الاسطورة، والتقييم، والممارسة في تمثيل اللغة العربية – جون إيزيل / ترجمة: حمزة بن قبلان المزيني

الاسطورة، والتقييم، والممارسة في تمثيل اللغة العربية – جون إيزيل / ترجمة: حمزة بن قبلان المزيني

ملخص: تُعد مقالة [تشارلز] فيرجسون القصيرة [لمنشورة عام] (1959م) بعنوان “أساطير عن اللغة العربية”[1] من المقالات الأصيلة عن المواقف نحو اللغة. فقد تناول باختصار في تلك المقالة عددًا من الأفكار التي لا تزال مقتضياتها بحاجة إلى تطوير متماسك، سواء ما يتصل باللغة العربية أم بأي جماعة لغوية أخرى. وسوف أَسْبُر في هذه المقالة سَبرًا نقديًّا بعضَ هذه الأفكار والمناهج وأقارنها بمشروعي البحثي عن تمثيل اللغة العربية في الشرق والغرب، وهو التمثيل الذي يتصل مباشرة [بمقالة فيرجسون] بل هو نتيجة لها في الواقع.


مقدمة:

وصف تشارلز فيرجسون، في مقالته “أساطير عن اللغة العربية” (1959م)، مواقفَ العرب من لغتهم وتنوعاتها المختلفة على أنها أساطير (سواء أكانت [تلك المواقف] “صحيحة” أم لا). وقد اتَّبع آخرون هذه المقاربة منذئذ، ومن ذلك مقاربة “الإيديولوجيا اللغوية” عند سيلفرستين Silverstein (1979)، ووولارد وشييفلِن Woolard and Schiefflin (1994)، ولسانيين أُناسيِّين آخرين، وكذلك مقاربة أساطير اللغة عند هاريس Harris (1981) الذي نظر إلى المقارنات اللسانية الحديثة أنفسها على أنها “أساطير”، إضافة إلى عَملي في بحثي الجاري الذي لم أنته منه بعدُ، وهو عملٌ أسعى فيه لدراسة اللغة العربية على أنها كيانٌ ثقافيّ. ويمكن أن يوصف هذا النوع من البحث عمومًا بأنه نقد لــ”التمثيلات” يسعى لاكتشاف حدودها وتحيزاتها التي تَكشِف من جهتها أنواعَ القصور والتحيزات الثقافية والتاريخية والتنظيرية التكوينية عند من يتبنون هذه الآراء (إضافة، مثاليًّا، إلى كشوفها الثاقبة وفعاليتها). إذ ينبغي، مثاليًّا، أن يُضَم هؤلاء النقادُ أنفسُهم جزءًا من هذا التحليل إلى جانب الأنواع الأخرى من التمثيلات اللغوية وما وراءها. وأعني بذلك أنه ينبغي عليهم أن يَعمُدوا إلى نوع من “النقد الذاتي” (كما ناقشَه نوفت Knauft (1996))، وهو ما سأبيِّنه في النقاش التالي لأفكار فيرجسون عن أساطير اللغة التي سوف أقارنها بمقاربتي.

 

فيرجسون ومنهج البحث في اللغة:

 

تمتاز مقالة فيرجسون “أساطير عن اللغة العربية” بمدى التناول والنظر الثاقب في بعض أحكامه العامة المتنوعة تنوعًا واسعًا (وهي [أحكام] سريعة وتمهيدية بطبيعتها)، وبالمجال المحدود جدًّا لبعض تعليقاته المعيَّنة (التي تستغرق أكبر جزء من مقالته)، وهو ما يشير إلى الحاجة إلى توسيع مدى التحليل ليبلغ مدىً أبعد من المواقف والآراء، وليشمل مواقف الباحث وآرائه. وتشمل أحكامُه المتوسِّعة التعريفَ التالي لمصطلحه الأساس، أي [مصطلح] “أسطورة”: فالأساطير “مواقف واعتقادات شائعة [عند كل جماعة لغوية] عن لغتها وعن اللغات الأخرى وعن اللغة عمومًا كذلك” حتى إن كانت تتفق مع الواقع الموضوعي أو كانت صحيحة[2]. ويعني هذا أن المواقف والاعتقادات كلها (عن اللغات) سواء أكانت صحيحة أم زائفة أساطيرُ ــــ فكل شيء أسطورة. وهذا حكم لافت للنظر جدًّا، وربما كان أكثرَ تعليق لفتًا للانتباه في مقالته، وهو بمثابة الممهِّد للتطورات الإبستمولوجية في الدراسات الأدبية والثقافية التي جاءت بعده بعقود. ويمثل هذا الحكم نظرًا ثاقبًا دقيقًا لم يتوسَّع فيه في بقية المقالة، ولم يُطبِّقه على أفكاره [هو] بالطريقة التي طبَّقها على أفكار الآخرين. فقد قَصَر تطبيق مدى فكرة الأسطورة هذه على وجهات نظر العرب “المتماثلة نسبيًّا” عن اللغة العربية، وهي التي يعترف بأنها [فكرة] اعتباطية لكنها، مع ذلك، تكوِّن “كُلاًّ واحدًا متماسكًا إلى حد بعيد من المواقف والاعتقادات” عند جماعة متكلمي العربية الكُثْر: والأساطير هي: (1) تفوُّق اللغة العربية، و(2) ازدواجية الفصحى واللهجات، و(3) تقويم اللهجة، و(4) مستقبل اللغة العربية.

 وكانت كلُّ واحدة من النقاط التي ذكَرها، ولا تزال، مقياسًا مهمًّا جدًّا للمواقف من اللغة العربية، غير أن تعليقاته عن “تفوق العربية” أكثرُها تفصيلاً ولفتًا للنظر[3] وسوف أَقصُر تعليقاتي عليها. كما أنها الأكثر كشفًا لا لما تقوله عن مواقف العرب من العربية وحسب بل لما تكشفه عن طبيعة “الأسطرة” التي تشمل الحاجة إلى أن يتحلى الباحث بقدر من النقد الذاتي الواعي في اختياره للمعطيات وللطريقة التي يبني بها تحليله، إضافة إلى الحاجة إلى توسيع مجال التحليل ليشمل مجالات أكثر من المواقف والاعتقادات والممارسات نحو اللغة.

وقد ناقش ثلاثة مجالات لتفوق اللغة تؤثِّر في مواقف العرب نحو اللغة العربية، وهي: المجالات الجمالية واللغوية والدينية. وكما يُبرز تحليلُه تفاصيلَ اعتقادات العربي في هذه المجالات فهو يكشف كذلك عن تحيزاته الضِّمْنية و”أساطيره” هو، إن شئت. فهو يلاحظ، مثلاً، أن الأفكار الجمالية لِتفوُّق العربية تتمثَّل في آراء العرب عن الشعر العربي، أي أنه الأكثر جمالاً. ويوسع هذه النقطة كما يلي:

 

و[لاحظ فيليب حِتي] أنه كثيرًا ما يبدو أن العرب يُضفون مزيدًا من التبجيل الأعمق على الموسيقى والرمزية الصوتية في اللغة العربية الفصحى في هذه المناسبات أكثر مما يبجِّلون المضمونَ الدلالي للشعر أو الكلام[4]

 

وفيما كان يحاول تدقيق حكمِه يظل هذا الحكم كما هو، إذ يمكن القول بأنه يشبه أن يَكون إعادةَ صياغةٍ لمقولةٍ استشراقية مُقَولَبة عن غرام العرب بالبلاغة الفارغة على حساب المعنى، وبالعاطفة على حساب التدبُّر، إلى آخر ذلك. ويتحول نقاشُ إلقاء الشعر، في ختام هذه التعليقات (عند المتعلمين من العرب، ربما)، إلى الإشارة إلى الفلاح الأمي الذي ربما يفضِّل جمال الفصحى التي لا يفهمها (ولم يبيِّن في أي سياق [كان هذا التفضيل]) على فهمه التام للعربية المحكية المألوفة. ولم يَعرِض [فيرجسون] لفكرته هو عن جمال اللغة الذي يبدو أنه ذلك الكلام اليوميّ الذي “يمكن فهمه تمامًا” وهي [الفكرة] نفسها التي تمثل معيارًا جماليًّا (حداثيًّا إنجليزيًّا أمريكيًّا) يُشبه في “أسطوريَّته” المعيارَ العربي: إذ إن تعقيدات الشعر الإنجليزي الحديث الشكلية على المستوى نفسه من التشابك والقدرة على غَمْر السامع وصرْفه عن مضمون القصيدة الدلالي المقصود بما يماثل البنى الشكلية للشعر العربي القديم أو الحديث، وهذه إحدى وظائف لغة الشعر الكثيرة في لغات كثيرة. ويعني هذا أن ما نفتقده هنا [في هذا التحليل] اعترافُ الباحث بأن تعليقاته وتحليله إنما هي انعكاس لتقليد معين، أي أسطورة لغوية، إن شئت، ربما تَبدو للآخَر غير عقلانية أو عاطفية كما هي حال اعتقادات الآخر في نظره تمامًا. كما تتضح الحاجة إلى وعي الباحث الذاتي النقدي في نقاش [فيرجسون] لأساطير العرب اللغوية عن تفوق [اللغة العربية]. وهذه الأساطير نوعان، كما يقول: فتقوم الأسطورة الأولى على اشتقاق الأفعال (فهو منطقي ومطَّرد)، وتقوم الثانية على المعجم (فهو واسع وغني وشامل، إلخ). ويقابَل الاعتقادُ الأول أو الأسطورة الأولى (عن النوعية المنطقية والاطراد في نظام الجذر والوزن كما يعبِّر عنها نظامُ اشتقاق الأفعال) بملاحظة عدم المنطقية و”ما يشبه الفوضى” في نظام الأسماء (الجموع والجنس والعدد، وغير ذلك). ويكشف فيرجسون، في صياغته هذه الحجة عن افتراضاته المسبَقة عما يعنيه بـ”منطقي ومطرد”، وهو ذلك الذي يمكِن تَعلُّمُه بسهولة [أي] (“. . . تلك الحقائق [التي تتعلق بعدم المنطقية في نظام الأسماء [إيزيل]] ولا يلاحظها العربي إلا أنْ يُضطر لتدريس لغته لمتكلمِ لغةٍ أخرى”[5]. يضاف إلى هذا أن هذه الحجة الضمنية ضد “منطقية” اللغة (أي أن المنطقية = سهولة التعلم) تتعارض مع اعتقاد شائع جدًّا بين العرب لم يَذكره فيرجسون وهو أن اللغة العربية “صعبةُ التَّعلم“، لا عند الأجانب وحسب، بل عند العرب أنفسهم. وإذا تجاوزنا إشارة فيرجسون إلى الحاجة إلى توسيع مجال التحليل ليشمل تنوعًا واسعًا للاعتقادات والمواقف من اللغة، فهي تشير كذلك إلى [الحاجة إلى] الاستشهاد بكتابات كتّاب أو فاعلين محدَّدين أو ممارساتهم، إلى جانب الحاجة إلى توسيع مجال التحليل ليشمل تنوعًا واسعًا من الاعتقادات والمواقف عن اللغة [العربية]، ويشمل ذلك اعتقادات الباحث [نفسه] ومواقفِه، إذ إن الاعتماد على الأدلة العارضة وحدها يؤدي إلى تناقضات غير ضرورية. فهو يلاحظ، مثلاً، في نقاشه “الاطرادَ المنطقي للغة”، شعورَ “بعض العرب” عن عدم الكفاية المعجمية [في العربية]، فيما يصف بعد ذلك مباشرة فخر “العربي” بسعة معجم لغته. وربما كان يشير في ملحوظته الأولى إلى بعض النقد الحداثي والإصلاحي [المعاصر] للنحو العربي التقليدي وكيفية تدريسه، وهو نقد يوجَّه للتقاليد من داخلها وبعضه من خارجها، وهو ما لا يتضح من تعليقاته. وربما ينطبق قصور التحديد هذا على تعليقه هو القاضي بأن “سعة المفردات” ربما تكون مُضرَّة باللغة احتمالاً، وهو التعليق الذي يبدو أنه قدَّمه على أنه، ببساطة، “أسطورة [تخمينية] معاكِسة” لأنه لا يبدو أن ثَمَّ دليلاً عليها. ويتصل تعليقٌ أخير عن الحاجة إلى توسيع مجال التحليل بالأساس الثالث الذي تقوم عليه وجهة نظر العرب عن تفوق اللغة العربية. ويُلخص فيرجسون هذا الأساس على أنه الإسلام كما يتمثل بالحجة التي صاغها كما يلي: فالله يَعلم كلَّ شيء، وهو محيط بكل شيء؛ وهو العالم باللغات كلها ويمكن أن [يُنزِل الوحي] بأيٍّ واحدة منها؛ لكنه اختار اللغة العربية حاملاً لرسالته الأخيرة إلى العالم؛ ويوجب هذا أن تَكون اللغة العربية، بمعايير مهمة، أفضلَ من اللغات الأخرى[6]. ووَصَفَ هذه الحجة بأنها “الحجة التي لا يمكن الإجابة عنها” وربما تكون كذلك حقًّا، من زاوية [عِلم] الكلام أو الاعتقاد الشخصي. لكنَّ لوجهات النظر عن اللغة التي تقوم على الدين مظاهرَ سياسية واجتماعية، وهي مواقف يُمكن الإجابة عنها والتعامل معها كذلك. ومن القصور في مقالة فيرجسون عدم إشارته إلى البعد السياسي لمواقف العرب من اللغة العربية وهي التي ربما تكون مهمة لفهم مواقفه هو نفسه تجاه موضوع دراسته إضافة إلى فهم استقبال تلك الآراء عند من يكونون موضوعًا لتلك الدراسة. وربما يساعد نقاشٌ مثل هذا في فهم ما أشار إليه من موقف المسيحيين العرب نحو اللغة العربية في تبنيهم وجهات النظر المتأثرة بالدين عن اللغة العربية. فربما يفسِّر الاختلافَ في استعمال العربية بين المسيحيين [العرب] المعاصرين والمسيحيين [العرب] في العصور الوسطى، مثلاً، تنامي إيديولوجيا القومية العربية السياسية في القرنين التاسع عشر والعشرين، وهي الفكرة التي أسهم فيها المسيحيون العرب بنصيب وافر، لا سيما بصفتها معادلاً لإيديولوجيتَيِ القومية الإسلامية والقومية العثمانية التركية المنافستين.         وتبيين فيرجسون اعتقاداتِ العرب عن لغتهم صحيح إجمالاً، لكنَّ هذا البيان نفسه محدود وانتقائي ويَكشف عن تحيزات الباحث نفسه واهتماماته. وهذه التحيزات من جهة أخرى إشارة إلى “أساطير” أخرى وفرضياتِ ضمنيةٍ لسانيّةٍ حداثية لم يذكرْها، وهي النقطة التي لا أظنه يُنكرها نظرًا للتعريف الواسع الذي عرَّف به “الأسطورة”. ومن المهم أن نلاحظ في هذا الصدد أن فيرجسون نفسه قد لاحظ “المواقف الخاصة” التي يتبناها اللسانيون الأمريكيون تجاه التخطيط اللغوي التي ينفردون بها عن بقية المجتمع، ثم يلاحظ أن “وجهة نظري أن مواقف اللسانيين الأمريكيين هذه إنما هي منظومة من الاعتقادات المشتركة المتوارثة ثقافيًّا عن اللغة لا تقوم على أساس في البحث أو الواقع بأكثر من المواقف التي نجدها في المجتمع عمومًا [كما ورد عند] (Huebner 1996: 299). وأرجو، انطلاقًا من روح ملحوظة فيرجسون هذه، أن أقدم بعض ما لم يَذكره فيرجسون في مقاله المختصر عن الأساطير عن العربية ـــ لا بإيراد مزيد من الحقائق عن العرب ووجهات نظرهم وحسب (كتوسيع مجال التحليل، مثلاً) بل تقديم فهمٍ دقيق لما يعنيه مصطلح “أسطورة”، وتطبيق فكرة هذا المصطلح على التحليل نفسه.

توسيع مجال التحليل:

أعمل في الوقت الحاضر على مشروع كبير إلى حد بعيد لم أنته منه بعدُ يتناول إدراكَ اللغة العربية وتمثيلها الثقافيين في السياقات العربية الإسلامية، إضافة إلى مقتضيات تمثيلات العربية العابرة للثقافة في الغرب. وأعدُّ هذا المشروع تطويرًا لبعض أفكار فيرجسون وآرائه الأصيلة العميقة كما عبر عنها في مقالته [عن الأساطير عن العربية]، وهو ما أحاول توسيعه وتوضيحه. وثَمَّ ثلاثة مجالات أهتم بها في تطوير هذا التحليل، وهي: مجال التطبيق، والمصطلحات الأساسية، والأسلوب التحليلي أو الخطابي.

وفيما قصَر فيرجسون مجالَ دراسته على اللغة العربية ووجهات نظر العرب عنها، فقد قصدتُ أن يَكون مجال دراستي مُشْرَعًا عند هذه النقطة ليَشمل تمثيلات المتخصصين في اللغة العربية واللغات الأخرى (أي: اللسانيين والنحويين)، ووجهات نظر غير المتخصصين عن اللغة، وأود أن أُدخل، في نهاية الأمر، كلامَ هؤلاء “حول اللغة” وتفصيلات استعمال اللغة (أي: تبديل الشَّفرة[7] الذي تَدخل فيه مستوياتٌ [لغوية عربية] ولهجات عربية ولغات أخرى غير العربية كذلك). كما ينبغي أن يَشمل مجالُ الدراسة، عند نقاط مختلفة، النظر في الكيفية التي يعكس فيها المحلِّل (وإطار التحليل نفسه) إيديولوجيا معينة أو وجهة نظر محددة عن العالم، وهي مقاربة يمكن أن تنطبق على تمثيل أي وضع لغوي أو أي جماعة لغوية. وهذا “مجال دراسة” واسع إلى حدود بعيدة، ويتطلب فهمًا أفضل لمصطلحات التحليل الأساسية، لا سيما فكرة “الأسطورة”. وأنا أفضِّل كلمةَ “تمثيل”[8] بدلاً من كلمة “أسطورة” (أو حتى “إيديولوجيا”) في الإشارة إلى بعض المظاهر الاجتماعية والثقافية التي تشكِّل وجهة نظرِ الفرد نحو الواقع. كما أنظر إلى هذه الأنواع من التمثيلات على أنها أجزاء من عمليات إدراكية أكبر يَعمل الوعي البشري على “تقديمها” وتَشييء العالَم على هيئة “واقع”. وهذه [التمثيلات”] كياناتٌ تحدِّدها التجربةُ الاجتماعية الفردية والظواهر الاجتماعية التاريخية أو “الممارسات” المحدودة بسبب طبيعتها الدقيقة ومشروطة (وهي سمة أنظر إليها على أنها معطاة في أي تمثيل، سواء أكان نظرية علمية أم نصًّا أدبيًّا). وسعيت لإيجاد إطار يمكِن أن يتعامل بنجاح مع هذه المظاهر المختلفة العديدة لتمثيلات اللغة العربية، وللغة عمومًا، وهو الذي يمكن أن يزودني بطريقة لتناول مختلف الأنواع من التمثيل على الأسس نفسها، ويشمل ذلك الإطار التحليلي الدقيق نفسه الذي أُطوره باستعمال عناصر التحليل نفسها أو تلك الشبيهة بها لكل نوع من أنواع التمثيل. لهذا فقد انتهيت إلى تبنِّي مقاربةً تعتمد اعتمادًا كبيرًا على أفكار بورديو[9] (1991م) عن السمت[10] والممارسة، وهي الأفكار التي [طورَّتْها و] أغنتْها فكرةُ هانك Hank (1987م) للأجناسgenres [11] والممارسات الأجناسية generic practices. ويتمثل تحديدُ بورديو المحكَمُ للسمت في أنه يتضمن “الاستعدادات الدائمة للفعل” التي تؤوَّل على أنها منظورات مؤدلَجة، أي نظام ثقافي من التوقعات التي تقوم عليها أفعال أو ممارسات معهودة. وتؤوَّل هذه الممارسات من وجهة نظر هانك (أو في تأويلي لوجهة نظره) على أنها أجناسgenres ، أي ممارسات أجناسية: أي معهودات أو مبادئ، و”تخطيطات واستراتيجيات”، تَبْني الخطابَ (أي: الأعمال اللغوية) أو تُنظِّمه، ضمن شفرة ثقافية[12]. وفيما تتشكل هذه بفعل السمت أو التوقعات الثقافية، فهي تعمل، من جانبها، في تشكيل تلك التوقعات الثقافية والتأثير فيها. وهي تشبه بهذه الكيفية فكرةَ تودورف (1973م) عن “التوقعات الأجناسية” التي تُشتق من التوقعات الثقافية الأعم لكنها من جهتها تعود إليها لتغذيها وتؤثِّر فيها وتطوِّرها. وتوجَّه الأعمالُ المحددة التي يُنجزها أفراد معيَّنون، ضمن هذه الخطابات، وباستعمال هذه المبادئ التشكيلية الخطابية[13]، نحو حضور معيَّن له توقعاتُه المحددة المعينة. فتتشكل [هذه الأعمال] عن طريق التوقعات الأجناسية أو الممارسات، وهي التي تعكسها إلى جانب التوقعات الثقافية الواسعة أو المنظورات المؤدلجة لكنها ربما تَكون، مع ذلك، مُفقَرة وجديدة. وهذا هو الإطار الذي ربما يُلخصه الجدول رقم1.

 

 

الجدول رقم 1: تمثيلات:

 

العالم                          التمثيلات الوَسَطية                   الوعي البشري


“الواقع” الفرد         السمت              الممارسة الأجناسية              الممارسة المحدَّدة    


              “الاستعدادات للفعل”،        معهودات لتنظيم الخطاب،           عمل محدد

                منظور مؤدلج،             مثل: أن تتحدث، مثلاً عن                من تأليف

                توقعات ثقافية          موضع محدد إلى حضور معيَّن           مؤلف معين،

                                                                                       عبارة محددة

                                                                                    في سياق محدد


 

 وربما تَكون أنواعُ “الأسطورة” أو التمثيلات التي ناقشها فيرجسون انعكاسًا لأي واحد من مستويات هذه التمثيلات الوَسَطية، لكن يبدو، في إطار زعمه بأنها “موحَّدة نِسبيًّا” عند جماعة المتكلمين بالعربية جميعًا، أنه كان يتعامل في المقام الأول مع أفكار السمت أو الإيديولوجيا اللغوية. كما يبدو واضحًا أنه كان يفهم هذه الإيديولوجيا على أنها موحَّدة تقريبًا ومن غير تنوع، وهو بذلك يشبه بورديو في تصوِّره للسمت اللغوي الفرنسي. لكني أعتقد أنه يدخل في الوضع اللغوي العربي (وفي جماعات لغوية أخرى كذلك)  أكثرُ من “نظام واحد للسلطة” بصفتها جزءًا من السمت أو التوقعات الثقافية الواسعة عن اللغة العربية وتنوعاتها الكثيرة. وينعكس هذا في العمود الأول في الشكل رقم 1 الذي يمثل تلخيصًا أوَّليًّا للكيفية التي ربما ينطبق بها إطار العمل هذا على الوضع اللغوي العربي. إذ تَعكس مجالاتُ السلطةِ اللغويةِ المختلفةُ وجهاتِ نظر ثقافية واسعة تتصل بالتنوعات اللغوية المختلفة في جماعات متكلمي العربية، ويشمل ذلك:

أــــ اللغة الفصحى وصورتها الحديثة، أي اللغة العربية النموذجية المعاصرة (التي تَعمل بمثابة نظام السلطة “المهيمن”)؛

ب ــ اللهجات العامية المختلفة داخل دولة عربية ما أو منطقة ما (التي ربما تَكون “لهجة نموذجية”)،  وهي لهجة العاصمة غالبًا؛

ج ــــ اللهجات العامية المختلفة من دولة عربية إلى دولة عربية أخرى أو من منطقة عربية إلى منطقة عربية أخرى، وهي التي ربما يعكس الموقف اللغوي نحو لهجة “الأنا” ولهجة “الآخر” قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية واسعة؛

د ـــ اللغات غير العربية، ويأتي في مقدمتها اللغتان الأوروبيتان المهيمنتان (الفرنسية والإنجليزية) اللتان لا تزالان قوتين مؤثِّرتين (وربما يقال متطفِّلتين) على الحياة الثقافية العربية نتيجة لهيمنة أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية اقتصاديًّا وسياسيًّا.

 

وتتصل بتأثير الإنجليزية والفرنسية وجهةُ النظر “الأوروبية” عن اللغة، كما يتبناها بعض العرب الذين تلقوا تعليمهم [العالي] في الغرب، إضافة إلى الأوروبيين الذين يناقشون قضية اللغة العربية بطرق مختلفة (كاللسانيين والدبلوماسيين ومتعلمي اللغة). ومن المهم أن نلاحظ، أخيرًا، أن التمثيل الذي يشبه الصندوق في الشكل [رقم 1] مضلِّل بمعنى أن كل مجال من مجالات السلطة هذه يتداخل مع [المجالات الأخرى]، وأن الأفراد ربما يكونون معرَّضين لأي واحد منها أو ربما يتفاعلون معها (إيجابًا أو سلبًا) في فترات مختلفة أو حتى بشكل متزامن، وهو ما يؤثر بطرق كثيرة في وجهات نظرهم نحو العربية وفهمهم وتمثيلهم وربما استعمالهم لها.


 

 

ويمثل العمود الثاني في الشكل رقم 1 مختلف الخطابات التي تظهر فيها اللغُة العربية موضوًعا مهما للنقاش، ويشمل ذلك خطاب المتخصصين في النحو العربي التقليدي وقضاياه الداخلية المتعددة التي أبقْته حيا لاكثر من ألف عام؛ وخطاب المثقفين العرب غير المتخصصين14 الذين يتعاملون مع التعقيدات الإجتماعية والأدبية والتاريخية لاستخدام اللغة العربية وأشكال استعمالها، سيما في العصر الحاضر؛ وخطاب مستخدمي اللغة من غير المتخصصين الذين تشِكل وجهاُت نظرهم حول اللغة عن لهجاتهم وكيف تتصل باللهجات الاخرى واللغة الفصحى جزءا من موضوع مقالة فيرجسون، إضافة إلى استعمالهم للغتهم الذي يعكس بشكل غير مباشر هذه الاداركات الثقافية والآراء اللغوية؛وخطاب المتخصصين المحدثين في اللغة الذين يتعاملون مع العربية في أي فرع من فروع اللسانيات النظرية واللسانيات الاجتماعية وتعليم اللغة، وغير ذلك. وربما توجد أنواع أخرى من الخطاب لم تُذكر هنا يقوم فيها تمثيل اللغة العربية بدور مهم، كما لم ُيقصد بالشكل [رقم 1] أن يعني أن هذه الخطابات متباينة وغير متداخلة ــــ فالأمر على العكس: فهذه الخطابات متداخلة وكل منها “واع” بالأخر، وربما يتشارك افراد في أكثر من واحد من الخطابات، وربما[يتشاركون]في عمل واحد عن طريق اقتراض الأفكار والمصطلحات من خطاب بديل في الإحتجاج له أو الإحتجاج ضده، إلخ. ويعكس العمود الثالث في الشكل رقم 1 كتابات أفراد فعليين عرضوا لقضايا اللغة العربية في أعمالهم بصورة رئيسة أو هامشية، بصفتهم مثقفين أو متكلمين للغة العربية لغة أولى أو لسانيين، إلى آخر ذلك. ويدخل في هذه “الممارسات المحددة” تنوعات واسعة جدا حتى ليصعب الوصل بينها بأي طريقة متماسكة من غير أن نشير إلى الخطابات التي تمثل جزءا منها، ًوالتوقعات الثقافية والايديولوجيات التي تشارك فيها. وهذا هو المجال الذي قصرت فيه مقالة فيرجسون القصيرة تحديًدا، وأعتقد أن من الضروري إيلاء هذا المجال أكبر ما يمكن من التركيز في المستقبل بصفته مصدًار للمعلومات المتعلقة بوجهات النظر اللغوية والممارسة الفعلية إضافة إلى تفصيلات الكيفية التي تتفاعل بها هذه الأنظمة السلطوية المختلفة والممارسات الاجناسية. وللتمثيل على ما سوف أعمله في هذا التحليل باستخدام هذا الاطار، فقد لخصت في الجدول رقم 2 مظاهر السمت في النظام المهيمن عند جماعات المتكلمين للعربية (الموجود في رأس العمود رقم 1 في الشكل رقم 1)، ولخصت في الجدول رقم 3 مظاهر الاعمال المحددة


14 المماثلون لهؤلاء الكتاب في السياق الانجليزية الامريكية كتاب يشار إليهم أحياًنا بـ”الخبراء”، أو كما وصفهم بولنجر (1980) بـ”كهنة” اللغة ومنهم كتاب مثل إدوين نيومان وجون سايمون ووليم سافير، من بين آخرين.[انظر الفصل الثاني عشر في كتاب ستيفن بنكر: الغريزة اللغوية: كيف يبدع العقل اللغة، ترجمة حمزة المزيني، 2000م عن سخرية بنكر بهؤلاء الكتاب الامريكيين وأشباههم وعن أحكامهم على الاستعمالات والاساليب اللغوية في الانجليزية [المترجم]].

 

التي أنتجها مثقفون عرب غير متخصصين ناقشوا بشكل علني اللغة العربية في أعمالهم (المجموعة الثانية من الاسماء في العمود 3 في الشكل رقم 1)15.وقد رأيت أن فكرة “السموت” الغامضة شيًئا ما، كما يصِور ذلك الجدول رقم 2، ملائمة للنظام المهيمن للسلطة اللغوية العربية كما تعكسه (أو ربما “تُشِيئه”) القضايا أو الاستعمالات السائدة التي تقوم عليها “قصة اللغة العربية”. (ويمثل عمل هايدن وايت، كما يتجلى في ( White 1980)مصدر الالهام بهذه المقاربة. وهي أفكار مثل”الوحدة والنقاء والاستمرار والتنافس”. واستخلصت هذه الافكار من السرديات الحداثية (القرن التاسع عشر والقرن العشرين) عن تطور اللغة العربية، وهي التي يمكن أن توجد عند كتاب أقدم كابن خلدون، كما توجد جزئيا عند النحويين وعلماء اللغة ونخب الادباء والمتعلمين العرب القدماء. وتتماثل هذه المجازات الثقافية الاربعة التي تقوم عليها “قصة اللغة العربية” بعض الشيء مع الاساطير الاربعة عن العربية عند فيرجسون: إذ يتصل نقاشه لوجهات نظر العرب عن (1)، أي تفوق اللغة العربية، با ستعمال السائد لـ”النقاء”؛ وتتصل الاسطورة عن (2)، أي ازدواجية الفصحى والعامية، بتقاليد “الوحدة” إضافة إلى تقاليد “التنافس”؛ ويمكن النظر إلى الاساطير عن (3)، أي تقييم اللهجة، على أنها تقع تحت فئة “التنافس”؛ كما تتصل الاسطورة عن (4)، أي مستقبل اللغة العربية، بــ”الاستمرار”.


15 لن أوضح الممارسات الاجناسية أو الحقول الخطابية التي قدمتُها في العمود 2 من الشكل رقم 1.
وهذه الفكرة مظهر جديد لتحليلي لم أطوره بشكله تام لكني أعتقد أن أكثر ما أريته في البداية على أنه “سمت” (لاسيما في الكتابات اللسانيات الحداثية) يمكن فهمه فهًما أفضل على أنه جزء من الممارسة النوعية في خطاب معين أو تخصص فرعي. وآمل أن يكون من الممكن في المستقبل تطبيق كثير من الآراء الثاقبة المستخلصة من التحليلات الخطابية للخطابات العلمية.

وهذه الاستعمالات السائدة، كما هي الحال مع  نقاش فيرجسون العاِم جدا،تجريدية إلى حد بعيد وتعميمية وبحاجة إلى مزيد من التحديد والتمييزات الادق. وسوف أتناول هذا في نقاِش مختلف الخطابات والممارسات الأجناسية التي تتفرع عن مختلف الأنظمة السمت اللغوي العربي وتغذيها. أماالآن، فهذا النقاش في مراحله الأولى وسأكتفي بإيراد نقاش عام (لخصتُه في الجدول رقم 3) عن بعض “المثقفين غير المتخصصين” على أنهم أمثلة للكيفية التي يتفاعل بها الأفراد مع خطاب ما أو مع خطابات متعددة، وهي التي تعكس من جهتها مختلف أنظمة السلطة والكيفية التي تتفاعل بها في تشكل تمثيل اللغة العربية16.


16 قصدت بالمؤلفين الاربعة أن يمثلوا خطابات مختلفة إضافة إلى إيديولوجيات سياسية وثقافية مختلفة: فالعقاد ناقد أدبي محافظ وأديب وزكريا سعيد مؤرخ لغوي محافظ، أما موسى فصحفي ماركسي متطرف وناقد اجتماعي ولينين الرملي كاتب مسرحيات يساري وكاتب للتلفزيون. . . [يشير هنا إلى معنى درجات التظليل [في أصل المقالة] للخلية الاولى تحت العقاد والخلية الاولى عند سعيد على أنه تمثيل لدرجة اهتمام المؤلف بالمظهر المتكلم عنه].

 

 

وحاولت أن أبين في تناولي هؤلاء المؤلفين غير المتخصصين كيف انعكست ِقيم السمت أو الايدولوجيا الضمنية المتعلقة بأنظمة السلطة المختلفة (في ما يخص اللغة العربية) في أعمال معينة عن اللغة العربية، أما ما وجدتُه فهو أن الامور ليست بتلك البساطة. فبدلا ً من العثور على انعكاس بسيط [بين كل سلطة وأخرى] فما أجده دائًما تحليلات تشهد بعملية تفاعلية ازدواجية تتأثر فيها الممارسات السلطوية المهيمنة بممارسات سلطوية منافسة. فيدافع العقاد، مثلا، وهو لغوي محافظ (أو”شديد المحافظة”)من منظور تقليدي لكنه يقترض مجازات حداثية في حجاجه بوجود أسس “علمية” لـ”الدال”motif17 الذي يقوم عليه تمثيُله للغة العربية (وهو يشمل الاستمارر والنقاء والتنافس): فاللغة العربية قديمة ِقدم أسرة اللغات الهندية الجرمانية، فهي تستحق لذلك أن تُدرس دارسة لغوية علمية مثل تلك اللغات؛ ومما يشهد “علميا” بنقاء اللغة العربية بنيتُها الصوتية والانماط المنطقية لكلماتها (وهو ما يذِكر بأساطير فيرجسون)؛ وأخيًار، تُبرهن اللغُة العربية، في تنافسها مع اللغات الاوروبية الحديثة، على أنها متقدمة بقدر تقدم تلك اللغات، ذلك أنها تتضمن الازمنة [النحوية] مثل تلك اللغات. أما [سلامة] موسى، من جهة ثانية، فمتطرف لغوي، وهو يستعمل خطابة الِعلم والعلمية الحداثية نفسها لكن في الاتجاه المضاد. ومع أنه كان يجادل من منظور حداثوي فهو يعكس الطريقة العربية المهيمنة في الكلام عن اللغة ـــ أي بمصطلحات” الاستمرار “و” لنقاء “و”الوحدة” السياسية ـــ حتى إن كان هدفه مقارعة هذه الاعتقادات نفسها فهو يعيد اختراعها بشكل حداثي موارب.


17 ويعني “الدال” motif فی الادب، الفکرة الرئيسة أو الموضوع الذي يتکرر فی الانتاج الادبي أو المفردة المکررة. وهي تحمل دلالات وايحاءات رمزية تُسهم في تطوير النص. ويترجمه د. سعد البازعي ود. ميجان الرويلي في كتابهما (دليل الناقد الادبي. الدار البيضاء، بيروت: المركز الثقافي العربي، 2002 (ط3)، ص 30 ، وص 171، وص 173) بــ”الخيط الناظم” [المترجم].

 

وهدفي البعيد أن أقوم بفحص أوسع لهذه الاعمال والممارسات المحددة في خطابات متنوعة وهي التي يجب بسطها بعد ذلك وبيان علاقاتها بالاستعدادات الثقافية الواسعة والايديولوجيات. ويدخل في كل خطوة من هذه العملية طبقات كثيرة جدا من التمثيل وإعادة التمثيل وهي عملية ربما يكون من الصعب أحياًنا معرفة من أين نبدأ في فحصها. ومن ذلك، مثلا ً، أن من الضروري في مقاربتنا للتمييز التقليدي بين ما يسمى مدرستي البصرة والكوفة في النحو العربي التقليدي أن نلتفت إلى تفسير مؤرخي اللسانيات الغربيين المحدثين الذين يقلِلون من حقيقة وجود هاتين المدرستين بصفتهما مدرستين نحويتين متمايزتين، وهو ما يخالف التقليد [النحوي العربي) نفسه الذي يورد هذه القصة على أنها مكِون مهم لتاريخ دراسة اللغة العربية. وتوصلت إلى أن جزءا كبيرا مما تقوم عليه هذه ًً الروايات وتكرارها في التواريخ الحداثية للنحو تتصلب ممارسات فرض السلطة ــــ أي ماالذي يكِون أسس الاستدلال في الخطاب اللغوي:أما أسس الاستدلال في الخطاب التقليدي فكانت شخصيًة مشروطة بالسياق (نحوي معين، مع مصدر معين، من مكان وزمان معينين) وله “نظير” في التعليل الفقهي، وهو نوع آخر من ممارسة فرض السلطة الذي يتصف بأنه شخصي ومشروط بالسياق إلى حدود بعيدة جدا، كما حظ كارتر (1999م). ِ

ومع ذلك، وحتى مع توسيع مجال التحليل إلى مدى أبعد وارء ما تضمنته مقالة فيرجسون الاصيلة، يجب أن نتذكر أن التمثيل الذي أشتغل بتطويره لايزال انتقائيا ومشروًطا ويجب أن يقوم على هذا الاساس. ويعني هذا أني أرغب في تطبيق وعي ذاتي نقدي انعكاسي للتمثيل الذي أعرضه وهو الذي ربما كانت بدايته مدفوعة بالنظر إلى مقارنة أساليب فيرجسون الخطابية في مقالته بالاساليب التي أستخدمها.

ملخص: خطابة التمثيل

أود في ِالختام أن أناقش النقطة الثالثة في المقارنة التي أوردتُها في بداية هذه المقالة، أي الاسلوب الخطابي لهاتين المقاربتين. فيتصف أسلوب فيرجسون في مقالته بسمتين:

 

1ـــ الميل إلى التعميم عن المواقف والاعتقادات،

2ــ الميل إلى تشخيص وجهات النظر المعممة تلك أو تجسيدها.

ويعني هذا أنه يعِمم الخصائص عْبرالافراد(مثل:الاعتقاد بهذه”الاساطير”)بحيث ينسب وجهاِت النظر هذه إلى فرد أومجموعة من الافراد.وتُعج مقالته، نتيجة لذلك، بعبارات مثل: “العرب يشعرون”، و”العرب يعون”، و”في الدوائر العربية. . . [ثم] اعتقاد”، و”الاندماج العاطفي للُمْلقي والحضور”، و”سوف يفضل الفلاح الامي”، و”الاعتقاد العربي” الامي والمتعلم ونصف المتعلم، و”كما يشعر بها متكلمو العربية لغة أولى”، إلى آخر ذلك. ويقتضي هذا الاسلوب الخطابي بقوة وحدًة في وجهات النظر أو تجانًسا في الاعتقاد الذي ربما تجد الملاحظُة الدقيقُة ما يدل عليه، لكنه شكل من أشكال “التجذير الجوهراني”18 في خطاب صار علامة على خطاب المستشرقين عموًما (وربما كان أحد الاسباب التي تفسر بعض ردود الفعل السلبية التي قابله العرب بها، كما يصف ذلك في مقالته [المنشورة في 1990م]19. ِ وفيما تحدث فيرجسون بطرق شيأت20 فردا ممثلا ً أو مجموعة ممثلة باستخدام منظومة من الاعتقادات، يقوم ما أسعى إلى عمله في “منهجيتي المعاكسة” 21ًُ ِعلى تشييئ منظومة من الاعتقادات أو مْوضعتها بعيًدا عن الافراد وأن أنسبها إلى شيء آخر ـــ أي إلى “السمت” أو “الممارسات الاجناسية”. ويأتي هذا، كما أعتقد، متماشًيا إلى حد بعيد “مع روح الوقت”22، وأظن أنه يمكن أن تكون مثل هذه المقاربة مفيدة في بيان بعض مظاهر التمثيل الثقافي أو التمثيل الثقافي اللغوي عبر الثقافات، وهو ما أسعى إليه. لكن ثم مشكلات موروثة [لازمة] في هذه المقاربة كذلك. وأولها، أني أزعم (وهو زعم غير مقصود) أن هذه الكيانات الثقافية صفات مستقلة ومسبقُة الوجود في “ثقافة” لم أحِددها بعُد بأي طريقة. وثانيتها، أن العناصر غير المشخصة وغير الُمموضعة لـ”السمت” ربما تشيأ بهذه الطريقة لتحيا حياة خاصة بها،كما تبين من الطريقة التيُ شِيئت بها فكرةُ”الحضارة”واستُخدمت اغراض سياسية في سيناريو “صراع الحضارات”عند صامويل هنتنجتون (1996م)23. ومن هنا يمكن لبعض وجهات النظر “اللطيفة غير المحددة” في الثقافة العربية أو الاسلامية، مثل (“استخدام سبعة أنواع من “المكسرات” في حفلة الِسبوع”)24 أن تحول لتصير الوحش الفارنكشتايني الذي هو “الحضارة الاسلامية” عند هنتنجتون (أي أن “المسلمين [مخبولين”] وهي التي تعاد فيها صياغة العناصر التي كانت موضوعية وغير ذاتية وغير فردية لتصير فردية وذاتية في الممارسة الاسلامية والاعتقادات الاسلامية (أو: “تُجسم”) لتظهر على شكل فاعل خطير على المسرح العالمي. وسيبقى السؤاُل عن كيف نتعامل مع النتائج السلبية لهذا الشكل المختلف من هذا الخطاب الُمجْوِهر وكيف نواجهه مشروًعا للمستقبل. أما في اللحظة الحاضرة فيجب أن نحظ ببساطة أن هذه الانواع من المقاربات إنما تبِين باختصار فائدة التمثيلات وقصورها معا، ويتمثل ذلك في أن الآراء الثاقبة التي يوصل إليها في مجال ما يمكن أن تصرف النظر عن نواقصها في مجال آخر. فمن الضروري، إذن، أن نتذكر دائًما أن هذه [التمثيلات] ُمتخيلات مفيدة ومن هنا فهي تشبه “أساطير” فيرجسون، إضافة إلى أن مظاهر الواقع الذي تصفه ليست إلا جزءا من الواقع وهو ما يجعل التمثيل نفسه قاصرا ومشروطا ـــ فهو مفيد ودال لبعض الاغراض لكنه قاصر على أي حال. ً 

 


18 Essentializing النظرة التي تحول الاشياء العارضة إلى دائمة وأساسية [المترجم]. 19 انظر ترجمتي لمقالته: “فأتوا بسورة من مثله!” غير المنشورة [المترجم]. 20 من كلمة “شيء”، أي تحويل الفكرة إلى شيء محسوس، ومنها “تشييء” أي جْعله “شيًئا” [المترجم]. 21 Objectifying أي نقلها من الذاتية إلى الموضوعية [المترجم]. 22ـــــ أي مع ما يصح أن يقال في هذا الزمن مراعاة لحساسية المدروسين، وما يتماشى مع الروح العلمية [المترجم].

23 ترجم المرحوم الصديق الدكتور طلعت الشايب كتاب هنتنجتون هذا إلى العربية، القاهرة: سطور، 1998/1/1م [المترجم]. 24ــــــ يشير هنا إلى أنواع المكسارت التي تدخل في الحفلة التي تقام بمناسبة مرور سبعة أيام على ولادة الطفل في مصر. وفي كلامه هنا تلاعب بلفظ nuts الذي يعني في العربية “مكسارت”

لُيعنى بها كلمة nut التي تستعمل في الانجليزية الامريكية وصًفا تشنيعيا لمن يتصرف تصرفات غريبة [المترجم].


المراجع:

العقاد، عباس محمود العقاد (1960). اللغة الشاعرة: مزايا الفنون والتعبير في اللغة العربية. القاهرة: دار غريب للطباعة. الرملي، لينين. (1992). بالعربي الفصيح. القاهرة: المركز المصري العربي.

Bolinger, Dwight (1980). Language, the Loaded Weapon: The Use and Abuse of Language Today. London: Longman. Bourdieu, Pierre (1991). Language and Symbolic Power. Cambridge, MA: Harvard University Press.

كتاب الانتصار لابن ولاد .Carter, Michael (1999). A missing link between law and grammar, the intisar of Ibn Wallad

Paper read at the American Oriental Society Meeting, Baltimore, MD, March.
Ferguson, Charles (1959). Myths about Arabic. Languages and Linguistic Monographs Series,
Georgetown University 12, 75–82.
—(1968[1959]). Myths about Arabic. In Readings in the Sociology of Language, J. Fishman (ed.), 375–381. The Hague: Mouton. —(1987). “Come forth with a surah like it”: Arabic as a measure of Arab society. In

Perspectives on Arabic Linguistics, M. Eid (ed.), 39–54. Amsterdam: Benjamins.
Hanks, William (1987). Discourse genres in a theory of practice. American Ethnologist 14 (4),
.692–668
Harris, Roy (1981). The Language Myth. New York: St. Martin’s.
Huebner, Thom (ed.) (1996). Sociolinguistic Perspectives: Papers on Language in Society, 1959–1994 / Charles A. Ferguson. New York and

Oxford: Oxford University Press.

Huntington, Samuel (1996). The Clash of Civilizations: The Remaking of World Order. New York: Simon and Schuster. Knauft, Bruce (1996). Genealogies for the Present in Cultural Anthropology. London:

Routledge.

موسى، سلامة. (1964 [1945ــ 1965]). البلاغة العصرية واللغة العربية. القاهرة: مطبعة التقدم.

24

International Journal of Sociology of Language. 163 (2003), pp. 43-59.• ُنشرت هذه المقالة في دورية:والكاتب هو: الدكتور جون إيزيل الاستاذ المشارك والمشرف على برنامج الدارسات العربية، قسم اللغات الحديثة والاداب الحديثة،كلية وليم وماري، ولاية فيرجينيا، الولايات المتحدة الامريكية.25John EiseleAssociate ProfessorArabic Studies Program DirectorDept. of Modern Languages and LiteraturesCollege of William and MaryWilliamsburg, VA 23185
USA
error: