المقاربات المعاصرة لـ العقد الاجتماعي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: محمد رضا

  المقاربات المعاصرة لـ العقد الاجتماعي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: محمد رضا


حول دور العقد الاجتماعي ، وكيفية تمييزه ونمذجة الأطراف فيه؛ نص مترجم  ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة. نسخة PDF


تعود فكرة العقد الاجتماعي على الأقل إلى أبيقور، وقد أحياها في صورتها المعاصرة توماس هوبز، وطورها جون لوك، وجان جاك روسو، وأيمانيول كانط بطرق مختلفة، ظلت فكرة العقد الاجتماعي بعد كانط مستهجنة على نطاق واسع حتى أعاد بعثها جون راولز، ومن ثم باتت جوهر أعمال عدد من فلاسفة الأخلاق والسياسة..

تبدو الفكرة الأساسية بسيطة: يوحي قبول جميع الأفراد الخاضعين لترتيبة اجتماعية مفروضة جماعيًا بأن تلك الترتيبات لها بعض الخصائص المعيارية مثل العدل والشرعنة والإلزام إلخ. ولكن حتى تلك الفكرة الأساسية يمكن أن تكون أي شيء إلا أن تكون بسيطة، وحتى هذا الاختزال محل اعتراض بطرق عدة.

لتوضيح فكرة العقد الاجتماعي نقوم بتحليل المقاربات التعاقدية إلى خمسة عناصر: 1) دور العقد الاجتماعي (2) أطراف العقد الاجتماعي (3) الاتفاق (4) موضوع الاتفاق (5) ما الذي يجب أن يظهره الاتفاق.

1. دور العقد الاجتماعي.

1.1 تمييز منهج العقد الاجتماعي.

1.2 العقد الاجتماعي كنموذج.

2. نمذجة الأطراف

2.1 الاختزالية مقابل اللااختزالية

2.2 المثالية مقابل التماثل

2.3 التجانس مقابل التنوع.

2.4 الاعتقادي مقابل التقييمي

3. نمذجة الاتفاق

3.1 القبول

3.2 المساومة

3.3 التجميع

3.4 التوازن

4. موضوع الاتفاق.

5. ما الذي يظهره العقد؟

6. خاتمة: العقد الاجتماعي والشرعنة العامة

·      بيبلوجرافيا

·      أدوات أكاديمية

·      موارد أخرى

·      مدخلات ذات الصلة


1.   دور العقد الاجتماعي

1.1 تمييز منهج العقد الاجتماعي

يتمثل هدف نظرية العقد الاجتماعي في إظهار أن أعضاء مجتمع ما لديهم أسبابًا لتأييد القواعد الجوهرية والقوانين والمؤسسات القائمة بهذا المجتمع والالتزام بها. ببساطة بشكل مرتبط بالشرعنة العامة “أي ما اذا كان نظاما ما مشروعًا ومن ثم  يستحق الولاء” (D’Agostino 1996, 23).  يتمثل الهدف النهائي لنظريات العقد الاجتماعي التي تركز على الدولة في إظهار أنه من الممكن أن يلبي النظام الاجتماعي المعايير التي وضعها ألكسندر هاميلتون في عمله الفدرالي وهو ما إذا كان البشر قادرين على تأسيس حكومة عن طريق التفكير والاختيار أم أنهم محكومون إلى الأبد بالاعتماد على الصدفة والقوة في دساتيرهم السياسية .(Hamilton 1788) يذهب ديفيد جوتيه أبعد من ذلك حيث يقول بأن أي منظومة أخلاقية يجب تسويغها لمن سيطبقها. يتساءل  جوتييه: هل يمكن لأي نظرية أخلاقية إحراز أي هدف جوهري، إلا إن كانت كل الواجبات التي تنص عليها مقبولة في ضمير كل فرد؟ (1986, 1).

يتمثل الهدف النهائي لنظريات العقد الاجتماعي في إظهار آن القواعد الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والقانونية إلخ يمكن تسويغها عقلانيا بشكل عام ولا يعني ذلك اختلاف نظريات العقد الاجتماعي عن غيرها من أطروحات الفلسفة السياسية والأخلاقية، كل ما هنالك أن تكون القواعد السياسية والأخلاقية مبررة بمعنى ما. يكمن التمايز الحقيقي في أن الشرعنة لا تستند إلى حقيقة أو سبب خارجي .حيث تعتبر نتيجة للاتفاق العقلاني (أو غياب الاعتراض كما عند سكانلون )TM Scanlon . وليس بسبب الأسباب التي تؤدي إلى الاتفاق. حقيقة أن كل فرد لديه أسبابًا فردية تجعله يقبل قاعدة معينة أو مبدأ هو مبرر القاعدة وليس أسباب صحة القاعدة ـ أو ما يبدو أنه كذلك  والتي سيقدرها الأفراد وتجعلهم يتقبلون بالقاعدة.

يختلف التعاقديون حول الأسباب التي تدفع الأفراد لقبول القاعدة الاجتماعية، لدى البعض سرديات موضوعية وإن كانت الغالبية تتبع هوبز في في اعتبار الأسباب أسبابًا ذاتية ودوافع داخلية أو على الأقل متعلقة بالأفراد. ربما يعود ذلك إلى التشكيك بشأن الأسباب الأخلاقية بصفة عامة  (Gauthier 1986, Binmore 1998) أو القناعة بالأولوية القصوى للمصالح الذاتية في النظام الاجتماعي (Hobbes 1651, Buchanan 2000 Brennan and Buchanan 1985) أو الرغبة في أن نأخذ بجدية الاختلافات في الرؤي الفردية في المجتمع الحديث بما في ذلك الاختلافات حول (Gaus 2016, 2011a; Muldoon 2017; Moehler 2014, 2015, forthcoming) أو لأن هذه الاطروحات تشكلت في ضوء نظريات متطورة للاختيار العقلاني في العلوم الاجتماعية (Binmore 2005, Buchanan 2000 [1975])، وطبعا فالأسباب التي يتقبل لأجلها الأفراد قاعدة أو مبدأ هي أسبابهم الخاصة وليست بالضرورة الأسباب الصحيحة من وجهة النظر موضوعية. قد يهتم هؤلاء الأفراد بالطبع بما يعتبرونه الصالح العام أو المحايد أو أي غرض غير فردي بشكل يجعلهم غير أنانيون ولكن ما يعنيهم وأسبابهم الخاصة وسوف تختلف فيما بينهم.

 يؤكد راولز في عمله الأخير بأن هذه النقطة حاسمة لفهم الشرعنة السياسية في مجتمع متعدد حيث أعضاء المجتمع لا يمكن توقع اتفاقهم عقلانيًا حول مفاهيم الخير، وتعول النظريات المعاصرة في العقد الاجتماعي أكثر على ذلك التمييز (Southwood 2010, Gaus 2016, Muldoon 2017, Moehler forthcoming, Thrasher 2014b, Thrasher and Vallier 2015, Thrasher 2015).

1.2 العقد الاجتماعي كنموذج

بأخذ تلك المعطيات في الاعتبار يمكننا التصور بأن نظريات العقد الاجتماعي لها نموذج عام. فهي عبارة عن ” نماذج للشرعنة” لها عدد من المتغيرات التي تختلف تبعا لكل نظرية. ما يميز نظريات العقد الاجتماعي عن بعضها البعض هي الكيفية التي تصف بها هذه المتغيرات العامة. والغاية من النموذج هو تمثيل المبررات التي تدفعنا للقبول والالتزام بمنظومة للقواعد والمبادئ أو المؤسسات الاجتماعية ويكون ذلك بأن يعيد النموذج تمثيل هؤلاء الذين سيختارون قبول هذه القواعد في ظرف اختيار معين. بشكل أساسي لدينا مجموعتين من الأفراد ذوي الصلة، المجموعة أ والمجموعة أ*.  الأولى (أ) أولئك الذين اختاروا النموذج المشكل في “أداة تمثيل” مثل “الوضع الأصلي” والمجموعة الثانية هم الأفراد الحقيقيون الذين يسيرون وفق ذلك العقد.. فلو كانت مداولات المجموعة الأولى ذات صلة بالمشاركين الفعليين فلابد أنهم يتشاركون مع الأوائل أسبابهم بطريقة ما. يوجد متغير آخر هو “النظام التداولي” نرمز له بالرمز (م) الذي اختار فيه المتعاقدون الخضوع للقواعد والمبادئ والمؤسسات ( نرمز لها بالرمز ر). بالنظر لتلك المعطيات يمكننا أن نصف نسق عام لنموذج العقد الاجتماعي.

نموذج عام للعقد الاجتماعي

 تختار المجموعة الأولى (أ) مجموعة القواعد والمبادئ المؤسسات (ر) وذلك يعطي المجموعة الثانية (أ*) سببا لقبول الالتزام بهذه القواعد (ر) في العالم الواقعي حيث أن الأسباب التي كنت لدى المجموعة الأولى (أ) لاختيار المؤسسات والقواعد (ر) يشترك فيها أو الممكن أن يشترك فيها (أ*) (المجموعة الثانية).

العقد الاجتماعي إذًا نموذج للشرعنة العقلانية يترجم مشكلة الشرعنة ( ما الأسباب التي لدى الأفراد) إلى مشكلة التداول. (ما القواعد التي سيوافقون عليها؟) وبحسب راولز:

انطلاقا من ذلك الفهم يتم حل سؤال الشرعنة عن طريق العمل على مشكلة التداول، يجب أن نفحص المبادئ التي سيكون من العقلاني تبنيها في الموقف التعاقدي، يربط ذلك بين نظرية العدالة ونظرية الاختيار العقلاني (Rawls 1999, 16).

في مستوى أكثر بساطة، تجعل النماذج الشيء المعقد أكثر بساطة. على هذا النحو، قارن كل من الاقتصادي آريل روبنشتين والفيلسوفة نانسي كاترايت النماذج بالأساطير .فالأساطير قصص تتناول دروس مهمة في شكل أسهل وأكثر قابلية للفهم. الأساطير تشبه النماذج من حيث أنها تربط قواعد عامة هامة عن طريق حالات خاصة وخيالية. تنطوي النماذج على التجريد وتقديم رؤية مثالية ولكنها تفعل أكثر من ذلك في كونها تساعدنا أن نرى افتراضاتنا المفتاحية وتحديد العوامل التي نراها ذات صلة(Gaus 2016, xv-xvii) . يتفق مايكل وايزبرج أن آلية النموذج تقدم أكثر من مجرد التجريد. وفقًا لوايزبرج، فإنّ الجدول الدوري للعناصر بمثابة تجريد، لكنه لا يعتبر نموذج. إن نقطة الفصل بين التجريدات مثل الجدول الدوري للعناصر والنماذج هي عملية التمثيل المباشر. ان الهدف من النموذج هو إبراز الملامح الهامة للظواهر المستهدفة مما يسمح لمن يضع النموذج أن يفهم ويطوع العناصر الهامة للظاهرة على هيئة محاكاة. إن إعادة تمثيل راولز للوضع الطبيعي ليس مجرد تجريد للأشخاص الحقيقين. بل صيغة مثالية تعزل وتبرز جوانب محددة من الأشخاص، تلك الجوانب ذات صلة بعملية الشرعنة كاختيار قيمهم خصوصًا وما يمكن اعتباره نظريتهم العقلانية في شكل من السلع الأولية .(Primary goods) وعملية عزل الملامح تلك مهمة لنمذجة الاتفاق في نظرية راولز.

تقدم نظريات العقد الاجتماعي نموذج لأسبابنا للقبول والالتزام بمجموعة القواعد الاجتماعية والمؤسسات. كيف يمكن للنظرية أن تفعل ذلك، إن ذلك يعتمد على الافتراضات وخصائص المتغيرات.

 2. نمذجة الأطراف

2.1  الاختزالي مقابل اللااختزالي

تحدد مشكلة الشرعنة الفعلية الخاصة بنا وما يتعلق بحلها كيفية نمذجة المنظرين التعاقديين لأطراف التعاقد، العامل المميز بين منظري العقد الاجتماعي المعاصرين هو تعريف مشكلة الشرعنة. ويتم التمييز غالبًا بين تفسيرات  عقديين  هوبزيين(contractarian) وتعاقديين كانطيين (contactaralists) لمشكلة الشرعنة. ولكن هذا التصنيف غير دقيق إذ يوجد اختلافات داخل  كل من هذين المنهجين بالقدر الذي يوجد بينهما ولكنه مفيد في إبراز الخلافات المفتاحية في نظرية العقد الاجتماعي المعاصرة فلدى هؤلاء العقديون – الذين يمكن تسميتهم تجاوزًا أتباع هوبز، مهمة توضيحية رئيسية، وهي حل “الأزمة التأسيسية” للأخلاق، كما أسماها جوتييه.

“من منظور الفاعل تقدم الاعتبارات الأخلاقية نفسها باعتبارها قيدا على رغباته وأهدافه واهتماماته / لذلك يجدر بنا التساؤل ما الذي سيناله الفرد حال اعترافه بقيود منبتة الصلة برغباته واهتماماته ، ما الذي يبرر الاهتمام بالأخلاق بدلا من اعتبارها معتقدات بالية؟” (Gauthier 1991, 16).

لو اعتبرنا أن مشكلتنا الشرعنة لا تتعلق بفهم ما تتطلبه الأخلاق ولكن تتعلق بما إذا كان يجب أخذ الأخلاق في الاعتبار من الأصل أم اعتبارها مجرد خرافات تستند إلى نظريات ميتافيزيقية عفا عليها الزمن، سيصبح  جليا أن الأطراف لا يجب أن تستخدم الحكم الأخلاقي في اتفاقها أصلا. صيغة أخرى لهذا التحفظ نجدها في وصف كافكا في مشروع المقاربة بين الأخلاق والتعقل. وفقا لهاتين الرؤيتين فإنّ الهدف من العقد الالتزام بالأخلاق بطريقة فعالة لتعزيز الأهداف والرغبات” اللا أخلاقيةـ/أو التي لا علاقة لها بالأخلاق” . هنا تكمن مشكلة الشرعنة في الإجابة على سؤال لماذا تصبح أخلاقيًا؟، هذه العقدية تختزل المشكلة بشكل بسيط: إنها تستخرج أسبابا أخلاقية من أسبابًا لا أخلاقية/ لا علاقة لها بالأخلاق أو بتعبير راولز “توليد ما هو معقول مما هو عقلاني”.

هذه الرؤية جذابة لأسباب عدة. أولا: باعتبار أن لدينا شكوكًا في كون الأسباب الأخلاقية أصيله أو محفزة حقا، فإنّ استراتيجية اختزالية كهذه تعدنا بتأسيس الأخلاق، أو على الأقل نسخة بسيطة منها، وفق المتطلبات المعقدة للعقلانية العملية والمتعلقة بالممارسة. سيتحول سؤال الشرعنة من “لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا ؟” إلى سؤال أقل إثارة للمشكلات “لماذا يجب أن أكون عقلانيًا؟”. ثانيا :حتي لو أدركنا أن الأسباب وراء الأخلاق أصيلة بشكل ما، فإنّ عقدّيا هوبزيًا مثل كافكا يريد أن يوضح أنه حتى الأشخاص العقلاء  الذين لا يتصرفون بدافع الأخلاق فقط سيصبح لديهم أسبابا للقبول بالأخلاق بشكل عقلاني. بالإضافة إلى ذلك، لو  كان لدينا مخاوف بأن  فئلة من السكان غوغائية فسيكون لدينا دفاع جيد مؤسس على الاستقرار لبناء المؤسسات والأخلاق، وبالتالي استيعاب الذين يتصرفون بدافع التعقل حتى لو كان لدينا شكوك بأن غالبية الأشخاص  ليست كذلك. يجادل جوفري برينان وجيمس بوكانان بأن صورة من قانون جراشام تنطبق في المؤسسات السياسية والاجتماعية “السلوك السيء يطرد السلوك الجيد، وأن جميع الأشخاص سوف يتأثرون  بوجود عدد قليل من الباحثين عن ذواتهم المتبنين لسلوك نفعي ذاتي. لا نحتاج للاعتقاد بأن غالبية الناس تبحث عن مصالحها الذاتية لنعتبر بأن المؤسسات الاجتماعية والأخلاقية يجب أن تتقوّم وتقيد هؤلاء.

من ناحية أخرى ، تعاقديون [كانطيون] مثل راولز وجون هارسانيي وتوماس سكانلون وستيفين داووول ونيكولاس ساوثوود وجيرالد جوس (Rawls, John Harsanyi (1977), Thomas Scanlon (1998), Stephen Darwall (2006), Nicholas Southwood (2010) and Gerald Gaus (2011))، يعزون الأخلاق والقيم السياسية إلى الأطراف التداولية. كذلك إلى صورة أكثر جوهرية وموضوعية من العقلانية العملية. فالاعتبارات الأخلاقية والسياسية حاضرة على الدوام في تداولات الأطراف في كل البدائل التي تنمذج مشكلة الشرعنة. لا تظهر مداولات الأطراف كما يقول المنظرون الهوبزيون في صور تعقلية أو عملية نقية ولكنها تخضع لنوع من ” حجاب الجهل” أو لأشياء جوهرية أخرى.

هنا يكمن لب قضية الشرعنة، ليس فيما إذا كانت القيود الأخلاقية ذات مغزى، ولكن في مدى كون أي نوع من المبادئ الأخلاقية والسياسية يلبي المتطلبات الأخلاقية الأساسية مثل معاملة الجميع كأشخاص أحرار ومتساوين أخلاقيًا، وعدم خضوع أي شخص لإرادة أو حكم شخص آخر (Reiman 1990, chap. 1). هذه الرؤية غير اختزالية إذ ترفض رد ما هو أخلاقي إلى ما هو منبت الصلة بالأخلاق.

ما يميز الرؤية غير الاختزالية أن المتعاقدين في الإجراءات التعاقدية (المجموعة الأولى في النموذج (أ)) يتشاركون العديد من المخاوف المعيارية مع نظرائهم الفعليين (المجموعة الثانية التي يرمز لها بالرمز أ*) وبالتالي يضمن ذلك صلات معيارية بين الطرفين مما يسمح للعقد بتوليد أخلاق أكثر غنى وموضوعية وأقرب لتلك التي لدى المجموعة الثانية بالفعل أيا كانت، وعلي أي حال يتوقف ذلك على مدى اقتراب النموذج الاختزالي من أسباب الأفراد الواقعيين.

عند تلك النقطة يتركز الجدل حول موقعين من الممكن تسميتهم موقع المتانة وموقع الحساسية. بالنسبة لأنصار القوة، أيا كان ما سيرفضه الفاعلون الأخلاقيون الآخرون فمن الممكن أن نفترض بطمأنينة بأنهم سيلتزمون بمعايير أساسية للعقلانية  (Moelher 2017, 2013).

لذا يجب أن نفترض في العقد ذلك المفهوم المشترك والأساسي من العقلانية والفاعلية حتى إذا فشل الناس في التصرف وفقا لمثل أخلاقية يظل العقد يؤدي وظائفه. فسيكون العقد متينًا. وفقًا لهذه الرؤية، من الأفضل لنا أن نتبع هيوم في افتراض أن كل شخص نافع حتى لو كان ذلك غير حقيقي في الواقع. يعارض الموقف المبني على الحساسية هذا اعتبار أنه إذا كان المتعاقدون الحقيقيون (أ*) لا يتبنون مصالحهم الذاتية فقط فإنّ مشاكل المجموعة الأولى(أ) ــ المهتمة بمصالحها الذاتيةــ  وحلولها التعاقدية ستصبح غير ملائمة لهم. ربما بينما يعول المتعاقدون الفعليون على الثقة المتبادلة، فإنّ المتعاقدين الذين يعولون على مصالحهم الذاتية سيجدون ذلك غير ممكنًا/ وسيلجئون للبديل الثاني الأفضل، القائل بأن الثقة بالعوام سخافة وغير مجدية. بالطبع يمكن أن يصر المنظرون على أساس الحساسية أنه حتى لو تصرف الفاعلون المهتمون بمصالحهم الذاتية على نحو أخلاقي فإنهم يفعلون ذلك للأسباب الخاطئة.

2.2  المثالية مقابل التماثل

يتمثل جوهر نظريات العقد الاجتماعي التي أكدنا عليها في تقديم تداولات الأطراف نموذج لمشكلة الشرعنة المتعلقة ب”أنا وأنت”. يقسم ذلك نظريات العقد الاجتماعي إلى اتجاهين متعارضين. فمن ناحية لو كانت مداولات الأطراف الافتراضية لنمذجة مشاكلنا واستنتاجاتهم ذات صلة بنا فستكون تلك الأطراف شبيهة لنا، وكلما اقتربت الأطراف الافتراضية من “أنا وأنت” كلما كانت مداولاتهم أكثر قدرة على تقديم نموذج لنا وأكثر صلة بنا. ومن ناحية أخرى، هدف نظريات العقد الاجتماعي هو حل مشكلتنا الشرعنة عن طريق إنشاء أطراف بمثابة نماذج مثالية من ” أنا وأنت “، مما يجعل بعضًا من المثالية ضروري ومفيد. لا يجب أن يدفعنا التسليم بأن بعض صور المثالية إشكالي بقبول ما أسماه جوس الشرعنة الشعبوية أي أن كل فرد يجب أن يضع المؤسسات والمبادئ الاجتماعية محل تساؤل لأن ذلك بمثابة رد لنظريات العقد الاجتماعي القديمة القائمة على الاتفاق المباشر. لأنه وكما سبق في الفقرة الثالثة تهتم نظريات العقد الاجتماعي المعاصرة بالاحتكام إلى العقل أكثر من قدرتنا الذاتية على القبول.

هناك عاملان محفزان ل “مثالية أطراف التداول” على الرغم من مشاكلها. نحن أطراف التداول “أنا وأنت” ربما نكون مرتبكان بشأن الاعتبارات ذات الصلة بمشكلتنا الشرعنة. فنحن لدينا انحيازات ومعتقدات خاطئة، ولكي نحقق تقدم في حل مشكلة الشرعنة نتمنى قدر الامكان أن ننظر إلى المشكلة من المكان الصحيح والمرتبط. لذلك نشكل الأطراف الافتراضية بشكل مثالي كما نتمنى. وهناك منظرون للمداولات المثالية مثل يورجن هابرماس  وساوثوود ـــ كل بطريقته ـــ لديهم شكوك عميقة حول هذا السبب وراء المثالية. ظاهريًا، لا تبدو المثالية بحد ذاتها مزعجة، طالما كان اهتمامنا الأساسي ينصب على ما يتم يتبريره، وطالما نرغب أن تسير المداولات على نحو جيد. ولكن لو وضعنا تصورًا مثاليا للأطراف بعيد جدًا عما هم عليه في الحاضر (مثلا كأن نفترض أنهم عقلانيون بالكامل ولديهم إحاطة كاملة بالمعلومات المطلوبة وواعون للعوامل التي تقف وراء معتقداتهم) في هذه الحال ربما لن تكون مداولاتهم مفيدة في حل مشكلتنا الشرعنة لأننا لن ندرك حلولهم. علي سبيل المثال، وعلى افتراض أن هؤلاء الأطراف العقلانيين بالكامل والمحيطين علما بكل المعلومات المطلوبة ليست لديهم معتقدات دينية، فإنهم لن يعبؤوا بالحريات الدينية أو المؤثرات الدينية في القرار السياسي. ولكن لو كانت المشكلة بين مواطنين عقلانيين ولكن ليس بشكل كامل فإنّ تعددية المعتقدات الدينية لا مفر منها للحصول على تصور أفضل لمشكلة الشرعنة بين مواطنين ذوي عقلانية محدودة. لذا يجب أن تعكس الأطراف عقلانيتنا غير الكاملة. علي سبيل المثال، لنفترض أن تلك الأطراف الافتراضية ـ  الفائقة العقلانية والإحاطة بالمعلومات المطلوبة ــ  ليست لديها معتقدات دينية، فلن تلقي حينئذ بالاً للحريات الدينية أو المؤثرات الدينية في القرار السياسي، ولكن مشكلتنا الشرعنة بين أطراف عقلانيين ولكن ليس بشكل كامل، ولذلك تعددية المعتقدات الدينية أمر لا مفر منه، وبالتالي فلأجل تصور أفضل لمشكلة الشرعنة بين مواطنين ذوي عقلانية محدودة يجب أن تقدم الأطراف نموذج لعقلانيتنا غير المحدودة تلك.

2.3  التجانس مقابل التنوع

مرة أخرى، تنشغل نظريات العقد الاجتماعي بتمثيل أطراف العقد بغية جعل “وضع الاختيار” قابل للتحديد. وربما يكون لذلك التحديد أثر في إنهاء تعددية الأطراف والتي كانت المحرك الأساسي للتعاقد. يخبرنا راولز في محاضراته في تاريخ الفلسفة السياسة أن التوحيد المعياري normalization  لمصالح الأطراف شائع في نظريات العقد الاجتماعي، ويرى أن ذلك ضروري لتوحيد وجهات نظر الأطراف لأجل تأسيس منظور مشترك. ويبدو أن راولز يقترح بأنه يجب توحيد معايير وجهات نظر الأطراف لأجل تحديد إجراءات التعاقد. وتلك هي المشكلة. لنفترض أن مثال الأطراف قريبة منا “أنا وأنت” وبالتالي سيكون لديها أسس متعددة للمداولات دينية وعلمانية وكمالية النزعة وهكذا. في هذه الحالة سيكون من العسير على منظّري العقد الاجتماعي الحصول على نتيجة محددة. يمكن للأطراف في نموذج العقد ان تعترض مثلما من الممكن أن نعترض (أنا، وأنت) . يرى راولز أنه يلزم معلومات محددة عن الوضع الطبيعي لكي نتمكن من تحديد نتيجة. حيث بخلاف الحالات الاستثنائية التي تجعل الناس في حالة نزاع، طالما كان الناس متساوين في العقلانية وفي نفس الوضعية سيقتنعون بنفس الحجج. يجادل جوس بأن  الوصول إلى نتيجة محددة يحتاج  إلى مستوى غير ممكن من التجريد، حيث سيقضي التجريد على تعددية المعايير وهي لب مشكلة الشرعنة.

وفقًا لجوس، فإنّ نمذجة أطراف العقد بشكل قريب منا نحن ” أنا وأنت ” في الواقع سيكون قادرًا فقط على توليد مجموعة متعددة من العقود الاجتماعية. ربما تري الأطراف أن عقدًا ما أفضل من العقود الباقية ولكنهم لن يتقبلوا فكرة توحيد العقد. تربط تلك النتيجة التي توصل إليها جوس ( الجزء الثاني Gaus 2011a,) بين تقاليد مشكلة التحديد في الإجراءات التعاقدية وبين المشكلة التقنية “للتوازن في الاختيار” في نظرية الألعاب والتي سوف نتناولها في الفقرة الثالثة القادمة.

علي أية حال، من الممكن أن يتطلب التحديد فعلاً تعددية في وجهات نظر الأطراف المتداولة بشكل لم يتوقعه كل من راولز  وهارساني. السبب في ذلك بسيط حتى لو كان البرهان معقدًا بشكل ما. يتطلب التوحيد المعياري أو القياسي لوجهات نظر الأطراف بالضرورة منظور أو أفق للنظر يحيط علما بالمعلومات المطلوبة لوضع مجموعة مستقرة ومحددة من القواعد الاجتماعية، ولا يوجد سبب للاعتقاد بأن ثمة منظور مثل ذلك موجود حقًا. بدلا من ذلك لو اعترفنا بالفوائد الابستمولوجية الجمة للتعددية الإدراكية، فربما نفضل التعددية على التوحيد المعياري للمثل العليا للأطراف (see: Weisberg and Muldoon 2009, Gaus 2016, Muldoon 2017, Muldoon forthcoming). لذلك هناك سبب قوي للقول بأنه إذا أردنا الحصول على أفضل العقود الاجتماعية التي تحقق مجموعة متماسكة من المعايير مثل (الحرية والمساواة والرفاه إلخ) فإنّ التداولات القائمة على طيف متعدد من وجهات النظر تتفوق على تلك القائمة على تطبيع وجهات النظر المتعددة . (Gaus 2011b, 2016)

2.4  اعتقادي مقابل تقييمى

يتطلب تمثيل شرعنة الأطراف وصف عنصرين ١) عنصر اعتقادي ٢) عنصر تقييمي. يشكل هذان العنصران عند دمجهما معا النموذج الذي سيصف كيف ولماذا يختار الممثلون في النموذج التعاقدي منظومة من القواعد أو يوافقون عليها. والاختيار بمعناه الواسع يعني سعي الأطراف في العقد لاختيار مجموعة من القواعد والتي يظنون أنها أفضل من الظرف السائد قبل العقد مثل حالة الأنانية الشاملة عند هوبز ( Hobbes 1651) أو الحالة الطبيعية عند راولز(Rawls 1999:27)، أو القواعد التي لديهم بالفعل ( Binmore, 2005; Buchanan 2000 [1976]). لأجل ذلك يحتاجون تمثيل الحالة الأساسية وحالة العالم تحت مجموعة منتقاة من القواعد وبدون أي من تلك التمثيلات العقائدية فإنّ مشكلة الاختيار ستصبح غير قابلة للتحديد. يفترض راولز قيودا عقائدية عدة على أطراف نموذجه للعقد الاجتماعي عبر افتراض حجاب سميك من الجهل يحجب المعلومات التفصيلية لكل فرد عن العالم الذي يعيش فيه. يفترض جيمس بوكانان قيد مشابه ولكنة أقل وطأة وهو ما أسماه “حجاب عدم اليقين” (  Buchanan and Tullock 1965 [1962]; Buchanan 1975; see also Rawls, 1958). الإضافة إلى معتقدات الأطراف حول العالم وحول نتيجة اتفاقهم، لابد وأن هناك معايير يقيم بها الأطراف امكانات الاتفاق المختلفة، لابد وأن يكونوا قادرين على منح تقييم لهذه الخيارات وفقا لقيمهم أيا كانت هذه القيم. في نموذج راولز، هناك فقط معيار وحيد لدى الأطراف في الموقف التعاقدي، على الأقل عند البدء هو السلع الأوليةprimary goods ، ويختار الأفراد أفضل مفهوم للعدل يعتقدون أنه قادر على تحقيق معظم السلع الأولية لهم ولذرياتهم، هذا المفهوم الوحيد يوحد متغيرا ت التقييم لدى الأطراف فيصبح نموذج الاختيار كما لوكان بواسطة شخص واحد، ويتقعد الوضع كلما تعددت متغيرات التقييم. لو استعملنا مصطلحات ومفاهيم نظرية الاختيار فإنّ الخصائص العقائدية تفردن الحالة البدئية للتعاقد ونتائج النموذج التعاقدي بينما تمنح الخصائص التقييمية كل طرف مقياس لتقييم النتائج المتوقعة لاختيار أي مجموعة من القواعد، متى وصفنا هذين العنصرين بات لدينا نموذج لأطراف العقد ولكن لا زلنا نحتاج إلى نموذج لكيفية إمكانية الاتفاق بالفعل لفهم الاسباب النهائية لدينا لكي نعتبر النموذج التعاقدي مقنعًا من الناحية المعيارية.

3 . نمذجة الاتفاق

تختلف نظريات العقد الاجتماعي اختلافًا جوهريًا فيما بينها حول مدى كون تبريرات أطراف العقد مختلفة أم متشابهة. كما رأينا عند راولز فإنّ أسباب الأطراف متشابهة حيث تختزل مشكلة الاختيار الجمعي إلى اختيار شخص واحد ويكون اختيار فرد واحد صالح لأي شخص آخر، في العقود الاجتماعية من هذا النوع بمجرد وصف الأطراف من حيث دوافعهم والظروف التي يختارون فيها يصبح لدينا توضيحًا لأسباب طرف من الأطراف ويكون العقد قد تم تحديده.

وفقا لوجهة النظر الأخرى القائلة بأنه حتى بعد وصف الأطراف بما في ذلك عقلانيتهم وقيمهم ومعلوماتهم، فسيظلون مختلفين في أراءهم حول العقود الاجتماعية المحتملة. وفقا لوجهة النظر هذه فإنه لا يمكن تحديد العقد فعلا إلا إذا تمكنا بطريقة ما من مواءمة التقييمات المختلفة لتحديد حصيلة العقد، ويمكننا التمييز بين أربعة آليات إتفاق مختلفة.

3.1  القبول

ارتكزت رؤى العقد الاجتماعي التقليدية  عند هوبز ولوك وروسو  بشكل واضح على فكرة القبول، فبالنسبة للوك “قبول الرجال الأحرار” فقط هو ما يجعلهم أعضاء في الحكومة. وبالنسبة لهؤلاء المفكرين في الخطاب التقليدي، القبول يعتمد على أهلية إلزام الذات. فعندما يبلغ المرء سن الرشد يكون قادرا على إبرام أنواع معينة من  العقود والاتفاقات. بوضعهم القبول في القلب من نظرياتهم فإنّ هؤلاء المنظرين المبكرين أولا: افترضوا بوضوح أن لدى الأفراد قوة معيارية على ذواتهم “السلطة على الذات” قبل الدخول في العقد الاجتماعي وثانيا: وضعوا مسألة الالتزام السياسي في المقدمة. وبالتالي الالتزام هو محصلة العقد الذي يبرمه رجال لديهم الأهلية لإلزام أنفسهم. وهذه بحسب هوبز (1651, 81 [chap xiv,¶7) رابطة اتفاقية: ذلك مانسمية “قيدا صناعيًا” (1651, 138 [chap. xxi, ¶5).

كلا الاعتبارين باتا محل هجوم في النظريات الحديثة للعقد الاجتماعي، خصوصًا الثاني، وفقا لبوكانان فإن مفتاح تطوير نظريات العقد الاجتماعي المعاصرة هو التمييز بين سؤال “ما الذي يؤسس الالتزام السياسي؟” باعتباره الهم الشاغل للقبول بمعناه التقليدي في أفكار العقد الاجتماعي والسؤال “أي من النظم الدستورية والمؤسسات الاجتماعية نافعة بشكل مشترك وقابل للاستدامة؟ فواجب الفرد في الالتزام بالقوانين والقواعد الاجتماعية مسألة أخلاقية بالنسبة للفردRawls 1965) )، بينما تصميم وتشريع المؤسسات الاجتماعية مسألة تتعلق بالأخلاق العامة أو الاجتماعية فعند بوكانان تعد إعادة الفلسفة السياسية للتركيز على الأخلاق العامة والاجتماعية بدلا من الالتزام الفردي ملمحًا أساسي لنظريات العقد الاجتماعي مؤخرا.

على الرغم من أن منظري العقد الاجتماعي المعاصرين لا زالوا يوظفون لغة القبول فإن لب النظريات المعاصرة هو فكرة الاتفاق. “تنطلق رؤى العقد الاجتماعي من بديهة الاتفاق” (Freeman 2007a, 17). الآن يمكن للمرء أن يؤيد أو يوافق على مبدأ دون أن تلزم تلك الموافقة المرء بالخضوع. منظرو العقد الاجتماعي من مختلف الاتجاهات مثل صامويل فريمان وكان نارفيسون  يرون أن فعل الاتفاق يعكس الأسباب التي لدينا. يعد الاتفاق بمثابة اختبار أو كاشف. يتمثل دور الاتفاق التوفيقي الاجماعي في إظهار ما لدينا من أسباب لنفعل ما نفعله في علاقاتنا الاجتماعية والسياسية (Freeman 2007, 19).

 لذلك لا تفهم الاتفاقية كإلزام، هي ليست فعل يخلق التزام، ولكنها كاشفة عن السبب. فلو كان الأفراد عقلانيين فإنّ ما يوافقون عليه يعكس الأسباب التي لديهم. تحتل مشكلة الشرعنة مكان الصدارة في النظريات المعاصرة للعقد الاجتماعي، كما عند راولز. عندما أحيا راولز العقد الاجتماعي في كتابه نظرية للعدالة فإنه لم يؤسس الالتزامات على القبول، على الرغم من استمرار وجود فكرة الاتفاق الأصلي، ومن الجدير بالذكر أن هدف راولز هو حل سؤال الشرعنة من خلال العمل على التداولية.

على اعتبار أن مشكلة الشرعنة احتلت مكان الصدارة، فإنّ الجانب الثاني لنظريات العقد الاجتماعي المعاصرة بدت في مكانها الصحيح استنادا على نماذج الاتفاقات الافتراضية. الهدف هو وضع نموذج لأسباب المواطنين في ظرف من المفترض أن يستوعب المسوغات التي اعتمدوها. فنظريات العقد الاجتماعي المعاصرة إذًا قائمة على افتراضية مضاعفة. بالتأكيد لا يوجد منظّر بارز يعتقد بأن سؤال الشرعنة يجري حله عبر استقصاء فعلي لمواقف من الترتيبات الاجتماعية الموجودة، ولا يتم تسويته حتى يجري استقصاء. السؤال إذًا “هل التراتبيات الاجتماعية القائمة كانت نتيجة اتفاق فعلي بين المواطنين؟”، لو كان ذلك هو السؤال فالإجابة قطعا لا، سيكون السؤال كالتالي: “هل هذه التراتبيات ستكون نتيجة اتفاق لو تم استطلاع آراء المواطنين؟”، بشكل ما كلا السؤالين عرضة للقراءة التجريبية، ولكن الأخير فقط له مكانة في النظرية الحالية. دائما ما يكون العقد افتراضيا على الاقل بالمعنى الأولي.

هناك قراءة لسؤال الدرجة الأولى الافتراضي هذا “هل تلك الترتيبات ستكون موضع اتفاق لو ……….” وهو السؤال الذي مازال تجريبيا بشكل واضح بمعنى ما. حين يتطلب الأمر من المنظر محاولة تحديد ما الذي سينتجه استقصاءً فعليا لمواطنين واقعين حول اتجاهاتهم حيال نظام التراتبيات الاجتماعية . وذلك نادرا ما يحدث ذلك، رغم أن المنظّر بالطبع يفعله في خياله (Klosko 2000).

 ولكن يوجد تأويل آخر يلقي قبول كبير في السياق المعاصر، حيث لم يعد السؤال افتراضيا عن مواقف فعلية، ولكن سؤال افتراضي عن مواقف افتراضية، وهو ما نعنيه بقولنا “الافتراضية المضاعفة”. العنصر الافتراضي الأول هو السؤال “هل ستكون القاعدة أو التراتبية الاجتماعية نتيجة لاستقصاء المواطنين؟” والعنصر الافتراضي الثاني هم المواطنين في السؤال الأول حيث لم يعد يتم التعامل معهم من منطلق تجريبي ولكن باعتبارهم افتراضيين من حيث كونهم أكثر نزاهة، وأكثر معرفةً.. إلخ.

 يصبح السؤال بالنسبة لمعظم منظري العقد الاجتماعي المعاصرين “لو استقصينا البديل المثالي للمواطنين الفعليين، ما هي التراتبيات الاجتماعية التي ستنتج عن اتفاقهم؟”

يعترض رونالد دوركن اعتراض معروف على تلك الافتراضية المضاعفة ويعتبر أنها لا يمكن أن تلزم شخصًا حقيقيًا. فلكي يصبح التحليل الافتراضي ذا مغزى، فلابد له  يُظهر بأن الأشخاص الافتراضيين في العقد من الممكن أن يوافقوا على الالتزام ببعض المبادىء المنظمة للتراتبيات الاجتماعية . لنفترض أن بديلك الافتراضي وهو “نسخة أكثر معلومات وحيادية منك” يوافق على قاعدة معينة. ما الذي سيعنيه لك هذا؟ ما نتيجة الخطوة الثانية من التحليل الافتراضي ذلك؟ سيصبح الأمر أنك ستكون ملزم باتفاق مبرم بواسطة آخرين مختلفين عنك. إذا كان من الممكن أن تلتزم باتفاق قمت بإجرائه بنفسك لو أعطيت الفرصة، فإنه من الجنون الاعتقاد بانك ستلتزم باتفاق أبرم بواسطة آخرين حتى لو جري سؤالك. هذا النقد حاسم، إلا إذا كان العقد الافتراضي يستند إلى سلطتك المعيارية في إلزام الذات عبر القبول. لأن استخدام بديلك المثالي لسلطته في إلزام ذاته لا يعني أنك استخدمت سلطتك. مرة أخرى، القوة المعيارية لإلزام ذاتك ليست مستند النظريات المعاصرة في العقد الاجتماعي، فربما تساعدنا مشكلة التداول في إحراز تقدًّم في مشكلة الشرعنة. فسؤال نظريات العقد الافتراضية المعاصرة هو ما إذا كان اتفاق مبرم بواسطة بديلك المثالي يلبي أهدافك لقبول تراتبيات اجتماعية، يعد مسألة مختلفة .

ربما بات من المعروف اليوم، أن نظريات العقد الاجتماعي المعاصرة تستند إلى اتفاقات افتراضية وليست فعلية. كما رأينا، إن تلك هي القضية، فثنائية “افتراضي/ فعلي” مصطنعة ، فالهدف من العقود الافتراضية هو تقديم أساس للعقود الفعلية. سيتسنى فهم نظريات العقد الاجتماعي المعاصرة بشكل أفضل عن طريق فهم تفاعلات الافتراضي والواقعي وليس الإصرار على التمييز بين العقود الافتراضية والواقعية.

 المفتاح هنا هو تمييز راولز (1996,28) بين منظورات كل من :

أنا وأنت

أطراف النموذج التداولي

الأشخاص في مجتمع جيد التنظيم

إن اتفاق الأطراف في النموذج التبادلي بالتأكيد افتراضي بالمعنى المزدوج الذي وضحناه: اتفاق افتراضي بين أطراف افتراضيين. المغزى هنا أن النموذج التداولي يستهدف مساعدتنا (أنا وأنت) لحل مشكلة الشرعنة ــ ما التراتبيات الاجتماعية التي نستطيع قبولها بوصفنا أشخاص أحرار ليس لدينا سلطة على شخص آخر .(Rawls 1958, 33)

تقدم لنا أطراف العقد التداولي والظروف التي تجري فيها عملية التداول نموذج لقناعاتنا حول العدالة والشرعنة. كما يقول راولز أن أسباب الأطراف الافتراضين تهمنا لأن “الظروف المتجسدة في وصف الموقف هي تلك التي نقبلها في الواقع”.  لدى جوس أيضا وصف قريب من ذلك باعتباره “اختبار لمفاهيم” العقد الاجتماعي. نحن نستخدم الأداة التداولية الافتراضية لاختبار مؤسساتنا الاجتماعية بهذه الطريقة إن العقد الاجتماعي المعاصر معنى بتقديم نموذج لموقف الشرعنة التي تواجهه كل الأفراد. وتحتاج الطبيعة الافتراضية والمجردة للعقد لتسليط الضوء على ملامح الأطراف ذات الصلة وذلك لإبراز الأسباب التي لديهم لقبول العقد.

 مؤخرًا شدد صامويل فريمان على الطريقة التي نركز فيها على منظور طرف ثالث ــ منظور مواطنين في مجتمع جيد التنظيم ــ تظهر أهمية الاتفاق الواقعي في نظرية راولز للعقد الاجتماعي. وفقا لتأويل فريمان، فإن القعد الاجتماعي لابد أن يلبي شروط العلنية .(2007b:15) حيث كتب قائلا:

“ميز راولز بين ثلاثة مستويات من العلانية: المستوى الأول: مستوى علانية مبادئ العدالة، المستوى الثاني: علانية المعتقدات العامة التي يمكن قبولها في ضوء مبادئ العدالة (“تلك هي نظرية الطبيعة البشرية والمؤسسات الاجتماعية بشكل عام”)، والمستوى الثالث علانية الشرعنة الكاملة للمفاهيم العلنية للعدالة كما هي وفقا لشروطها الخاصة. تتجسد الشروط الثلاثة وفقا لراولز في مجتمع جيد التنظيم. تلك هي شروط العلانية الكاملة”.

لكي يكون القعد الاجتماعي مبررًا فلابد وان يلبي شرط العلانية الكاملة ـ ولابد وان يكون مقبولا من أعضاء مجتمع جيد التنظيم؟ يقدم الاتفاق الافتراضي فقط ما أسماه راولز  أفضل ما يمكن (pro tanto)، أو شرعنة جيدة إلى حد كبير لمبادئ العدالة. تحدث الشرعنة الكاملة فقط عندما يؤيد الأشخاص الفعليين والذين يقبلون ويريدون العدالة الليبرالية لأسبابهم المحددة ـ والتي غالبًا ما تكون متعارضة ــ والمضمرة في مذاهبهم العقلانية الشاملة . (Freeman 2007b, 19)

. ويعتبر ذلك مفهوم، فإنّ مخاوف راولز حول استقرار العدالة كإنصاف التي الهمت حركة الليبرالية السياسية كان هو نفسه سؤال شرعنة (Weithman, 2010).

 فقط إذا كانت مبادئ العدالة مستقرة بهذه الطريقة فإنها تصبح مبررة. ومخاوف راولز حول استقرار العلانية ليست خاصة به، ولكن يشترك فيها كل منظري العقد الاجتماعي المعاصر. من اللافت أن يشارك  منظرون آخرون مختلفون جدًا عن راولز في الجوانب الأخرى، مثل بوكانان وجوتيه وبنمور، القلق حول الاستقرار.

3.2  المساومة

ربما ليس مفاجئا أن ازدهار نظريات العقد الاجتماعي حدث في نفس الوقت الذي بدأ فيه استعمال أدوات نظرية الألعاب، وخاصة نظرية المساومة في المشكلات الفلسفية. نظرية المساومة  كما طورها كل من جون ناش وجون هارسانيي عبارة عن أطروحة صارمة لنمذجة تقاسم أفراد عقلانيين بعض البضائع والفوائض. يصف نموذج المساومة لاتفاق ما في صيغته الأكثر عمومية مجموعة من الأفراد من ذوي الملكة النفعية الفردية التي يمكن تمثيلها في علاقات متداخلة دون الحاجة لمقارنة المنافع بين الأفراد مباشرة. يتم عرض بضاعة ما للتقاسم بين الأفراد، وإذا توصلوا لاتفاق لتقاسمها سيحصل كل منهم على نصيبه، وإلا يتحملون نتائج عدم التوصل لاتفاق. من الممكن أن يكون المعروض أصلا أو شيء مختلف، وهناك مثال بسيط في لعبة الطلب حيث يطلب من لاعبين الاتفاق على تقاسم مبلغ من المال، يسجل كل لاعب المبلغ الذي يريده ولو كان مجموع المبلغين الذين سجلهما اللاعبين يساوي أو أقل من المبلغ الأصلي يحصل كل منهم على ما سجله وإلا لا يحصل أيا منهم على شيء.

أدرك راولز في مقالته العدالة كإنصاف الصادرة سنة ١٩٥٨ أن أحد وسائل الأطراف للتعامل مع اختلافاتهم هو استخدام حل المساومة ( Braithwaite 1955). رفض راولز نفسه حلول المساومة  في العقد الاجتماعي طالما كانت هكذا حلول بحسب وصفه قائمة على ميزة تهديدية  “طالما كان لكلٍ حسب ميزته التهديدية من الصعب تخيله كإنصاف”. على كل حال، بنى جوتييه أطروحته في أخلاق الاتفاق على حل المساومة  لكالاي سمورودينسكى. و (see also Gaus 1990, Ch. IX). ولبنيمور اطروحة متطورة في العقد الاجتماعي تستند إلى حل ناش للمساومة، وكذلك الحال بالنسبة لريان مولدوون، بينما يستند مويلر إلى حل ناش”المستقر” للمساومة. اعتمد جوتيه مقاربة للمساومة أقل شكلية وأقرب أن تكون نموذجه الخاص من كونها معتمدة على حل ناش. بالإضافة إلى تحفظ راولز حول المزايا التهديدية التي ربما يحوزها أحد الأطراف، هناك ثغرة في كل تلك الاطروحات تتمثل في تعدد حلول المساومة، والتي تصنع فارقا بشكل لافت. وعلى الرغم من أن نظرية ناش هي الأكثر تفضيلا اليوم فإنّ لها تبعات تصادم البديهة . بالإضافة إلى ذلك، يحاجج العديد بأن حلول المساومة غير قابلة للتحديد بشكل جذري، لذلك لا مجال إلا لافتراضات غير واقعية وخلافية.(Sugden, 1990, 1991)  ونفس الشيء بالنسبة للاختيار المتوازن في الألعاب (see Vanderschraaf 2005 and Harsanyi and Selten 1988).

معظم التطورات الحديثة في نظرية المساومة أو العقد الاجتماعي تتبنى مفهومًا ديناميكي (Muldoon 2017, Vanderschraaf forthcoming). أو حتى تطوريًا في نماذج المساومة مثل (Alexander and Skyrms 1999, Skyrms 2014). إن ذلك يسلط الضوء على تصنيف عام في نماذج المساومة بين ما يطلق عليه  نماذج بديهية وما يطلق عليه نماذج إجرائية. تعود الأطروحة التقليدية “البديهية” لمشكلة المساومة إلى جون ناش (john nash)، والتي قننها جون هارسانيي (John Harsanyi). ونشرها دونكان لوس وهاوارد رايفا (R. Duncan Luce and Howard Raiffa (1957)). وقد تفرع عن تلك الأطروحة التقليدية عدة حلول أساسية للمساومة. كل منها ينطلق من مجموعة مختلفة قليلاً من البديهيات لإنتاج طريقة مميزة وقابلة للتطبيق لتقاسم المكاسب يشمل ذلك بالأخص الأطروحة المساواتية (Raiffa 1953)، نظرية ناش (1950)، نموذج ناش المستقر المعد بواسطة مويلر، ونموذج كالاي سموردينسكي (Kalai-Smordinsky 1975) (Moehler 2010)، ونموذج جوتييه لميزة الحد الأقصى النسبي (1986). ما يميز هذه النظريات عن بعضها البعض هو مدى اعتمادها على بديهة ناش المستقلة أو كونها تستخدم بديهة أخرى مثل المساواتية في نظرية كالاي سموردنسكي أو ومثل بديهة امتياز الحد الأقصى، وبشكل أو بآخر فإنّ كل تلك البديهيات موضع جدل.

فعلى سبيل المثال فإنّ إحدى البديهيات المفتاحية التي تستخدمها نظريات المساومة هي بديهة التماثل. تفترض هذه البديهة بأن المتفاوضين في الموقف التفاوضي سيفكرون بذات العقلانية، فأنا لن أريد أن أعطي أو أخذ أكثر منك عندما نكون في نفس الموقف. هذه البديهة تبدو معقولة ولكنها لا تعترف بأن إنكار التماثل هو إنكار للعقل بشكل ما. وجه شيلنج (Thomas schelling 1959) نقدا مبكرا لفرضية التماثل في نظرية المساومة وجادل جون تراشر (John Trasher 2014) بأن فرضية التماثل لا تتماشي والنموذج التقليدي للعقد الاجتماعي. على أية حال فإنّ فرضية التماثل ضرورية للوصول لحل مميز لمشكلة المساومة. سيكون رفض التماثل بمثابة رفض للتميز، على الأقل في نظرية المساومة البدهية.

النوع الثاني لنماذج المساومة للاتفاق هي ما يمكن تسميته ” النموذج الاجرائى” فبدلاً من الاعتماد على بديهيات متعددة مثل النوع الأول المبني على البديهيات لأجل الوصول إلى حل عقلاني ، فإنّ هؤلاء المنظرين يعتمدون على بعض الاجراءات التي ستنتج نتيجة محددة وإن لم تكن مميزة. تستخدم الأطروحات الإجرائية بعض الآليات التي سينتج عنها اتفاق كالمزاد مثلا. هناك أنواع عدة من المزادات (إنجليزى، هولندي، ونموذج فيكري Vickrey )، ولكل منها طريقة للمزايدة على سلعة ما ومن ثم تحديد سعر. البيع بسعر معلن مثل ذلك الذي نجده في الأسواق الاستهلاكية، هو نوع ما من المساومة حتى لو كان نوع متطرف من التماثلية، حيث يعرض البائع عرض “خذ أو دع”. النوع المزدوج من المزادات أكثر تماثلية وذو صلة واضحة بنموذج المساومة البسيط. على الرغم من أن المزادات لا تستخدم عادة لحل مشاكل التقاسم، هناك عدة أمثلة من آليات المزايدة التي تستخدم لحل مشاكل توزيع السلع العامة بطرق مدهشة تضمن الإجماع. استخدم دوركن أيضا نوع من آليات المزايدة في عمله حول المساواة حتى لو لم يطور أطروحته للتطبيق العام (Dworkin 1981, Heath 2004)، وعلى الرغم من أن نظرية المزايدة وتطبيقاتها الممكنة تعد واعدة إلا أنها لم تستغل بعد.

 الأطروحة الإجرائية الرئيسية مستمدة من العمل المؤثّر لروبنشتاين، وإثباته بأنه من الممكن أن تنتج عملية مساومة إجرائية نتائج تتفق مع حل ناش البدهي في حالات محددة. منحت تلك النتيجة استكشافات ناش المبكرة مزيدا من الحياة، وكانت تقول بأن المساومة وقواعدها لابد وـن تكون نتيجة للعبة غير تعاونية، على اعتبار أنه يمكن توحيد نظرية المساومة ونظرية الألعاب. ناصر بنمور بشكل كبير هذه الأطروحة التي تدعى “برنامج ناش”، واستخدم بنمور نهج تطوري في العقد الاجتماعي يستند على التطور البيولوجي “لعبة الحياة” للوصول إلى الظروف التي تقف وراء المساومة أو ” لعبة الأخلاق”. يمكن تصنيف كليهما على أنهما ألعاب غير تعاونية، ويمكن أن يكون الأخير أكثر قابلية لاعتباره نموذج لمشكلة المساومة. يزعم بنمور أنه قادر عبر استخدامه هذه الطريقة وبمنهجية صارمة على إظهار أن نتيجة عملية المساومة التطورية تلك ستكون شبيهة جدًا لنظرية راولز في العدالة كإنصاف.

هناك طريقة أقرب للمنهج التجريبي في عمل شيلنغ المبكر حول نظرية المساومة ونظرية الألعاب عبر النظر إلى مساومات الناس الحقيقيين للوصول لاتفاق. لدى شيلنغ في عمله المبكر طريقة أكثر ميلا للتجريبية حول نظرية المساومة ونظرية الألعاب، عبر النظر إلى كيفية مساومة الناس الحقيقيين وتوصّلهم لاتفاق. يستخدم رواد الاقتصاد التجريبي التجارب المعملية للنظر حول كيفية تصرف الناس في مشاكل التقاسم (Hoffman et. al. 2000, Smith 2003 ) بعض أكثر النتائج مفاجأةً أتت من نظريات غير تماثلية لألعاب المساومة مثل لعبة الإنذار النهائي لدى  سميث (Smith 1982). منذ هذه التجارب المبكرة، تم إنجاز كم معتبر من العمل تجريبي على مشاكل المساومة والاتفاق التعاوني في الاقتصاد، ضمنت غالبية  الأعمال الفلسفية ذات الصلة أهمية المعايير والاتفاقيات الاجتماعية في تحديد النتائج (Bicchieri 2016, Vanderschraaf forthcoming).

من الممكن ان تنجح آليات المساومة في تحديد العقد الاجتماعي ولكن يظل ذلك ضمن كونها آلية خلافية بشكل كبير سواء في الأطروحات التي تستند على بديهة أو الأطروحات الإجرائية التي لابد وأن تستند في نهاية المطاف على المخرجات التجريبية للتطور الاجتماعي والبيولوجى. تراجعت أهمية حلول المساومة في العقد الاجتماعي لبعض الوقت، لكن الحال تغير الآن (see Alexander 2007, Thrasher 2014a, Thoma 2015, Muldoon 2017, Moehler forthcoming, Vanderschraaf forthcoming).

3.3  التجميع

يمكننا تمييز حلول التجميع عن الحلول التي تستند إلى المساومة. بينما نبحث في المساومة عن حل يفاضل بين ادعاءات مختلفة (مثلما في نموذج كالاي سموردنسكي)، في التجميع نسعى لجمع الاختيارات الفردية المختلفة في اختيار اجتماعي شامل. تلقي نظرية آرو Arrow والمشكلات المتعلقة بقواعد الاختيار الاجتماعي ظلالا من الشك عند الادّعاء بأن أي الطرق التجميعية عقلانية بشكل مميزـ كل منها لديه أوجه قصور (Gaus 2008, chap. 5). طور هارسانيي (Harsanyi 1977, chaps. 1 and 2; 1982) نظرية تشبه كثيرا نظرية راولز. التفكير فيما وراء حجاب الجهل حيث لا يعلم الناس أوضاعهم  ما بعد العقد. سيعتقد المتعاقدون العقلانيون أنه محتمل بذات القدر أن يكونوا أي فرد بعد التعاقد. وهو يناقش أيضا بأن المتعاقدين من الممكن أن يوافقوا على مقارنات المنفعة البين-شخصية، وبالتالي سوف يختارون عقد يجمع المنفعة في المتوسط الأعلى (see also Mueller 2003, chap. 26). يعتمد ذلك بالطبع على أن هناك مقياس لا خلافي يمكنّنا من جمع منافع الأطراف. سار بنمور (2005) على خطى هارساني وأمارتيا سن (Harsanyi and Amartya Sen 2009, Chap. 13) في القول بأن المقارنات البين شخصية من الممكن أن تعقد لغرض التجميع على الأقل لبعض الوقت. أحد مشكلات هذه الأطروحة يتمثل أنه في حال كانت تلك المقارنات غير مكتملة فإنها ستصبح غير قادرة على إنتاج نظام اجتماعي مكتمل. وذلك، بحسب سن، سيقود إلى مجموعة قصوى من البدائل، حيث لا يهيمن بديل واحد في المجموعة فقط ولكن أيضا ليس ثمة بديل أمثل. بدل من حل مشكلة التجميع ستصبح المقارنات بين الشخصية قادرة فقط على تقليل عدد البدائل دون أن تكون قادرة على إكمال تنظيم البدائل.

3.4  التوازن

هناك تقليد طويل من اعتبار العقد الاجتماعي نوع من التوازن. من داخل هذا التقليد فإنّ الاتجاه هو اعتبار العقد الاجتماعي نوعًا من التوازن كصورة من معضلة السجين ( see Gauthier, 1986 and Buchanan, 2000 [1975]). يقترح بريان سكيرمز (Skyrms 1996, 2004) أمر مختلف، على افتراض أنه في مفاوضات تعاقدية بها طرفين، ترتيب أربع “عقود اجتماعية” محتملة سيكون كالتالي:

كل من ألف وبيتي يصطادون الأي

كلاهما يصطاد الأرنب

ألف يصطاد الأيل وبيتي يصيد الأرنب

ألف يصطاد الأرنب وبيتي يصيد الأيل

دع ثلاث من هذه تكون أفضل خيار، ودع أحدها يكون أسوأهم في تقييم الشخص، (تقييم ألف هو الأول في كل زوج). سنحصل على هذا الشكل:

ألف

يصطاد الأيل     يصطاد الأرنب

بيتي     يصطاد الأيل     3,3    2,1

         يصطاد الأرنب   1,2    2,2

الشكل (1): صيد الأيل

يناقش سكايمرز بأن صيد الأيل سيكون النقطة المحورية في العقد الاجتماعي (2004, 4). المسألة هنا في صيد الأيل ليس في ما إن كنا سنتحارب أم لا، ولكن لو كنا سنتعاون أم سيمضي كل في طريقه. يوجد هنا حالتين  لتوازن ناش ـ كلاهما يصطاد الأيل وكلاهما يصطاد الأرنب. الف وبيتي، الذين سيجدون أنفسهم ملتزمين بأحد هذه التوازنات في حال اهتم كل منهم بمصلحته الشخصية فقط ، في توازن ناش ليس لدى اي طرف سبب لخرق التوازن. بالطبع العقد الذي يصطاد فيه كلاهما الأيل هو الأفضل) نموذج لأفضلية باريتو pareto superior، إنه يتفوق بشكل واضح على العقد الذي يصطادان فيه الأرنب. على أية حال، توازن الأرنب يتمثل في كون صيده أكثر أمانًا بشكل كبير. يرى سكايرمز أن نظرية “الألعاب المتكررة” تظهر أن الأطراف سيتوصلون ببساطة لعقد اجتماعي، ولكن كيف يمكن التوصل لعقد تعاوني ذو منفعة مشتركة. إلا لو كانت لدينا الفرصة لتكرار اللعبة. يقول سكايرمز بأنه يمكننا أن نتعلم بخصوص مشكلة ” ظلال المستقبل” من هيوم “أتعلم أن اقدم خدمة لآخر دون أن يكون لدي رغبة خيرية تجاهه، لأني أتوقع أن يرد لي الخدمة باعتبار أنه سيحافظ على نفس التعاملات من نفس النوع معي ومع غيري . (Skyrms 2004, 5) بحسب ساجدن، وإن كانت رؤية بطريقة مختلفة، أن التفاعلات المتكررة والتي يسميها الخبرة ضرورية لتحديد أي من صور التفاعلات الاجتماعية هو الذي سيستقر بمرور الوقت ( Sugden 1986).

مشكلة الحل القائم على التوازن كما في مثال صيد الأيل أن ألعاب كثيرة لها توازنات كثيرة. ستصبح المشكلة إذن هو اختيار توازن من بين عدة توازنات. وتصبح أكثر تعقيدا بسبب الخلافات حول تحسين مفاهيم التوازن.(see Harsanyi and Selten 1988)  رغم ان تحسينات عدة قد اقتُرِحت ولكن مثلما كان الحال مع حلول المساومة  فكلها محل خلاف بدرجة أو بأخرى. أحد الطرق الشيقة لتطوير عقد اجتماعي بواسطة منظري نظرية الألعاب مثل بن مور وسكايرمز هو استعمال “اللعبة التطورية” لحل مشاكل التوازن والتناسب. مالا يمكن حله استنادا إلى العقل بسبب عدم وجود حل محدد من الممكن حله عن طريق التفاعلات المكررة بين أطراف عقلانية. يميز عمل منظرين مثل بنمور وسكايرمز  بين الشرعنة والتفسير، حيث تسلط تحليلاتهم الضوء على مشكلات الشرعنة، (ما هو النظام الاجتماعي التعاوني الذي سيختاره الناس بحرية؟)  كما تفسّر في الوقت ذاته كيفية نشأة النظم..

يمثل استعمال نظرية اللعبة التطورية وآليات التطور جزء شيق ومزدهر في مجال نظريات العقد، واحد من بين الأسئلة المطروحة هو لماذا يجب علينا القبول بنتائج الآليات التطورية، وتحت أي ظروف تحديدًا يكون ذلك. هل يعتبر “توازن ما” أفضل من غيره لأنه نتيجة لآلية تطورية؟ بالطبع نحن نريد أسبابا مستقلة عن التاريخ لكي نقبل بشكل تأملي توازن ما. تسلط تلك المشكلة الضوء حول التحفظ المتضمن لكون العقود الاجتماعية وليدة الآليات التطورية لن تلبي شرط العلانية بالطريقة الصحيحة. فإذا بدا شرط العلانية عصيا على التحقق فإنّ الاطروحة التطورية تقدم طريقة قوية لفهم الاستقرار. وبحسب مينارد سميث، يمكننا أن نرى الاستقرار كتوازن ناتج عن استراتيجية استقرار تطورية “ESS”/ (Evolution stability strategy ) (1982). الفكرة ببساطة، أن التوازن يستقر في لعبة تطورية حيث تتكرر الاستراتيجيات الناجحة بمعدلات أعلى لو كان التكوين التوازنية للسكان يجعل الاستراتيجيات غير قابلة للاحلال باستراتيجيات متحولة. تعد استراتيجية الاستقرار التطورية تطبيقًا لمفهوم توازن ناش على السكان. بحيث أن السكان مستقرون تطوريا بحيث أن استراتيجية جديدة لن تتلقى من السكان استجابة أفضل من خليط الاستراتيجيات السائد. يفسر ذلك بشكل رسمي مفهوم “الاستقرار المتأصل” عند راولز ومفهوم بوكانان بأن العقود الاجتماعية يجب أن تصمد أمام تخريب مجموعة منشقة من السكان المعنيين. يقدم هذا المفهوم الجديد للاستقرار مع مفهوم حيوي لللعبة التطورية طرق جديدة مثيرة لمنظّري العقد الاجتماعي لنمذجة نتائج العقد.

4. موضوع الاتفاق

يختلف منظرو العقد حول موضوع العقد. كان موضوع العقد عند المنظرين التقليدين مثل هوبز ولوك  اتفاق حول الرابطة السياسية. وخصوصًا حدود وأسس التزام المواطن بالخضوع للدولة. وجدت في أعمال راولز المبكرة تداولات الأطراف حول الممارسات العامة (1958)، ثم تجه في رؤيته المتأخرة نحو اعتبار عنصر الاتّفاق كمبدأ من مبادئ العدالة لتنظيم “البنية الأساسية”.

يمكن اعتبار البنية الأساسية تلك الطريقة التي تتوافق المؤسسات الاجتماعية الكبرى فيها معًا في نظام واحد، وكيفية تحديدها للواجبات والحقوق الأساسية، وتشكيلها لتقسيم المزايا التي تنشأ خلال التعاون الاجتماعي. فالدستور السياسي، وأشكال الملكية القانونية، وتنظيم الاقتصاد، وطبيعة العائلة، كل ذلك يعتبر من البنية الأساسية  (Rawls 1996, 258).

فبالنسبة لراولز، كما لبقية المنظرين المعاصرين، موضوع العقد ليس من أسس الالتزام السياسي ولكنه من مبادئ العدالة التي تشكل المؤسسات الأساسية للمجتمع. ركز فريمان، التلميذ البارز لراولز، على الدور الاجتماعي للمعايير في الحياة العامة. وكان بوكانان مهتما بشرعنة النظم الدستورية للمؤسسات الاجتماعية والسياسية. استخدم كلٌّ من جوتيه (1986) , سكانلون (1998), داروول (2006), ساوثوود(2010), و جوس (2011a) العقد لشرعنة ادعاءات أخلاقية واجتماعية .

يتناسب المستوى الذي يصله موضوع العقد مع نتائج الاتفاق. يشير راسل هاردن إلى أن الملمح البارز في الرؤية الهوبزية هو كونها تقييم نسبي لحالة كلية، المقارنة بين العيش تحت أي نظام للحكومة مقابل العيش في غياب السلطة على الإطلاق (2003, 43). يناقش هوبز بأن أي شخص سيقبل بالعقد لأن العيش تحت حكومة من وجهة نظر أي شخص أفضل من العيش تحت الأناركية (حالة الطبيعة)، لو حاول الهوبزيون تقسيم العقد لاتفاقات أكثر تفصيلا لوظائف الحكومة فسيجدون أنه من الواضح بأن العقد قاصر بالنسبة للعديد من الوظائف. وكلما دققنا النظر (Lister, 2010) بشكل تفصيلي في وظائف الحكومة سيظهر أن العقد محدود. لو كان الأطراف يختارون بين الحكومة أو الفوضى فستختارون أي حكومة  (حكومة تدعم الفنون مثلاً). ولكن لو كان الاختيار بين حكومة تدعم الفنون وأخرى لا تدعم فربما لا يختارون الخيار السابق. بنفس الطريقة، لو كانت الأطراف تتداول حول نظام أخلاقي من عدمه فمن المرجح أن نلقى اتفاق واسع باعتبار أن أي نظام أخلاقي بشكل عام  من مصلحة الكل، ولكن لو دققنا النظر في حقوق وواجبات محددة فمن المرجح أن نجد إجابات مختلفة.

في نظريات “العقد الاجتماعي متعدد المستويات” مثلما عند بوكانان 2000[1975] و مايكل مويلر، فإنّ كل مرحله لها موضوعها المميز. في نظرية بوكانان، فإنّ موضوع المرحلة الدستورية هو نظام من القيود التي تسمح للأفراد بالتعايش في سلام وهو ما أسماه بوكانان ” الدولة الحامية” (2000 [1975]). حيث تتسم “حالة الطبيعة” وفقًا لرؤيته بكل من الافتراس والدفاع. تنخفض قدرة المرء على الانخراط في مشاريع إنتاجية بسبب الحاجة إلى الدفاع عن ثمار تلك المشاريع في مواجهة أؤلئك الذين يفضلون السلب على الإنتاج. وفقا لبوكانان، لدينا جميعا سبب للعقد بهدف زيادة القابلية للإنتاج لتقليل الحاجة للدفاع عبر تقييد القابلية للانخراط في السلب. بمجرد ما يتم حل صراع الإنتاج السلب عن طريق التجريد الدستوري، يدرك أعضاء المجتمع بأنه لو استفاد الجميع من السلع العامة المتعددة فإنّ القدرة الانتاجية للمجتمع ستزيد بالمثل. المرحلة الثانية ــ  المرحلة ما بعد الدستورية ــ تتضمن ما أسماه بوكانان “المرحلة الإنتاجية”، كل مرحلة متمايزة منطقيا ويوجد روابط بين التغيرات في كل مرحلة، وفاعلية واستقرار الحلول في المراحل التالية. التمييز بين المرحلتين شبيه بالتمييز التقليدي بين العدالة التبادلية والعدالة التوزيعية. ورغم أن تلك المرحلتين مرتبطتين في نظريات العقد الاجتماعي المعاصرة إلا أن أحد اسهامات نظرية بوكانان هو المزايا التي تنتج عن التمييز بين هذين الموضوعين المتمايزين.

 لنظرية مويلر (2017) في العقد المتعدد المستويات عدة جوانب. الجانب الأول، يبحث الأفراد عن قواعد أخلاقية واجتماعية يمكنهم الالتزام بها كأخلاقية عامة، استنادا إلى التزاماتهم الأخلاقية التعددية. موضوع هذا الاتفاق الأول مشابه لما عند داروول وجوس وساوثوود. ثم المستوى الثاني مناسب للظروف التي تصبح التعددية فيها عميقة وواسعة بحيث يتعذر الاتفاق على أخلاقية عامة. بدلا من النظر إلى الأطراف كفاعلين أخلاقيين، يتم اعتبارهم فاعلين يتمتعون بالعقلانية، حيث يكون موضوع المستوى الثاني قواعد التعاون التي تعزز مصالح الجميع عندما يتعذر الكشف عن أساس أخلاقي عميق.

5. ما الذي يظهره العقد؟

لنفترض أننا توصلنا إلى عقد اجتماعي، استنادا إلى مشكلة الشرعنة المبدئية، سيكون له مخرجات نرمز لها بالرمز ر: مبادئ، قواعد.. إلخ. فسيكون لها خصائص معيارية، نرمز لها بالرمز ن: مثل العدالة، والأخلاق، والسلطة، والالتزام، والشرعنة، والمصلحة المشتركة، وهكذا. ولكن بافتراض أن هذا العقد أنتج مبدأ أو  قاعدة إلخ مع الخصائص المعيارية المرتبطة، فماذا نستنتج تحديدًا من الحقيقة القائلة بأن ذلك المبدأ أو تلك القاعدة  نتيجة للأداة التعاقدية؟

جرى التمييز طوال الوقت بين مشكلة الشرعنة والنموذج التداولي. الآن كل ما نستطيع ادعاءه لأجل حجة تعاقدية هو أن مخرجات النموذج التداولي بمثابة مؤسس لكل من المشكلة التداولية والنتيجة القائلة بأن “ر لها ن” أو أن القواعد الاجتماعية تتمتع بخصائص معيارية. في هذه القراءة البنيوية لمخرجات النموذج التداولي لا يوجد شرعنة خارجية مستقل لكون القواعد تتمتع بخصائص معيارية. والتي كان هدف الأداة التعاقدية تقديم مقاربة لها ولكن بدلا من ذلك باتت القواعد الاجتماعية الناتجة عن الأداة التعاقدية صانع الحقيقة لاعتبار القواعد الاجتماعية لها خصائص معيارية. مال راولز إلى جانب جوتيه وبوكانان إلى هذه الرؤية لبعض الوقت. يصف راولز (1999, 104) الاتفاق الناشئ عن الموقف الأصلي بانه يستدعي “عدالة إجرائية نقية” ــ ويؤسس الموقف التداولي على أنه مهما كانت المبادئ التي أنتجها فهي العدالة وفقا لحقائق جيلهم. ولكن موقفه المعلن أن نتائج النموذج التداولي بمثابة دليل إرشادي أكثر منها مؤسس للحل الصحيح لمشكلة التبري (1999, 16).

من الممكن ان نعتبر أن النموذج التداولي بمثابة دليل على صحة الإجابة عن سؤال الشرعنة. ومع ذلك لا زال ذلك يتناقض مع “بنيوية” راولز لأن الإجابة عن سؤال الشرعنة لا زالت مكونة من امتلاك ر لـن. لذلك من الممكن القول بعدالة مبادئ راولز، لأنها ببساطة 1) تعبّر عن توازن تأملي مع الاحكام المعتبرة لي ولك، 2) لأن اختيارها في الموقف الأصلي بمثابة دليل إرشادي لذلك.

التأويل الأضعف للعقد بأن النتيجة التعاقدية ببساطة دليل إرشادي للإجابة الصحيحة لمشكلة الشرعنة، والتي هي بمثابة دليل للحقيقة القائلة أن القواعد الاجتماعية تتمتع بخصائص معيارية .من الممكن للمرء أن يكون واقعيا فيتمسك بفكرة أن القواعد لها معايير سواء كانت تلك نتيجة الأداة التعاقدية أم لا، وبشكل مستقل عن الإجابة الصحيحة لسؤال الشرعنة أو “مالذي يمكننا شرعنة لبعضنا البعض”.

لا زالت هناك فجوة منطقية بالنسبة لهذا النوع من التعاقدية، ولكن التعاقدية الدلالية التي تعتبر أن مخرجات الأداة التعاقدية دليل إرشادي لن تكون “بنيوية” في الحالة تلك، يفترض البعض على سبيل المثال أن نظرية سكانلون مؤسسة على نوع من نظرية الحقوق الطبيعية، حيث أن الحقوق سابقة للعقد (Mack 2007). حتى لو كان ذلك صحيحًا فسيظل سكانلون منظرا من منظري العقد الاجتماعي، تثبت تعددية الاطروحات الممكنة للعقد الاجتماعي تعددية الأغراض التي تتوافق مع نظريات العقد الاجتماعي .

6. خاتمة: العقد الاجتماعي والشرعنة العامة

أكّد منظرو العقد الاجتماعي مثل هوبز ولوك وروسو على أن شرعنة الدولة تظهر بأن كل شخص بشكل ما سيرضى بها استنادًا إلى عنصر القبول، يبدو أن نظرية العقد الاجتماعي تفترض مفهومًا تطوعيًا للعدالة والالتزام السياسي: ما يمكن اعتباره التزام عادل يتوقف على ما سيقبله الناس مهما كان. فقط عند كانط لا يعد القبول أساسيا بالنسبة للعقد الاجتماعي، وينبغي علينا جميعا واجب الالتزام لفكرة “العقد الأصلي”. أعاد راولز إحياء العقد الاجتماعي في كتابه نظرية العدالة ولم يؤسس الالتزام على القبول، لذا استمر الاتفاق الأصلي كطريقة لمساعدتنا لحل مشكلة الشرعنة. فعندما تحتل مشكلة الشرعنة مركز الصدارة يصبح من الواضح أن تناولها باعتبارها تداولية أو تفاوضية أمر كاشف تصبح المشكلة الحقيقية مشكلة شرعنة: أي مبادىء يمكن تشريعها لكل المواطنين أو الأشخاص العقلانيين


المراجع

    • Ackerman, Bruce, 1980.Social Justice in the Liberal State. New Haven, CT: Yale University Press (especially 66).
    • Alexander, Jason and Brian Skyrms, 1999. “Bargaining with Neighbors: Is Justice Contagious?” The Journal of Philosophy, 96(11): 588–
    • Alexander, Jason, 2007.The Structural Evolution of Morality, Cambridge: Cambridge University Press.
    • Berlin, Isaiah, 1958.Two Concepts of Liberty, Oxford: Clarendon Press.
    • Bicchieri, Cristina, 2016.Norms in the Wild, New York: Oxford University Press.
    • Binmore, Ken, 1998.Game Theory and the Social Contract Vol. 2: Just Playing, Cambridge, MA: MIT Press.
    • –––, 2005.Natural Justice, Oxford: Oxford University Press.
    • Braithwaite R.B., 1955.Theory of Games as a Tool for the Moral Philosopher, Cambridge: Cambridge University Press.
    • Brennan, Geoffrey and James Buchanan, 2000 [1985].The Reason of Rules: Constitutional Political Economy (The Collected Works of James M. Buchanan: Volume 10), Indianapolis: Liberty Fund, Inc.
    • Buchanan, James, 1965. “Marginal Notes on Reading Political Philosophy,” inThe Calculus of Consent, Ann Arbor: University of Michigan Press.
    • –––, 2000 [1975].The Limits of Liberty: Between Anarchy and Leviathan (The Collected Works of James M. Buchanan: Volume 7), Indianapolis: Liberty Fund, Inc.
    • Buchanan, James and Gordon Tullock, 1965 [1962].The Calculus of Consent, Ann Arbor: University of Michigan Press.
    • Cartwright, Nancy and Robin Le Poidevin, 1991. “Fables and Models,” Proceedings of the Aristotelian Society, Supplementary Volumes, 65: 55–
    • D’Agostino, Fred, 1996.Free Public Reason: Making It Up As We Go Along, New York: Oxford university Press.
    • –––, 2003.Incommensurability and Commensuration: The Common Denominator, Burlington, VT: Ashgate.
    • Darwall, Stephen, 2006.The Second-Person Standpoint: Morality, Respect, and Accountability, Cambridge, MA: Harvard University Press.
    • Dworkin, Ronald, 1975. “The Original Position” inReading Rawls, Norman Daniels (ed.), Oxford: Blackwell, pp. 16–
    • ––– “What is Equality? Part 2: Equality of Resources,” Philosophy & Public Affairs, 10(4): 283–345.
    • Freeman, Samuel, 2007a.Justice and the Social Contract, Oxford: Oxford University Press.
    • –––, 2007b. “The Burdens of Justification: Constructivism, Contractualism and Publicity,” Politics, Philosophy & Economics, 6 (February): 5–
    • Gaus, Gerald F., 1990.Value and Justification, Cambridge: Cambridge University Press.
    • –––, 1996.Justificatory Liberalism: An Essay on Epistemology and Political Theory, New York: Oxford University Press.
    • –––, 2008.On Philosophy, Politics, and Economics, Belmont, CA: Wadsworth-Thompson.
    • –––, 2011a.The Order of Public Reason: A Theory of Freedom and Morality in a Diverse and Bounded World, New York: Cambridge University Press.
    • –––, 2011b. “Between Diversity and Choice: The General Will in a Diverse Society,” Contemporary Readings in Law and Social Justice, 3(2): 70–
    • –––, 2016.The Tyranny of the Ideal: Justice in a Diverse Society, Princeton: Princeton university Press.
    • Gauthier, David, 1986.Morals by Agreement, Oxford: Clarendon Press.
    • –––, 1991. “Why Contractarianism?” InContractarianism and Rational Choice, Peter Vallentyne (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 15–30
    • –––, 2003. “Are We Moral Debtors?” Philosophy and Phenomenological Research, 66(1): 162–
    • –––, 2013. “Twenty-Five On,” Ethics, 123(4): 601–
    • Habermas, Jürgen, 1985.The Theory of Communicative Action (Volume 1: Reason and the Rationalization of Society), Thomas McCarthy (trans.), Boston: Beacon Press.
    • Hamilton, Alexander, 2001 [1788]. “Federalist No. 1,” inThe Federalist (Gideon Edition), George W. Carey and James McClellan (eds.), Indianapolis: Liberty Fund.
    • Hampton, Jean, 1986.Hobbes and the Social Contract Tradition, Cambridge: Cambridge University Press.
    • Hardin, Russell, 2003.Indeterminacy and Society, Princeton: Princeton University Press.
    • Harsanyi, John, 1977.Essays on Ethics, Social Behaviour and Scientific Explanation, Boston: Reidel.
    • –––, 1982. “Morality and the Theory of Rational Behavior,” inUtilitarianism and Beyond, Amartya Sen and Bernard Williams (eds.), Cambridge: Cambridge University Press, 39–
    • Harsanyi, John and Reinhard Selten, 1988.A General Theory of Equilibrium Selection in Games, Cambridge, MA: MIT Press.
    • Heath, Joseph, 2004. “Dworkin’s Auction,” Politics, Philosophy & Economics, 3(1): 313–
    • Hobbes, Thomas, 2012 [1651].Leviathan (3 volumes), Noel Malcolm, (ed.), Oxford: Oxford University Press.
    • Hoffman, Elizabeth, Kevin McCabe, and Vernon Smith, 2000. “The Impact of Exchange Context on the Activation of Equity in Ultimatum Games,” Experimental Economics, 3(1): 5–
    • Hume, David, 1985 [1741]. “Of the Independency of Parliament,” inEssays Moral, Political, and Literary, Eugene Miller (ed.), Indianapolis: Liberty Fund: 42–
    • –––, 1985 [1748]. “Of the Original Contract,” inEssays Moral, Political, and Literary, Eugene Miller (ed.), Indianapolis: Liberty Fund, 465–
    • Kalai, Ehud and Meir Smorodinsky, 1975. “Other Solutions to Nash’s Bargaining Problem,” Econometrica: Journal of the Econometric Society, 43(3): 513–
    • Kant, Immanuel, 1999 [1797].Metaphysical Elements of Justice, second edition, John Ladd (trans.), Indianapolis: Hackett.
    • Kavka, Gregory S., 1984. “The Reconciliation Project,” inMorality, Reason, and Truth: New Essays on the Foundations of Ethics, David Copp and David Zimmerman (eds.), Totawa, NJ: Rowman and Allanheld, 297–
    • –––, 1986.Hobbesian Moral and Political Theory, Princeton: Princeton University Press,
    • Klosko, George, 2000.Democratic Procedures and Liberal Consensus, Oxford: Oxford University Press.
    • Lessnoff, Michael, 1986.Social Contract, London: Macmillan.
    • Lister, Andrew, 2010. “Public Justification and the Limits of State Action,” Politics, Philosophy & Economics, 9(2): 151–
    • Locke, John, 1960 [1689].The Second Treatise of Government, in Two Treatises of Government, Peter Laslett (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 283–
    • Mack, Eric, 2007. “Scanlon as a Natural Rights Theorist,” Politics, Philosophy & Economics, 6 (February): 45–
    • Maynard Smith, John, 1982.Evolution and the Theory of Games, Cambridge: Cambridge University Press.
    • Moehler, Michael, 2010. “The (Stabilized) Nash Bargaining Solution as a Principle of Distributive Justice,” Utilitas, 22: 447–
    • –––, 2014. “The Scope of Instrumental Morality,” Philosophical Studies, 167(2): 431–
    • –––, forthcoming.Minimal Morality: A Two-Level Contractarian Theory, New York: Oxford University Press.
    • Mueller, Dennis C., 2005.Public Choice III, Cambridge: Cambridge University Press.
    • Muldoon, Ryan, 2017.Social Contract Theory for a Diverse World: Beyond Tolerance, New York: Routledge.
    • –––, forthcoming. “Exploring Tradeoffs in Accommodating Moral Diversity,” Philosophical Studies, first online 23 November 2016, doi:10.1007/s11098-016-0825-x
    • Narveson, Jan, 1988.The Libertarian Idea, Philadelphia: Temple University Press.
    • Nash, John, 1950. “The Bargaining Problem,” Econometrica: Journal of the Econometric Society, 18(2): 155–
    • Nozick, Robert, 1974.Anarchy, State, and Utopia, New York: Basic Books.
    • Reiman, Jeffrey, 1990.Justice and Modern Moral Philosophy, New Haven: Yale University Press.
    • Raiffa, Howard, 1953. “Arbitration Schemes for Generalized Two-person Games,” Annals of Mathematics Studies, 28: 361–
    • Luce, Robert D. and Howard Raiffa, 1957.Games and Decisions: Introduction and Critical Survey, New York: Wiley.
    • Rawls, John, 1999 [1958]. “Justice as Fairness,” Philosophical Review, 67(2): 164–194; reprinted inJohn Rawls, Collected Papers, Samuel Freeman (ed.), Cambridge, MA: Harvard University Press.
    • –––, 1996.Political Liberalism, New York: Columbia University Press.
    • –––, 1999.A Theory of Justice, Cambridge, MA: Belknap Press.
    • –––, 2007.Lectures on the History of Political Philosophy, Samuel Freeman (ed.), Cambridge, MA: Harvard University Press.
    • Rubinstein, Ariel, 1982. “Perfect Equilibrium in a Bargaining Model,” Econometrica: Journal of the Econometric Society, 50(1): 90–
    • –––, 2012.Economic Fables, Cambridge: Open Book Publishers.
    • Scanlon, Thomas, 1998.What We Owe to Each Other, Cambridge, MA: Harvard University Press.
    • –––, 2014.Being Realistic About Reasons, Oxford: Oxford University Press.
    • Schelling, Thomas C., 1959. “For the Abandonment of Symmetry in Game Theory,” The Review of Economics and Statistics, 41(3): 213–
    • –––, 1960.The Strategy of Conflict, Cambridge, MA: Harvard University Press.
    • Sen, Amartya, 1997. “Maximization and the Act of Choice,” Econometrica, 65(4): 745–
    • –––, 2009.The Idea of Justice, Cambridge, MA: Harvard University Press.
    • Skyrms, Brian, 1996.Evolution of the Social Contract, Cambridge: Cambridge University Press.
    • –––, 2004.The Stage Hunt and the Evolution of Social Structure, Cambridge: Cambridge University Press.
    • –––, 2014.The Evolution of the Social Contract, Second Edition, Cambridge: Cambridge University Press.
    • Smith, Vernon L., 1977. “The Principle of Unanimity and Voluntary Consent in Social Choice,” Journal of Political Economy, 85(6): 1125–
    • –––, 1982. “Microeconomic Systems as an Experimental Science,” The American Economic Review, 72(5): 923–
    • –––, 2003. “Constructivist and Ecological Rationality in Economics,” The American Economic Review, 93(3): 465–
    • Southwood, Nicholas, 2010.Contractualism and the Foundations of Morality, New York: Oxford University Press.
    • Sugden, Robert, 1986.The Economics of Rights, Cooperation and Welfare, Oxford: Blackwell.
    • –––, 1990. “Contractarianism and Norms,” Ethics, 100(4): 768–
    • –––, 1991. “Rational Choice: A Survey of Contributions from Economics and Philosophy,” The Economics Journal, 101(407): 751–
    • Thoma, Johanna, 2015. “Bargaining and the Impartiality of the Social Contract,” Philosophical Studies, 172(12): 3335–
    • Thrasher, John, 2013. “Reconciling Justice and Pleasure in Epicurean Contractarianism,” Ethical Theory and Moral Practice, 16(2): 423–
    • –––, 2014a. “Uniqueness and Symmetry in Bargaining Theories of Justice,” Philosophical Studies, 167(3): 683–
    • –––, 2014b. “Ordering Anarchy,” Rationality, Markets and Morals, 5(83): 30–
    • –––, 2015. “Adam Smith and The Social Contract,” The Adam Smith Review, 68: 195–
    • Thrasher, John and Kevin Vallier, 2015. “The Fragility of Consensus: Public Reason, Diversity and Stability,” The European Journal of Philosophy, 23(4): 933–
    • Vanderschraaf, Peter, 2005. “Game Theory, Evolution, and Justice,” Philosophy and Public Affairs, 28(4): 325–
    • –––, forthcoming.Strategic Justice, New York: Oxford University Press.
    • Weisberg, Michael, 2007a. “Who is a Modeler?” The British Journal for the Philosophy of Science, 58(2): 207–
    • –––, 2007b. “Three Kinds of Idealization,” The Journal of Philosophy, 104(12): 639-659.
    • –––, 2013.Simulation and Similarity: Using Models to Understand the World, Oxford: Oxford University Press.
  • Weisberg, Michael and Ryan Muldoon, 2009. “Epistemic Landscapes and the Division of Cognitive Labor,” Philosophy of Science, 76(2): 225–

أدوات أكاديمية

How to cite this entry.
Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).
Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مقالات ذات صلة

contractarianism | contractualism | ethics: deontological | game theory: evolutionary | justification, political: public | liberalism | original position | political obligation

Acknowledgments

In September 2008, Gerald Gaus became a co-author of this entry for the purpose of maintaining it and keeping it current. In December 2011, Gaus was joined by co-author John Thrasher. Changes introduced in these versions reflect joint modifications to the entry which had been solely authored and maintained by Fred D’Agostino. Since 2017, subsequent versions have been updated by Thrasher and Gaus.

[1] D’Agostino, Fred, Gaus, Gerald and Thrasher, John, “Contemporary Approaches to the Social Contract”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), forthcoming URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2017/entries/contractarianism-contemporary/>.

error: