العلاج بالقصة: الطب والأدب معالجتان للحالة الإنسانية – جافين فرانسيس / ترجمة: إيهاب قريبة

العلاج بالقصة: الطب والأدب معالجتان للحالة الإنسانية – جافين فرانسيس / ترجمة: إيهاب قريبة

د. جافين فرانسيس

د. جافين فرانسيس، طبيب عام وطوارئ، وكاتب إسكوتلندي، يكتب في: The Guardian, The New Republic, The London Review of Books and The New York Review


لا يكاد يمضي شهر حتى أرى مريضًا اسمه فرازير، في عيادتي للرعاية الأولية، جندي سابق قاتل في أفغانستان، وبالرغم من أنه عاد منذ خمسة عشر عامًا، إلا أنه ما زال مسكونًا برؤى البيوت التي تحترق وطلقات القناصة. لا يعمل تقريبًا، بالكاد يخرج من بيته، نومه سيء، ويُشَرِّطُ ساعديه أحيانًا بالمشرط لتخفيف عذابه النفسي، ولم ينخرط في علاقة عاطفية جادة مذ ترك الجيش. كان فرازير ذا عضلات ضخمة البنية في يوم ما، ولكن وزنه نقص، وسلبه إهماله لنفسه قوته وثقته بذاته. فشلت الأدوية في إخراجه تمامًا من حالة الرعب العاصفة بعقله، وكلما رأيته في العيادة، يجلس على حافة الكرسي، يرتعش وهو يمسح العرق جبينه، أستمع إلى قصته، وأراجع أدويته، وأنصحه على استحياء.

عندما بدأ فرازير بزيارتي، كنت أقرأ المجموعة القصصية “إعادة النشر – Redeployment” للروائي فيل كلاي، عن عمليات الجيش الأمريكي العسكرية، ليس في أفغانستان، بل وفي العراق أيضًا. لا يمكن أين يحل كتاب محل التجربة المباشرة، لكن منحتني قصص كلاي سكّة لبدء الحديث عما مر به فرازير، وعندما أنهيت الكتاب، أعطيته له. لقد وجد الطمأنينية فيما وجدته أنا مساعدًا على الفهم، وأخذت حواراتنا إتجاهًا جديدًا، ونحن نناقش جوانب الكتاب. مازال طريقه طويل، لكنني مقتنع أن هذه الحكايات لعبت دورًا في شفائه، ولو بشكل بسيط.

قيل إن الأدب يساعدنا على استكشاف طرق إنسانيتنا، ويهبنا قبسات من حياة وراء حدود حياتنا، وينمي تعاطفنا مع الآخرين، ويهدأ توترنا، ويوسع دائرة وعينا. ويمكننا قول نفس الشيء على الممارسة الطبية السريرية بجميع أشكالها، من تمريض وجراحة وعلاج نفسي وعلاج طبيعي. بل إن الوعي الأدبي يعزز من ممارسة الطب، تمامًا كما ساعدتني الممارسة السريرية في كتابة كتبي، إنني أرى أن كلا المجالين متاوزيين أكثر منهما متنافرين، بل ومستعد للمجادلة على أن العلاقة بينهما تعزيزية (Synergism).

يمضي المرضى مع الكاتب وقتًا أكثر مما يمكنهم قضاؤه مع طبيبهم، يقضون ساعات يقرأون الكتاب، ويتفاعلون معه. فقد خففت مجموعة “إعادة النشر” من وطأة تيه فرازير وعزلته، وساعدتني على فهم ولو القليل مما مر به، وهنالك الكثير من الكتب التي تفعل المثل، كتاب ويليام ستايرون “مرأى الظلام  -Darkness Visible”، يقدم شهادة بليغة عن كيف يشعر من يعاني الاكتئاب الشديد، وأحسب أنه يمنح من يعانون، الأمل والشجاعة بأنهم سيكونون كستايرون، وسيجدون طريق عودتهم إلى الضياء يومًا. إن عدد الكتب التي ناقشتها مع المرضى عبر السنين كثير كثرة من مر بالعيادة: كتاب “كهرباء Electricity”  لراي روبنسون، عن الحياة مع حالة شديدة من مرض الصرع؛ كتاب “بعيدًا من الشجرة Far from the Tree” لأندرو سولومون، عن تحديات رعاية طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة؛ وقصيدة “إلى صديق إنجليزي في أفريقيا – To an English Friend in Africa” لبِن أوكري، عن إخفاقات ونجاحات منظمات العمل الغير حكومي.

هنالك توازٍ بين إبداع الحكايات الخالدة والفن وتقديرها، وبين توفير الصحة والجهود العلاجية وتقديرها، فكلاهما يساعد من خلال الاعتماد على ذات النهج من الفضول اللامحدود، وعشق الإبداع، والسعي للتعاطف مع مصاعب الآخر، والانخراط في الحالة الإنسانية الشاملة. الطبيب كالكاتب، من حيث أنهما يقدمان أفضل ما عندهما، عندما يعيشان فرادة تجربة الفرد، وفي ذات الوقت، يريان هذا الفرد في سياق حالته الاجتماعية الأوسع.

إذا كان صحيحًا أن القراء يصبحون أطباء جيدين، وأن الأدب يساعد الطب، فإنه حري بنا أن نتساءل عن العكس، هل لدى ممارسة الطب أي شيء تقدمه للأدب؟ حقيقة إن القصص التي يسمعها الأطباء تمثل نبض المجتمع، الأطباء هم كهنة الاعترافات اليوم، كاتمو الأسرار، وبئر أسرار المجتمع، ومنذ أكثر من ثلاثمئة سنة، ساوى روبيرت بورتون بين الأطباء وكهنة الاعترافات في كتابه “تشريح الميلانخوليا The Anatomy of Melancholy” حين قال “الكاهن هو طبيب جيد، أو يجب أن يكون”، وقد كان الروائي الفرنسي فرانسوا رابليه كلاهما. كان كلا التخصصين في القرون الماضية يقدمان ذات التعرض لقطاع عريض من المجتمع، دون استثناء لأي فئة أو طبقة، وذات الواجب الوظيفي الذي يجعلهم شهودًا على مآسي الحياة، وجهًا لوجه مع أسئلة مغزى الوجود وعبثيته، تلك الأسئلة الملحة المرتبطة بالأدب، وكتب جون دون المعاصر لبورتون، وهو قس بالمناسبة، مجموعة تأملات شعرية عقب نجاته من مرض مميت، أشهرها “صلوات للمناسبات القادمة Devotions upon Emergent Occasions”، ويؤكد فيها أن الاقتراب من الموت يقوي الإحساس بالانتماء إلى المجتمع الإنساني، فيقول:

 

يُذبلني موت أي إنسان، فأنا البشرية
لذلك لا تسأل أبدًا لمن تُقرع الأجراس، فإنها تُقرع لك

 

تحتاج الممارسة السريرية، لتكون ناجعة، تدريبًا عاليًا على الانتباه إلى تدفق المعلومات المنطوقة وغير المنطوقة، الهمسات والعبرات، فينخل الأطباء من جميع التخصصات، بلا هوادة، جميع التفاصيل من كلمات مرضاهم وأجسادهم، ونتوقع منهم أيضًا، الرؤية في عالم السرد المزيف الذي نحياه، أن يعملوا كالمترجمين والنقاد الأدبيين للحكايا التي نُصَدِّرُها للكون.

كتب أرثر كانون دويل في “جولة المصباح الأحمر – Round the Red Lamp”، إحدى مجموعاته القصصية، “لا حاجة للخيال في الطب، فالوقائع ستغلب دومًا أي شيء يمكنك تخيله”، قد تكون مسارات حياتنا عاصفة وغير متوقعة، أكثر من أي قصة أو فيلم، ولكن في ذات الوقت، قد تتبع أنماط القصص النمطية التي تعلمناها في الحضانة أو شاهدناها في السينما. ماذا يفعل الكاتب أكثر من تسمية الأنماط، وهندستها لتشكل مثالًا على تجربة ما، ومن ثم تقديمها إلى القارئ، ليتعرف عليها، وماذا يفعل الطبيب أكثر من التعرف على قصة المريض، وإخباره أن معاناته لها اسم ما، ويحاول تطويعها.

تفتننا الكتابة الجيدة عبر استخدامها “للتشبيه والمجاز”، الذي يساعدنا على تشكيل رؤيتنا واستيعاب العالم، منذ “فجر وردية الأصابع” لهوميروس وحتى “ليل الإنجيل الأسود” لديلان توماس. ويمكن للانخراط العميق في الأدب مساعدة الطبيب عبر استخدام “التشبيه” أيضًا، فإذا كان الورم غير قابل للعلاج، فلا فائدة من رؤيته كوحش قابل للهزيمة، ومن الأفضل رؤيته كنظام بيئي يحتاج إلى حفظ توازنه. عندما تم تشخيص أناتول برويارد المحرر السابق لقسم مراجعة الكتب في صحيفة ذا نيويورك تايمز بسرطان البروستاتا، قال أنه طلب من طبيبه أن يستخدم مجازًا يساعده على تقبل حالته، وكتب في كتابه “التسمم بمرضي – Intoxicated by My Illness” ما يلي “يستنزف الفن جسدك في جمال وصدق” و”إنك تبذل نفسك كفاعل خير بذل كل ماله”، لقد أراد برويارد لغة تستحضر الإباء من مرضه، تساعده كما قال “على رؤية حطام جسده، كسائح ينظر إلى عظمة أطلال السالفين”.
في دراسة الكاتبة إيولا بِس الشاعرية والدقيقة للتطعيمات في كتابها “عن المناعة On Immunity”، صورت جهاز المناعة عند الإنسان كحديقة مشذبة عوضًا عن تصويره كساحة حرب، إن استخدام تشبيه الحرب في تصوير الصحة والشفاء صحيح، لكنه يثير أفكارًا مختلفة في عقل كل مريض، لذلك يساعد الاهتمام بسرد الحكايات الطبيب في اختيار التشبيه الأفضل لمساعدة مرضاهم، ويساعد المرضى في التعبير عن تجاربهم الداخلية، وإيصالها لطبيبهم. وصف الألم أكبر مثال يومي على ميلنا لاستخدام التشبيهات في تجاربنا، فكر عندما يصيبك ألم في المرة القادمة، هل هو كالطعنات، أم كالسكاكين التي تمزقك ذهابًا وجيئة، أم له طبيعة نابضة، أم ثابت الإيقاع والشدة، لا تستقبل الأعصاب ولا تنقل أيًا من تلك المعاني، ولكن الدراسات أظهرت أن اللغة التي نستخدمها في التعبير عن الألم، لها القدرة على تغيير إحساسنا به.

كتب الشاعر والطبيب ويليام كارلوس ويليامز في مقال السيرة “الممارسة”، أنه إذا ما تم التعامل مع تنوع الطب وصخبه بالروح المناسبة، يمكن للطب أن يكون ملهمًا ورافدًا مجددًا. لقد غذى الطب روح الكاتب لدى كارلوس ويليامز، بما هو معنى أن تكون إنسانًا، ومنحه المعجم الذي كتب منه كلماته “ألست مهتمًا بالإنسان؟ هناك كان ذلك الشيء، أمامي، أستطيع لمسه وشمه … لقد منحني المصطلحات، المصطلحات الأساسية التي أستطيع بها، توضيح الأمور على قدر العمق الذي أفكر به.”

لاحظ سيجموند فرويد أن اختيار الأطباء للكلمات، يؤثر في طريقة فهم الناس وتعاطيهم لمصطلحات مرضهم، يقول “كل الأطباء بما فيهم أنت، يمارسون باستمرار نوعًا من العلاج النفسي، حتى عندما لا يكون لهم نية لذلك، أو لا يعون به”، وتساءل إذا ما سيزيد من كفاءة الأطباء قدرتهم على فهم قوة الكلمات، وتصميمهم على ممارسة تلك القوة ببراعة.

جوهر عمل كل من الطبيب والكاتب واحد، أن يتخيلا ويتعرفا على أنماط حياتنا ويخففا نشازها، ولكن هنالك فرق جوهري، إذ يملك الكُتاب والقراء الحرية لفقدان أنفسهم في عوالم الشخصيات والحبكات، بينما ينبغي أن يبقى الأطباء متفهمين ويقظين وملتزمين باللحظة الآنية، فالطبيب الذي يندمج في معاناة مرضاه، يواجه خطر الانهيار النفسي، فمثل الميثاق بين الأطباء ومرضاهم كمثل ميثاق “فاوست”، أن يُمنحوا عددًا لا نهائيًا من التجارب البشرية المتنوعة، مقابل مواجهة خطر التعاطف الذي سيستنزفهم، بشكل أكثر بكثير مما يحدث مع الكُتاب. تقترح البحوث في علم الأعصاب، أنه كلما اقتربت من شخص يعاني عقليًا أو جسديًا، وتعاطفت معه، كلما تصرف دماغك كما لو أنك أنت من تعاني. عندما تقارن النزعة التعاطفية عند طلبة الطب وحديثي التخرج ومن لهم بضعة سنوات يمارسون المهنة حتى تصل إلى الأطباء الذين على وشك التقاعد، ستجد أنها تقل مع الزمن والخبرة، وكأن ممارسة الطب تأتي ومعها حمولتها العقلية والعاطفية، التي تثقل كاهل الأطباء.

يقول الطبيب في جامعة ستانفورد والروائي الأثيوبي الأمريكي أبراهام فيرجيس “ما نحتاجه في كلية الطب ليس أن ندرس التعاطف، بل ما نحتاج تدريسه هو صونه.” إن لممارسة الطب ثقل ساحق، وهذا ما يدفع الأطباء في الغرب للجوء إلى العمل بدوام جزئي والتقاعد المبكر أكثر من قبل، ولكن تنوع المجال الطبي الشديد يمنح بصيرة وإلهامًا ورضًا وسلوانًا، قلما تواجد في غيره.

في مقابلة للشاعرة سيلفيا بلاث مع قناة BBC سنة 1962، قالت “كنت أفضل أن أكون طبيبة … شخص يتعامل مباشرة مع التجارب الإنسانية، قادر على العلاج، والشفاء، والمساعدة”، وقارنت صراحة بين الأطباء الذين أسمتهم “سادة المهنيين” وحياتها كشاعرة، واشتكت أنها تشعر أن “حياتها هباء تذروه الرياح”، وفي طفولتها لعبت دور الطبيبة، وفي مراهقتها حضرت عمليات الولادة وشاهدت عمليات تشريح، ولكنها أخفقت في الانضباط الذي يتطلبه التدريب الطبي، وقلقت من أن حمله سيكون ثقيلًا جدًا.

تلك الأحمال حقيقية، وعلى الأطباء إيجاد طريقة لتحملها، لي في المجال طبي عشرون سنة، وأشعر أحيانًا أن الطب والأدب في حياتي وجهان لصفحة واحدة، وفي أحيان أخرى أنهما القدامان اليمنى واليسرى لمشية ثابتة، ولكن لا تشبيه من هاذين التشبيهين قادر على تصوير ثقل الممارسة الطبية، التي يقوم الأدب بتشربها وعجنها، وعندما أنظر للعشرين سنة القادمة، أدرك أن الحمل سيصبح أثقل، ولكنني أفضل رؤيته كثقل يمنح مركبك التوازن، وأما شاعرية الأدب فهي الريح التي يبحر بها، ومتى ما استطاع الإثنان العمل سوية، أصبح أمامك محيط لا نهائي من البشرية لاستكشافه.

 

المصدر

error: المحتوى محمي