسة آلاف مدرسة قرآنية, وهو رقم ارتفع إلى أربعة عشر ألفا   قبل وصول العسكريين سنة 1980, دون أن نذكر عدد الأئمة الممنوحين في أوربا ومن بينهم من هو ممول من طرف رابطة العالم الإسلامي. هذا بالإضافة إلى أن جهود بناء المساجد أصبح علامة للارتباط بالإسلام في كل جماعة محترمة وتفتتح المصليات في المؤسسات التعليمية في كل مكان.

لكن كل هذه التنازلات المعتبرة، كل هذه الإجراءات الترخيصية تجاه الدين لا ينبغي أن تنسينا ما هو أهم: الحظر الأكبر الذي ينوء تحته الإسلاميون في تركيا، حائلا بينهم وبين استغلال الإسلام سياسيا بشكل مفتوح ودونما تبعات. فبمناسبة إصلاحات يوليو1995 الدستورية الرامية إلى دمقرطة النظام الذي أقامه الحكم العسكري سنة 1980 فإن حزب الرفاه تعرض للتهميش بعض الوقت من قبل الطبقة السياسية قاطبة. وبالفعل حاول أن يمرر من خلال الجماهير إصلاحا ينصب على المادة 24 التي تحرم استغلال المشاعر الدينية لأغراض سياسية. والحق أنه في الوقت ذاته جرى اتفاق بين أحزاب اليمين الكبرى يهدف إلى إثبات أن ” لكل مواطن الحق في أن يحيى وفقا لمعتقداته”.

وهي عبارة لا أهمية لها ولكنها بارعة ومثقلة بنتائج يمكن أن تترتب عليها، غير أن الفكرة تم إهمالها. صحوة

إن المجتمعات الإسلامية المعاصرة تتجاذبها حداثة مستوردة وتقليدية ماتزال حية. ومن نتائج ذلك أن حركات التحديث غالبا ما تعبر عن نفسها من خلال ازدواجية ثقافية.

وفي الحالة التركية نشأ مجتمع ثنائي الثقافة إثر انتهاء سياسات غربية إجبارية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين. إن تبني الثقافة الغربية لم يكن يعني إلا الطبقات الوسطى والمرفهة، فيما كان يسود التقليد بقية الشعب وخاصة عالم الريف.   ،

بعد نصف، قرن ماذا عن تلك الدولة الوحيدة التي ليس لها دين رسمي في العالم الإسلامي؟ هل يمكن أن تكون، كما يخشى في السنوات الأخيرة، الضحية التالية للإسلاميين؟ ما هي الحصيلة التي يمكن أن نقدمها إذن عن تلك التجربة؟ ما هي الأبعاد الحقيقية للتنازلات؟ قد يكون من الصعب انطلاقا مما تقدمه التجربة الكمالية أن ننضم إلى التحليلات التحذيرية المقدمة هنا وهناك. فمنذ الثورة الخمينية في إيران ظل الحديث عن تركيا مسكونا بالإسلام وبطريقة مثيرة للريب أحيانا. صحوة ، انتفاضة ، عودة، صعود، انفجار, كل هذه الكلمات الموحية وغيرها استعملت لوصف ظاهرة يسميها الكثيرون اليوم ” العودة إلى الإسلام “، كما أمكن الحديث عن غروب أو موت الكمالية.

الملامح العامة للإسلام من خلال عناوين الصحف وفي الساحات العمومية وحول المساجد وداخل النظام التعليمي وعلى هامشه تبين أن هناك الآن حركة في العمق أصبحت منظمة وحركية أكثر فأكثر. ولتلمس الأبعاد الحقيقية للظاهرة قد يكون من الملائم دراسة متتبعة للتنازلات التي حصلت

من الغريب أن العودة إلى الإسلام واكبت بدايات التحول نحو الديمقراطية. وليس من الممكن بدهيا الزعم أن الديمقراطية منبع للإسلاموية، لكن من الواضح أن اللعبة الديمقراطية سهلت في تركيا كما في غيرها صحوة للأفكار الإسلامية التي ظلت مغيبة حتى ذلك الوقت. إننا نرى كذلك أنه مع إعلان التغيير السياسي وإدخال التنافس الحزبي في النظام غداة الحرب العالمية الثانية، ظهرت العلامات الأولى ” لليبرالية ” في كل ما هو ديني أصبحت في ما يلي مجالا لمزايدة حقيقية بين التشكيلات السياسية، فمنذ 1948 كان الحزب الذي أسسه كمال أتاتورك والذي كان هو الحزب الوحيد حتى 1946 يقدم بعض التنازلات، تم اتخاذ بعض الإجراءات التي كانت في البداية خجولة ولكنها ستتخذ سريعا جدا مع وصول الحزب الديمقراطي إلى السلطة عام 1950 انطلاقةَ محاولة لمراجعة الإصلاحات الكمالية، وستصبح الإشارات المرجعية إلى الإسلام أكثر ظهورا وأكثر ترددا في المجالات العمومية.

ولقد كانت الهجرة الريفية والتحضر العمراني الكثيف عاملين مساعدين؛ حيث أصبح للإسلام حضور في المدينة منظم أكثر فأكثر. والنقاش العام الذي دشن في ذلك الوقت لم ينقطع منذئذ. ولقد سجلت بعض التحولات التي تمس رموز الكمالية في جميع المجالات: التعليم، الصحافة، الأخلاق العامة…

والحقيقة أن ذلك لم يؤثر على طبيعة المؤسسات، الروح العلمانية للدولة والتوجه الغربي للبلاد، لكن على المكانة التي يجب أن تخصص للإسلام.

بيانيا يمكن أن نميز بين ثلاثة مستويات في العلاقات بين الدين والمحيط الإنساني: الخاص، الاجتماعي، السياسي، الكمالية قلصت الإسلام إلى المجال الخاص بعد أن اكتسب حقه في الوجود على المستوى الاجتماعي والتربوي؛ فهذه الأوساط المشار إليها تبذل قصارى جهدها الآن للخروج واكتساب شرعيتها على المستوى السياسي.

إن مجموعة من المذاهب والطرق الصوفية تتحرك سريا بين رياض الشباب والمدارس القرآنية، ويوجد منذ سنوات السبعينات حزب سياسي ذو توجه إسلامي ومجموعة من الجمعيات والاتحادات والتجمعات … التي لها امتدادات مهمة في أوربا من بين المجموعات المهاجرة خاصة في ألمانيا وفرنسا وهولندا. لكن كل هذا الاضطراب وهذه التململ الديني لم يصل حتى الآن إلى مستوى حركة جماهيرية تطمح إلى تجاوز الإطار الديمقراطي. فالمبادئ الأساسية للعلمانية لم تتزعزع بعد.

نتيجة الخيبة في نتائج الانتخابات التعددية التي كانت نتائجها غير مشجعة بدأ الإسلاميون يتقوقعون ويعملون في مجالات قليلة المردودية من الناحية السياسية مثل نشر الصحف كالآخرين بصفحات عن الرياضة ومجلات متخصصة في المجالات التقنية والعلوم الحديثة معتبرين ذلك ميدانا صالحا لإثبات التوافق ما بين الحداثة والرؤية الإسلامية. ويبدو أن الإسلاميين قد استحوذت على أهوائهم واستوعبت الكثير من طاقاتهم هذه الشبكة من النشاطات الرامية إلى اكتشاف قطاعات الحياة الحديثة والاستثمار فيها.

انطلاقا من هذا فإن هذه الكتلة من التنازلات التي جاءت على حساب العلمانية باتت تتسع بلا حدود؛ فمهما تكن الحكومات فإن قوتها تكمن في أن نظاما للسلوك يراعيه الجميع ويمكن تلخيصه بالصيغة التالية: لا مساومة على ما هو أساسي والتنازل في ما هو ثانوي. و هناك بعض المناصرين والمريدين الذين لا يلينون، لكن أحدا لم يطالب بتطبيق الشريعة، ولم يطرح أحد على النقاش مسألة علمانية الدولة. والتغيرات التي حدثت مرت من خلال إطار المؤسسات، وهو ما لا يرضي في النهاية المناصرين لإسلام متطرف.

كذلك فإن أي تقدم للإسلام ظل على الأقل حتى حدود الثمانينيات من القرن العشرين لا يمكن أن يتجاوز حدود المجال الفردي، بالإضافة إلى أن كل ذلك يجري تحت المراقبة اليقظة للدولة. كما أن العاملين في مجال الدين يشكلون جزءا من البيروقراطية، وإذا كان قد حدث أخيرا خرق جلي لهذه القاعدة الذهبية لعلمانية الجمهورية من خلال إدخال حصص دينية في التعليم الثانوي، فإن ذلك لا ينبغي أن يؤول على أنه بالضرورة إهمال أو تنازل مهم عن المبادئ العلمانية، وإنما على العكس من ذلك فإن الغرض منه مراقبة مثلى للنشاطات المتطرفة التي تستغل ببراعة غياب التربية الدينية منشئة في كل مكان عددا لا يحصى من المدارس القرآنية، لهذا أقر العسكر حصص الدين التي يمكن ان تتحول إلى حصص تربية مدنية في محيط علماني.

من جهة أخرى فإن هذه الإجراءات التي لا تخدع أحدا تسعى إلى الهدفين التاليين: أن تثبت للناس العاديين أن ” دولة علمانية ” ليس معناها ” دولة كافرة”  كما يروج لذلك الإسلاميون بطريقة ماكرة، وأنه يمكن اعتبارها مكملة لنقص أو فراغ في تكوين النشء الذي قد ينجذب وراء إيديولوجيات أجنبية، من خلال دعامة دينية معقلنة ومراقبة بشكل جيد. فوراء التنازلات التي قد تبدو سطحية قليلا أو كثيرا فإن الدولة تبقى رغم كل شيء معارضة جوهريا للإسلام السياسي، وكذلك المجتمع يعارضه على أقل تقدير، ولكن بدون تردد، بدليل أنه ظل بعيدا من أن يعطي الأغلبية الساحقة للتيار الإسلامي؛ فإذا صدقنا الانتخابات التي هي المعيار الصحيح لتقدير بعد الظاهرة، فإن حزب الإنقاذ الوطني لم يحصل إلا على 75¸18% من الأصوات في الانتخابات البلدية التي جرت في مارس 1994 وهي أفضل نسبة حصل عليها منذ أكثر من عشرين عاما، وهو ما لا يمكن أن يقارن مع موجات حزب آية الله في إيران أو جبهة الإنقاذ في الجزائر. ( 1% في 1973، 8% في 1977، 7% في 1987 ). وإذا كانت 20% من الأصوات على المستوى الانتخابي وعلى مستوى توازن القوى الانتخابية يمثل رقما معتبرا فإننا ينبغي ألا ننسى أننا في بلد مسلم.

إن المجتمع التركي بعد مرور نصف قرن على إنشاء القوانين العلمانية لم يستجب بشكل جماهيري إلى نداء الإسلاموية. إن الإسلام السياسي قد فاتته انطلاقة القطار وهو يحاول اللحاق أثناء الطريق. لقد نجحت الإدارة الكمالية مع مرور الزمن، وبالفعل لم تكن إدارة واعية، ولكنها رأت نفسها تتقوى نتيجة التسيير الصارم في مجال التصنيع والانطلاقة الاقتصادية.

بالفعل هناك معوق آخر أكثر رهبة على المدى البعيد، وأكثر حدة في حالة تركيا أمام تصاعد الإسلام، يتمثل في تجاوز التطور الصناعي للدين. فالتهديدات التي يطرحها على الإيمان تطور صناعي سريع جدا وما يترتب عليه من عواقب: الهجرة الريفية والتحضر العمراني والحركية الاجتماعية،وتعليم عصري علماني، وكذلك بعض التخلي عن الرقابة الاجتماعية بفعل التفكك الأسري والتوجه نحو الفردانية لا يمكن إغفالها.

إن نتائج التصنيع قد أدت كذلك إلى إطالة مدة المشروع الكمالي على قاعدة اجتماعية، بعبارة أخرى: إن النجاح الكمالي لم يتحدد فقط من خلال متابعة لسياسة من الأعلى غير مهادنة، ولكن أيضا من خلال التجاوز المعبر عنه بصيغة التطور الاقتصادي الحاصل، وما ترتب عليه من نتائج ثانوية.

إن تطور الصحافة الناتج عن تحرير قطاع الإعلام الإذاعي والتليفزيوني يشكل هو الآخر معطى جديدا نتائجه ليست ذات طبيعة يمكن أن يطمأن إليها في مثل هذه الأوساط، حتى وإن حاولت أن تستفيد بدورها… الجاذبية الآسرة التي تمارسها الشاشة الصغيرة على الناس العاديين واستحالة مراقبة القنوات الحرة والأجنبية ـ ليس من الممكن حظر الصحون اللاقطة ـ يشكل خطرا كبيرا في نقل الرسالة الإسلاموية.

كذلك على مستوى الخارج فإن احتمال اندماج تركيا في العالم الغربي لن يكون أبدا في صالح الإسلام؛ فالغرب يبقى حضارة ذات مرجعية، في حين أن هذه المرجعية باتت تنافسها في السنوات الأخيرة أطروحة تركية ـ إسلامية في الأوساط ذات التوجه التقليدي، والرئيس أوزال الذي لم يتحول إلى علماني متحمس يجاهد بشق الأنفس لإدخال البلاد ضمن المجموعة الأوربية منذ عام 1978.

من جهة أخرى يمكن أن يعتقد بعد الثورة الإيرانية أن الشيعة الترك المعروفين باسم ” الألفيت ” ( 10 ـ 12 مليون على 60 مليون تركي ) سيتأثرون بانتشار أفكار الخميني. ولكن الغريب أن شيعة الترك بدت أكثر تعلقا بالشرعية تجاه الجمهورية العلمانية؛ فالألفيت يشكلون جزء الشعب الأكثر استيعابا للعلمانية في تركيا. إن الألفيت الذين اضطهدوا  من خلال الأرثوذكسية المهيمنة تحت حكم الإمبراطورية العثمانية لا يبدو أنهم يقيمون روابط مباشرة ولا عضوية أيضا مع الاتجاه الشيعي المجاور. من جهة أخرى فإن مرور الخميني من تركيا لم يحرك حماس الجماهير. وفي الأخير فإن جاذبية التبشير الثوري في الأوساط المرتبطة تقليديا بالتدين السياسي في تركيا، لم تدرس بعد.ومن المعروف أن الخمينيين بذلوا جهودا غير خافية من أجل اكتساب السنة الأتراك الأكثر ارتباطا بالماضي إلى جانبهم في فضية الإسلام ضد الغرب غير المتدين وأمريكا الامبريالية وروسيا الشيوعية.

كما أن الأقلية الكردية من جانبها ( 10 ـ 12 مليون في تركيا، 6 ـ 7 مليون في إيران ) والأقلية التركية في الجانب الآخر ( 10 مليون: 6 مليون آزري، 4 مليون تركماني ) كان يمكن أن يقوموا بدور الرابط في نقل الثورة الإسلامية. ولكن بالنظر إلى انتمائهم إلى المذهب السني في غالبيتهم وطموحاتهم الخاصة وميولهم الانفصالية فإن هذا النقل لم يقع. بينما لم تكن عناصر السياسة الوحدوية الإسلامية أو الوحدوية التركية مفقودة.

وإذا كان التعريف الدقيق للعلمانية  ( غياب القواعد والقيم الدينية في الحياة العامة) ينطبق جيدا على الحالة التركية، فإن ذلك لا يعني أن الدين بوصفه ظاهرة اجتماعية قد تحول إلى كم غير ذي بال؛ فالشعب مسلم بنسبة 99%.

إن الاتجاه الانتخابي والإقليمي والآثار المترتبة على التخلف الاقتصادي أو عدم التوازن في التنمية، أدت إلى أن المحو السياسي للإسلام لأمد طويل لم يؤثر على الرسوخ الاجتماعي للظاهرة، ولم يحل دون عودته إلى شطرنج السياسة. لكن يبقى من الصعب حتى الآن تقبل إسلاموية من النمط الإيراني أو الجزائري.

 

 

 


[1] Voir notamment Islam et Laïcité, Fayard, 1988.

[2] Cf  « La question du capital  Les Annales de l’autre Islam, n°   2 , INALCO-

ERISIM, Paris, 1994

[3] «Kemaliste secularisme was nothing but of hte ideology of islamic polity»,Niyazi Berkes, in the Development of secularism in turkey, Mac Gill University Press, Montreal, 1964, p. 499.

[4] Pour une approche comparative sur l’Islam turc et iranien, voir notre article «Aux antipodes de l’Islam ; Islamisme khomeiniste versus Laicisme khomeiniste», L’Afrique et l’Asie moderne, n° 143, hiver 1984-1985.

[5] AtatÜrk, vie et œuvre, commission nationale Turque pour l’UNECO, 1981, p. 214-239.

[6] Aytollh KHOMEINI, « Pour un Gouvernement Islamique», Le Manifeste de L’Ayatollah, Paris, 1979, p. 54.

[7] Voir sur cette question Maxime RODINSON: « Islam facteur de conservatisme ou   de progrès », in Les régimes islmiqes, Pouvoirs, n° 12, 1980.

[8] Discours de M. Kemal AtatÜ rk, Ankara, 1981(1927), p.667.

[9]   Voir pour la question scolaire, François GEORGEON, « La politique de l’enseignement en Turquie », Les temps modernes, Juillet-Août   1984, p. 378-395.

[10] |  Hamit BOZARSLAN, « Le kemalisme et le problème kurde », in Les Kurde par delà l’ exode, Halkawt HAKIM (dir.), L’harmattan, 1992, P. 76-79.

[11]   Morris JANOVITZ , On Military Intervention, Rotterdam University press, 1971, p. 105.

[12]  Voir aussi M. BOZDEMIR, « Autoritarisme militaire et démocratie en turquie », Esprit, Juin 1984, p. 114.

[13]  Paul DUMONT, « L’islam en turquie facteur renouveau ? », Les temps modernes, Juillet-Août  1984, p. 352

error: المحتوى محمي