العرب وشعوب الصحراء – موريس سارتر / ترجمة: عبد الله القصير

العرب وشعوب الصحراء – موريس سارتر / ترجمة: عبد الله القصير

 


هذه ترجمة لفصل: العرب وشعوب الصحراء من كتاب تاريخ كامبردج القديم. هذا الفصل يركز على تاريخ العرب في القرون الميلادية الأربعة الأولى تقريبًا، فلا يذكر الغساسنة ولا المناذرة ولا المسلمين لتأخرهم عن هذه الفترة. ;كما لا يذكر الفصل عرب جنوب الجزيرة العربية في ذلك الوقت، فهو يركز على عرب الهلال الخصيب وسوريا فقط، مع تلميحات لعرب سيناء وشرق مصر. يعطي هذا الجزء من الفصل خلفية اجتماعية وثقافية عن عامة العرب في ذلك الوقت، أما الجزء الثاني فيتكلم بنوع من التفصيل عن تاريخ العرب بتلك الفترة.


  1. الوحدة والتنوع في المجتمع العربي:

يعرف العرب في الوقت الحاضر بحسب المعيار اللساني حصريا. فطريقة معيشتهم غير مهمة، إذ يمكن للعربي أن يكون مزارعا حضريا أو راعي ماشية أو حرفي أو زعيم قافلة. أما بالنسبة للقدماء على الصعيد الآخر، فكانت لطريقة العيش أولوية على لغتهم، وبات اسم “عربي” فوق كل شيء دلالة على كل إنسان قادر على العيش الصحراء سواءً كبدوي أو ساكن للواحات. ارتبط نمط العيش هذا بنظام حيث لعبت به الجماعة والقبيلة والأسرة دورا محوريا. وبتلك الحالة، أصبحت “عربية” الاسم الذي يطلق على أي منطقه صحراوية واسم عرب على أي ساكن للصحراء بغض النظر عن أصله العرقي الفعلي. فكلمة “عرب” للقدماء تطلق على أولئك الذين نسميهم اليوم بدوا.

في نهاية القرن الثاني ميلادي كان غالب سكان الصحراء الواقعة بين جبال طوروس والبحر الأحمر في الواقع عربا بالمعنى الحديث للكلمة.  علاوة على ذلك، كادوا يكونون الساكنين الوحيدين لجنوب الفرات، بالرغم من المحتمل أن بعض الشعوب التي سكنت الواحات آراميون (في تدمر).  بينما على الصعيد الآخر كان العرب في منطقة شمال الفرات في الرها والحضر وآشور أقلية. وعلى الرغم من انتشارهم عبر المنطقة، إلا أن من الواضح كانت الثقافة الآرامية هي المهيمنة، إذ كانت اللغة كتابة وفي عدد كبير من أسمائهم ومعتقداتهم آرامية شمالية (سورية القديمة). ومع ذلك، سميت المنطقة عربستان عند الفرس وبيت عرابي عند الآراميين، وعربية عند الرومان[1]. وبالرغم من اختلافات معينة نتيجة الاستيطان الطويل على أطراف الهلال الخصيب، إلا أن المجموعات التي عاشت في الصحاري على الحدود الشرقية من الإمبراطورية الرومانية شكلت جمعا متجانسا.

لم يعش كل العرب في الصحراء. جزء من العرب – بالمعنى الاثني واللساني للمصطلح – غدوا حضرا. وأحيانا أقام هؤلاء في مدن وقرى النبطية وأدوم تخصهم، وفي أحيان آخرى حل خليط من العرب والآراميين. كانت هذه هي الحالة في المدن والقرى على حدود صحراء ما بين النهرين السورية (الرها و تدمر و حمص و مدينة الحضر) أو في سهوب الحدود السبطية مثل حوران وجنوب حلب (خلقيس:Chalcides). يجب الأخذ بعين الاعتبار تأثير هذه البيئات المختلفة عندما نمضي في وصف الجماعات العربية التي ستوجد في منطقة شرق المتوسط خلال القرنين الثالث والرابع الميلاديين.

 

تللا

العرب وشعوب الصحراء

 

يذكر سترابو أنه في القرن الأول الميلادي في منطقة شرق وشمال الفرات، في السهب الممتد جنوب المسطحات بعد طوروس وفي غرب دجلة، كان هناك عرب بدو يسمون ملايوي(Malioi)[2]، لكن يشير أن الآراميون والسريانيون والعرب اختلطوا بشكل الدوري[3].  أما بلينيوس فكان واعيا بالعرب الأوريون (Orroei) [4]وهو الاسم السرياني لما يُعرف به سكان الرها وعرب بريتاڤي (Praetavi)[5]. وبذا لا يعدم الأمر من أسباب تسمية الكتاب القدامى لهذه المنطقة بالـ “عربية”، وأن حكام مدينة الحضر صوروا نفسهم على أنهم “ملوك العرب من وقت سنطروق الأول عام 175م.

إضافة إلى ذلك، لا تخلو العناصر العربية في النقوش والعبادات في شمال ما بين النهرين. ففي مدينة الحضر نجد أسماء عربية بلا شك جنبا إلى جنب مع الآرامية واليونانية والإيرانية. أما في مدينة الرها فسلالة الأبجريين المالكة عربية. وثقت العبادات العربية في مدينة الحضر (الإله النسر) وفي الرها (التوأمين منعم وعزو).

على كل حال، كانت البنية الثقافية في الأساس آرامية، وتحديدا الآرامية الشمالية (السريانية). أسست هذه اللغة نفسها، مع حروفها المتفردة، في كل شمال سوريا وما بين النهرين وصولا إلى مدينة الحضر وآشور، خلال القرن الثاني ميلادي، مع أن أقدم النقوش باللغة السريانية تعود إلى عام 6 ميلادي. فالثقافة السريانية وصلت إلى قمة تطورها مع الفيلسوف السرياني ابن ديصان في الرها وماجاورها في العهد السيفيري[6]. لذا من السخف اعتبار الرها مدينة عربية صرفة، لأنه من الواضح أن ثقافتها تدين بالقليل للعرب الرحل في المنطقة.

من ناحية أخرى، لم يتبنى العرب اللغة والكتابة فقط، بل غالبية عبادات السكان الآراميين للمنطقة كذلك. كل النصوص الساميَة مكتوبة بالآرامية ولا واحدة منها بالعربية. كان الثالوث الأعظم في الحضر هم حدد وأترعتا (السيدة) وسيميوس (Simios) ومعروف جيدا بأن العرب زاروا باستمرار معبد للإلهة أترعتا السيريانية في منبج بأعداد كبيرة لتبجيلها[7]. كما لا يوجد شيء عربي خاص في وجود الإله شمش في مدينة الحضر (التي كانت تسمى مدينة شمش في بعض العملات)، ووجود الإله بعل شمن يذكر أكثر بالداخل السوري. وبذا فإن تركيب الحضارة في مدينة الحضر، من تطعيم إيراني ويوناني وعربي إلى قوام آرامي مزدهر يبدو الخلق المخصوص للعرب في مدينة الحضر.

إن أسماء الجماعات العربية التي جابت تلك المنطقة مجهولة لنا. إذ لا يمكن تطبيق وصف سترابو[8] لسكان الخيام العرب الذين نظموا أنفسهم إلى جماعات مستقلة وفرضوا إتاوات على المسافرين بمبلغ متواضع على القرن الثالث الميلادي. ففي الحقيقة، ومنذ الحقبة السيفيرانية، كانت كل الجماعات تحت سلطة الأبجريين في الرها أو حكام مدينة الحضر.

لا يمكن تفسير الثروة الملحوظة الرها ومدينة الحضر برعي الماشية والزراعة المحلية وحدهما. لكن الخطوط التجارية بين بابل من جهة وشمال سوريا والأناضول من جهة أخرى تبعت وادي الفرات في الجنوب أو الدرب عبر أراضي شمال طوروس؛ وكبديل وُظف الدرب الأوسط الذي يمر عبر مدينة الحضر مع تفرعات عدة مما منح وصولا إلى مدن شمالية كالرها ونصيبين[9].

إلا أن البدو وحدهم من يمكنهم توفير وسائل النقل وضمان الأمان (أو عدمه) لهذه الدروب. لم يُعثر في كل من مدينتي الحضر والرها على نقوش مفيدة عن القوافل كتلك التي تخبرنا عن التجارة في تدمر. بالرغم من هذا، يُظهر نصان على الأقل يربطان العربي (أي البدوي) مع الحضريين المقيمين الآخرين في وثائق رسمية، بأنهم كونوا جماعة في قلب المجتمع الحضري. فهل انطبق ذلك على رعاة الماشية فقط؟ إنه لمن الصعب تصور أن البدو لم يلعبوا دورا ما في تجارة المدينة، إما كقادة للقوافل أو موفرين وسائل النقل. إلا أنه من الصعب أن التطور الاستثنائي للمدينة في منتصف القرن الثاني، تمثل من أهمية الدخل من البضائع العابرة خلال المدينة.

 

تدمر:

  تحكمت تدمر في صحراء وسهوب واسعة من جنوب الفرات وبموازاة مدينة دمشق. أضحى الأراميون البدو الألفية الثانية معربين بشكل بالغ. صحيح أن الآرامية ظلت اللغة الكتابية الوحيدة، وهي الأداة التي لا غنى عنها في التجارة والمقايضة عموما، ولكن تُظهر دراسة الأسماء حضورا عربيا قويا حتى بين العناصر الحاكمة. فإلى جانب العبادات المحلية للإله بع وتابو إله  ما بين النهرين و إله السريان بعل شمش، ،  تمتعت الآلهة العربية بنجاح معتبر: كاللات و مناة و العزى(عزو)  وأرصو، وجناي (Ginnaye)  و سعد الأكبر (Gad) .

جذب ازدهار تدمر في القرنين الأول والثاني الكثير من العرب وساعدت على تأسيس جماعات معينة في المنطقة. إذ نشأت خيم ثابتة حول مصادر المياه شمال غرب تدمر. كان مربو الجمال عنصرا أساسيا في تنظيم تجارة القوافل. وفي حين وفر مربو الأغنام اللحم لاستهلاك المدينة، لا زال بعضهم يزود بالجنود الاحتياطيين في حال عوزهم. تك الحديث عن التنظيم الاجتماعي لتدمر و العمليات التجارية فيها في أقسام ثانية من الكتاب. ساعد سيادة السلم في الصحراء والحاجة النامية للمنتجات الزراعية (بالرغم من توكيد بليني) [10]على تسارع الاستيطان. ذلك صحيح في مناطق السهوب لشمال غرب تدمر كما هو صحيح في جنوب حلب خلقيسChalcides)) حيث القلاع الرومانية في قلب القرى الجديدة.

كان هناك الكثير من العرب المستقربن في مدن وقرى زراعية منذ أوقات طويلة،  فاليطوريون عندما أسسوا مستعمرات زراعية في شمال لبنان كانوا يعتبرون أنفسهم عرب. و مدينة حمص التي تأسست وازدهرت حديثا،  تعتبر مدينة عربية الطابع، مع أن أوائل مستعمريها كانوا آراميين إلا أن العائلة المالكة كانت عربية حتى وقت الإمبراطور فلا فيان. وحتى بعد عصر فلافيان،  بقي العرب كهنة للمعبد المحلي،  و بقي إله المدينة العظيم ايل جبل[11] يحتفظ باسمه وطابعه  العربي كما فعل الإله أرصو. لذلك شهرة  معبد المدينة و خصوبة تربتها ووفرة مائها،  توضح تطور المدينة في القرن الثاني ميلادي. ولكن ازدهار و انحدار حمص قديما كان مرتبط بمدينة تدمر نفسها،  فالقوافل التجارية التي تنطلق من تدمر كانت تقف في حمص على طريقها إلى الموانئ السورية. هذا الارتباط بين المدينتين تقوى بعد عام 212م،  عندما حصل سكان المدينتين على حق المواطنة الرومانية من خلال الإمبراطورة جوليا دومنا و ابنها كركالا.

غدت حمص غير مهمة بعد أن حرمت من الأمجاد التي جلبت يوما الأميرات السوريات إلى رأس الحكم الروماني، وخسرت دورها كمحطة وقوف في الطريق من تدمر إلى البحر. يقول المؤرخ ليسيانوس بأن في نهاية القرن الرابع الميلادي توقفت حمص عن أن تكون مدينة[12]، لكنها بقيت ترسل المبعوثين والتيجان للأباطرة، مدركة فقهرها ولكن خجلى من أن تسقط من رتب المدن. [13]

 

الصفتيون (ٍSafaites)

لم يملك من يقال عنهم الصفتيون[14] مركزا حضريا خاصا بهم، على خلاف العرب الذين عنينا بهم حتى الآن. هم واصلوا زياراتهم للمدن المجاورة كبصرى وقنوات وأم الجمال ولكنهم كانوا رعاة رحل وفلاحين أحيانا.  انتشروا في السهوب ما بين ديرة الطلول في الشمال وإلى وادي السرحان في الجنوب، مع أن وجدت آثار متفرقة لوجودهم في تدمر ولبنان والفرات. تمنح آلاف النقوش التي خلفوها بالعربية ومكتوبة بأبجدية عربية جنوبية كان بالإمكان معرفة تاريخ وجودهم في المنطقة بشكل الدقيق بفضل تركهم بعض المؤشرات التاريخية الأكيدة عن تاريخ وجودهم في المنطقة. توثقت الأوهام بملك نبطي وبعضها ووجود روماني بحتمية أنهم كانوا هناك في القرنين الاول والثاني الميلادي. ومن الممكن أن تشير بعض النقوش إلى الحروب الرومانية الفارسية في القرن الثالث.

وبذا ظلوا مستوطنين جزءا من صحراء ما بين النهرين والجنوب السوري في القرنين الثالث والرابع، سواء انصهروا أو نسبوا لقبائل أخرى أم لا. أصبح البعض في حوران فقد حضريين وتبنوا الثقافة الهيلانية. وبالفعل، توجد في المنطقة الشرقية من حوران كمية كبيرة من الأسماء العربية، تنمي عموما لمن يسمون الصفتيون. كما ن العديد من أسماء القبائل والمواقع صفتية أيضا. وبذلك  يمكن استنتاج بأن جماعات معينة ثبتت نفسها في المدن والقرى، وبدأوا هناك باستخدام اليونانية (المكتوبة).

واصل الاقتصاد الصفتي على الاعتماد على الرعي والتنقل في الصحراء. إذ شكل رعي الأغنام والماعز والتخصص في تربية الجمال والخيول بشكل رئيسي مصدر دخلهم الأساسي. حصلت إغارات، إلا أنه لا يجب تضخيمها. فالعرب صفتيون بعيدون عن الطرق التجارية كبيرة والرومان متيقظون. لذلك كانت غاراتهم غالبا ضد جماعات صفتية أخرى بغرض نهب الماشية. ولذا يجب أن يُنظر إلى كثرة ابتهالاتهم للآلهة (خصوصا اللات وأرصو) من أجل أن يحصل عبادهم على “غنائم”، على أنه ابتهالات للغنى على العموم (حتى ولو كان عبر زيادة الماشية فحسب) بدلا من أمل في الغنيمة حصرا.

كان المجتمع الصفتي يتمحور حول العائلة، التي استعادت الرعية أثرها القديم عبر الأنساب الممتدة [15]. فاكتشاف علامة تركها السلف او رؤية قبره أشعل النقوش لتخليد ذكراه. يظهر غياب أي سلطة أعلى في تشرذمهم إلى عدد كبير من العشائر. جماعات قليلة فقط كعويض ظهرت بشكل أقوى، لعله كان بسبب أنهم حظوا بامتياز التحالف مع الرومان. ولكن يمكن قلب هذه الفرضية؛ أيمكن ان تكون قوتهم سبب في اختيار الرومان لهم حلفاء؟

 

الأنباط:

من حوران وحتى واحة الجوف، وفي الحجر وسيناء، كان الأنباط ولمدة طويلة أكثر الجماعات العربية قوية وتماسكا[16]. اختفاء مملكة النبط عام 106 م. جلب تراجع تجارة القوافل العابرة للبتراء تغيرات مهمة للمجتمع النبطي، لكنه من الصعب الحديث عنها خلال هذه الفترة الزمنية. لم يكن الأنباط وحدهم سكان المملكة السابقة التي غدت “المنطقة العربية” “. ففي حين شكل العنصر العربي غالبية السكان أو كانوا سكانه الوحيدون فعليا –  الذي هيمن الأنباط على غالبه – في سيناء والحجاز والبتراء، إلا أنهم اختلطوا في الأماكن الأخرى بالسكان الحضريين سواء الآراميين أو الذين غدوا كذلك.  أما في حوران، شكل الأنباط دائما أقلية، إذ حكموا المنطقة سياسيا لكن لم يستوطنوها بأعداد كبيرة[17].

للأنباط شخصية عربية شديدة الوضوح، فبالرغم من أنهم كتبوا بالآرامية في مخطوطات مشتقة من آرامية الإمبراطورية، إلا أنهم واصلوا الكلام بالعربية، والذي يشرح بلا شك كيف تحولت كتابتهم إلى العربية مع مضي الوقت[18] وصولا إلى المرحلة الأخيرة من مخطوطة نمارا –  نص عربي في مخطوطة نبطية. كما أن الأسماء في الجنوب عربية حصرا، وكذلك سكان الشمال مستعربون بشكل كثيف كما في المدن كبصرى وعمان والقرى كذلك[19]. علاوة على أن العبادات القديمة ظلت محل تقدير في كل المنطقة، حتى مع وجود نزعات هيلينة (تزامنت مع انحسار الكتابة الآرامية)، بتسمية ذو الشرى بزيوس واللات بأثينا[20].

وبين القرنين الثاني والرابع، تقدم تحضر الجماعات البدوية في المنطقة العربية. شمل إنشاء قرى جنوب حوران (منطقة بصرى والمنطقة حول أم الجمال)[21]، ترسخ السكان حول القلاع الرومانية جزئيا ولكن فوق كل شيء حول المراكز الحضارية النائية. فأقدم النقوش العربية في مدينة أم الجمال، ذات الطابع العربي الطاغي، تعود إلى فترة حكم كل من ماركوس أوريليوس[22] وسيفيوس[23]، هذا لا يمنع وجود مستعمرة محلية سابقة لفترة هذه النقوش[24]. والحال كذلك لعدد كبير من نقوش الأضرحة العربية، التي وجدت على طول سهل بصرى وهضبة اللجاة القاحلة، التي ترجع إلى القرنين الثالث والرابع ميلاديين. أما في قرى جبل العرب، فالعشائر العربية حافظت على تنظيمها الداخلي عند استقرارها بجانب السكان المحليين. ومع أن الدراسات الحديثة لا تعطي تواريخ محددة للتوسع الفريد للقرى في المنطقة إلا أن فترة السلام التي تبعت الاحتلال الروماني تكفي كسبب لهذا التطور. لذلك يمكن الجزم ان قرى حوران العربية أو المعربة، كانت في القرن الثالث ميلادي متطورة وذات مؤسسات مستقلة[25].

لم تكن موجات التحضر في منطقة حوران وحدها، بل في كل سهوب المنطقة العربية من حوران إلى صحراء النقب. فالقرى في شرق الأردن هي الأخرى مرت بمرحلة توسع في القرن الثالث على أقل تقدير. والكثير من المواقع المهجورة في هضاب أدوم ومواب استوطنت في هذه الفترة. ففي صحراء النقب، نجت المدن التي أسست في القرن الماضي من مملكة الأنباط: عبدة، وممشيت، ونيسانا من حركة التجارة التجارة بين البتراء وغزة، وبعثن من جديد في القرن الرابع. ومن خلال دراسة الأسماء، فإن العنصر العربي مهيمن بالكامل عبر المنطقة كلها. بدأ ملاحظة هذه الظاهرة حتى شمال الحجاز، خاصة في الضفة الشرقية من خليج العقبة[26].

إن الحكم السياسي للأنباط لم ينهي استقلال جماعات عربية أخرى كالذين يسمون الثموديين مثلا، فنقوشهم تعلن عن نفسها في كل شمال الحجاز من الجوف، إلى الحجر، إلى وادي رم شمالا. مع أنه لا يمكن تحديد تاريخ النقوش بدقة إلا أنه يمكن ارجاعها الى القرون الخمسة الأولى ميلاديا.[27]

يملك العرب في منطقة بين جبال طوروس وشبه جزيرة سيناء نفس الخصائص. مع أنه من المتوقع تأكيد الدور الذي لعبوه في التجارة النائية (كما عند تدمر والأنباط) إلا أن هذا الدور كان محصورا على بضع قبائل عربية فقط.

بقي رعي الماشية أكثر النشاطات التي تميز تلك المجتمعات العربية. إذ جعلت تربية الأغنام الممارسة في المنطقة شبه القاحلة القريبة من الهلال الخصيب من الهجرات الطويلة شبه مستحيلة. لذا يظهر أن العلاقة بين الفلاحين ورعاة الماشية أحد دعامات المجتمعات العربية كانت أساسية، ومن الخطأ التركيز على تعاكسهما الذي غالبا ما يكون نادرا[28]. إلا أن هذه العلاقة بقيت غالب الوقت ضعيفة. فقبيلة الحرا ” Harra” الصفتية سكنت جل وقتها بالصحراء كقبيلة بدوية حقة،  بدلا من الانتجاع.

أما عن تربية الجمال، فقد لعب العرب دورا في التجارة الخارجية في الشرق القريب، إلا لأنه وفي القرن الثالث لم يكن للبتراء وتدمر دورا حاسما في هذا المجال. ولكن يمكن الافتراض أن أصحاب الجمال العرب في منطقة شمال مابين النهرين ضمنوا ازدهار مدينة الحضر قبل تدميرها، وواصلوا قيادة القوافل لمدن نصيبين والرها و بطنة (Batnae).

وصلت تجارة القوافل في مدينة تدمر قمتها في حقبة هدريان وأنطونيوس بيوس، إلا أن النصوص عنها اصبحت نادرة بعد عام 161م. إلا أن النصوص التي تتحدث عن القوافل لم تختفي بالكامل؛ إذ هي لا تزال موجودة في أبريل 193 ويناير 199 وثم في أبريل 247 و257/8 وفي أبريل 266 عدا واحدة غير مؤرخة بدقة لكنها تنمي إلى 212-214.  تكفي هذه الأدلة لإثبات أن التدمريين اعتادوا زيارة فولوجاسياس[29] والمراكز التجارية في ما بين النهرين بالرغم من الصعوبات (فالنصوص تشير بدقة إلى غارات البدو[30] و انعدام الأمن[31]).

بيد أن العرب نجحوا في الحصول على أعمال في أماكن أخرى، ففي صحراء شرق النيل تشهد نقوش نبطية[32] عديدة على عبور القوافل التجارية: من الجلي أن الأنباط تبعوا انتقال دروب القوافل. بينما اتخذ آخرون إنشاء المناجم في سيناء (كما تشير نقوش القرن الثالث في وادي مكتوب ووداي حجاج) الذي كان نشطا في وادي عربة ومستعمرة فيناي(Phinai) في القرن الثالث وبداية الرابع.[33]

يغيب عن هذه الدراسة قبائل الجزيرة العربية، التي ظلت طريقتها في العيش مجهولة، مع أنه من المتوقع أنهم كانوا يعتمدون على تربية المواشي كما بقية العرب. من الواجب التشديد على أن الخاصية العربية لسكان الصحراء هؤلاء جلية بالتأكيد في كل مكان، حتى عند استعارتهم للغة، أو الأبجدية، أو المعتقدات، من جيرانهم الآراميين. قلت أهمية هذه الاستعارات من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق، وهي لا تذكر أو معدومة ضمن العرب الذين بقوا بعيدا من المدن المركزية كالذين يسمون الثموديين والصفتيين. علاوة على ذلك، كانت الآرامية في الواقع تتراجع بدلا من أن تتقدم، وتصاعد التعريب بين السكان غير العرب (في حوران) وبين العرب أنفسهم كما في حالة الأنباط، الذين غدت لغتهم الخطية معربة. أهم تطور حصل هو انعتاق العرب من هيمنة الحضارات المجاورة ووضعهم بصمتهم الفارقة على شعب الهلال الخصيب. كان ذلك ممكنا فقط بسبب اتصالهم بالصحاري النائية والجزيرة العربية (والقبائل القاطنة فيهما) لم تنقطع. يعود ذلك لحركات الترحال الضرورية أو التبادل التجاري الذي أبقى كل سكان الهلال الخصيب والصحراء في تواصل دائم، بالرغم من عدم الاندماج الظاهر للمنظومة السياسية. لن يمكن فهم التحولات السياسية الملحوظة في القرن الثالث ميلادي في غياب هذه الخلفية الاجتماعية والثقافية.

صعود وانهيار الدول التابعة (Client States):

 بعث التحكم في أعراب البادية في صحراء ما بين النهرين وشمال الجزيرة العربية بمشكلتين: الأولى هي كيفية مراقبة تحركاتهم وإبقاء النظام بينهم. والثانية هي كيفية التأكد من أن القوة المكتسبة لقبائل معينة ليست موجهة ضد الإمبراطورية الرومانية ولا تنقلب لمصلحة أعدائهم. غدت هذه المسألة حيوية عقب انتهاء حقبة الأشكانيين الفرس وبدء مملكة الساسانيين المبادرين.

 أما في شمال الفرات، عملت إمارتا الرها والحضر على المحافظة على الصحراء المحيطة بهما. ولأنهما كانتا تدوران في فلك الإمبراطورية الباراثية، فقد تحالفتا مع الرومان في الحقبة السيفيرانية. وفي منتصف القرن الثالث، جلب الساسانيون نهاية هاتين الإمارتين بعد أن أعادوا احتلالهما.

في جنوب الفرات، تطورت إمارة تدمر من منتصف القرن الثالث لتعمل كشرطي ووصي للجبهة الشرقية للإمبراطورية الرومانية وحدها، ولكن بعد ثورة الملكة زنوبيا على الرومان، و تدميرهم للمدينة أصبح للأعراب مطلق الحرية هناك، مما فرض على الرومان إنشاء نظم أخرى من العلاقات مع عرب الصحراء.

 

1.الرها والمنطقة الاسرونية:

 تعتبر إمارة الرها العربية من أقدم الممالك في أقاصي الفرات، إذ تأسست عندما احتلت سلالة عربية مدينة أديسا الإغريقية (أوراهي في السامية) والمنطقة المحيطة بها. ومنذ حصار أفيديوس كاسيوس للمدينة في 165، أصبحت حليفة للرومان وأصبح حاكم الرها الأبجري “معنو الثامن” يحمل لقب “فيلورومانوس”. لم تحكم هذه السلالة المدينة والقرى المجاورة لها فحسب بل أيضا جميع الأعراب المحيطين بها[34].

وضع التنازع على السلطة الرومانية بين سيفيروس ونيجر إماراتي الرها والحضر في موقع صعب. ولكن الرها والحضر اختارتا الخيار الأكثر حكمة في وقتهما وذلك بالتحالف مع الرجل الأقرب إليهما وهو حاكم سوريا نيجر. لذلك بعد هزيمته من قبل سيفبروس، التفت سيفيروس إلى كل من تحالف مع عدوه أو حاول الاستفادة من هذه المشاكل ليشرع بالتقارب مع الباراثيين.

 كانت الرها هدف سيفيروس الأول، حوصرت المدينة واحتلت من قبل القوات الرومانية في عام 195م[35].  إلا أن سيفيروس لم يقمع مملكة التابعة كلية، إذ أسس مقاطعة أوسرين وأوكلها لوالي بالإضافة إلى حران وبطنة، بينما ترك أبجر يحكم مملكته. وبعد حملة سيفيروس على منطقة ما بين النهرين بين عامي 197 و198م، بقي أبجر يحتفظ بموقعه كأمير تابع، وأنعم عليه سيفيروس بلقب “ملك الملوك” واستقبله استقبالا حافلا في روما.

خلف أبجر سيفيروس التاسع أباه أبجر الثامن العظيم في عام 212م، ولكن في حوالي 213م جرد الإمبراطور كراكلا أبجر التاسع من كل وظائفه بذريعة سوء معاملته مواطنيه. وبعدها رفع إمارة الرها إلى مرتبة مستعمرة رومانية (يناير 214م) ليعد هذا نهاية إمارة الرها العربية. ومع أن المؤرخ دينوسيوس تلمحري يذكر معنو التاسع بن أبجر الذي حكم من عام 214 الى 240م، كما تشهد عملات معدنية على وجود أبجر العاشر فرهاد في ما بين 240 الى 242م[36]. تشهد مخطوطات جديدة وبردى من منتصف الفرات بأن معنو كان مجرد وريث للعرش و ليس ملك. ولكن ابنه ل. سيبتيموس أبجر العاشر أصبح ملك من عام 239 وحتى ربيع 243م. كان أبجر العاشر مخلصا لجارديان الثالث والتجأ إلى روما بعد أن فرض سابور الأول الساساني السلام على الإمبراطور فيلب العربي[37]. وبعد استعادة الساسانيين المؤقتة وإعادة استعادة جادريان الثالث لمدينة الرها منهم عام 243م، رجعت الرها لموقعها السابق كمستعمرة رومانية وتحت حكم مواطن روماني، لتبقى بعدها مدينة الرها عصية على العرب ولمدة طويلة.

 

2.مدينة الحضر وبلاد ما بين النهرين العربية[38]:

بالتأكيد يشكل تكون إمارة عربية في أعالي ما بين النهرين حول مدينة الحضر أحد أهم الأحداث في هذه المنطقة في القرن الثاني ميلادي. وصلت إمارة الحضر إلى قمة تطورها في النصف الأول من القرن الثالث قبل أن يدمرها الفرس بين عامي 240 و241م.

مقاومة مدينة الحضر لهجوم سيفيروس:

مع بداية تمرد حاكم سوريا نيجر، دعمه ملك الحضر برسميا بفرقة من الرماة. لهذا حاصر سيفيروس المدينة عام 198م. سابقا، كان يعتقد أن بارسميا  [H.79, 223, 277]و أب لعبدسميا (أبو سنطروق الثاني) [H.195] ولكن الاكتشافات الحديثة تبين أم عبدسميا كان هو ملك الحضر في عامي 192 و 193م ، لنستنتج أن  بارسميا هو عبد سميا نفسه.

 ليس من الواضح وجود أي علاقة نسب بين أول ملك للحضر، سنطروق الأول (175-177م) ، وعبدسميا. لكن تسمية عبدسميا ابنه باسم سنطروق، يدل على وجود قرابة من نوعا ما. فعدم ذكر عبدسميا لاسم أبيه يوحي بشيء من الاضطراب في تسلسل الحكم. و أبناء سنطروق الأول نيحر وسنحريب وحفيده، لم يكونوا يحملون أي ألقاب ملكية. لذلك، إذا كان هناك أي تغير في السلالة الحاكمة فقد صار بلا عنف. فالملوك السابقون بقوا موضع احترام. والأمر الآخر، أن هذا التغير بالسلالة الحاكمة حصل بدون تدخل الرومان، لأنه سبق وصولهم.

 مع أن ملك الحضر قدم لنيجر مساعدة واضحة، فيما ارتبط الآخرون بوعود مبهمة، إلا أن سيفيروس لم يعتبر مدينة الحضر هدفه الأساسي. إذ أن المصدران اللذان نملك يعطياننا معلومات متضاربة: فوفقا لهاروديان[39]، حاصر سيفيروس مدينة الحضر بعد استسلام ملك أرمينيا، وقبل مسيره إلى عاصمة الفرس طيسفون. بينما كاسيوس ديو، يضع حصار الحضر الأول بعد احتلال طيسفون[40]، التي سقطت عام 198م. كما في تقويم فيريالي دورانوم [i.14–16] ; ويضع الحصار الثاني في وقت ما قبل وصول سيفيروس لمصر في مطلع عام 199م[41]. من الصعب التوفيق بين هذين المصدرين، لكنهما يتفقان على أن الحصار أو الحصارات لم تنجح.

بالرغم من هذا الفشل، اعتبر سيفيروس الحصار أحد نجاحات نظامه، إذ يعرض قوس سيفيروس بروما فخره بحصار الحضر[42]. كان لفشل الحصار الذي وصفه هاروديان وكاسيوس ديو نتيجة سياسية ودبلوماسية إيجابية مرا خلالها صامتين، ألا وهي رجوع مدينة الحضر في حلف مع روما.

 

الحلف مع الرومان وتدمير مدينه الحضر:

تشهد ثلاثة نقوش لاتينية في مدينة الحضر على وجود الرومان في المدينة في عام 235م على وقت حكم جورديان الثالث. أشار الكاتب أوريل شتاين إلى العدد الكبير من القلاع الرومانية في شرق مدينة الحضر والمواجهة للعدو الفارسي. كما يميل معلم طريق (Milestone) لسيفيروس ألكساندر بتاريخ 231م، ويبتعد 5كلم عن مدينة سنجار، إلى تأريخ التعزيزات الحدودية في تلك ‏الحقبة. فحول هذا الوقت، أو في وقت حصار 198م “إلا إذا أخرنا حملت كاراكالا إلى عام 217م” دخلت مدينة الحضر تحت حكم الإمبراطورية مع الاحتفاظ باستقلالها الداخلي، كما هو الحال في الرها. ففي نصب للملك سنطروق الثاني، نجد رداء الصدر مزين ‏بهيركوليس حامي العائلة الإمبراطورية الرومانية وبجانبه الإله الشاب برمرين (Brmryn) إله العائلة المالكة في الحضر[43].

تزامن وجود الرومان في مدينة الحضر مع فترة حكم سنطروق الثاني آخر ملوك الحضر، فيما بين العامين 230 و237م. ولكن قد يكون حكم قبل ذلك. حمل ابنه وولي عهده اسم جده. أما ابنه الثاني معن (M’n’)، فيبدو ‏أنه حكم المنطقة إلى الجنوب الشرقي من مدينة الرها في عام 235م. وبذا مد ملوك الحضر حكمهم إلى هذه المنطقة والتي كانت في القرنين الثاني والثالث تحت حكم عائلة محلية يقال لها “سليت” تابعة للأبجريين، والتي بعد اختفائهم انتقلت إلى يد ملوك الحضر.

من الصعب تقرير حجم امتداد حكم سنطروق الثاني. ولكن ينقل الثعالبي (1035) عن الكاتب العربي عدي بن زيد مشيرا إلى قوة سيطرة ملوك الحضر فيقول: “أين ملك الحضر الذي بنى الحصن وجمع الجزية ما بين الخابور ودجلة؟” هل هذا يعني أنه ‏كان الحاكم الوحيد لهذه المنطقة؟ والمعروف كذلك؟ هذا مشكوك فيه. كما يظهر وجود ابن سنطروق كحاكم للرها بأن قوة ملك الحضر كانت قادرة على الوصول للغرب. في الواقع، علينا ألا نضع حدود إدارية، فسنطروق الثاني وابنه حكما الحضر والقبائل ‏العربية الرحل في هذه المنطقة، والرومان من جانبهم أدراوا الجماعات السكانية المستقرة في الشمال (نصيبين وحران) وفي الجنوب يوروبس، كما كانوا يحكمون الطرق وبعض المواقع العسكرية (كسنجار ورسينا).

هذا لا يعني التقليل من سلطات سنطروق الثاني: فمع حلفه مع الرومان وجد نفسه حاكما على كل عرب ما بين النهرين. وتعززت هيبته وسيطرته بين كل العرب، إذ جعلت منه الأساطير العربية باني مدينة الحضر. إذ هو آخر وأقوى ملوك الحضر ومعادلا ‏لسنطروق الأول الذي كان أول من حمل لقبا ملكيا ومنح لقب الساطرون “البطل الأسطوري”.

‏جلب هذا الحلف مع الرومان الخراب للمدينة. فبعد عام 227م، عانت المدينة من الهجوم الفارسي الأول (لتثبت أنها من هذا الوقت وهي حليفة للرومان).  وفي الحملة الثانية بين عامي 240 و241م احتلت المدينة. هُجرت المدينة عقب ذلك، إذ لم ينجو أي نقش فلا بعد عام 240م. وعندما زار أمانيوس مارسيليوس المنطقة في عام 364م لم يجد سوى خرابات مهجورة.

‏سقوط الحضر وقبلها مدن نصيبين وحران في عام 238م، مؤشر للمرحلة الحيوية التي اكتسب الفرس فيها التحكم في منطقة ما بين النهرين العربية. إذ اختفى أحد حراس الصحراء، ليسهل بعدها تحرك القبائل العربية التي بدأت بالظهور، والتي جلبت معها تنظيمها المختلف لصحراء ما بين النهرين.

 

  1. تدمر:

بخلاف الرها ومدينة الحضر، كانت تدمر جزء من الإمبراطورية الرومانية من بداية القرن الأول. فالمدينة حاضرة ولاية سوريا الرومانية وتتمتع بازدهار اقتصادي في القرن الثاني ميلادي، ليتبعه ازدهار حضاري ‏وعمراني.

خلال حكم السلالة السيفيرانية، حصل للمدينة تغير حاسم. فالأزمة المالية التي مرت بها الإمبراطورية قللت من الطلب على السلع الفخمة التي كانت عماد تجارتها، ولكن لم تختف كل تجارة المسافات الطويلة في هذا الوقت، قبل أن تأتي الحرب مرة أخرى. ‏ففي الأول كانت الحرب الأهلية بين نيجر وسيفيروس، ثم بعدها بين سيفيروس والباراثيين وحلفائهم[44]. عاد ظهور علامات عدم الأمان في كل مكان من منطقة ما بين النهرين. الطرق لم تعد تحرس بسبب ضعف الإمبراطوريات، وشنت حملة سبفيروس على الحضر والرها، ثم حملات كاراكالا ‏ومرسينوس، ليتبعها الباراثيون بهجوم مضاد، جاء كل هذا ليراكم المشاكل على تدمر. أما الأمر الآخر فهو وقوع تكاليف هذه الحملات على نبلاء مدن الشرق أساسا، والذين كانوا الزبائن الطبيعيين للمنتجات القادمة عبر تدمر.

كما زاد الطين بلة، اختفاء الأشكانيون الفرس وظهور الساسانيون. كانت التكهنات مفتوحة عما إذا كان الساسانيون يريدون من البداية استرجاع الإمبراطورية الأخمينية كما يقول هيروديان[45]. إذ ظهر الهجوم الفارسي على الرومان كأنه غير قابل للصد، وكان يرى كبداية لتاريخ طويل من الصدام. ليأتي بعدها أردشير ‏ويحتل منطقة ميسان على رأس الخليج العربي في عام 226م، الأمر الذي أثر على تجارة التدمريين. إذ اعتاد التجار التدمريون على زيارة ميناء سباسينوس خاراكس (ٍSpasinou Charax) في الخليج العربي، إلا أن ذكره اندثر في باقي القرن الثالث.

 

‏من مدينة الى إمارة:

 حصل في هذا المناخ غير الملائم تغير سياسي في المدينة. ولأنها ولمدة طويلة منحت مؤسسات إدارية إغريقية في الشرق، فقد منحها الإمبراطور كاركالا لقب مستعمرة وأن تعامل كمدينة إيطالية بين عامي 213 و216م.[46] بقت ‏جزء من الإمبراطورية الرومانية (هذه الحقوق المدنية بقيت لمدينة تدمر حتى وقت تدميرها). ولكن قبل منتصف القرن الثالث ظهرت أحد العائلات التدمرية لتأخذ المدينة بخطوات صعود سريعة لتصبح مملكة عربية وليس دولة مدينية فقط.

جعل نقش وجد في تدمر حديثا من إعادة النظر بأصول العائلة المالكة التدمرية أمرا مهما. سابقا، كان يعتبر أوذينة الأول المؤسس للعائلة[47] وباني مقبرتها، وكان ابنه حيران رئيس مجلس الشيوخ في تدمر في عام 251 م. وفي عامي257 و258م، ظهر أوذينة الثاني (ابن أو أخ حيران، لم يذكر صلة القرابة معه) كحاكم روماني لتدمر (consularis). ولكن النقش الجديد يبين أن أوذينة الثاني كان رئيس مجلس الشيوخ في تدمر منذ عام 252 ميلادي. لذلك فنسب أوذينة بن حيران بن وهب اللات بن نصور، هو لأوذينة ‏الثاني لا الأول كما كان يعتقد. من المؤكد الآن أن أوذينة أبو رئيس مجلس الشيوخ حيران هو نفسه الملك وأن حيران (أو هيروديان أو هيرود) هو أكبر أبناءه، وكان مشاركا لأبيه برئاسة مجلس الشيوخ ومن ثم كملك الملوك. يسهل هذا الحل يسهل ‏فهم جميع المخطوطات الموجودة بين أيدينا.

‏فإذا اعتبرنا أن أوذينة ولد في عام 220م، فمن المعتقد أنه كان ينتمي لعائلة حصلت على المواطنة الرومانية منذ زمن أبيه أو جده، أي منذ زمن الإمبراطور سيفيروس. لا يظهر لنا أن هذا الامتياز أعطي للعائلة بسبب وجود سلطة لها هناك ‏ولكن يبين أنها كانت متميزة فقط.

‏لا تستطيع الوثائق الموجودة أن تبني لنا تاريخ أمراء تدمر إلا بعد عام 251 ميلادي، وحتى هذه الوثائق تحتوي على فراغات جوهرية. في عام 251 ميلادي حصل أوذينة وابنه حيران على لقب “رأس تدمر”، ‏ولكن لا يعرف نوع الحدث الذي أعطى الابن والأب هذه الترقية. فلو كانت الترقية حصلت عام 251م، فقد تكون خطوة من أوذينة للاستقلال في وقت المشاكل التي أعقبت وفاة الإمبراطور ديوسيس في عام 251م.على كل هذا اللقب لم يعمر طويلا، وسيختفي من أي وثائق لاحقة.

‏في مخطوطات ترجع للعامين 257م و258، نرى أن أوذينة حصل على لقب الحاكم الزاهر[48] (ho lamprotatos hypatikos)  بينما ابنه أصبح حيران الزاهر (ho lamprotatos) فقط. بخلاف لقب رأس تدمر، والذي يحتمل أن أوذينة هو من أعطى نفسه هذا اللقب، فإن لقب الحاكم، والذي حمله الأب فقط، لا يمكن أن يعطى إلا من الإمبراطور[49]. لكن هذا اللقب لا يعني أنه حكم ‏سوريا- فينيقيا[50].

‏عرض أوذينة، في أحد الأوقات وللحفاظ على مصالح مدينته، على الملك الساساني سابور التحالف معه[51]. مع أنه لا يعرف متى حصل هذا العرض، ولكن من المحتمل أن حصل حين احتل الفرس مدينة دورا يوروبس، الأساسية في تجارة التدمريين. ولكن بعد تجدد الحرب بين الرومان والفرس في عام 259 قاتل أوذينة الفرس في بابل. بعد أسرهم للإمبراطوري فاليريان ‏في الرها (في عام 259 أو 260) هاجم أوذينة القوات الفارسية وهزمها وهي في طريقها إلى فارس. لقد ثبت أن أوذينة أتخذ لنفسه لقب ملك الملوك في هذا الوقت. وفي السنة التالية، قام بهزيمة الثائرين كويتوس (Quietus) وبالستا (Ballista) في حمص.

‏بعد دفاع أوذينة عن سوريا بوجه الهجوم الفارسي، وبعد هزيمته للثوار المضرين بالاستقرار وازدهار المنطقة، ظهر بمظهر المدافع عن مصالح الإمبراطورية الرومانية ولكن العلاقة بينه وبين الإمبراطور جاليانوس لم تكن مباشرة.

‏فمن جهة، كان جاليانوس مشغولا بإيطاليا والدانوب، ولم يستطيع التدخل في الشرق في عام 260م، لذلك أخذ أوذينة دور المساعد الضروري، وتعامل معه جاليانوس على هذا الأساس. وبعد نصر التدمربين، أصبح جاليانوس بيرسكس ماكسيموس (Persicus Maximus). ولذا من الممكن أنه أقر لقب ملك الملوك على أوذينة، ولكون أوذينة غير روماني فاللقب لا يوحي بأي إهانة للإمبراطور. ‏وبعد انتصارات أوذينة على الفرس قرب مدينة طيسفون عام 262م وثم عام 267م، قام الإمبراطور جاليانوس بإعطائه لقب “مصلح الشرق كله”. ويظهر هذا اللقب ككناية عن انتصارات أوذينة وليس لقب لقائد ذو سلطة محددة.  لم يكن الإمبراطور ليسمح بمشاركته سلطته[52]، وبالتأكيد أن أوذينة لم يحمل لقب أغسطس (‏لقب أباطرة الرومان) [53]الذي كان يتلقب به جاليانوس، على الأقل بعد هزيمة كلا من كويتوس وباليستا[54].

‏من جهة أخرى، عمل أوذينة كأمير مستقل فهو لم يندم على ارساله السفراء لسابور، في الوقت الذي كان فيه هذا الأخير في حرب مع الرومان، ليحافظ على مصالح التدمريين. وتحدى كذلك سابور عندما أعطي نفسه وابنه لقب “ملك الملوك”. زيادة على ذلك أصبح يتصرف ‏كإمبراطور، إذ سمح لقادته وحاكم مدينته بأن يتخذوا ألقاب القادة الرومان، ليكون بلاط ملكي خاص به. بالتأكيد لم يكن جاليانوس غافلا عن هذه التلميحات. فاغتيال أوذينة وحيران بين عامي 268 و267 ‏قد حصل بمساعدة المسؤول الروماني روفينوس والذي من الممكن أنه أخذ الأذن من جاليانوس نفسه[55]. وبعد الاغتيال بقليل هجم التدمريين على بعثة حربية رومانية ضد الفرس، مع معرفتهم الواضحة بمقصد الفيلق الروماني. فتح موت أوذينة باب الفرص للحصول على هذه الولاية المهمة والاستفادة من فراغ السلطة الذي خلفه موته وابنه، ‏خصوصا أن ابنه الأصغر كان ذو 10 سنوات.

 

‏التدمربون في الشرق[56]:

‏لم يؤثر صعود زنوبيا وابنها وهب اللات على العلاقات بين الرومان والتدمريين قبل مرحلة مرحلة انحدار. إذ بقي من الالتباس بعلى هذه العلاقة: اقتنى وهب اللات مبدئيا الألقاب التي ورثها من أبيه فقط، ووضعت له علامات بالطرق بلا لقب الإمبراطور. ولكن بعده وفاة الإمبراطور ‏كلاوديوس الثاني في عام 270م، رفض وهب اللات الاعتراف بكوينتيليوس واتخذ لقب إمبراطور ولكن لم يتخذ لقب أغسطس بعد، إذ نجد في النقود المسكوكة اسمه مع صورة أوريليان. ولكن ما أرادت زنوبيا أن تظهره بمظهر التصالح رآه أورليان ثورة على حكمه. فقد جعل احتلال التدمريون سوريا في عام 270م والمنطقة العربية ‏ومصر وجزء من الأناضول في عام م271 من أمراء تدمر أندادا لأوريليان. وفي عام 271م اتخذ وهب اللات لقب أغسطس وأمه زنوبيا لقب أغسطسه.

‏لم يكن وهب اللات أول من لبس الأرجوان (لبس أباطرة الروم) من العرب. فهناك الإمبراطور فيليب العربي من مدينة الشهبا في حوران، والمغامر أورانوس أنتونيوس[57]، الذي يشكل السلف لأمراء تدمر ولكن بشكل مصغر. وأرانوس من سكان مدينة حمص، ويعتقد أنه ينتمي للعائلة المالكة القديمة في حمص، كما يعتقد بأنه كان كاهنا لإلهة العزى ‏في المدينة. في عام 253م، انتصر أورانوس على سابور ليتخذ له بعدها لقب أغسطس. ومع الارتباك الذي حصل للجنود الرومان لكثرة المدعين للعرش الإمبراطوري، أعتقد أورانوس أن اتخاذ لقب أغسطس أفضل حل له لتحريك الجيوش الرومانية ضد هجوم الفرس. وليمنح أفعاله الشرعية المطلوبة. ‏ ‏مع أن نتيجة هذه المغامرة غير معروفة، ما عدا اختفاء أورانوس نفسه، إلا أنه من المعتقد أن وهب اللات قد عمل نفس الخطوات التي عملها أورانوس لنفس الأسباب. أصبح وهب اللات بحكم الواقع على رأس الجيش الإمبراطوري، ليتخذ لقب أغسطس بعد وفاة كوينتوليوس بلا خليفة. ولكنه بعد ذلك حاول أن يربط نفسه كنائب لأورليان (‏بحسب مستندات مصرية على وقت وهب اللات وأورليان).  بالرغم من أن علينا عدم إغفال الطموح الشخصي، إلا أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار الدوافع السياسية والاستراتيجية لهذه الثورة، على كل، رفض أورليان كل تسوية مع التدمريين.

‏شرع أورليان بالإعداد لإعادة احتلال المنطقة بلا تأخير. فبعد هزيمتهم في تيان ثم بالقرب من أنطاكيا وحمص انسحب التدمريون بجيشهم إلى تدمر نفسها. وبعد هرب الملكة زنوبيا تجاه الشرق، سقطت تدمر بيد أورليان بلا مقاومة في عام 272م. ولكن لم يعمل على تدمير المدينة إلا بعد ثورة ‏أسباسيو التي قام بها بعد بضعة أشهر من سقوط المدينة، لتبقى بعدها مدينة تدمر مدينة صغيرة لعدة قرون. وبخلاف مدينة الحضر، لم تهجر تدمر في الحال. ففي عهد الإمبراطور دقلديانوس، وضعت حامية عسكرية في الجزء الغربي من المدينة، وبنيت حمامات جديدة في عام 328م وبعض الأعمدة الجديدة ‏في الشارع الرئيسي في المدينة كذلك. ولاحقا وضع نصب التذكاري مسيحي، وتواجد في المدينة أسقف مسيحي ليؤكد نجاة المدينة ولو بشكل متواضع[58]. أما المدينة التي كانت موضوع انتقال تجارة الشرق وعاصمة الصحراء، فقد ماتت منذ زمن طويل.

 

الفيلارخات وملوك القبائل المتحدة:

‏حتم اختفاء الدول العربية المتحضر مع عائلاتها المالكة، التي كانت تحكم القبائل العربية الرحل، على الرومان البحث عن طرق أخرى لضمان أمن الصحراء على طول حدودهم. لذلك عرض على قبائل أخرى الفرصة لملء الفراغ الذي أحدثته انهيار الإمارات القديمة.

‏كانت العلاقة بين الرومان والقبائل المرتحلة موجودة بالفعل منذ القدم. إذ لم يوجد في حدود ولاية العربية أي إدارة محلية، عدا عدد قليل من القبائل المحلية. كان الرومان سابقا يراقبون الصحراء العربية إلى حدود الجوف والحجر في شمال الجزيرة العربية، ولكن في نهاية القرن الثالث تراجعوا إلى المناطق الحضرية ليعززوا حمايتها. ليستحثوا بعدها اتحاد ‏القبائل العربية ليحلوا محلهم في الصحراء.

 

‏1. القبائل المتحدة:

‏بحوزتنا قسمان من الوثائق عن العلاقة المباشرة بين الرومان والقبائل العربية: الأولى في شرق حوران بمناطق الصفتيين والثانية في شمال الحجاز، التي سيطر فيها الرومان على القبائل الثمودية.

‏بقي الصفتيون في شرق حوران محافظون على تنظيمهم القبلي. إذ تظهر رُقُم إغريقية وجدت في بعض القرى شمال جبل الدروز، والتي كانت تزار من قبل رعاة الماشية الصفتيون، أن هذه القبائل الرحل قدمت بعض الوحدات العسكرية تحت إمرة قادة منهم. منح الرومان هؤلاء القادة لقب: “استراتيج”[59] مخيم القبائل، ‏أوإتارخ أو فيلارخ. هذه الرقم وجدت في النصف الثاني من القرن الثاني والقرن الثالث. يجعلنا علم تاريخ الأسماء متأكدين أن هذه القبائل صفتية، كما تثبت بعض هذه الرقم بوضوح أن أوذينة بن سواد هو إستراتيج قبيلة عويض، المعروف أنها من قبائل الحرة (Harra)[60].

لذلك من المتوقع أنه في هذه المنطقة البعيدة عن هجمات الباراثييي وبعدهم الفرس، عزز الرومان تحالفهم مع رؤساء أقوى القبائل، ليحافظوا مع الحاميات الرومانية على حكم القبائل العربية الرحل وشبه الرحل بالمنطقة.

‏الحال في شمال الحجاز شبيه لشرق حوران. فالرومان لم يشعروا أنهم مهددون في هذه المنطقة (على الأقل إلى وقت سفيري) في كل القرن الثاني.  فهناك القليل من المواقع العسكرية الرومانية التي تحمي الطريق الروماني بين البتراء وعمان والعقبة. ومن ناحية أخرى، هناك حامية عسكرية في واحات نائيه كالحجر ودومة الجندل، أو في ‏مراكز تجمع البدو كما في وادي رم. لا يعدو التحكم بالقبائل من قبل الرومان أن يكون تفاوضا مع رؤساء القبائل على تكوين اتحادات قبلية لمواجهة التشرذم المفرط بين القبائل، كما في روافا في شمال الحجاز بين عامي 166 و169 حيث يشكر الرؤساء الحاكم الروماني لمنطقة عربية ‏لمساعدته في إيجاد انسجام بين القبائل البدوية، والذين عبروا عن امتنانهم بإنشاء معبد إمبراطوري ليعمل كنقطة تجمع لهذا الاتحاد القبلي. ولكن قد يكون هناك قوات رومانية مجندة من قبائل عربية.

‏قد يكون هذا الحلف بمناطق أخرى، إذ عمل بشكل جيد في أوقات الاستقرار السياسي، بمعنى آخر، عندما لا يكون هناك أي ضغط على هذه القبائل من آخرين أقوياء ومتلهفين على إنشاء موضع قدم لهم على أطراف الإمبراطورية. وعلى العموم هذه الاتحادات لم تمنع غارات النهابين، ففي عام 195م ‏وقعت سيناء فريسة للنهابة العرب.

 

‏2. صعود التنوخيون[61]:

‏تضع المصادر العربية المعتبرة القديمةجذيمة الأبرش كأول حليف عربي لروما، ليأتي بعده أمراء تدمر، ثم لخم وتنوخ وثم سليح وغسان. كانت قبائل سليح وغسان في القرنين الخامس والسادس ميلادي، بينما كان الأربعة الاوائل في القرنين الثالث والرابع. رفض أو تجاهل المؤرخون المصادر العربية بسبب الصعوبات التي واجهوها معها. لكن النقوش والآثار المكتشفة حديثا جعلت من المطلوب الاهتمام بهذه المعلومات، خصوصا أنها أكدت مصادر الكتاب العرب او على الاقل أكدت تراتب الحلفاء العرب للرومان.

‏أكدت أحد هذه النقوش أكدت أصالة وجود أحد هؤلاء الملوك، فنقش أم الجمال يتحدث عن انتصارات جذيمة ملك تنوخ[62]. وتنوخ كانت أحد القبائل الرحل في شمال شرق الجزيرة العربية قبل أن تستقر في سوريا أو في جنوب حلب على الأغلب. ‏ولكننا لا نستطيع أن نعتمد على هذه المصادر منفردة (نصب القبوري وبعض المواضع القبلية في حوالي 630م) لتحديد مكان سلطة جذيمة في منتصف القرن الثالث. على كل، تذكر بعض المصادر العربية بعض الصراعات بين التدمريين والتنوخيين والتي أكدتها ‏النقوش المكتشفة حديثا. ففي أحد المواقع في جنوب أم الجمال نجد أن مستوطنة تنوخية دمرت بالكامل، ولذلك فمن المثير الاعتقاد أن التدمربين دمروا هذه المستوطنة انتقاما من أعدائهم التنوخيين[63].

‏ترك اختفاء بنو أوذينة من تدمر الصحراء السورية بلا حاكم. لذلك انتشر الاحساس بوجوب وجود شرطي للمحافظة على أمن المنطقة، خصوصا أن انعدام الأمان انتشر حتى قبل سقوط تدمر. لذا شرع الرومان في زمن سفيري ببناء القلاع الصغيرة على الحدود الرومانية العربية خصوصا أن هذه الحدود بقيت بلا تطوير ‏طوال القرن الثاني. تركزت هذه المباني على قطاع شمال شرق الأردن، وفي المدن (بصرى ودرعا)[64] أعاد الرومان بناء أسوارهن ومتاريسهم. لم تكن هذه الدفاعات موجهة ضد التدمريين، (خصوصا أنهم لم يصبحوا أعداء الا بعد 260م) [65]ولكن ضد القبائل العربية الآتية من الجزيرة العربية، والتي ‏كانت تتحين الفرصة لاستغلال الاضطرابات في سوريا، أو حتى ضد القبائل العربية المدفوعة من الفرس. وبالفعل، في مرحلة مبكرة قام أحد سلالة ملوك الرها” عمرو بن عدي” بتأسيس مدينة الحيرة في جنوب ما بين النهرين ودخل في خدمة الساسانيين.

‏لذلك من المتوقع أن عمل جذيمة كمتراس ضد هذه التهديدات. ولعدم وجود وثائق رومانية بهذا الخصوص لا نعرف ما هي مكانة جذيمة على وجه التحديد، ولكنه بلا شك كام يعتبر حليف (Foedrates) كما كان يطلق على البرابرة في نهري الراين والدنوب. ولقب ملك الذي تسمى به إنما يعني سموه على باقي مشايخ العرب. إن ‏التركيبة القبلية التي كان يحكمها جذيمة غير واضحة لنا، ولكن من المتوقع أن تنوخ كانت أقوى فروع قبيلة قضاعة، والتي كان يندرج تحتها قبائل أخرى أصغر. مصطلح تنوخ ضبابي، لا نستطيع أن نتأكد من أن التنوخيين فرضوا سيطرتهم على كل عرب المنطقة. ‏فقد يكون هناك مجموعات عربية أخرى استفادت من نفس الوضع في مناطق أخرى من الفرات والحجاز وصحراء ما بين النهرين وحتى سيناء.

تبين الوثائق الرومانية أن العرب ساهموا بالدفاع عن حدود الإمبراطورية بتقديم دعم للجيش الروماني. فبعض الوحدات العسكرية كانت عربية بشكل كامل وبعضها الآخر كانت ذات غالبية عربية.

‏عندما أعاد دقلديانوس تنظيم دفعات الإمبراطورية، وضع بعين الاعتبار هذه العلاقة الجديدة مع القبائل العربية. إذ هجر الرومان المواقع البعيدة مثل دومة الجندل والحجر مما يعن خسارتهم لسيادة هذه المناطق، وأصبحت حماية الصحراء في عهدة القبائل الرحالة المتحالفة مع الرومان. وفي الجهة الأخرى نرى أن الرومان طوروا دفاعاتهم ‏على طول طريق دقلديانوس الذي يربط بين الفرات ودمشق وتدمر وشرق حوران، وفي القلاع التي بين الأزرق والعقبة وحتى شمال سيناء. أعاد الفيلق الروماني العاشر تموضعه في العقبة والفيلق التاسع في اللجون. إذ وضعت كل هذه الدفاعات للحفاظ على المناطق غير الصحراوية في سوريا بينما السهوب ‏والصحراء عهدت للحلفاء العرب وحدهم.

 

‏3. تفوق امرؤ القيس: 

‏مات “ملك جميع العرب” امرؤ القيس في سنة 328م. يعرض النقش العربي المكتوب بنص نبطي معضلات تأويلية عويصة، ليس باعتبار القراءات المختلفة له ولكن فحسب ولكن لأن المصادر الكلاسيكية صامتة عن الأحداث التي سجلت بها[66]. فعلى العكس من التقاليد العربية، فإن هذا النقش يوفر معلومات مباشرة من المصدر ذات أهمية رئيسية.

‏امرؤ القيس هو ابن عمرو بن عدي مؤسس الحيرة. وفي وقت وفاته كان تحت خدمة الرومان، بما أن ضريحه موجود داخل حدود الدولة الرومانية في منطقة نمارة في السهول الحدودية العربية. وهو أعلن على أية حال بأن سلطته جاءت من الرومان. بيد أنه وفي الوقت ذاته يفخر بأنه يحكم مجتمعات معينة تحت القبضة الفارسية. هل تحدى تحالفه ‏خلال نظامه؟ هذا ممكن، بالرغم من أن دوافع تغيير الجهة غير معلومة، فقد يكون تنصر أو اختلف مع سابور الثاني. بالمقابل، نجح امرؤ القيس خلال فترة السلام بين الفرس والرومان في مد سلطته على قبائل شرق وكذلك غرب الصحراء السورية وما بين النهرين. ويفخر لأبعد مدى بأنه أخضع قبائل تعيش بعيدة عن بعضها: ‏كقبيلتي أسد ونزار في شمال شرق الجزيرة العربية (خلال حملته على المدينة القوية ثاج)، وقضاعة التي هزمها كما يقول في واحة نجران، ومعد في الحجاز[67]. هل قام بكل هذا لمصلحته؟ أم للفرس (في سياق حملة سابور الثاني على الجزيرة العربية)؟ أم للرومان؟ هذه كلها لا تعدو أن تكون مجرد فرضيات، ‏بالرغم من أن تك النجاحات تبرر لقبه “ملك كل العرب”. لذا لم يرأس امرؤ القيس لخم فقط، ولكن عددا كبيرا من القبائل الأخرى كذلك بما فيها الجماعات المستقرة والتي عين أبنائه مسئولين عليها.

‏بالرغم من قوة امرؤ القيس إلا أنه قد توجد جماعات أخرى متحالفة مع الرومان وغير خاضعة لسلطته. أما فيما يخص تنوخ،

تجعل المصادر العربية من جذيمة الأبرش خال عمر بن عدي، والذي يجعله خال امرؤ القيس أيضا. وأم امرؤ القيس وزوجته هند أزديتان، والأزد عشيرة منسوبة لتنوخ وخاضعون لامرؤ القيس. وبالتالي يصبح امرؤ القيس الوريث الشرعي لجذيمة، وفي الوقت نفسه من الممكن لأي تنوخي آخر أن يحل مكان امرؤ القيس بعد وفاته، بلا أي مواجهة أو انفصال. على كل، المصادر العربية ترجع سلطة التنوخيين على العرب من بعد وفاة امرؤ القيس وحتى نهاية القرن الرابع عندما حل محلهم قبائل سليح.

 

الخاتمة:

 ‏في نهاية عام 337 ميلادي، تغيرت الحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لعرب الصحراء السورية وما بين النهرين بشكل كبير. إذ كانت نشاطات رعي الماشية أكثر أهمية بكثير من كوسطاء في التجارة. وبالرغم من أن القبائل المتحضرة السابقة لم تغب بالكامل عن المشهد، إلا أنها لم تعد تملك نفس الهيمنة كما السابق وتركت ميدان الحكم في أيدي القادمين الجدد: كانوا منبثقين من الجزيرة العربية حديثا والمتأثرة بالثقافة ‏الإغريقو-رومانية والآرامية. ومن جهة أخرى، انتهت حالة الدول التابعة العربية، ليحل محلها اتفاقات مع جماعات عربية بقيت بشكل مبدئي بدوية، والتي تم استخدام قوتها العسكرية وعلاقاتها للحفاظ على أمن الحدود الرومانية. ساعد هذا النظام، مع التحصينات العسكرية الرومانية، على مد التأثير الروماني إلى قلب ‏الجزيرة العربية. ولكن تكمن نقطة ضعفه في اعتماده على ولاء هذه القبائل، والذي كان مكلفا للغاية كما احتاج لإعادة تقييم قوة القبيلة المتحالفة بشكل دوري. فحالما يخسر هذا التحالف تأثيره، تصبح امتيازاته مهددة. لذلك أصبحت بعض القبائل الأفقر تحاول إسقاط القبائل صاحبة السلطة، ‏وجاءت الدبلوماسية الساسانية ‏لتدفع بهذه القبائل الأفقر ضد المتحالفة مع الرومان لتزيد خطر عدم الاستقرار المتوطن هناك.

 

 

 


[1] 1.SHA, Aurel. 26; Aur. Vict. Caes. Xxxv.3 (e.g.).

[2] Strabo,XVI,I,27 (C748).

[3] Strabo,I.2.34 (C41).

[4] Pliney, HN v.24.20.

[5] Pliney, HN v.24.21.

[6] Drijvers (1966).

[7] Lucian, De Dea Syria 10.

[8] Strabo, XVI,I.27-8 (C748).

[9] Dilleman (1962)176-188.

[10] Will (1985).

[11]

[12]  Lib, Or, XXVII, p42 (ed. Foerster)

[13] Lib, Ep 846.

[14] The main collection of Safaitiec inscription are : CIS v, Harding (1953): Winnett (1957): Oxtoby (1968); Winnet and Harding (1976). An explanation: Milik (1985). For the name “Safaitic”, see MacDonald (1993); Sartre (2001)780-5.

[15] CF. CIF v. 2646.

[16]  In the absence of a recent corpus of Nabataean inscriptions, it is necessary to refer to CIS 11.2. Explanation for the Hauran: Starcky (1985).

[17] Sartre (2001)785-7

[18] Cantineau (1934-5).

[19] Sartre (1985b).

[20] Sourdel (1952).

[21] CF. Dentzer and Villeneuve (1985); Villeneuve (1985); Sartre (1987).

[22] PAES III.A, no.232, from 177-80.

[23] PAES III.A, no.274, from 195; no. 275, from 208; no. 276. From 223.

[24] De Vries (1986).

[25] Sartre (2001)773-9

[26] Ingraham (1981).

[27] Sartre (2001)785-6.

[28] Rowton (1976) and (1977);Rowton (1973); Banning (1986).

[29] Inv. Pal. III.21.

[30] Inv. Pal.x.44.

[31] Inv Pal III.28; free passage cost the caravan nearly 300 gold denarii.

[32] Strabo, XVI.4.24 (C757).

[33]  Littmann and Meredith (1953) and (1954).

[34] Segal (1970) 19.

[35] Wagner (1983); corrected by Gawlikowski (1998).

[36] Dio, LXXIX.16.2

[37] Loriot (1975) 768 nn. 822-3; Sartre (2001)961-2.

[38] The Hatran inscription (H) numbered continuously since the start of their publication.

[39] Herod. III.9-7.

[40] Dio, I,XXV.10-11

[41] Dio, I,XXV.11-12

[42] Rabin (1975).

[43] Safar (1961)10.

[44] Amm. Marc. XXV.8.

[45] Herod. V1.2.2

[46] D 1..15.1.5.

[47] Gawlikowski (1985);Sartre (2001).

[48] Inv. Pal. III.17

[49] Seyring (1963)161

[50] Contra; Gawlikowski (1985)261.

[51] Petrus Patricius, Fr.10

[52] SHA, Gall

[53] Swain (1993).

[54] SHA, Tyr, Trig. 15.5.

[55] Gawlikowski (1985) 259

[56] Cf, Ch. 2 above.

[57] Baldus (1971).

[58] Will (1966).

[59] Sartre (1982)122-8.

[60] Harding (1969).

[61] Shahid (1984) 349-417

[62] PAES IV.A.no.41.

[63] De Vries (1986) 237-8.

[64] Parker (1986)130-1.

[65] Pflaum (1952)

[66] Beeston (1979).

[67] Zwettler (2000).

error: المحتوى محمي