العقوبة والمسؤولية: مقالات في فلسفة القانون –  إتش. أل. إيه. هارت / ترجمة: فاطمة الغامدي

العقوبة والمسؤولية: مقالات في فلسفة القانون – إتش. أل. إيه. هارت / ترجمة: فاطمة الغامدي

hart إتش. أل. إيه. هارت

إتش. أل. إيه. هارت

الفصل السابع من كتاب “العقوبة والمسؤولية: مقالات في فلسفة القانون”


 العقوبة وإسقاط المسؤولية

في روايــة “الجريمة والعقاب” لمؤلفها دوستويفسكي، نجد أن ليبزيانتكوف، الذي يلعب دور شخصية ثانوية في تلك الروايـة، والذي يوصف بأنه “نصير أحدث الأفكار”، يعمد إلى التعليل: “أن العلم من حيث الواقع  يمنع الإحساس بالشفقة في هذه المرحلة من العمر، وهذه هي الكيفية التي يتم بها ترتيب الأشياء في إنجلترا حيث يوجد اقتصاد سياسي”. إشارة ساخرة من الفلسفة الاجتماعية التي هي مزيج من المذهب النفعي والمذهب العقلاني العلمي والذي يعتبر لسبب ما مذهب إنجليزي المنشأ برمته. ووسط مجموعة من أصحاب المتاجر قد تحتل هذه الفلسفة منزلة الفلسفة التقدمية والمستنيرة، أما دوستويفسكي فقد كان يرى أن تلك الفلسفة عبارة عن عدوى آتية من الغرب ما يجعلها بغيضة ومثيرة للمخاوف. وكان يعتقد أن انتشارها سوف يعتم على الناس إدراك حقائق الطبيعة والتجربة البشرية، كما سوف ينتج عنه تضليل المؤسسات التي تتولى دور تبيان وتوضيح القيم الروحية البالغة الأهمية مهما كان ذلك على نحو غير متقن. وبين مذهب النفعية والعلم تتحول إدارة المكلفين (الناس المسؤولين) إلى معالجة الأشياء.

417xfnuvvkl-_sx318_bo1204203200_

كتاب العقوبة والمسؤولية: مقالات في فلسفة القانون

ومن ضمن المؤسسات التي يسعى دوستويفسكي لتوفير الحماية لها من التضليل الذي تحدثه الفلسفة الاجتماعية للغرب هي مؤسسة العقاب. ومنذ أن بدأ دوستويفسكي الكتابة دأبت رواياته على أن تثبت لنا، ودون إمكانية إيجاز و تلخيص لذلك، أن أي مفهوم عقاب أصبح يشغل حيزا ضئيلا في السياسة والممارسة الجزائية في هذه الدولة كما يشغلها في أي دولة يعتبر فيها أن تخفيض معدل الجريمة هو أحد المشاكل الاجتماعية الأكثر إلحاحا وأهمية. هذا المفهوم الأقدم للعقاب يختلف اختلافا كبيرا عن مجرد كونه مفهوم صحة اجتماعية، حيث أنه لا يضع في المرتبة الأولى من الأهمية المجتمع والمجرم، فبدلا عن ذلك يضع المرتبة الأولى من الأهمية إيقاع العقاب العادل على المكلف المذنب. ويعتقد دوستويفسكي اعتقادا عاطفيا أن المجتمع معذور أخلاقيا في معاقبة أي من أعضائه فقط لارتكابه ذنبا. وكما أنه يعتقد أن المجرم من الناحية النفسية يحتاج للعقوبة التي يستحقها لكي يندمل الهتك الذي حدث في الروابط التي تربطه بالمجتمع. ولذلك في النهاية كان راسكولينكوف القاتل يتوق إلى العقوبة التي يستحقها. والكثير منا اليوم وربما معظمنا قد يستكره هذه الأفكار حيث أنها تعتبر عوائق غير ذات جدوى للتفكير العقلاني في أسوأ مشاكلنا الاجتماعية. وربما يستعجل بعضنا زوال واختفاء هذه الأفكار ليس فقط من السياسة العامة والقانون الجنائي فحسب بل كذلك من الوعي الإنساني على حد سواء. وبالرغم من ذلك ما زلنا نحتاج لفهم المناشدة الأخلاقية والنفسية لتلك الأفكار، لأنها لم تختفي ولم تتحول برمتها إلى الاستهجان الأخلاقي الخاص. وحتى عندما تكون تلك الأفكار في حالة ضعف تظل محتلة مكانة وسط مجموعة من الأفكار المعقدة وغير المتجانسة التي يزدحم بها عقل قاض إنجليزي عندما يصدر أحكامه على مذنبين تثبت إدانتهم في محكمته.

من خلال هذه المحاضرة سوف أسعى جاهدا لطرح وصف وتصوير للمكانة التي تتبوأها تلك الأفكار في ما لدينا من إجراءات وسياسات عقابية. ومن مذكرات هوبهاوس التي تقوم على أساسها هذه المحاضرات سوف أقتبس نصا صريحا أطلق عليه هو اسم “الترتيب الجديد لأفكار العقوبة”. وكتب قائلا  ينبغي أن تبرر العقوبة نفسها بما تحدثه من أثر فعلي على المجتمع في حفظ النظام دون شرعنة للوحشية، وكذلك بأثرها على الجاني بردعه أو مساعدته في إصلاح نفسه. والعقوبة ليست كالمكافأة، التي تشكل جزء من عدالة مثالية. هي وثيقة حماية ميكانيكية وخطرة تطلب قدرا كبيرا من الحصافة والإنسانية لكي تتحول إلى أداة إصلاح.

ولذلك يكمن التبرير والتعليل الأخلاقي للعقوبة في الآثار المترتبة عليها وما تسهم به في منع الجريمة واستعادة التوافق الاجتماعي للمجرم. وهي في الأساس نظرة نحو المستقبل، إذ أنها تهتم بالمصلحة والمنفعة المستقبلية التي يمكن أن تقدم للمجتمع بما فيه المجرم نفسه. وسعيا لتحقيق تلك الأهداف والمرامي المستقبلية تبرز الحاجة لجميع مصادر العقل والتجربة والعلوم، ولا يمكن هنا أن تقودنا مؤسساتنا، ولن يكن في وسعنا أن نعرف ما يجب أن يتخذ حيال المجرم بالنظر فقط إلى ما اقترفه، ما أتى به من صنيع وسلوك هو مجرد عرض واحد فقط  هام من أعراض أخرى لشخصيته وعقليته ونزعته النفسية. وتلك الأعراض تساعد على تشخيص شخصيته والتكهن بأثر ما يتخذ من إجراء عليه وعلى المجتمع على حد سواء. ولذلك إذا كان ما يتخذ حياله يهدف إلى تعزيز أي غرض اجتماعي عقلاني، يجب أن نتفهم جريمته، ولكن لا يمكن أن تحدد بنفسها نوع أو شدة العقوبة.

 ولأجل تلك النظرة نحو المستقبل كانت الصعوبات دائما تكتنف المنهج النفعي للمفهوم التقليدي للعقوبة. وعند نقطتين اثنتين تتجه العقوبة التقليدية نحو الخلف وليس نحو الأمام. وإحدى هاتين النقطتين تتعلق بالإدانة من المحكمة، بينما تتعلق الأخرى بالحكم الصادر من المحكمة. وفي كلتا هاتين المرحلتين فإن الصنيع الذي أتى به المذنب يعتبر أكثر من عرض يقوم عليه التشخيص والتنبؤ. ويكون في مجمله وضعا مختلفا. عند مرحلة الإدانة، إذا كان ينبغي تبرير العقوبة، فإن الصنيع الذي يأتي به المذنب يعتبر فعل صادر من مكلف. وبمعنى آخر يعتبر جرم صادر من شخص يمكن أن يكون مدرك وعارف بالقانون الذي خرقه. وعند مرحلة إصدار الحكم،  يجب أن تحمل العقوبة نوعا من العلاقة بالجرم، أي بمعنى آخر أن تكون متناسبة مع الجرم. وفي حالة الوفاء بهذين المتطلبين للاتجاه نحو الماضي، يمكن أن نقول أن هذا الشخص يستحق العقوبة على هذه الجناية. وهذين المتطلبين للاتجاه نحو الماضي يرتبطان ارتباطا وثيقا مع بعضهما البعض. ولأن الشك في أي منهما يقود إلى الشك في الآخر، اخترت أن أناقشهما سويا تحت عنوان “إسقاط المسؤولية”. في الواقع برزت علانية منذ فترة قريبة نسبيا ضرورة ملحة لأن نسقط المسؤولية القانونية أو نضعفها مع الاحتفاظ بنظام قانوني جنائي، حيث أن أثر الإصلاح الجزائي على الفكرة القديمة بأن العقوبة يجب أن تكون مناسبة للجريمة وليس للمجرم قد استمرت لفترة طويلة وكانت أكثر فاعلية. وبالرغم من أن الإدانة تأتي قبل النطق بالحكم سوف أتناول أولا جانب النطق بالحكم.

مثلما العديد من الخصائص الأخرى للعقوبة، نجد أن مفهوم “العقوبة المناسبة للجريمة” قابل للعديد من التفاسير المختلفة، وكما قال بينثام أن كلمات مثل “متناسب” أو “متكافئ” هي ألفاظ تكهنية أكثر منها فرضية. وفي مدلولها الأكثر فجاجة هي تعني أن يحكم على المجرم بمثل ما أتى به من جرم. وحيثما نرى أن العقاب عملية بدائية –كما أنه كذلك في كثير من الأحيان – تؤكــد هذه الفكرة نفسها: القاتل يجب أن يقتل والباغي يجب أن يجلد. وكما أشار بلاكستون – وهو مصلح مثير للدهشة فيما يتعلق بهذا الجانب من العقوبة – لا يمكن تعميم هذه الفكرة دون أن تحدث سخافات وحماقات. هنالك العديد من الجرائم لن تطبق عليها تلك العقوبات دون سخف أو وقاحة واضحة. فلا يمكن معاقبة السرقة بالسرقة والقذف بالقذف والتزوير بالتزوير والزنا بالزنا ….. الخ. وكما أضاف أنه حتى في هذه الحالات الفجة يبدو أن العقوبة التي يفرضها “تعليل طبيعي” قد توقعنا ضحية للتضليل. وقد يبدو أن هنالك مطابقة دقيقة في حالة العقوبة بالإعدام لقاتل، ولكن العقوبة قد لا تكون متكافئة مع الجريمة. وذكر بقدر ما من الطرافة “أن إعدام سفاح بائس هرم لا يتكافأ بالكامل مع ارتكابه جريمة قتل رجل نبيل في مقتبل العمر ومتمتع بعلاقاته مع أصدقائه ومتنعم بما لديه من مكانة ورفعة وثروة.” وما أن نتخلى عن هذا المبدأ الفج، تصبح الأشياء صعبة. وأول تنقيح هو أن فكرة المعاناة التي توقعها العقوبة يجب أن تكون متكافئة مع شناعة الجريمة. ولكن بأي معنى؟ وحتى لو كان لدينا أكثر الفطنة المحدودة المتوفرة لدى القضاة بشأن دوافع وإغراءات المجرم، ليس هنالك علاقة طبيعية يمكن تمييزها بين الشناعة والعقوبة لقدر أو نوع محدد، ولذلك يمكن القول بأن الأول يتناسب طبيعيا مع الآخر. وأولئك الذين يعتقدون بوجود تلك الصعوبات وما زالوا يصرون على أن تكون العقوبة متناسبة مع الجريمة يطرحون مبدأهم في قالب مختلف: ما هو مطلوب ليس عبارة عن علاقة نسبية مثالية بين الجريمة والعقوبة، ولكن بناء على معيار العقوبات والجرائم، يجب أن تتكافأ العقوبات على مختلف الجرائم مع شناعة أو فداحة الجريمة. وبالرغم من أننا لا نستطيع تحديد مدى فداحة جريمة ما، ربما نستطيع القول أن جريمة ما أفدح من جريمة أخرى وأنه يجب علينا أن نعبر عن هذا الترتيب باستخدام معيارا للعقوبات. مقترفي الجرائم البسيطة التي تتسبب في قليل من الضرر يجب أن لا تصدر أحكام بعقوبات ضدهم بمثل شدة العقوبات التي تصدر ضد مرتكبي الجرائم الكبيرة المسببة لأضرار جسيمة. ومن يحدث ضررا متعمدا يجب أن تصدر ضده أحكام بعقوبة أشـــد من العقوبة التي تصدر ضد من يحدث  الضرر نفسه غير متعمدا.

ومن دون شك حتى هذه الطريقة لربط العقوبة بفداحة الجريمة تكتنفها الكثير من العراقيل والعقبات إذا ما سعينا لتطبيقها تطبيقا حرفيا. وأول هذه العراقيل والعقبات هي عقبة بسيطة نسبيا: حتى وان كان من الممكن ترتيب جميع الجرائم في المعيار النسبي لخطورة الجريمة، يجب أن تكون نقطة البداية أو قاعدة المقارنة هي جريمة تكون عقوبتها ثابتة بدلا عن المقارنة بجرائم أخرى. وعلينا أن نبدأ من نقطة ما، وعمليا فإن نقطة البداية قابلة لأن تكون العقوبة التقليدية أو المألوفة لجناية ما. ثانيا ليس واضحا ما يمكن أن يكون مقياسا للخطورة، كما هو بين الضرر المادي\الموضوعي الذي تسببه الجريمة وسوء القصد الذاتي الدافع لارتكاب الجريمة. هل دمار مدينة بسبب الإهمال أسوأ من جرح رجل شرطة عمدا؟ أم ينبغي علينا أن ننتبه إلى كل من الضرر الموضوعي الحادث وفداحة الفعل؟ ثالثا:إذا كانت فداحة الفعل الإجرامي نسبية، هل يستطيع القضاة إجراء مقارنات بين  دوافع وإغراءات وفرص وخبث مختلف الأفراد؟ وبالتأكيد إذا أخذنا في الاعتبار أنواع الجريمة – الحالات المتوسطة – أمثلة عشوائية لجرائم فعلية، يمكن عمل تقدير تقريبي لفكرة مواءمة شدة العقوبة مع خطورة مختلف الجرائم. ونستطيع أن نحدد قليل من التقديرات التقريبية بين الإصابة المتعمدة والإصابة غير المتعمدة: يمكن أن نتعرف على الأنواع النموذجية للإغراء والخبث، ومن ثم استخدامها في خفض أو زيادة شدة العقوبة المعيارية لنوع محدد من الجريمة. ويجب علينا أن نعتبر الأخير غرضا اجتماعيا لذلك المعيار التقليدي التقريبي، ولكن من الأفضل أن نتذكر ذلك التقريب. وكما ذكر السير إيرنست “في الواقع لا حدود من ناحية العدد والنوع للاعتبارات التي تحدد خطورة الجريمة وذلك حسب الجريمة والمجرم على حد سواء، ولا يمكن تصنيفها تصنيفا موضوعيا دون ارتكاب أخطاء جسيمة في تطبيق تعريف حالات محددة.

ولذلك مما لا ريبة فيه يواجه المحدثون بعض الغموض والصعوبات في الفكرة القائلة بأنه علينا التفكير في اختيار العقوبة ذات العلاقة الجوهرية الصائبة التي تتناسب مع فداحة الجرم الذي اقترفه المجرم بدلا عن تأثير العقوبة على المجتمع وعلى المجرم نفسه.

وقد طرح بينثام نفسه نظرية مختلفة تماما للتكافؤ النسبي بين العقوبة والجريمة في إطار نفعي للحماية الفردية والجماعية. وهنا كانت الاعتبارات الإرشادية تمثل مبادئ تتجه نحو المستقبل: ولم يكن من المفترض أن توقع على مقترف الأضرار البسيطة عقوبة بقدر من القسوة والشدة أكبر مما تستلزم الجناية. ويجب أن يحكم على الجاني المحتمل بعقوبات أقل على الجريمة الأقل ضررا دون الجريمة الأكثر ضررا. وقد نعتقد أن مذاهب بينثام المعقدة كانت تستند على اعتقاد غير نقدي في الدور الذي يلعبه الحساب في السلوك ضد المجتمع. وبالرغم من ذلك قد نرى أن الاتجاه العام صحيح، حيث أن المفاهيم الغامضة للتكافؤ أو التناسب مع الجناية المرتكبة يبدو أنها تؤدي إلى تغيير أفكارنا نحو الاتجاه الخاطيء. وحتى أفلاطون كان يعتقد أن النظر إلى الماضي البعيد (ما عدا أن يكون عرض يبين ما محتمل معالجته أو منعه) غير عقلاني.

وقد قال أن قياس العقوبة بالرجوع إليها كمن يحمل سوطا ويضرب به على صخرة.

ولكن ما هو الدور الذي تلعبه هذه الفكرة التقدمية، والتي هي قياس العقوبة بالجرم، في سياساتنا، وكيف أنها اندمجت مع العناصر التقدمية النفعية في مبادئنا الجزائية.

وللإجابة على هذا السؤال من المهم أن نضع في ذاكرتنا تنوع وتعدد مؤسساتنا الجزائية. في المقام الأول تصدر السلطة التشريعية القانون الذي يحدد أقصى العقوبات للجرائم، فيما عدا ما ندر من الحالات، وذلك مثل القتل عندما لا تكون هنالك عقوبة بديلة. ومن ثم نصدر الخطط والسياسات للجهات المسئولة عن إدارة السجون. وبعد ذلك تأتي الإجراءات الفعلية للقضاة في اختيار الأحكام ممارسين النطاق الواسع من حرية التصرف والتقدير والتي تركت لهم لأكثر من مائة عام. من السليم أن نقول هنا أن فكرتي التناسب والتكافؤ قد لعبتا دوريهما على أكمل وجه، بالرغم من أنه في واقع الأمر ما زال ينبغي علينا كتابة تاريخ هذا الجانب الهام من القانون، وانه لمن الصعب للغاية أن نكتشف كيفية رؤية القضاة لعملهم. والواضح هو أنه حتى اكتمال القرن لا يوجد ما يلقي على عاتق القضاة واجب اختيار العقوبات التي تستهدف الإصلاح أو إعادة التأهيل أو تعديل العقوبات بأي طريقة أخرى لتتوافق من إمكانيات المجرم. وليس هنالك ما يمنع القاضي من أن يهتم فقط بفداحة الجريمة وإتاحة المجال لتقديره لها في تحديد العقوبة، إن رغب في ذلك. بالطبع كانت هنالك الكثير من الإصلاحات الجزائية في القرن التاسع عشر، ولكنها لم تكن إصلاحات حيال تصرفات القضاة في إصدار الأحكام بل إصلاحات في واجبات ومهام السجون نحو الذين تصدر في حقهم أحكام من القضاة. والمبادئ العظام للمصلحين والتي تتمثل في تخصيص العقوبة وإعادة التأهيل قد أحرزت تقدما خلال القرن الماضي، حيث أدت إلى تغيير في حياة المساجين داخل السجون. ولم يسهم القضاة في ذلك، ولم تتأثر بها الصلاحيات المخولة لهم في إصدار الأحكام بالعقوبات. وكان الاعتقاد السائد أن واجباتهم وأعمالهم هي أمور محددة، وأن الأفكار الجزائية الجديدة تعمل داخل إطار محدد.

بالتأكد نحن على علم ودراية بالمعارضة التي واجهت المصلحين خلال القرن الماضي. وفيما يبدو جليا أن المعارضة الأساسية لإعادة التعليم والإصلاح قد أتت من أولئك الذين يؤكــدون على الأفكار الجزائية لتكافؤ العقوبة مع فداحة الجريمة بقدر أقل من المعارضة الآتية من الجناح الآخر في معسكر المذهب النفعي، وهم أولئك الذين يؤكدون على ضرورة جعل العقوبة رادعة ردعا عاما بالعظة والعبرة. والحجة القائلة بأن المعالجة الإصلاحية الأكثر اعتدالا قد تقلل من فرص العودة لتكرار الجريمة كانت تواجه في بعض الأحيان بالرسالة التذكيرية من أنصار المذهب النفعي والتي تقول: أن التركيز على الجاني الفعلي قد يلحق الضرر بالاعتقاد بأن الأثر الأكثر أهمية من الناحية الكمية هو الذي يخلفه التهديد بالعقوبة المشددة على الجناة المحتملين. ودون شك أن المبدأ النفعي الممل “الأهلية الأقل” يتمثل على نحو متكرر في ما يدور من نقاشات حول سياسة السجن. ويجب أن لا تكون الأحوال داخل السجن أفضل من الأزقة التي أتى منها السجين.

وطالما أن الصلاحيات الممنوحة للقاضي بإصدار الأحكام قد تركت خارج نطاق الإصلاح، أصبح هنالك القليل ليفعله القاضي لتعديل الحكم الصادر منه لتتوافق مع أهداف الإصلاح، حتى ولو كان متفهما لذلك. ولكن السلسلة العريضة من الإجراءات التي كانت في نهاية المطاف تتبع تقرير جلادستون الصادر في عام 1895م قد أحدثت تغييرا كبيرا في الصلاحيات والمسؤوليات المخولة للقضاة. ولأول مرة تمت تغييرات تدفع إلى وجوب دراسة ملائمة الحكم الذي يختلف هدفه اختلافا كبيرا عن العقوبة على جرم سابق. وقد اشتملت الاحتمالات حاليا على الوضع تحت المراقبة والتدريب الإصلاحي والحجز التحفظي والصلاحيات الواسعة لإطلاق السراح النهائي والمشروط(بجانب ما يطلق عليه الحبس العادي). ولذلك فإن المعالجة الإفرادية داخل السجون، والمطبقة على الأقل نظريا على احتياجات وإمكانيات السجين، قد أكملتها الآن فكرة العقوبة الفردية، ما جعل القضاة يشاركون في عمل هو في الأساس اختصاص الإداريين.

ما هي دلائل وإشارات التصادم السابقة والراهنة بين تلك الأفكار التقدمية والأفكار القديمة بشأن التكافؤ؟ قطعا كان هنالك بعض الاضطراب القضائي، ولكن عند أخذه في الاعتبار يجب أن نتذكر جيدا أن الإجرائية الإفرادية الجديدة (وخاصة الحجز التحفظي لمعتادي الإجرام) لا يعني دائما حكما مفضل للمجرمين أنفسهم: وكثيرا ما يعني لهم شيئا أطول بكثير مما يصدر عليهم من عقوبات من قضاه يطبقون أفكار التكافؤ الفجة. وتظهر قوة الفكرة القديمة القائلة بوجوب تكافؤ العقوبة مع الجريمة، بصرف النظر عن الأهداف الإفرادية الجديدة، في  طريقة الـشكل الأسبق للحجز التحفظي الذي أدخل في عام 1908م. وقد اعتمد النظام الذي يعرف في القارة باسم “المسار المزدوج”. حيث المعتاد أن المجرم الذي يستوفي متطلبات هذا الشكل من المعاملة كان يجب أن يتلقى عقوبتين: الأولى عقوبة مقررة في الطرق التقليدية مقابل آخر جناية ارتكبها، أما العقوبة الثانية في الإجراء الإفرادي الخاص. وعليه فالجريمة التي يرتكبها لها جانبين اثنين: الجانب الأول هو التعدي والمخالفة من مكلف بما يستحق عليها من عقوبة محددة، أما الجانب الآخر فهو عرض النزعة أو الشخصية ومؤشر العلاج الوقائي المناسب. وفي القارة(الأوروبية) قد جرى توسعة نظام “المسار المزدوج” بطريقة تبدو لنا عويصة إلى حد بعيد بعض الشيء: العقوبة التي ينبغي أن تكون مساوية للجناية، أي بمعني آخر موجهة نحو العمل الإجرامي، تُميؔز بحرص شديد عن مجرد الإجراءات الموجهة نحو شخصية المجرم واحتياجات المجتمع. والقانون الجنائي الألماني الحديث يحتفظ بهذا التمييز، بالرغم من أن العديد يعتبرونه تمييزا مصطنع وزائف. ومما لا ريب فيه أن السجين الذي يقضي فترة ثلاثة سنوات في السجن يُبلؔغ بأن عقوبته قد انتهت، ولكن هنالك فترة سبعة سنوات حجز تحفظي تنتظره، وأن ذلك إجراء للحماية الاجتماعية، وليست عقوبة، قد يعتقد أنه يعذب بقطعة جرداء من المفهومية – مع أنه قد لا يعبر عن نفسه بتلك الطريقة.

وتلك الذرائع أو تلك الحيل – كما يعتقد البعض ذلك – هي دلائل ومؤشرات لصلاحية الأفكار القديمة. وإذا أجرينا عملية بحث عن تلك الدلائل والمؤشرات سوف نجد بسهولة منقطعة النظير أنها متوفرة في الإجراءات القضائية الإنجليزية. وبالرغم من التخلي عن نظام المسار المزدوج في الإجراءات القضائية الإنجليزية، ولكن كل قاض هنالك يجد نفسه في حالة من الارتباك والاضطراب عندما يواجه تعارض بين ما يعتقد من وجوب تكافؤ العقوبة مع خطورة الجريمة والإجراءات التي قد يتطلبها أحد الأساليب الإفرادية للعقوبة. وفي بعض الأحيان يبرز هذا بجلاء في الحالات المبلغ عنها. حاليا ينص القانون على إرسال الحدث الجانح إلى التدريب الإصلاحي لفترة قد تمتد لثلاث سنوات بالرغم من أن آخر جريمة ارتكبها يستحق عليها السجن بما لا يتجاوز عام واحد فقط. ولكن ولسنوات عديدة ظلت المحاكم الابتدائية ترفض القيام بذلك، وتؤيدهم محكمة الاستئناف الجنائية حتى العام الماضي، وبانقلاب مفاجئ في الإجراءات يصعب معه التوافق مع مبدأ السابقة الملزمة، حيث أصبح يؤخذ بآخر جناية يقترفها الجاني على أنها عرض للحاجة لمعالجة إصلاحية بدلا عن أن تحدد بنفسها مقدار العقوبة.

 لدينا الآن إثبات بالأهمية التي يوليها القضاة الإنجليز لفكرة أن تكون العقوبة متكافئة مع خطورة الجريمة. وآخر تقرير صادر من لجنة تهتم بعمل المحاكم الجنائية (التي تعرف باسم رئيس الجنة “ستربتفيلد”) يوضح بجلاء المكانة المتميزة التي كانت وما زالت تحتلها فكرة معيار العقوبة في إصدار الحكم بالعقوبة. وهذا التقرير في البداية يعطينا لمحة عن الماضي القريب:

“إصدار الحكم بالعقوبة في حد ذاته عملية سهلة. والهدف الأساسي هو إصدار حكم يتناسب مع الجريمة والنظام المعروف باسم “نظام معيار العقوبة”………… بالإضافة إلى ذلك كانت المحاكم دائما تضع في حسبانها ضرورة حماية المجتمع من معتاد الإجرام وردع المجرمين المحتملين وردع أو إصلاح المجرم الفرد. وعلى وجه العموم كان هنالك اعتقاد أن “نظام معيار العقوبة” قد أخذ بالثلاثة أهداف الأخرى: الحكم على الجاني بالعقوبة التي يستحقها كان يعتقد أنها الوسيلة الأنجع لردعه وردع غيره ولحماية المجتمع.”

يتضح جليا من تقرير اللجنة أن معيار العقوبة قد أصبح أكثر أهمية من الإجراءات التقدمية وأن أساس التقدم في هذا المجال هو التعرف على الفرق الجوهري بين الجريمة والأهداف الأخرى للحكم بالعقوبة. وقد أكدت اللجنة نفسها أن الجريمة ما زالت تمثل عاملا ذو أهمية في اختيار العقوبة، ولكن التوصيات العامة الصادرة منها تهدف إلى ضمان تزويد المحاكم بالمعلومات التي تمكنها من الاختيار الذكي بين الإجراءات التقدمية المتوفرة لديها. والكثير من القضاة الذين يقدمون إثباتات كانوا يعبرون عن اقتناعهم بأشياء كما هي عليه: أما اللجنة قد عبرت عن الرأي بأن هنالك الآن “صعوبات وانحرافات” في تزويد المحاكم بالمعلومات، وأن القضاة يزودون بمعلومات غير كافية فيما يتعلق بأي من مختلف أنواع الحكم الذي يمكن إصداره.

في الواقع إنه من الصعب الاستنتاج أن الاقتناع بالأشياء كما هي عليه، وكما ذكر الكثير من الشهود، يجب أن يعزى بقدر كبير إلى حقيقة أن فكرة “معيار العقوبة” ما تزال تمثل لكثير من القضاة الإنجليز عاملا أساسيا لتحديد العقوبة. وبالتأكيد من الناحية النفسية هنالك أسباب لميلهم لهذا الرأي. وعندما يعتلي القاضي الإنجليزي منصة القضاة ويتولى مسؤوليات ومهام القضاء يكون قد قضى سنوات مضنية وشاقة في التعامل مع القضايا المدنية والتجارية. وهنالك النذر اليسير من القضاة حديثي الاحتكاك بالقانون الجنائي أو القضايا الجنائية، أو يكونوا قد عملوا بصفة منتظمة في المحاكم الجنائية بالرغم من أن العديد منهم يكون قد عمل مدونا لفترة عشرة أيام كل عام فترات ازدحام العمل. يوجد القليل أو لا يوجد مطلقا في الخلفية الاجتماعية لكل محام إنجليزي أو في تعليمه أو تدريبه أو في حياته العملية (إن لم يكن متخصصا في العمل الجنائي) ما يمده بفهم خاص بالظروف الاجتماعية والنفسية للمجرمين والطرق والأهداف الحديثة للإجراءات الجزائية أو العلوم الاجتماعية ذات الصلة. وما سيكون لديه مهارات بسيطة نسبيا تجعل من القاضي الإنجليزي هو السيد الوحيد في فنون محاكمة عادلة. ومن الطبيعي أن تكون الأفضلية لجانب إصدار الحكم الذي يعتمد لحد كبير على تلك المهارات وبقدر أقل على المعرفة الفنية والمعرفة الفقهية. ولكن بالرغم من أن ذلك طبيعي إلا أنه لا يتبع كما ينبغي.

لدينا في إنجلترا عقيدة قضائية أو إعادة تفسير لفكرة وجوب تكافؤ العقوبة مع الجريمة. ولم يكن هنالك أي تفسير لتلك الفكرة أقوى من التفسير الوارد لها من القاضي الفيكتوري جيمس فتزجيمس ستيفن في كتابه “تاريخ القانون الجنائي” وكتابه “الحرية والمساواة والأخوة” الذي كتبه ردا على كتاب “الحرية” لمؤلفه ميل. ومما لا شك فيه ألا تجد هذه الآراء تأييدا من كل القضاة، ولكن في زماننا هذا  أعرب قضاه متميزون عن الكثير من الآراء المشابهة. وقد شدد ستيفن، مثله مثل خليفته، على الاعتماد والتداخل بين القانون والأخلاقيات، ليس فقط كحقيقة تلاحظ ولكن كشيء ينبغي علينا أن نرعاه ونقويه. وهو يري أن  هدف القانون لايمكن بيانه في اللغة النفعية القديمة للردع أو اللغة الأحدث للإصلاح وإعادة التأهيل. وقد أصر على أنه ينبغي تطبيق القانون الجنائي على نحو ينتج عنه شكلا مميزا للاستياء الأخلاقي وبغض المجرم. ولأن القانون الجنائي لديه هذه الوظيفة التي تتمثل في أن “كل ما يعتبر تعزيزا للإدانة الأخلاقية في جريمة محددة يعتبر سببا لزيادة شدة العقوبة ….. حكم القانون للشعور الأخلاقي للجمهور كختم على شمع ساخن. ومن المثير للدهشة أن يردد القضاة اليوم مزاعم ستيفن بخصوص الاستقامة الأخلاقية لبغض المجرمين، ولا يتحدثون كما كان يتحدث ستيفن بخصوص واجب القاضي أن يوضح الرغبة في الانتقام التي تثيرها الجريمة في عقل سليم. وبالرغم من ذلك ما زلنا نحتفظ برأي ستيفن بشأن العلاقة الرابطة بين القانون الجنائي والأخلاق وما يمكن أن يطلق عليه اسم النظرية التعبيرية للعقوبة الجنائية. وقد أبلغ اللورد دينينج الهيئة الملكية بخصوص عقوبة الإعدام-وهي عقوبة الجرائم الخطرة- ينبغي أن تعكس على نحو كاف الكره الذي يشعر به الأغلبية العظمى من المواطنين نحو تلك الجرائم.  وقد قال أنه من الخطأ الاعتقاد بأن هدف العقوبة هو الردع أو الإصلاح أو الحماية وليس أي شيء آخر. وأقصى تعليل للعقوبة ليس هو أن تكون عقوبة رادعة، ولكن استنكار مؤكد من المجتمع الذي تقع فيه الجريمة. وانطلاقا من هذه النقطة هنالك بعض القتلة  يتطلبون أقصى تأكيد للاستنكار، وعلى وجه التحديد عقوبة الإعدام، في الحالة الراهنة للرأي العام.

ما هي مميزات هذه النظرية الاستنكارية؟ هل تقدم تفسيرا مقبولا لما يجعل العقوبة متكافئة مع الجريمة؟ أو هل تفاقم من المطالبة بأن على القضاة الذين يجيزون الحكم بالعقوبة الأخذ في الاعتبار تلك الفكرة؟  ومرة أخرى ونظرا للتدريب الذين يتلقاه القضاة الإنجليز ونظرا للمراكز التي يحتلونها فإن ذلك الرأي بشأن العقوبة هو من الطبيعي من ضمن تلك الآراء التي من المحتمل أن يستصوبونها، وذلك لأنهم لا يرغبون بالظهور وكأنهم يتصرفون بتعسف ولا يطبقون طرق علمية بانولوجية (نسبة لعلم الجريمة) أو ليس لديهم إلا القليل من المعرفة بها أو الخبرة فيها، وذلك في ممارستهم للمقدار الكبير من صلاحيات الاجتهاد والتقدير لإصدار الأحكام بالعقوبات والممنوحة لهم بموجب القانون. ولذلك من الطبيعي أن يدعون أنهم الناطق باسم مشاعر المجتمع. ولكن أرى أن نرتاب في هذه النظرية لثلاثة أسباب:

أولا نحن نتعاطف مع القضاة تعاطفا كامل فيما يواجهونه من صعوبات لكن هذه النظرية تجعل من جميع الأشياء سهلة لكل من القضاة والمجتمع على حد سواء. فالإيعاز للقضاة بأن الاستياء الأخلاقي المجتمعي هو أكبر مبرر لإيقاع العقوبة على المجرم قد يصرف القضاة عن مهمة وواجب المعرفة والتفكير في الآثار المترتبة على ما يقومون به. وكذلك أن يعتقد المجتمع في قدسية معياره للقيم الأخلاقية، كما ذكر ميل منذ فترة طويلة من الزمن، يعيق من تطور ذلك المعيار. ولذلك قد تستند تلك القيم على فهم أو تقييم غير كاف للحقائق. وعلى سبيل المثال، هل يحتم علينا أن نرغب في اعتبار التقديرات العامة للخطورة الأخلاقية للقيادة بإهمال في الطرق محددا أساسيا للعقوبة؟ أم يحتم علينا التطلع إلى أن لا يعكس القانون سلبا، سواء هنا أو في أي مكان آخر، الرأي المفروض فرضا بل يساعد بفاعلية في صياغة المشاعر الأخلاقية إلى نتائج عقلانية عامة؟

ثانيا إن تطبيق هذه النظرية قد يكون مضللا. بالتأكيد أن جميع الأخلاقيات الاجتماعية تحمل بعض القيم الأساسية الجيدة. فالقتل العمد أسوأ من القتل غير العمد، وكما أن التسبب في ضرر بسيط أقل سوءً من التسبب في ضرر كبير، والتسبب في إلحاق جراح بالغير أنكى من سرقة تفاح. ولكن من الناحية الاجتماعية يكون من منتهى السذاجة الاعتقاد في وجود فضيلة واحدة – حتى في إنجلترا – يمكن أن تعتبر عامل تخفيف أو تشديد في تحديد العقوبة أو قبول شيء أو رفضه. فمجتمعنا هو مجتمع متعدد العناصر من الناحية الأخلاقية سواء ارتضينا أم أبينا، وتتنوع في داخله العقوبات لمختلف الجرائم حسب خطورتها النسبية أكثر من تنوعها فيما تقره وتوضحه هذه النظرية البسيطة. ويتحدث القضاة كثيرا عن العقوبات التي تصدر ضد الإنسان العادي العاقل ويدعون أن لديهم ما يلزم من قدرات لاكتشاف ما يفكر فيه. ولكن الطريقة المستخدمة هي دائما طريقة استبطانية، وذلك لأن العقوبة التي تصدر ضد الإنسان العاقل هي في كثير من الأحيان مجرد ظل متوقع تلقيه الآراء الأخلاقية للقاضي أو آراء الطبقة الاجتماعية التي ينتمي لها.

ثالثا من الأهمية بمكان أن لا يستهين معيار العقوبات ودون سند بأي مميزات أخلاقية عامة ظاهرة للعيان. ذلك لأنه يجب الاستجابة إلى حجة العدالة القائلة بأن “القضايا المتشابهة يجب أن تعامل على قدم المساواة”، وحيث يبدو أن القانون منحرف عن التقديرات العامة لخطورة الجريمة يجب أن يوضح بجلاء ما هي الأهداف الأخلاقية التي يتطلبها ذلك. ولنظام المسار المزدوج على الأقل ميزة للقيام بتلك المهمة. أما بخصوص توخي العدالة بين مختلف المجرمين حسبما ينادي به الادعاء القائل: “القضايا المتشابهة يجب أن تعامل على قدم المساواة” ينبغي أن لا يؤكــد نظرية استنكارية للعقوبة، وأن هذا الادعاء لا يتضمن بحثا عن عقوبة سوف تعبر شدتها بوضوح وجلاء، مثل الإشارة، عن شعور بالكره أو شعور بالسخط والاستياء الأخلاقي. وهذه في واقع الأمر نظرية جمالية تميل نحو نظرية العقاب. وبالتأكيد أن التفكير في التعبير الواضح عن المشاعر – وحتى ولو أطلقنا عليه اسم سخط أخلاقي بدلا عن اسم ثأر – باعتبار انه تبرير مطلق لإصدار العقوبة فإن ذلك ينتج عنه إلحاق ما هو أساسي بما هو ثانوي. نحن لا نعيش في مجتمع لغرض إدانة المجرمين ولكن ندين المجرمين لكي نعيش. من ناحية أخرى الحجة القائلة “القضايا المتشابهة يجب أن تعامل على قدم المساواة” مع نتيجتها اللازمة “معاملة القضايا المختلفة بطرق مختلفة” فإنها في الواقع من تحتل مكانة مبدأ رئيسي للعدالة بين المجرمين ولكنها لا تضمن تحقيق الأهداف التقدمية للردع والحماية والإصلاح للحصول على تعبير واضح عن الشعور الأخلاقي. العدالة بين مختلف المجرمين بالحكم عليهم بأحكام مختلفة ليست هي هدفا في حد ذاتها، بل هي طريقة لتحقيق أهداف أخرى وهي تنطوي على مطلب أخلاقي يسترعي انتباهنا واهتمامنا. ويجب عليه أن يفعل ذلك بطريقة لا تعيق تحقيق الأهداف الأساسية للعقوبة. وفي أغلب الأحيان يأخذ القضاة الإنجليز بذرائع المعاملة المتساوية لمختلف المجرمين فقط في هذا الحق. وفي حالة أن تتكرر الجريمة تكرارا استثنائيا أو خطرا كان القضاة يلجأ ون إلى إصدار حكم بالعقوبة على المجرم أقسى وأشد من العقوبة التي توقع على المجرمين السابقين لنفس الجريمة وذلك بحجة أن هذا الإجراء ضروري لكبح لجام شر عظيم. ولكن يجب على كل قاضي أن يتوخى الحيطة والحذر في التضحية بهذا المبدأ والمبادئ الأخرى للمساواة بين مختلف المجرمين أو يقدم تبريرا كافيا لذلك. حيث قد يكون هنالك خطر عظيم في لحظات الذعر أو في حالة أن لا يقدم القاضي دليل مقبول لمنع وقوع شر أسوأ.

 فكرة التكافؤ الوارد تفسيرها بهذه الطريقة – بخصوص مبدأ العدالة بين مختلف المجرمين – ما زال لها مكانة عند الأخذ في الحسبان القيم التي تقرها كل نظرية من نظريات العقوبة. ولكنها مكانة متوسطة الموقع، وكما أنه بناء على الدليل المتوفر نجدها تختلف عن تلك المحددة لأفكار التكافؤ في الأصول والنظريات القضائية  الحالية.

 ومن ثم هنالك الكثير مما يجب أن يقال عن الجانب الرجعي للعقوبة والذي يتمثل في تكافؤ العقوبة مع الجريمة السابقة بدلا عن تكافؤها مع الاحتياجات المستقبلية سواء للمجتمع أو للمجرم نفسه. إذا كان يعترينا الشك والريبة في أن تلك المطالبات هي الهدف الأساسي للعقوبة، كيف ينتج عن هذا الشك الجانب الرجعي الآخر للعقوبة – الإدانة من المحكمة؟. وهنا تقول العقيدة التقليدية إذا ما كان يجب تبرير العقوبة في جميع الأوقات فهي عقوبة عن فعل خاضع للمساءلة. وهذا موضوع أكثر تعقيدا وقد بني على ثلاثة أمور. أولها فكرة المسؤولية الشخصية – في الحقيقة كلمة “مسؤولية” بالذات – أقل حساسية لمختلف التفسيرات من فكرة تكافؤ العقوبة مع الجريمة. ثانيا كثيرا ما تعتم الافتراضات الفلسفية على المناقشات حول هذا الموضوع وفي بعض الأحيان تخفيها، وخاصة تلك التي تتعلق بالحتمية وحرية الإرادة. ثالثا المقدار والأطر التي يقر بها نظامنا القانوني هذا المبدأ قد تنوعت عبر فترات مختلفة من الزمن بطرق معقدة تعقيدا كاملا.

هذا ما يظهر على الأقل. وطوال عدة قرون ظل القانون الإنجليزي، مثله مثل الأنظمة القانونية الأخرى المتحضرة، قد جعل خطر التعرض لعقوبة الجريمة لا يتوقف فقط على المتهم بارتكاب أفعال يحرمها القانون وإنما يتوقف كذلك على بعض الظروف التي ارتكب فيها تلك الأفعال والتي تسمى عموما بالظروف العقلية. ويطلق المحامون عموما على ظروف المسؤولية اسم “النية والمعرفة بالجريمة”. ومع مراعاة مؤهلات هامة محددة، هذا يعني ألا يكون هنالك تعرض للعقوبة في حالة خرق القانون دون قصد أو تعمد أو تحت الإكراه أو أن يكون الشخص تحت سن المسؤولية أو يعاني من أنواع محددة من الأمراض العقلية. ولم يوضح القانون الإنجليزي في ظاهرة الأسباب التي تقتضي طلب تلك الظروف، وكما أنه لم يشر لأي متطلبات عامة لأي فعل تترتب عليه مسؤولية قانونية أو أي عمل إجرامي متعمد. وقد دخل مصطلح “المسؤولية” في قوانيننا  الجنائية منذ فترة قريبة فقط. ويقر القانون الإنجليزي في جزئه الأكبر فقط باعتبار غياب بعض من العناصر العقلية الأساسية المحددة أعذارا للإعفاء من المسؤولية القانونية لأي عمل إجرامي. وبالرغم من ذلك،  يخلص معظم المحامين والعلمانيين وفلاسفة علم الأخلاق، وبأخذهم في الاعتبار العقيدة القانونية “النية أو المعرفة بالجريمة” والمبررات التي يقبلها القانون، إلى أن القانون قد عكس هنا – ولو بشكل ناقص – مبدأ أساسيا  للأخلاق يتمثل في أنه لا يجب إدانة أي شخص على أي فعل إجرامي يرتكبه وما كان ليرتكبه إلا مجبرا. وقد تناول بلاكستون في بداية التاريخ الحديث للقانون مختلف الأعذار التي يقبلها القانون.  وقد ذكر أن  القانون قد قبل تلك الأعذار لأن النية عندما يكون أمامها خيار أما ارتكاب الفعل الإجرامي أو تجنبه هي الشيء الوحيد الذي يجعل الأفعال البشرية إما تستحق الإشادة أو اللوم.

ولكن الآن يوجد عدد من العوامل التي تتسبب في حدوث ارتباك واضطراب للقاعدة الأخلاقية لهذه المتطلبات وتجعلها جدلية. وبالرغم من أن القانون قد قارب عقيدته بشأن الظروف العقلية للمسؤولية إلى المتطلبات التي يطرحها فلاسفة علم الأخلاق بشأن الإدانة الأخلاقية إلا أنه مجرد تقارب فقط وليس توافق والتقاء بالكامل. وسبب ذلك أن على القانون أن يتوافق مع عدد مختلف من المطالبات بالإضافة إلى المطالبة بأن تكون العقوبة حسب الفعل الإجرامي المتعمد. ويصعب إثبات العناصر العقلية وخاصة بالنسبة لهيئة المحلفين، وأحيانا يتخلى القانون عن مسألة السعي لمعرفة ما إذا كان الشخص المتهم بجريمة كان متعمدا لارتكابها، وقد استخدم بدلا عن ذلك افتراضات محددة  مثل أن يتعمد الشخص النتائج الطبيعية لعمله الإجرامي، أو أنه استخدم ما يسمى الاختبارات الموضوعية، وبالتالي في ذلك إثبات كاف أن الشخص العادي الذي يقع منه فعل إجرامي كالذي وقع من المتهم قد يتوقع أو ينبغي عليه أن يتوقع نتائج فعله الإجرامي. وقد لا أحتاج إلى تذكيركم بأن القانون ما زال يأخذ بهذا الرأي فيما يتعلق بالقتل، وقد وافق مجلس اللوردات مؤخرا على الاختبار الموضوعي للتعمد والقصد، حيث جاء في تلك الموافقة ما يلي: ما تتوصل له هيئة المحلفين في أن المتهم قد ارتكب فعل في حق شخص سواء تبصر المتهم أم لم يتبصر في النتيجة المحتملة لفعله.

ولكن قبول  القانون لمبدأ عدم تعرض أي شخص لعقوبة ما لم يكن بفعل متعمد قد كان محدودا في مجالات أخرى. وبخصوص قبول الأعذار كان القانون يركز تقريبا بشكل خاص على عدم المعرفة بدلا عن خلل الإرادة أو الاختيار، ولذلك كان يتيح قدرا قليلا فقط من المجال للدفع بالاستفزاز          أو الإكراه أو الضرورة، وقد أقر بها وقبلها بعد نزاع طويل في حالات القتل، وذلك أن لا يكون الشخص مسئول مسؤولية قانونية كاملة عن فعله إن كان يعرف ما فعله وأن ذلك الفعل مخالف للقانون. والسبب في ذلك أن الشك المتعلق بتعمد أو عدم تعمد شخص ما لارتكابه جرم ما، وحتى في حالة أن يكون ذلك صعبا، هو شك بسيط مقارنة بالشك في ما إذا كان في مقدور ذلك الشخص الإحجام عن ارتكاب الجرم الذي ارتكبه فعلا. والشك في ما إذا كان شخص ما يتمتع بكامل الأهلية أو قوة الإرادة للتقيد بمقتضيات القانون يفتح مسائل عامة  أوسع، وما يعتبر دليلا في صالحه أو ضده بعيدا. وهنالك عامل آخر يتجه نحو التركيز على عناصر معرفية في المسؤولية وهو بقاء المبدأ، بالرغم من المبادئ السيكولوجية، إذا ما كان الشخص يعرف ما يفعله فإنه يتمتع بالأهلية لتعديل سلوكه بما يتوافق مع مقتضيات القانون.

ثالثا، وهذا تطور حدث خلال المائة عام الماضية، حيث أن المبدأ العام للمسؤولية القانونية والتي يجب أن ترتكز على توفر “النية والمعرفة بالجريمة” قد اكتسب الصلاحية الشرعية بإدراجها في متن القانون الخاص بعدد من الجرائم حيث يقال أنها ينبغي أن تكون مشددة. وفي معظم الأحيان تكون تلك الجرائم جرائم صغرى ويعاقب عليها بالغرامة. مثل أن تتعلق بالمحافظة على معايير تصنيع البضائع، ولكنها في الآونة الأخيرة توسعت لتشمل جرائم أكثر خطورة مثل القيادة الخطرة التي تكون العقوبات عليها كبيرة. وعندما تكون المسؤولية مشددة لا يدفع بأن المتهم لم يتعمد المخالفة التي يحظرها القانون ولم يكن في مقدوره تجنب هذه المخالفة ببذل الحرص المعقول.

ويأخذ معظم الكتاب الأكاديميين والعديد من القضاة بالمسؤولية المشددة ولكن بشيء من المقت. ولكن لماذا؟ ما هو الشيء ذو القيمة العالية في المتطلبات العادية لمبدأ “النية والمعرفة بالجريمة، وكيف تتوافق هذه المتطلبات مع الأهداف العامة للعقوبة؟. عند هذه النقطة, الشك حول الفكرة القديمة بأن الإجراء الأساسي للعقوبة هو فداحة الفعل الإجرامي يؤدي إلى شك آخر حول أهمية الفعل المسؤول كشرط للعقوبة. طالما أن العقوبة تعتبر في مقابل الكرب أو العنت بسبب الجريمة المرتكبة ويبررها التكافؤ الجوهري للعقوبة مع الجريمة، أو طالما أن النظرية الاستنكارية مقبولة والتي بها تعتبر وظيفة التبرير المطلق للعقوبة هي تعبير عن الاستياء الأخلاقي للمجتمع، فمن السهل تقديم توضيح لأهمية متطلبات الفعل المتعمد كشرط للعقوبة. في معظم المبادئ الأخلاقية الغربية كلمة “ينبغي” تعني ضمنيا “يمكن”. والشخص الذي لم يكن في وسعه إلا أن يفعل ما فعله لا يعتبر مذنب أخلاقيا. ولكن الوضع يتغير في حالة أن لا نبرر العقوبة بتلك الطرق: إذا اعتبرنا أنها معللة بأهدافها الاجتماعية وأن لها تأثيرا في حماية المجتمع وإصلاح المجرم، وإذا كان لمبادئ التكافؤ موقع ثانوي حدد لها. أما ينبغي علينا أن نفكر مرة أخرى لنجد سببا جديدا للمتطلب الذي يقتضيه أي فعل مسئول كشرط للعقوبة الجنائية أو يجب علينا أن نقبل أن ليس هنالك سبب للإبقاء على هذه الخاصية في مؤسساتنا. لماذا لا نسقطها جميعا؟

ومن ضمن الأسباب الرئيسية للاستفسار عن أهمية مبدأ المسؤولية هو الاعتقاد بأن له مكانة فقط في حالة أن تكون العقوبة رجعية أو جزائية في هدفها. وهذا ليس هو السبب الوحيد للشك، وسوف أذكر بعض الأسباب لاحقا. ولكن أولا سوف أحاول تقييم ميزان القوى بين المحافظين والإصلاحيين بخصوص هذه المسألة. ولم ترتب أو تقسم بعناية أو دقة كما في المسألة السابقة بشأن سياسة العقوبة، والتاريخ القانوني الحديث لم يبرز أي تطور مستمر بل حركة ميول متضاربة. وبصفة عامة، إن الذين أخذوا برأي تقدمي نفعي بشأن العقوبة ما زالوا يأخذون بجدية شديدة بفكرة المسؤولية. وعلى وجه العموم قد اتجهت جهودهم نحو إكمال الإقرار غير المكتمل من القانون بهذا المبدأ. وقد سعوا جاهدين لتأمين فكرة أن الاستفسارات بشأن الحالة العقلية للشخص المتهم يجب أن تكون حقيقية وليس مجرد افتراضات أو اختبارات موضوعية. وبنفس القدر هنالك ضغط ناجح كليا وجزئيا  على القانون ليتخلى عن أفكار الجريمة الاستدلالية، ويركز على العناصر المعرفية وخاصة في حالة المرض العقلي. وأحدث فصل في هذا التاريخ هو المقدمة في قانون القتل لعام 1958م  عن فكرة المسؤولية الناقصة لإكمال اختبارات “منجاتن” القديمة. وفي كثير من الولايات الأمريكية أخذت الحركة الشكل العلني للطلب من القانون أن يثبت أنه كان في مقدور الشخص المتهم التقيد والالتزام بمقتضيات القانون، وذلك كشرط لمسؤولية الشخص الذي يعاني من مرض عقلي عن أفعاله المخالفة للقانون. ولقد كانت طريقتنا عبارة عن توفيق، حيث أن “المسؤولية العقلية الناقصة” تقبل ليس على أساس أنها عذر وإنما على أساس أن لا يعاقب مرتكب جريمة القتل العمد بالإعدام. وكذلك قد اعترض الآخذين بالرأي التقدمي لأهداف العقوبة على المسؤولية المشددة بالرغم من أن ذلك الاعتراض قد حقق القليل من النجاح، وذلك لأن المسؤولية المشددة تشكل نوعا من أنواع الظلم، حيث يحكم على المرتكب دون عمد لفعل لا يجيزه القانون بنفس عقوبة الذي يرتكبه عمدا، يبدو ذلك بسبب الصعوبات التي تواجه الإثبات. وتظهر تلك الميول في أعمال عضو هيئة المحلفين المناصر للمذهب النفعي دكتور جلانفيل وليامز وفي هذه البلاد بروفسيور هيبربرت وشلر المحاضر في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن هنالك أصوات أخرى تخرج من معسكر أولئك المتفقون على رفض الآراء الجزائية للعقوبة، وهؤلاء يتفقون على أن مبدأ تكافؤ العقوبة مع الجريمة له دور آخر يلعبه. وهنالك بعض المفكرين أنصار المذهب النفعي يؤيدون أي شك حول كامل الفكرة التي تتمثل في قيام المحكمة بإجراء تحري واستجلاء ما إذا كان لشخص ما أن يقوم بفعل لم يقم به أصلا، ويرى هؤلاء المفكرون إمكانية مناقشة هذه المسألة من خلال السياسة المستنيرة: يجب علينا أن لا نؤكد ولا ننفي بأنه يمكن للمتهم أن يأتي بفعل غير الذي أتى به. وبدلا عن ذلك يجب علينا أن ننظر لفعله فقط كعرض للحاجة إما للعقوبة       أو المعالجة. وهذا الاقتراح لإسقاط المسؤولية لهو اقتراح مغالى فيه. وفي هذه الرواية الأقل مغالاة، يجب أن يضمن مبدأ “النية والمعرفة بالجريمة” في القانون، ويجب على الأقل إعفاء الشخص العادي من العقوبة في حالة أن يثبت أن ما أتى به من فعل مخالف للقانون لم يكن متعمدا أو كان بالإكراه، كما هو حاليا. والتعليل المسلم به لهذا الإجراء الجزئي هو عدم احتمال تكرار المتهم للجريمة التي وقعت منه في حالات السلوك الطارئ أو غير المتعمد أو في حالة الجريمة تحت الإكراه، ولذلك لا ضرورة للعلاج أو العقوبة. وقد حاول بينثام تفسير مبدأ “النية والمعرفة بالجريمة” بهذه الطريقة، أن مختلف “معاذير الأمراض العقلية” التي يقرها القانون لا تعني له أنها إشارة على حقيقة عدم قدرة المتهم على تجنب ما وقع منه من فعل مخالف للقانون، وإنما هي فقط إثبات بعدم فائدة العقوبة للمجتمع. ولكن يبدو أنه مخطئ في اعتقاده بأن العقوبة التي تصدر في حق من يرتكب فعل مخالف للجريمة دون توفر مبدأ “النية والمعرفة بالجريمة”غير مفيدة اجتماعيا. وقد تكون المسؤولية المشددة مثيرة للاعتراض لعدد من الأسباب المختلفة، ولكن يحتج أنصار المذهب النفعي أنها تمنع تجاوز القانون من قبل أولئك الذين لديهم استعداد لتلفيق حجج وأعذار فيها بعض من المعقولية.

وكما ذكرت أن هنالك العديد من العوامل بجانب انحطاط الأفكار الجزائية قد أسهمت في الشك الحديث في فكرة أن الشرط الضروري للعقوبة الجنائية هو جريمة يمكن للجاني تجنب ارتكابها. ومن ضمن تلك العوامل الأخرى تفسير معين للحتمية. ومن الطبيعي أن يتأثر من يسلكون طريقة علمية لحل المشاكل الاجتماعية تأثرا قويا بما يسمى أيديولوجية العلم، ويعتقدون أن الولاء للمبادئ العلمية يتطلب التخلي عن فكرة أن الإنسان يمكن أن يأتي بفعل لم يأت به فعليا. ثانيا تثير الأيديولوجية العلمية على الرأي القائل بأن ما يوجد في عقل الشخص – إرادته أو أهليته لمقاومة الإغراء – وغير المتاح ليلاحظه الآخرين لا يمكن كشفه بالطرق العقلانية. حتى ولو جرى التخلي عن هذين الاعتراضين، قد يتأثر الكثير بالصعوبة البالغة لتحديد معايير واضحة للحكم على شخص يتصرف بطريقة معينة أنه يمتلك الإرادة والأهلية للتصرف بطريقة أخرى. وكما زعمت السيدة ووتون في دراستها لحالات المسؤولية الناقصة، يبدو أن المعايير المصاغة هي معايير عامة أو غير ذات علاقة. وفي بعض الأحيان تجرى محاولة للاستدلال على عدم الأهلية للتقيد بالقانون فقط من الإخلال المتكرر بالقانون، وفي بعض الأحيان عدم الأهلية تستنبط بطريقة غير قانونية من وجود مجموعة من الأحوال العقلية أو الاكتئاب أو الغضب، ولا يوجد دليل إدانة بالعلاقة. ومن المتعذر عدم الاتفاق مع ما توصلت إليه من نتيجة بأن كل ما في وسعنا أن نفعله بخصوص الجزء الأعظم من حالات الاضطراب العقلي تلك هو باستخدام الإثبات لتشخيص ذوي الاضطرابات العقلية التي من المحتمل أن تدفع بهم لارتكاب سلوك مؤذ، وتحديد أنجع علاج للحيلولة دون تكرارهم لذلك السلوك المؤذي. والمبدأ الأخلاقي الذي توصلت إليه يتمثل في أنه كلما أسرعنا بالتركيز على هذه الجزئية من الاجتهاد بإخلاص بدلا عن المطالبة بكشف ما يتعذر كشفه كلما كان ذلك أفضل.

لن أتناول الاعتراضات أو التفاصيل كما فعلت ليدي ووتن، والتي تهدف إلى تبيين أن المسؤولية في مفهوم الأهلية للتقيد بمتطلبات القانون ليست أمرا يمكن معرفة وجوده أو غيابه باستخدام الطرق العقلانية. ينطوي كامل الاعتبار الذي يعطى للذرائع على قضايا منطقية في غاية التعقيد، وسوف أقول هنا لا اعتبر جميع الذرائع بأنها نهائية وحاسمة. وأود أن أعيد النظر في الافتراض واسع الانتشار وهو أنه فقط من خلال إطار نظرية ترى العقوبة في ضوء جزائي أو استنكاري يمكن أن يكون للمسؤولية معنى. وفي هذه النقطة اعتقد أن هنالك شيء يمكن الدفاع عنه، وهو الوضع الأخلاقي الذي يجب أن يتخلى عنه وكأنما الأفكار الجزائية قد أضعفته. هنالك قيم تختلف اختلافا تاما عن قيم العقوبة الجزائية التي يتضمنها نظام المسؤولية والتي تظل ذات أهمية كبيرة حتى ولو كانت أهدافنا من العقوبة أهداف تقدمية للحماية الاجتماعية. وربما يكون هنالك شيء متقادم وباطل الاستخدام على نحو يجعلنا نتجه نحو مناقشة أخلاقيات العقوبة – كأنما نحن مضطرون للاختيار بين الجزاء و إيرهون، حيث لا نثير على الإطلاق السؤال “هل كان قادر”؟. وما هو مطلوب من إعادة تفسير لمفاهيم الاستحقاق والمسؤولية، ولاعتبارات جديدة لأهمية مبدأ شرط الفعل المتعمد لاستحقاق العقوبة. وبدلا عن ذلك يجب التأكيد على الأفكار العامة للعدالة أو العدل وقيمة الحرية الفردية.

يستند التعليل الأساسي للمبدأ على الفكرة البسيطة التي تقول ما لم يكن الشخص متمتعا بالأهلية أو لديه فرصة عادلة لتعديل سلوكه بما يتوافق مع القانون يجب أن لا تنفذ عليه العقوبات الصادرة ضده. حتى ولو عوقب شخص ليس لأنه مذنب وإنما مسبب للإزعاج، وهذا شيء يجب أن يؤخذ في الحسبان. ومبدأ الفرصة العادلة لا يقدم فقط مبرر لمعظم المعاذير الموجودة التي يقرها القانون في مبدأ “النية والمعرفة بالجريمة” بل كذلك ممكن أن يعمل كمبدأ جوهري ليطلب من القانون أكثر مما يعطي. وبناء عليه يمكن أن نطالب بتقيد القانون الإنجليزي بمبدأ أن الجهل بالقانون لا يعفي من العقوبة، وكما أنه بناء على ذلك يمكن أن نطرح المزيد من الاعتراضات على المسؤولية المشددة.

 يمكن قول الكثير عن طريق إعادة تفسير مبدأ المسؤولية. وتبرز أهميته مجددا إذا تخيلنا لبرهة من الزمن بأننا قد أسقطنا هذا المبدأ وتحولنا إلى نظام تكون كل المسؤولية فيه مشددة. ماذا سنخسر؟. ومن ضمن أشياء أخرى سوف نخسر القدرة التي يضمنها لنا إلى حد ما النظام الحالي بالتكهن والتخطيط للمسار المستقبلي لحياتنا ضمن إطار إلزامي للقانون. والنظام الذي يجعل التعرض لعقوبات القانون معتمدا على الفعل المتعمد لا يرفع إلى أعلى مستوى فقط إرادة الفرد ليحدد باختياره مصيره المستقبلي، بل كذلك ترفع لأعلى مستوى قدرته في التعرف مسبقا على المساحة التي سوف تترك له خالية بدون تدخل من القانون. عند إسقاط المسؤولية عن أي نظام ليكون كل فرد مسؤولا عما يأتي به من فعل عن طريق الخطأ أو عرضا سوف يجعل ذلك الفرد ليس فقط أقل قدرة على الابتعاد عن تدخل القانون في حياته بل كذلك سوف يجعله أقل قدرة لتقدير الأوقات التي يمكن للقانون أن يتدخل فيها في حياته.

ثالثا في الوقت الراهن القانون الذي يجعل التعرض للعقوبة يتوقف على ارتكاب فعل عمدا يدعو إلى ممارســة قوى ضبط النفس ولكن بنجاح كامل للتقيد بالقانون. ويشير هذا القانون بجلاء إلى الأخذ في الاعتبار مختلف المعاذير التي يقرها القانون، مثل الحوادث والأخطاء، كطرق تعطي القدرات اللازمة لضبط النفس. وفي الواقع يقول القانون حتى ولو لم تسير الأمور على ما يرام كما في حالة ارتكاب أخطاء أو في حالة وقوع حوادث لا يتعرض للعقوبة الشخص الذي تكون اختياراته صحيحة والذي  يبذل قصارى جهده للتقيد والالتزام بالقانون.  وإذا ما أجرينا مقارنة بين هذا النظام ونظام آخر يشترط فيها على الشخص الانصياع للقانون بطرق نفسية أو بأي طرق أخرى، وبنظام يتعرض فيه الشخص للعقوبة أو “العلاج” ، سواء ارتكب مخالفة قانونية عمدا أو دون عمد، يتضح جليا أن نظامنا يجازف بما لا تجازف به تلك الأنظمة البديلة. ونظامنا لا يتدخل إلى أن يقع ضرر وإلى أن يثبت وقوع ذلك الضرر بما يتناسب مع مبدأ “النية والمعرفة بالجريمة”. ولكن المخاطرة تكون إلى لا شيء. وهي تمثل الثمن الذي ندفعه مقابل الإقرار العام بأن مصير الفرد يعتمد على اختياره، وهذا بالطبع يدعم الخاصية الاجتماعية الأساسية التي تتمثل في ضبط النفس.

وأعتقد أن هنالك مبادئ عامة أكثر أهمية تشكل قاعدة أساسية لهذه النقاط المتمايزة. يتألف المجتمع الإنساني من أفراد. وهؤلاء الأفراد لا يرون في أنفسهم ولا ينظر كل منهم إلى الآخرين كعدد ضخم من الأجسام المتحركة بطرق قد تكون في بعض الأحيان مسببة للضرر ويجب منعها أو تغييرها. وبالعكس من ذلك، فإن كل فرد يفسر تحركات الآخرين أنها تجليات للنية والخيارات، وأن تلك العوامل الشخصية تكون أكثر أهمية لعلاقاتهم الاجتماعية من التحركات التي يظهرونها أو الآثار المترتبة عليها. في حالة أن يضرب شخصُ شخصاً آخر فإن الشخص المضروب لا  ينظر إلى الشخص الآخر فقط  على أنه سبب الألم الذي لحق به، وذلك لأنه من المهم عنده للغاية هل كانت الضربة متعمدة أم غير متعمدة. وإذا كانت الضربة خفيفة ولكن متعمدة تحمل للشخص المضروب معنى يختلف عما تحمله الضربة العرضية الأقوى منها. ودون شك أن الأحكام الأخلاقية التي تصدر تعتبر من ضمن الأشياء التي تتأثر بهذا الاختلاف الأساسي، ولكن قد يكون هذا هو أقل الأشياء المتأثرة بذلك أهمية. في حالة أن يصوب شخص لشخص آخر ضربة ويكون الحكم عليها أنها ضربة متعمدة فإن ذلك يؤدي إلى إثارة الخوف والاستياء والغصب والسخط، وهذه ليست استجابات متعمدة، ولكن نفس الحكم سوف يدخل إلى مرحلة المداولات بشأن تصرف الشخص المضروب نحو الشخص الضارب، وسوف تحدد العلاقات الاجتماعية بين المضروب والضارب. هل سيكون صديق له أم عدو؟ التحدث معه بهدوء ولطف؟ أو رد الضربة إليه؟. وكل هذه الأمور سوف تختلف إذا كانت الضربة غير متعمدة. وهذه هي حقيقة طبيعة الإنسان في المجتمع البشري، ولا نستطيع تغييرها. ويتمثل تأثير هذه الحقيقة الجوهرية في القانون في التالي ذكره: إذا كان من المهم أن يتضمن القانون الأحكام الأخلاقية العامة، كما يقول فلاسفة علم الأخلاق القانوني، وقطعا أنَّ الأهم من ذلك أن يحتوي القانون في أحكامه وبشكل عام اختلافات السلوك البشري والتي لا تمثل فقط قاعدة أساسية للأخلاقيات بل أنها تتخلل كامل حياتنا الاجتماعية. وسوف يلازم الفشلُ القانونَ إذا عمد إلى معاملة الناس على أنهم مجرد أشياء قابلة للتغيير أو قابلة للتكهن أو قابلة للعلاج أو قابلة للتحوير والتعديل بالظروف المحيطة بها.

ولتلك الأسباب أعتقد أنه سيكون هنالك مجال لمبدأ المسؤولية حتى في حالة تعطل الأفكار الجزائية والاستنكارية للعقوبة. ولكن من المهم الإبقاء على الواقعية: الوعي بالكلفة الاجتماعية المترتبة على كبح جماح السلوك المعادي للمجتمع بناء على هذا المبدأ والتعرف على الحالات التي يضمن فيها القانون فوائد اقل. ويجب أن نكون على أهبة الاستعداد للأخذ في الاعتبار الحالات الاستثنائية من المبدأ دون التأثر بالعواطف الشخصية وكذلك لأن نكون حريصين بأن لا تحدث أي تدخلات غير ضرورية لهذا المبدأ حتى ولو كانت في شكل “علاج” بدلا عن الطرق العقابية الصريحة. وحاليا لدينا في المسؤولية المشددة استثناءات واضحة عن المبدأ، ولكن يوجد إثبات مقنع إقناعا كافيا بجواز التخلي من المبدأ بقدر الإفلات من العقوبة بالاحتيال والذي قد يحدث في حالة أن لا تكون المسؤولية مشددة. ومن ناحية أخرى نجد أن هنالك بعض الحالات المعينة تقع في منزلة بين العقوبة الجنائية والعلاج الطبي. ففي عام 1961م رجل متهم بقتل امرأة ترافع بأنه قد قتلها وهو في حالة نوم، وقد صدر حكم بتبرئته وأطلق سراحه. وبالرغم من عدم وجود أي سبب للشك في صدق هذا الرجل، ولكن من الواضح أن أي مرافعة من هذا النوع تفتح الباب أمام الاحتيالات المحتملة وكما أنها قد تعني منح الحرية لأشخاص خطرين. ولكن قد يعتقد أن كلتا المخاطرتين يسيرتين للغاية مما لا يستدعي معهما تعديل القانون.

وأكثر المشاكل صعوبة تتمثل في طفل صغير ومضطرب عقليا. آخر المقترحات بشأن علاج الأحداث تم برفع سن المسؤولية من ثمان سنوات إلى اثني عشر سنة،  فالإجراءات التي كانت تطبق حتى الآن على الأطفال تحت عمر اثني عشر سنة في الممارسة القضائية الجنائية للمجرمين المكلفين قانونا يجب أن تطبق من الآن فصاعدا في الممارسة القضائية المدنية على أنها إجراءات “علاج وانضباط” دون التحري عن مسؤولياتهم. وقد يعتقد أن الفوائد التي يجنيها الأطفال صغار السن من نظام المسؤولية تعتبر فوائد قليلة للغاية بالمقارنة مع ضرورة إنقاذهم من الحياة الإجرامية، حتى ولو كانت محاولة إنقاذهم تتطلب إجراءات قد تكون صعبة (بالرغم من الفوارق السالفة الذكر) لهم ولأولياء أمورهم للتمييز بين العقوبة في بعض الحالات والعقوبة المشددة لجرم بسيط.

والبنود الواردة في قانون الصحة العقلية الصادر في عام 1959م لا تقل أهمية بالنسبة لذوي الاضطرابات العقلية: وهذه البنود تمنح المحاكم صلاحيات إرسال الذين يرتكبون أفعال مخالفة للقانون إما إلى السجن أو إلى المستشفى بالرغم من أنه قد لا يكون هنالك إثبات فعلي أنهم بسبب حالتهم العقلية غير قادرين على التصرف بغير ما تصرفوا به، أو من ناحية أخرى لا يستطيعون التقيد بالقانون مثل المجرمين العاديين. وكما ذكرت ليدي ووتون على نحو مقنع، أن هذا في جوهرة تجاوزا لمسألة المسؤولية. وقد تخضع للحوار والنقاش الحكمة والعدالة من وراء تلك الاستثناءات ومن الاستثناءات الأخرى من مبدأ المسؤولية. ولكن لن أناقشها الآن. وينصب اهتمامي فقط في توضيح أن مبدأ المسؤولية، والذي يجوز التخلي عنه عندما تكون التكلفة الاجتماعية للاحتفاظ به عالية جدا، له قيمة وأهمية منفصلة تماما عن النظرية الجزائية والاستنكارية للعقوبة التي يمكن أن نهملها بالكامل.

 

error: المحتوى محمي