العدالة، والتفاوت، و الصحة – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: فاطمة الشملان

العدالة، والتفاوت، و الصحة – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: فاطمة الشملان

 


حول العدالة والتفاوت و الصحة ، والميل الاجتماعي في الصحة ، ومحددات اجتماعية أخرى للصحة؛ نص مترجم ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة. نسخة PDF


ثمة ضمن الرجال الأمريكيين فارق 15.4 سنة بين متوسط أعمار الآسيويين وسكان المدن السود المعرضين لنسبة أعلى من الخطر، إذ تشكل تلك المجموعتين تباعا أفضل وأسوأ مجموعات الرجال في تحليل “الأمريكيات الثمان” للوفاة في الولايات المتحدة الذي أجراه ميوراي وزملائه (2006). أما ضمن النساء الأمريكيات فإن فارق متوسط العمر 12.8 سنة. وبالرغم من أن المجموعة الأسوأ هن النساء السود في القرى الجنوبية (أمريكا7) عوضا عن السود في المدن ذوي النسبة الأعلى خطرا (أمريكا 8)، فإن هذه التفاوتات في العمر الأمريكي جائرة بشكل جدي ظاهريا.

وإذا ما توجه المرء إلى السياق العالمي، فإنه يمكن ملاحظة تفاوتات بالعمر مشابهة في الحجم حتى بين أسوأ البلدان والمتوسط العالمي: ففي 2011، كان متوسط العمر في 19 دولة 15 سنة أو أكثر وهو أقل من متوسط العمر العالمي (70 سنة)؛ وهذا المتوسط العالمي نفسه أقل بـ 13 سنة من متوسط العمر في اليابان وسويسرا، اللتان تملكان أعلى متوسط في العمر من الكل (منظمة الصحة العالمية 2013، جدول 1).

لكن عما إذا ظهور الجور هنا سيتعرض لتدقيق مكثف هو سؤال مستقل. إذ لا تبدو كل التفاوتات في العمر جائرة. فعلى سبيل المثال، كان متوسط عمر سنة 2010 لكل النساء الأمريكيات 80.9 سنة، بينما لم يتجاوز متوسط عمر كل الرجال الأمريكيين 76.3 سنة ((Wang et al., 2013. من المفترض أن يمثل فارقا قليلا مكونا 4.6 سنة لمتوسط العمر (لو كان هناك) جورا. بيد لو أن بعضا من التفاوتات جائرة، فالتفاوتات في الصحة جائرة بمطلق القول.

إذن ما الذي يجعل التفاوت في الصحة جائرا حين يحصل؟ هل للتفاوتات الصحية أهمية ما في العدالة تختلف عن التفاوتات الأخرى المهمة؟ أم هل الجور في تفاوت مجحف في الصحة هو نتيجة تطبيق مبادئ عامة للمساواة والعدل على الصحة ببساطة؟

للإجابة على هذه الأسئلة، على المرء أن يمحص نوعين مختلفين من الأدبيات. فعلى صعيد، هناك أدبيات تجريبية تتعلق بما يحدد الصحة، وعلى صعيد آخر، ثمة أدبيات فلسفية تتعلق بأخلاقيات صحة السكان. الأدبيات الأولى أكثر تشعبا وتطورا من الأخيرة. وحتى هناك، فإن الإجابات المطروحة بالكاد تكون تامة أو متحققة بالكامل.

 

 

  1. مقدمة

  2. الميل الاجتماعي في الصحة

  3. محددات اجتماعية أخرى للصحة

  4. جماعات أم أفراد

  5. الطرق السببية

  6. المساواة

  7. التعقيدات

  8. الخيار والمسئولية

  9. الصحة فقط، معها وضدها

    المراجع

    أدوات أكاديمية

    مصادر إنترنت أخرى

    مدخلات ذات صلة


 

 

 

  1. مقدمة

بديهيا، لو أن تفاوتا في متوسط العمر حاصل لا محالة فإنه بالتالي ليس جورا. لابد من شرط ضروري ومعقول ألا وهو أن من أجل أن يكون تفاوت معين جائرا، على التفاوت أن يكون قابلا للتجنب. لدرجة، على سبيل المثال، أن بعضا من الحتميات البيولوجية المحددة للتفاوت الواسع الملاحظ في متوسط العمر بين الرجال والنساء، ليست مؤهلة لتكون جائرة. (وبالفعل، اعتمد سن سنة 1992 بشكل معروف على تقدير بعض التفاوتات البيولوجية الحتمية كتلك كجزء من حجته لنقد معاملة النساء في دول التي لا يتساوى فيها متوسط العمر وأنه هو في الواقع لصالح الرجال.)

وبالتالي فإن الخطوة الأولى لتحليل الجور المحتمل للتفاوت في الصحة هو إثبات أن التفاوت يمكن تجنبه. ويتطلب هذا في المقابل شيئا من الفهم لمحددات (أو أسباب) الصحة.

بل أكثر تحديدا، يتطلب فهما للمجموعة المتفرعة لمحددات الصحة التي يمكن التحكم بها اجتماعيا. بعض أهم محددات الصحة -كما هو معروف، البيولوجيا والحظ – لا يمكن التحكم بها اجتماعيا؛ ولهذا السبب تحديدا، فإن التفاوتات في الصحة بسبب البيولوجيا أو الحظ لا يمكن تفاديها (وبالتالي ليست جائرة). إن جل الأدبيات التجريبية تركز على ما يُعرف بالـ “المحددات الاجتماعية” للصحة. ففي هذا السياق، فإن المحدد الاجتماعي للصحة ميل يمكن التحكم به اجتماعيا خارج النظام الصحي التقليدي والذي هو سبب جزئي مستقل لوضع الفرد الصحي. إن الأمثلة المرشحة هي الدخل والتعليم والمرتبة الوظيفية والطبقة الاجتماعية.

من الجلي أن الرعاية الصحية (الرعاية الطبية الشخصية والصحة العامة) محدد للصحة إضافي يمكن التحكم به اجتماعيا. ومع هذا، ولأسباب متباينة في كل من الأدبيات التجريبية والفلسفية، فإن الرعاية الصحية موضوع منفصل نوعا ما. ووفقا لذلك سنتطرق إليه لبرهة فقط. إذ لا يعد التباين في الوصول إلى الرعاية الصحية مساهمة فعالة للتفاوت في الصحة. (ولتصحيح موجز ضد الميل الطبيعي للاحتفاظ بموقع امتيازي للرعاية الصحية هنا، انظر Marmot and Wilkinson 1999، الفصل الأول). غير أن الاعتراف بأن ثمة محددات اجتماعية للصحة، بالمعنى الذي عرفناه، لا ينكر أهمية الرعاية الصحية كسبب جزئي آخر.

وسواء يقلل الوصول الشامل للرعاية الصحية التفاوت في الصحة بشكل بالغ أم لا، فإن ثمة قناعة متفشية بأنه متطلب للعدالة. وبالفعل، كان إنشاء سبب للوصول الشامل للرعاية الصحية (كمتطلب للعدالة) تركيزا تقليديا في الانعكاس الفلسفي على الصحة والعدالة. والتعليل الأكثر شهرة هي محاجة تكافؤ الفرص التي أنشأها نورمان دانيلز (1985؛ 2008). ففي تلك المحاجة، يقع حق الفرد في الرعاية الصحية على المساهمة العملية بأن الصحة الجيدة توجد للحفاظ على حصة الفرد العادلة من الفرص. وبما أن تعليل دانيلز يفتح في النهاية الزعم بأن الوصول الشامل يقلل من التفاوت في الصحة، فإنه مفتوح للنقد التجريبي على هذه النقطة (Sreenivasan 2001; 2007a).

وحجة التأمين الحصيف هي تعليل آخر بارز (Dworkin 2000 ; Gibbard 1984 فصل 8). يقع حق الفرد بالرعاية الصحية هنا على الطرح القائل بأنه تحت ظروف مثالية معينة سيكون سببا حصيفا أن تصرف الدولة جزءا من حصتها على تأمين صحي محترم على الأقل. أما التعليل الثالث لإتاحة شاملة للرعاية الصحية فقد وفره ألن بوتشانان (1984) والذي امتلك ميزتان فارقتان. فعلى صعيد، يسمح بتبرير توفير رعاية صحية فردية تتباين عبر الأفراد – إن التغطية لشاملة يبررها لحاف من رقع مكون من تبريرات مختلفة محاكة ببعضها. وعلى الصعيد الآخر، تجنب ميادين المساواة (لا يوجد قابلية لـ (نصيب عادل) من أي شيء) – في الواقع، إن (رقعتها) الأكبر توفرها حجة من الإحسان المفروض الذي يقع على ميادين الإرادة الحرة بشكل ظاهر. (انظر مدخل العدالة والوصول إلى الرعاية الصحية justice and access to health care ).

 

  1.  الميل الاجتماعي في الصحة

يمكن في الواقع أن تُنسخ أكثر نتائج الأديبات التجريبية تأثيرا وقوة بأي من المحددات الاجتماعية للصحة المرشحة والمصفوفة هنا (الدخل والتعليم والمرتبة الوظيفية والطبقة الاجتماعية): هذا هو وجود ميل اجتماعي في الصحة ضمن مجتمع معطى. تأتي أكثر الأدلة أهمية عن العلاقة بين ميل يمكن التحكم به اجتماعيا وبين الصحة من دراسات وايتهول التي حصلت في بريطانيا من قبل مايكل مارموت وزملائه (1978). كان المحدد الاجتماعي المرشح في تلك الدراسات هو المرتبة الوظيفية.

بين 1967 و1969، اختبر مارموت 18,000 مدنيا تتراوح أعمارهم بين 40 و69 سنة. وعبر وضع علامة على ملفاتهم في سجل الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، تمكن مارموت من تقفي سبب وفاة كل شخص منهم، كانت بياناته جيدة بشكل غير اعتيادي. فبداية، هي ناتجة عن نقاط بيانية عن أشخاص محددين. ويذكر كل بيان العلاقة بين المرتبة الوظيفية لشخص معين والمدى العمري (وسبب الوفاة) لذات الشخص. كانت على  النقيض من كل الدراسات تقريبا والتي تب>ا ببيانات إجمالية. علاوة على أن عددا مهما من العوامل الثانوية ظلت ثابتة لدراسة العينة هذه. إذ من الملاحظ أن كل الأفراد في هذه الدراسة مستقرين وظيفيا ويعيشون في نفس المنطقة (لندن الكبرى) ويملكون كلهم وصولا مجانيا للرعاية الصحية توفره الخدمات الصحية الوطنية.

تمثل رسمة1 بيانات وايتهول بعد 25 سنة من المتابعة (van Rossum et al. 2000, 181). ذكرت الدراسة بأنها ضبطت عمر نسبة معدل كل الوفيات إلى المرتبة الوظيفية على ثلاث فترات من المتابعة. وينص نسبة معدل الوفيات نسبة الوفاة في مجموعة معينة مقسمة على نسبة معدل الوفيات في المجموعة المختارة كمرجع. ثمة أربع درجات في تراتبية الخدمة الوظيفية المدنية البريطانية: إدارية (الأعلى)، مهنية/ تنفيذية، كاتب وأخرى (الأدنى). استخدمت مجموعة المهنية/ التنفيذية كمرجع، وبذا فإن نسبة معدل الوفاة فيها 1.0 بديهيا.

 

الرسمة 1: الميل الاجتماعي في إجمالي الوفيات، وايتهول بعد 25 سنة من المتابعة.

الرسمة 1: الميل الاجتماعي في إجمالي الوفيات، وايتهول بعد 25 سنة من المتابعة.

إن الميزة المذهلة والمهمة في هذه البيانات هي أن العلاقة بين المرتبة الوظيفية والوفاة تُظهر ميلا واضحا.  من الطبيعي التفكير بأن تحت نوع معين من الحرمان سيكون ثمة اعتلال في الصحة غير متكافئ. بيد أن في عينة الدراسة هذه لا يوجد حرمان ولا حتى في أقل مرتبة (حيث الكل لا يزال موظفا حكومية بوصول مجاني إلى الرعاية الصحية). علاوة على وكما لوحظ لا يوجد منطلق لها، ثمة تحسن خطوي في نتائج الصحة أثناء ما يرتقي المرء درجات السلك الوظيفي. فضلا على أن ذلك الميل يستمر حتى بعد تعديل معدلات الوفاة لعامل مخاطرة معياري. فعلى سبيل المثال، أمراض القلب التاجية مسئولة عن 43 بالمائة من الوفيات في دراسة وايتهول بعد عشر سنوات من المتابعة (Marmot et al. 1984, 1003). وتشمل عوامل الخطورة المعيارية لأمراض القلب التاجية التدخين وارتفاع ضغط الدم ومستويات الكلسترول والسكر والطول. تعرض الرسمة 2 بيانات وايتهول عن الوفيات جراء أمراض القلب التاجية بعد خمس وعشرين سنة من المتابعة (Marmot 2000, 363). إذ تذكر معدلات نسبية للوفاة جراء أمراض القلب التاجية من خلال الدرجة الوظيفية مع كون الدرجة الإدارية حاصلة على معدل 1.0 حسب التعريف. يعرض العامود الأيسر من كل زوج المعدل النسبي المثبت على العمر وحده، بينما يثبت العامود الأيمن كل عوامل الخطر المعيارية. يُفسر تثبيت عوامل الخطر المعيارية شيئا من الميل في الوفاة جراء أمراض القلب التاجية، ولكن ليس أكثر من الثلث. يظل الميل الباقي بالغا.

الرسمة 2: عامل خطر في الميل الاجتماعي معدل في الوفاة جراء أمراض القلب التاجية، وايتهول بعد 25 سنة من المتابعة.

الرسمة 2: عامل خطر في الميل الاجتماعي معدل في الوفاة جراء أمراض القلب التاجية، وايتهول بعد 25 سنة من المتابعة.

  1. 3. محددات اجتماعية أخرى للصحة

من المؤكد أن وجود ميل اجتماعي في الصحة يوعز بأن شيئا ما يمارس تأثيرا قويا على صحة الفرد إضافة إلى الرعاية الصحة – شيئا يتزامن على الأقل مع متغير اجتماعي. غير أنه ليس من الجلي تماما ما هو هذا الشيء. في البدء، يمكن إيجاد ميول محلية في متوسط العمر للفرد حين يكون المتغير الاجتماعي هو الدخل (McDonough et al. 1997)؛ والتعليم (Huisman et al. 2005; Crimmins and Saito 2001; Elo and Preston 1996; Kunst and Mackenbach 1994)؛ والطبقة الاجتماعية (Wilkinson and Marmot 2003).

وبالتالي فإن الحقيقة الظاهرة للميل الاجتماعي في الصحة بحد ذاتها تتوافق مع اعتبارات مختلفة جدا عن التأثيرات السببية المبطنة على صحة الفرد. يمكن لكل متغير اجتماعي منفصل أن يعمل كـ “علامة” لعوامل مسببة مبطنة مختلفة، ويمكن لمتغيرات اجتماعية مختلفة أن تعمل في المقابل كعلامات بديلة لنفس العامل السببي المبطن، أو يمكن أن يكون هناك مزيجا من الاثنين. (كما أنه من الممكن أن بعضا من المتغيرات الاجتماعية – مثل التعليم [انظر Cutler et al. 2011] – أن تعمل كعامل سببي مباشر نسبيا.)

بالإضافة إلى أنه ليس من الواضح كم من التزامن بين الصحة ومتغير اجتماعي هو سببي بشكل موائم في المقام الأول. ففي بعض الحالات، ثمة بعض من “السببية المعكوسة” بشكل جلي بين الصحة والمتغير الاجتماعي، والملاحظ من الصحة المعتلة إلى الدخل المنخفض (Deaton 2002). بالإضافة أن ثمة بعض السببية الجلية ضمن المتغيرات الاجتماعية والملحوظة في التعليم وفقا للدخل المرتفع والحالة الوظيفية الرفيعة.

يمكن صنع خيار المتغير الاجتماعي الذي يصف بعضا من الميل الاجتماعي في الصحة وفق عدد من المنطلقات المختلفة. أحد المنطلقات الواضحة سيكون في اختيار المتغير (متغيرات) الأقرب لنقل الآلية (الآليات) السببية العاملة. سيكون اختيار المتغير (المتغيرات) التي تملك أهمية أخلاقية مستقلة، كالعرق والجندر، منطلقا آخرا. إن تلك المنطلقات لا تقصي بعضها ويمكن في حالة أن يُختار نفس المتغير بناء على كلا المتغيرين. يكتسب الثاني علاقة خاصة إذا كان التفاوت الصحي الذي يعاني منه الأفراد الذين يعانون أيضا من التفرقة العنصرية مثلا جورا أكثر من التفاوت الصحي (نفس المقدار) المختبر في غياب التفرقة العنصرية. إذا يمكن للجور أن يكون مركبا على آخر، إذن فإن اختيار المتغير الاجتماعي قد يؤثر على نوع التفاوت في الصحة في تلك الحالة وليس مقداره ببساطة.

حين يكون المتغير الاجتماعي هو الدخل، فإن ثمة جدل تعريفي إضافي يجب اعتباره. يبدو أن الدخل يملك تأثيرا مهما في متوسط العمر، وحتى التحكم في التعليم (Backlund et al. 1999). بيد أن ثمة جدل مستمر عن أي تعريف للـ “الدخل” مناسب للقبض على ما تصنعه مساهمة دخل الفرد في متوسط العمر (انظر إلى عينة المقالات المجموعة في Kawachi et al. 1999. فوفقا لفرضية الدخل المطلق، ما تصنعه مساهمة الدخل في متوسط عمر الفرد هو مهمة دخل الفرد غير المقارن بالكامل. وعلى النقيض، تقول فرضية الدخل النسبي عموما بأن متوسط عمر الفرد هو مهمة المستوى النسبي للدخل – أي مستواه مقارنة بدخل الآخرين في مجتمعه – وليس مستواه غير المقارن ببساطة (Wilkinson 1996). ولجعل هذه الفرضية الثانية دقيقة، من بين أشياء أخرى، فإنها تتطلب من المرء تحديد المجموعة المرجعية التي سيقارن بها دخل الفرد وطبيعة المقارنة أيضا (من أجل الأمثلة، انظر Deaton 2003). ومن أجل مراجعة لهذا الجدل والأدلة، انظر Sreenivasan 2009a)).

 

  1. مجموعات أم أفراد

تقدم نقاشنا حتى الآن بشكل واضح على افتراض أن التفاوتات في الصحة مُعرّفة باعتبار الانتماء لمجموعة اجتماعية ما أو أخرى (واحدة من “الأمريكا الثمانية” مثلا أو مرتبة وظيفية ما في تراتبية وايتهول). وبالتالي “التفاوت” في الصحة، كما يُعرّف، هو الفرق بين الوضع الصحي لمجموعتين بحيث أن هوية المجموعة تتبع خيار المتغير الاجتماعي الذي تتزامن معه الصحة. وفي حين أن تلك هي الطريقة التي يُبنى فيها النقاش في الأدبيات حول التفاوتات الصحية في الواقع، غير أن التعريف محل نقاش. إذ يحاج كريستوفر ميوراي وزملائه (1999) لصالح منهجية بديلة حيث يشير “التفاوت الصحي” إلى “التباين في الوضع الصحي عبر الأفراد ضمن السكان” (537)، عوضا عن الفرق في الوضع الصحي بين المجموعات الاجتماعية.

ينظر جدل حي آخر، حفزه بشكل كبير مقالتهم والتفاعل معها، إلى السؤال المفاهيمي الأساسي عن كيف يجب أن يُعرّف التفاوت الصحي في المقام الأول (من أجل مراجعة جيدة، انظر Asada 2013). هل يجب أن يُعرّف عبر مجموعات اجتماعية؟ أو عبر الافراد؟ من المفيد اعتبار هذا السؤال على مستويين منفصلين. فلنسمي الأول “المستوى الأخلاقي الأساسي” ولنفرض بأن على هذا المستوى يكون الفرد هو الوحدة الأساسية محل الاهتمام.

قد يبدو الآن كما لو أن هذا الافتراض يلزمنا بتعريف “التفاوت الصحي” عبر الأفراد كذلك، أي رفض التعريف التقليدي على المستوى الأخلاقي الأساسي، ولكن هذا خطأ. إذ أن موقف دانيل هاوسمان (2007،2013) في هذا الجدل يوضح هذه النقطة جيدا. فبالرغم توكيده على أن الفرد هو الوحدة الأساسية للاهتمام الأخلاقي، إلا أنه يظل يعارض تعريف التفاوتات في الصحة عبر الأفراد. إن زعم هاوسمان المركزي هو أن “التفاوتات الصحية “للفرد” ليست في ذاتها جور.”(2013، 95). تركز حجته الرئيسة على حقيقة أن التفاوتات الصحية ليست إلا تفرع من التفاوتات التي تتعلق بالعدالة.

ولتبسيط الشرح، فلنتبع هاوسمان بشكل سطحي في افتراض أن صلاح الفرد هو اهتمام رئيسي للعدالة. عندها يمكن صياغة نقطة هاوسمان الرئيسية كالتالي: على الرغم من أن الصحة عنصر مهم وسبب لصلاح حال الفرد، فإن لو فردين متفاوتين في الصحة لا يتبعه أنهما غير متساويين في صلاح الحال. إذ من الجلي، يمكن لنفس الفردين أن يكونا متفاوتين في عنصر آخر ما، ألا يملك الفرد الأقل صحة صلاح حال أقل بالمجمل. فعلى سبيل المثال، قد يكون أ أكثر صحة من ب، لكن يملك ب أصدقاء أكثر من أ أو يكون أكثر إنجازا (أو كلاهما)، ويمكن للتفاوت الأخير أن يكون أكبر حجما من السابق (أو ذو أهمية أكبر على صلاح الحال)، بحيث أن يكون حال ب الأقل صحة أفضل حالا من أ بالمجمل (cf. Hausman 2007, 52). وبالتالي فإن التفاوت الصحي بين أ وب متسق تماما مع عدم وجود شكوى جوهرية للعدالة في وضعهما المقارن (على الأقل، من جهة ب الأقل صحة). وبذا، لو سمح بالاستنتاج أن الجور حاصل بناء على تصنيف “التفاوت”، فإن وكما يفترض تضمين هاوسمان على الأقل، علينا ألا نصنف أي فرق صحي بين أ وب (أو بشكل عام بين الأفراد) على أنه تفاوت.

بالطبع، وحتى تحت شروطها الخاصة، يقر المنطق في هذه المحاجة باستثناء مهم: متى ما كان التفاوت في الصحة بين الأفراد لا يمكن موازنته بأي من التفاوت الإضافية الأخرى لـ (واحدة أو أكثر) من مكونات صلاح الحال – لأنها كبيرة جدا مثلا (Hausman 2007, 54) – فعندها يسمح لنا هذا التفاوت في الصحة بالاستنتاج أن الفرد الأقل صحة هو أقل صلاحا في الحال بالمجمل. يسمى هاوسمان تلك التفاوتات الخاصة “غير قابلة للتعويض” ويقبل أنها محصنة ضد اعتراضه: “تسمح البيانات المتعلقة بالتفاوتات الغير قابلة للتعويض في الصحة باستنتاجات تتعلق بالتفاوتات بالصحة أو الموقف وبالتالي توفر معلومات نسبية عن المساواتية.” (Hausman 2013, 98). وبالتالي هو يحد من مجال حجته الرسمية بحيث تتعلق فقط بتفاوتات الصحة القابلة للتعويض بين الافراد.

وعلى العكس من تفاوتات الصحة (القابلة للتعويض) بين الأفراد، فإن التفاوتات الصحية بين المجموعات الاجتماعية تسمح بطبيعة الحال، حسب منظور هاوسمان، باستنتاجات عن التفاوتات في صلاح الحال بالمجمل. بما أن حجته لتعريف “التفاوت الصحي” عبر المجموعات الاجتماعية تعتمد في الواقع على افتراض أن صلاح حال الفرد هو وحدة أساسية للاهتمام الأخلاقي. ” وبالتالي فإن معلومات عن الفروقات في صحة المجموعات الاجتماعية سيكون متعلقا باستنتاجات عن العدالة في غالب الأمر، ليس لأن الفروقات بين المجموعات مهمة والفروقات بين الأفراد ليست كذلك، وإنما لأن المعلومات عن الفروقات في السنوات المصححة بجودة الحياة (QALY) بين المجموعات الاجتماعية المدروسة جيدا ستخول غالبا لاستنتاجات بخصوص التفاوتات الأساسية التي يهتم بها مناصرو المساواة” (Hausman 2007, 50).

وبالحديث حصرا، فإن الاستنتاج المخول عن صلاح الحال بالمجمل -سواء بناء على استنتاجات عن فروقات المجموعات الاجتماعية في الصحة أو عن فروقات غبر قابلة للتعويض في الصحة بين الأفراد – هو أن التفاوتات إلى مدى معين جائرة (Hausman 2007, 52–3)، عوضا عن كونها جائرة ببساطة. أي، جائرة باعتبار الأمور كلها.  من المفترض أن الأمر كذلك لأن التفاوتات في صلاح الحال بالمجمل، بينما جوهريا، هي ليست الشيء الوحيد المتعلق بالعدالة. فهي كذلك تفرع من اعتبارات تهتم بها العدالة؛ وبذا يريد هاوسمان أن يترك المجال لاحتمالية أن بعض التفاوتات في صلاح الحال إجمالا عادلة مع هذا، باعتبار الأمور كلها. إذ يمكن أن تكون نتيجة اختيار الفرد الحر مثلا (Hausman 2007, 47) أو تكون توافقا ضروريا مع نتيجة أخرى تتطلبها العدالة بشكل أقوى حتى (احتمالية شدد عليها مثلا Deaton 2013) (يستخدم هاوسمان 2007 في الحقيقة تعبير “الوهلة الأولى” بدلا من “إلى مدى معين”. ويتحول 2013 إلى “إلى مدى معين”، الذي وظفته في كل المقالة).

ثمة صعوبتان متعلقتان بحجة هاوسمان. يمكن أن تعتبر الأولى اصطلاحية. إذ تثبت نقطة هاوسمان الرئيسية بوضوح بأننا كلنا مخولين للاستنتاج بأن التفاوت الصحي بين الأفراد متفاوت في صلاح الحال إن كانت الأشياء الأخرى متساوية. (وبما أنه يمكن للأشياء الأخرى ألا تكون متساوية، فإنه ذلك لا يتبعه بأنها متفاوتة في صلاح الحال “بالمجمل” أو “باعتبار الأمور كلها”.) بيد أن هذا بالضبط ما يعنيه “إلى مدى معين”. وبالتالي فإن التفاوت الصحي بين الأفراد يخولنا للاستنتاج بأنه متفاوت إلى مدى معين في صلاح الحال. إلا أن التفاوت إلى مدى معين في صلاح الحال هو أيضا جور إلى مدى معين (بناءعلى افتراضات هاوسمان بالتأكيد). إقرار بأن على “أشياء أخرى” أن تكون متساوية أكثر ليكون التفاوت الصحي مؤهلا لأن يكون جورا (أي الحاجة لأن تكون متساوية لتكون مؤهلة كتفاوت في صلاح الحال). لكن هذا ليس سببا لإنكار بأنه اجحاف على مدى معين. وبذا، لا يتبع مزعم هاوسمان الرئيسي نقطته الرئيسية بل أسوأ من ذلك، ما يتبعها هو دحضها.

وبوضع الاصطلاح جانبا، يبدو من الجلي أن حجة هاوسمان تتطلب منا وبشكل حاد أن نجعل لظروف معينة امتيازا كي تكون متساوية للوصول إلى الحكم بالجور (مثل اختيار الفرد الحر) على ظروف مثل (مركبات غير صحية لصلاح الحال). إن الصعوبة الثانية والأكثر جدية هي أن الامتيازات المطلوبة تبدو تعسفية ببساطة. فدونها يختفي السبب للقبض على تصنيف “التفاوت” نتيجة تنوع في الوضع الصحي عبر الأفراد كما تختفي الحجة لتعريف “التفاوت الصحي” للمجموعة الاجتماعية.

يمكن استنباط استنتاج مختلف وأكثر ملائمة من حجة هاوسمان، والذي سنرى سببا مستقلا لتوكيده لاحقا، وهو أنه من المصطنع وبالغ البساطة أن يوضع ثقل كبير على المبادئ ذات عامل واحد معياري كـ “جودة الصحة بحد ذاتها.” وعليه، بالرغم أنه من المخول الاستنتاج أن  ثمة جور إلى مدى معين حين لا يملك فردان صحة متساوية، سيكون من الجيد لو نحمل في أذهاننا بشكل راسخ كم هذا النوع من الجور إلى مدى معين هش. توضح حجة هاوسمان التنوع وانتشار العوامل التي يمكن أن تعمل على إزالة الجور مع ترك التفاوت الصحي في مكانه كما هو.

غير أن على الضفة الأخرى من الجدل، يحاج كاسبر ليبرت – راسميوسن (2013) بأن علينا تعريف “التفاوت الصحي” عبر الأفراد على مستوى جوهري أخلاقيا. إذ تتألف حجته من اعتراضين على تعاريف المجموعة الاجتماعية، واللاتي تتعلقان خلال تقديمهما نسخة من الملاحظة القائلة بأن أي تعريف لمجموعة ستكون مفروضة بباطنها. إن اعتراض ليبرت – راسميوسن هو مشكلة “التفاوت داخل المجموعات”، والذي وفقا له لا يوجد سبب لمعاملة التفاوتات الصحية بين المجموعات على أساس كونها جائرة أكثر من تلك التفاوتات الصحية داخل المجموعات. بيد أن “قد توجد تفاوتات [صحية] داخل المجموعات في أي من تلك حيث التفاوتات [الصحية] بين مجموعتين مؤثرة.” (57).

أما اعتراض ليبرت – راسميوسن الثاني هو معضلة “تعريف المجموعة”. إذ أن ثمة طرق عدة لتفريع شعب معين إلى مجموعات. وبجعل حقائق الصحة مثبتة، فستتوافق خيارات مختلفة لتعريف المجموعة مع تفاوتات مختلفة في الصحة (بمقدار مختلف) ملازمة لنفس الشعب. وبذا ثمة شرح لابد منه عن أهمية العدالة في خاصية معينة لتعريف المجموعة الذي يفضله المرء. ما علاقة العدالة مثلا بالحدود المصطنعة لفصل المجموعات – فلنقل “أمريكا 2” (البيض ذوي الدخل المنخفض في القرى الشمالية) – في تحليل “الأمريكيات الثمانية” التي استُقي منها شرحنا الافتتاحي للتفاوتات في الصحة؟

الآن وكما لاحظنا، ثمة خيار واحد جلي للتخلص من حمل الشرح هذا والذي يدركه ليبرت – راسميوسن أيضا، ألا وهو تعريف المجموعات بحيث “تعكس الأسباب الاجتماعية الرئيسية للمساواة الصحية” (58). إنه يرفض هذا الرد، غير أن رفضه يقع أساسا على انكاره أن السببية الاجتماعية تملك امتيازا يتعلق بالعدالة كما يبدو (على العكس من السببية الطبيعية). سنتوجه لهذه النقطة باختصار في اللاحق (قسم 7، التعقيدات).

قلنا آنفا أنه من المفيد أن نفكر بمسألة تعريف التفاوتات الصحية على مستويين، حيث المستوى الأول هو المستوى الأخلاقي الأساسي. إن النقطة الرئيسية للتفريق بين المستويات هو لتوضيح أن المستوى الأخلاقي الأساسي منفصل عن المستويات الأخرى التي يمكن اعتبار المسألة من خلالها ببساطة، وكذلك أكثر بساطة منهم. منذ الوهلة الأولى إذن، لا يهم كثيرا كيف نصف المستوى الثاني. نحتاج فقط لنصفه على أنه “ليس بالمستوى الأخلاقي الأساسي”. وسيعتمد كيف يجب أن توصف المستويات الأخرى بشكل أكثر تحديدا على غايات المرء. فعلى سبيل المثال، تصف أسادا (2013) مستوى “سياسي” ويصف ليبرت راسميوسن (2013) مستوى “مبادئ الإجراءات” في حين كل من تلك المستويات فارقة بشكل واضح عن المستوى الأخلاقي الأساسي، كما أنها تفرق عن بعضها. على العموم، ستكون الاعتبارات ذات صلة وثيقة بصناع السياسة الفعليين أقل تنظير بكثير من (على الأقل من بعض) تلك ذات الصلة الوثيقة بتقييم مبادئ الإجراءات. إذ على مبادئ الإجراءات على سبيل المثال ” أن تأخذ بالاعتبار رفضا جائرا للتعاون” (Lippert-Rasmussen 2013, 56). وعلى النقيض، صنع السياسة الفعلي، لا يرعى بالا لرفض “جائر” للتعاون (حتى لو كان البعض مدفوع لفشل متوقع للتعاون).

فعلى مستوى صناعة السياسة، تراجع أسادا (2013، 40-41) اعتبارين يفضلان تعريف التفاوتات الصحية عبر الافراد وواحد يفضل تعريفها عبر المجموعات الاجتماعية.  كما تقترح توجها غير مسبوق يحاول التوفيق بين مزايا الاثنين. إذ أن التعريف عبر الأفراد مفضل لسبب أن البيانات المجموعة على هذا الأساس تسمح لنفسها بالمقارنات الدولية بسهولة، بينما البيانات عن التفاوتات الصحية عبر المجموعات لا يمكن مقارنتها إلا بين دولتين إذا أنتجت وولدت كلا الدولتين المجموعات ذات الصلة بنفس الطريقة (والتي غالبا لا تفعل). علاوة على أن تعريف التفاوتات الصحية عبر الأفراد لا يتطلب أي موازنة أو عملية مختصرة من أجل أن تستحضر استنتاجات عن التفاوتات في الصحة ككل، بينما التعريف عبر المجموعات لا ينتج سوى استنتاجات عن المجمل حين تُجمع مع بيانات من مجموعات أخرى ذات صلة (حين تجمع التفاوتات الصحية عبر دخل المجموعات مع التفاوتات الصحية عبر المجموعات التعليمية مثلا). أما على صعيد آخر، فإن التعريف عبر المجموعات مفضل لحقيقة أن المتغير الاجتماعي الذي تُعرف به المجموعة (الدخل أو التعليم) تقترح غالبا وبطبيعة لحال هدفا للتدخل السياسي، في لا يقترح التعريف عبر الأفراد هدفا كهذا وبالتالي” تُحذف خطوة من السياسة” (Asada 2013, 41).

 

  1. الطرق السببية

تفترض استراتيجية ترتيب المجموعات الاجتماعية المستخدمة لتعريف التفاوتات في الصحة مع الأسباب الاجتماعية الرئيسية للصحة أن يعرف المرء ما هي تلك الأسباب. ولتحديد ما إذا أي من التزامن الذي نوقش مسبقا بين متوسط عمر الفرد والمتغير الاجتماعي سببي، يحتاج المرء أن يملك اعتبارا للطرق السببية للمحددات الاجتماعية المرشحة وبين عوامل خطر وفاة محددة. بيد أن هذه الطرق ليست مفهومة جيدا للأسف (Adler and Newman 2002; Adler and Ostrove 1999; Evans et al. 1994). وبما أن البحث في هذا المجال يظل أوليا، فمن المفيد وصف بعض هذه الاحتمالات.

بداية، يفرق الباحثون بين الطرق المادية والنفسية. إذ تشكل ظروفا معينة من الحرمان المادي المطلق عوامل خطر معروفة جيدا للمرض والوفاة، بما فيها سوء التغذية وانعدام الماء النقي والنظافة والمسكن السيء. ثمة طريق سببي معقول جدا يجري من المستويات الدنيا لدخل الفرد غير المقارن وعبر عوامل الخطر المادية هذه وإلى متوسط عمر الفرد المنخفض.

غير أن الميل الاجتماعي المذكور في متوسط العمر لوحظ أساسا في المجتمعات المتطورة جدا حيث معدل الحرمان المادي منخفض بشكل كبير. وعلى الخصوص، لوحظ ميل اجتماعي مهم في دارسات وايتهول وهو أن حتى المحتلين لأدنى المراتب الوظيفية كانوا جميعهم موظفين مدنيين مستقرين ويملكون وصولا مجانيا للرعاية الصحية. وبما أن يمكن لميول اجتماعية كاملة أن تنبثق في غياب الحرمان المادي، انتقل الباحثون لافتراض طرق إضافية – أي طرق نفسية – بين الصحة وبعض جوانب الوضع الاجتماعي (Marmot 2004).

أحد أكثر عوامل الخطر البارزة المُتَصورة على أنها نهاية الطريق النفسي هو (تأثير) الضغط. إذ كما يشرح إرك برينر ومايكل مارموت (1999)، فإن التأثيرات طويلة المدى تختلف بشكل بارز من التأثيرات قصيرة المدى. فعلى المدى القصير، استجابة الفرد “المواجهة أو الهرب” للضغوطات الخارجية مفيدة إذ تمكنه كي يتأقلم مع التهديدات والتحديات. ومن ضمن أشياء أخرى، يتعلق هذا الضغط الحاد بتفعيل الطرق العصبية الصماوية التي يُطلق منها الأدرينالين والكورتيزول (مثلا) في مجرى الدم. تحفز هذه الهرمونات التيقظ النفسي (الاحتراس مثلا) وتحرك الطاقة فيما تثبط بنفس الوقت الوظائف التي لا تتعلق بالنجاة مباشرة (الهضم والنمو والالتئام مثلا). يمتاز نمط رد الفعل المثالي بارتفاع حاد في مستويات الأدرنالين في الدم (والكورتيزول لاحقا) يتبعه عودة سريعة إلى المستوى الطبيعي متى ما مر التحدي. في حين تمتاز الأنماط الأقل من مثالية بارتفاع عن المستويات الطبيعية وعودة أبطأ إلى المستوى الطبيعي.

وعلى النقيض، يمكن للتأثيرات طويلة المدى للضغط – سواء من استثارة متكررة لضغط حاد أو من ضغط مزمن – أن تكون مؤذية فسيولوجيا. يحدث ضرر نتيجة الضغط، من ضمن أشياء أخرى، نتيجة ارتفاع مستوى الأدرينالين والكورتيزول في الدم. قد يؤدي ارتفاع الكورتيزول إلى تراكم الكوليستيرول (عبر ارتفاع مستويات السكر خلال الخمول مثلا)؛ ويزيد ارتفاع الأدرنالين من تخثر الدم مما قد يؤدي إلى تكون الترسبات الشريانية وبالتالي ارتفاع خطر الإصابة بمرض القلب أو الجلطة. كما من الممكن أن يزيد الضغط من أخطار أخرى – تشمل الأضرار أخطار الإصابة بالسرطان والالتهاب وانخفاض الوظائف الذهنية.

بعدها يجب تقفي الطريق النفسي الذي يجري من ضرر يستحثه الضغط – أو “الحمل الاستتبابي” (McEwen 1998) – إلى عامل اجتماعي ما، من المفضل أن يكون واحدا حصين على التلاعب في السياسة. جذب عاملان اهتماما معتبرا إلى هذا الرابط وهما “المرتبة الاجتماعية” و “التحكم الوظيفي”.

تأتي أكثر الأدلة دقة على دور المرتبة الاجتماعية في إحداث ضرر حفزه الضغط من دراسات على الثدييات غير البشرية (Brunner and Marmot 1999; Evans et al. 1994). ففي أنواع الثدييات المتعددة، تُنظم الحياة الاجتماعية بحسب التراتبيات المهيمنة الواضحة والمستقرة. وجد سابولسكي وموت (1987) أن تراتبيات السعادين الحرة تعرض ميلا اجتماعيا معكوسا في كل من نسب ارتفاع الكورتيزول وفي مضاعفات الكوليستيرول. وتملك السعادين الخاضعة مستويات طبيعية أعلى من الكورتيزول ومستويات منخفضة من الكوليستيرول الجيد (البروتين الدهني عالي الكثافة) مقارنة بالسعادين المهيمنة، في حين مستويات الكوليسترول بالمجمل متشابه عبر التراتبية. وفي السعادين الخاضعة، يعود مستوى الكورتيزول أيضا ببطء إلى المستوى الطبيعي عقب تحدي ما، بينما يملك (فرعا من) السعادين المهيمنة أنماطا تفاعلية مثالية للضغط (Sapolsky 1993). فضلا على أنه حين تضطرب التراتبية المهيمنة مختبريا، فإن كل السعادين حينها (حتى المهيمنين سابقا) يظهرون أنماطا من التفاعل أقل من المثالية كتلك التي يملكها السعادين الخاضعين.

غير أن أكثر الأدلة دقة على أن الضرر الناتج من الضغط حساس للمرتبة (أي متعلق بالوضع الاجتماعي) يأتي من قرود المكاك المحبوسة. ففي تلك الدراسات، تلاعبت التجارب بتراتبية الهيمنة جابرة قرودا فردية لتحتل مراتب جديدة في حين لازالت على نفس الطعام والبيئة. إذ أطعم شيفلي وكلاركسون (1994) المكاك الإناث حمية غنية بالكوليستيرول خلال تلاعبهما بالتراتبية. وخلال فترة السنتين، أصيب كل القرود بتصلب الشرايين. إلا أن القرود المهيمنة التي غدت خاضعة امتلكت خمسة أضعاف التصلب مقارنة بتلك التي ظلت مهيمنة. (كان جزء من الزيادة نتيجة الضغط المرتبط ببساطة مع تغير المرتبة الاجتماعية [كفارق عن تخفيض المرتبة]، بما أن القرود الخاضعة التي غدت مهيمنة أصيبت أيضا بالتصلب [ولو كان الضعف فقط] مقارنة بأولئك الذين ظلوا خاضعين). عرّض كوهين وزملائه (1997) المكاك الذكور لأدينوفايروس خلال تلاعبهم بالتراتبية. ووجدوا ميلا اجتماعيا مقلوبا في القابلية للإصابة بالفايروس، مع المقيمين في الرتب الاجتماعية الدنيا – مهما كانوا – “أكثر عرضة” للالتهاب. كما ظهر على القرود في الوضع الأدنى استجابة للكوليستيرول مع التلاعب في التراتبية، لكن لم يكن هذا بعين الاعتبار في تعرضهم المختلف.

يأتي الدليل على دور تحكم الوظيفي القليل في انتاج ضرر بسبب الضغط من دراسة واتهول II (Marmot et al. 1997). يشير “التحكم الوظيفي” إلى مستوى التحكم الأدائي للفرد في بيئة العمل، والذي يعمل هنا على شكل استبيان يتعلق بسلطة القرار والفطنة المهارية.

أمراض القلب التاجية هي أحد الأمراض الرئيسية التي يزيد ضرر الضغط من حدوثها. كان في وايتهول II ميلا اجتماعيا عكسيا في حالات أمراض القلب التاجية بعد تعديل العمر: إذ كان الذكور الموظفين في مراتب متوسطة بالخدمة المدنية أكثر عرضة للإصابة بحالة جديدة من أمراض القلب التاجية خلال مدة خمس سنوات بـ 1.25 مرة من أقرانهم في المرتبة الأعلى. أما للنساء فإن النسبة كانت 1.12 و1.47. كما وجد مارموت وزملائه أيضا ميلا اجتماعيا عكسيا في التحكم الوظيفي القليل؛ إذ كانت نسبة الرجال الذين ذكروا تحكما وظيفيا قليلا 8.7 بالمائة في الوظائف العالية و26.6 في المتوسطة و77.8 في وظائف الخدمة المدنية المتدنية؛ أما النساء فكانت النسبة 10.1 و38.8 و75.3 تباعا. كان اكتشافهم الرئيسي هو أنه يمكن إيعاز جزء مهم من الميل في حالات أمراض القلب التاجية إلى الاختلاف في التحكم الوظيفي. إذ التحكم في التحكم الوظيفي القليل خفض من المستوى الأدنى (مثال) لنسب الرجال للإصابة بأمراض قلب تاجية جديدة من 1.5 إلى 1.18 وللنساء من 1.47 إلى 1.23. وعلى سبيل المقارنة، خفضت عوامل الخطر المعروفة للإصابة بأمراض القلب التاجية نفس النسب فقط من 1.5 إلى 1.3 ومن 1.47 إلى 1.35 تباعا.

أخيرا، ستساعد الطرق السببية المعقولة بين الضرر الذي يحدثه الضغط وهذه العوامل الاجتماعية في بث السببية في الارتباطات التي بدأنا بها إذا ما الرتبة الاجتماعية أو التحكم الوظيفي تتناسب في المقابل مع الدخل أو التعليم أو الرتبة الوظيفية أو المرتبة الاجتماعية. وإلى اليوم، توجد ارتباطات قليلة كهذه عدا تلك بين التحكم الوظيفي والمرتبة الوظيفية.

في السياق الحاضر، كانت النقطة في استشارة الأدبيات التجريبية عن محددات الصحية هي لإثبات ما إذا (وإلى أي مدى) يمكن تجنب تفاوتات معينة في الصحة. إن الدليل الموجود لتحقيق أقل الأهداف لعمل تقييم للعدالة مناسب جدليا، أي فتح الباب لتقييم كهذا: من الصعب إنكار أن التفاوتات المهمة في الصحة التي تتزامن مع تلك العوامل هي على الأقل قابلة للتجنب إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن توزيع الدخل والتعليم يمكن التحكم بهما اجتماعيا إلى حد ما. وبوضعها بشكل آخر، سيغدو من غير المعقول، بالدليل المطروح، إنكار أن تلك التفاوتات في الصحة تمثل أي جور على الإطلاق على أساس أنها غير قابلة للاجتناب.

بيد أنه يمكن للأمور أن تكون مختلفة من أجل صياغة حلول سياسية. فكما يضعها أنغس ديتون، “لا يمكن العمل بالسياسة بشكل ذكي دون فهم للآليات؛ التزامن وحده ليس كافيا” (2002، 15). وليس جليا بأن فهمنا الحالي عن الطرق السببية بين العوامل التي يمكن التحكم بها اجتماعيا وبين عوامل الوفاة المحددة ناشئة جيدا بيث تحدد أطروحات سياسية راسخة. فضلا على أنه حتى ولو كانت ناشئة بشكل جيد، سيظل ثمة خطوة إضافية لترخيص تطبيق بعضا من الأطروحات تلك. ومن ضمن أشياء أخرى، يتطلب ترخيصا من هذا النوع الأخذ بالاعتبار الفاعلية المقارنة بين إصلاح مطروح مقابل بدائل ملحوظة.

 

  1. المساواة

على افتراض أنه يمكن تجنب تفاوت معين في الصحة، فما المطلوب أيضا لإثبات أنه جائر؟ يحاج دالغرين ووايتهيد (1991) أن على التفاوت أن يكون مجحفا أيضا، في حين يعترض أناند وبيتر على أن الإجحاف يتضمن قابلية التجنب وأنهما ليسا منفصلان حقا. وأن قابلية التجنب مفصولة بجلاء (في المقابل) من الإجحاف ويمكن أن يحمل ذلك امتيازا تحليليا. فمثلا، يسمح تقرير عدالة التفاوتات المحتومة في الصحة دون أن تنخرط في مسألة الحق مطلقا.

ومهما كان قرار المرء على تلك النقطة، فإن التماس الحق نفسه سيقع على أساس ما. يمكننا تمييز توجهان أساسيان مختلفان لإصدار حكم بالحق على تفاوت صحي مُعطى. فلنسميها توجهات الموقف الحر والمشتق نحو عدالة التفاوتات الصحية.

يطبق أبسط مثال على توجه الموقف الحر مبدأ عاما من المساواة على مسألة الصحة بشكل مباشر. (من أجل نقاش عام عن أسس المساواتية، علاوة على سمات النسخ المختلفة منها، انظر مدخل egalitarianism.) وببعض المؤهلات، تؤكد محصلة متطلبات “المساواة الصحية”، على سبيل المثال تلك من قبل كولير واغستاف (1993). وهذا يوعز بأن أي تفاوت قابل للتجنب في الصحة مجحف أو جائر.

وقد يطلب آخرون أن تكون الصحة مساوية إلى حد ما فقط. ففي بعض السياقات، يمكن لحدود “حد ما” (أي مقدار التفاوت المسموح) أن يُترك بشكل آمن إلى الحكم البديهي. فمثلا، من المعقول الحكم – بناء على المقدار فقط – بأن قرابة فارق ثمان سنوات في متوسط العمر بين الرجال الإنجليزيين في الطبقة الاجتماعية V (غير المحترفين يدويا) وأولئك في الطبقة الاجتماعية I (المهنيين) (Wilkinson and Marmot 2003, 10) يفوق حدود التفاوت المسموح، بالرغم أن تلك الحدود لم تُحدد. بيد أن في السياق الحالي، فإن التوجه البديهي مقيد للأسف بواقع أننا لا نعرف كم من فارق الثمان سنوات هذا قابل للتجنب حقيقة. لا يمكن للمرء عبر منطق الحكم بثمان سنوات يتجاوز حدود “صحة متساوية إلى حد ما” وأن “على الأقل بعضا” من فرق الثمان سنوات قابل للتجنب، أن يستنتج بشكل آمن أن التفاوت الملاحظ في متوسط عمر الرجال الإنجليزيين بين الطبقتين الاجتماعيتين V و I مجحف.

وبحسب توجه الموقف الحر، إن الظلم في التفاوت الصحي الظالم هو ظلم رئيسي، بالرغم من أنه يمكن بسط الظلم بشكل عكسي أيضا من الظلم الرئيسي إلى أسبابه (الاجتماعية التي يمكن التحكم بها). فمثلا، أسباب الجزء القابل للتجنب من التفاوت في متوسط عمر الذكر بين الطبقات الاجتماعية V و I هي ذاتها ظلم لأن أثرهم الاجتماعي القابل للتحكم تحديدا جائر (وفقا لمبدأ المساواة الصارم)، ويستمر هذا الحكم حتى لو تلك الأسباب مسموحة (أي مسموح بها بعيدا عن آثارها).

أما على صعيد التوجه المشتق فعلى العكس، الجور بتفاوت صحي جائر ليس الجور الرئيسي. بل الجور الرئيسي هو سبب جائر ما لتفاوت صحي. على الرغم من أنه يمكن نشر حكم الجور أيضا قُدُما من الجور الرئيسي هذا إلى التفاوت الصحي نفسه. وبهذه الطريقة، فإن الجور لتفاوت صحي جائر مشتق من الجور الرئيسي لأسبابه. فلنفرض مثلا أن جزءا من الفرق في متوسط العمر بين الرجال البيض والسود في الولايات المتحدة سببه التفرقة العنصرية. فبحسب التوجه المشتق، هذا الجزء من التفاوت في الصحة جائر لأن سببه جائر، ويمضي هذا الحكم حتى لو كانت التفاوتات القابلة للتجنب في الصحة عادلة في خلافه (مثلا حتى لو لا يوجد مبدأ قائم ينطبق مباشرة على الصحة).

يمكن بالطبع دمج التوجهين سوية. إذ لو ينطبق مبدأ قويم للمساواة مباشرة على الصحة ولو أن شيئا من الجور المستقل يعمل كأسباب للتفاوتات الصحية، فإن الاعتبار الكامل للعدل في علاقته مع التفاوتات الصحية سيتطلب توجها مدمجا. إذ يحيك المشهد أطر مسألة ما إذا يمكن للجور أن يكون مركبا على جور آخر، حيث جور ما مرتبط مباشرة بالتفاوت في حين يرتبط الآخر بشكل رئيس بسببه. فلنفرض مثلا أن مبدأ مساواة صارم ينطبق مباشرة على الصحة. ففي تلك الحالة، إن تفاوتا يمكن تجنبه في فارق متوسط العمر بسنتين بين، فلنقل، مجموعة أمريكا أ ومجموعة أمريكا ب سيكون جائرا في ذاته مهما كان سببه. والآن فلنفرض أن هذا التفاوت بسنتين سببه التفرقة العنصرية بالكامل تجاه مجموعة أ قام بها مجموعة ب الأطول عمرا. إن المسألة المركبة عما إذا الجور لسنتين في تفاوت في متوسط العمر هو أسوأ حين يكون لسبب جائر بشكل مستقل (المشهد الآني) من لو كان السبب مقبول (المشهد الأول)، أو فلنضع الأمر بشكل مختلف، عما إذا كان الأمر أكثر جورا في المشهد الثاني بما يتجاوز بكثير الجور الأصلي لفارق السنتين في متوسط العمر والجور المضاف من التفرقة العنصرية.

يُفهم توجه الموقف الحر في كل من نسختيه الصارمة والمخففة بطبيعة الحال على أنه توكيد على جور إلى حد معين ما للتفاوتات القابلة للتجنب في الصحة. وهذا يسمح لحكمه في العدالة أن تتجاوزه اعتبارات أخلاقية أخرى (Culyer and Wagstaff 1993). ومن ضمن الأنواع العدة للمقايضات المسموحة، يمكن تمييز الحالات حيث تُقايض المساواة في الصحة مقابل اعتبارات غير صحية عن الحالات حيث تُقايض مقابل مكتسبات صحية جمعية.

على الأقل حيث تقع القرارات المصغرة، يقضي كام (2004،228-9) أن الاعتبارات الصحية تعمل في “مجال منفصل” حيث لا تحمل الاعتبارات غير الصحية ثقلا على الإطلاق. لا يسمح المجال المنفصل بمقايضة مساواة الصحة مقابل اعتبارات غير صحي، بيد لا يمكنها عدم السماح بمقايضتها مقابل مكتسبات صحية جمعية (في النهاية، تعمل هذه المقايضة اللاحقة ضمن المجال الصحي بالكامل). يدافع أناند (2004) عن نسخة أقل تطرفا لهذا المنظور. إذ يحاج أنه يجب وضع ثقل معين على اعتبارات للصحة، إذ تتشكل الصحة من صلاح الحال وليس مجرد أداة لها. في حين يؤيد أناند بجلاء مقايضة المساواة الصحية مقابل المكتسبات الصحية الجمعية، إلا أنه يخلص إلى أنه يجب علينا أن نكون أقل تسامحا مع مقايضات في حالة الصحة عن في حالة الدخل.

 

  1. التعقيدات

كنا نفترض عبر كل هذا أن التفاوت في الصحة جائر فقط إذا يمكن تجنبه. كان ذاك الأساس على سبيل المثال لمعاملة أفضل جزء من التفاوت في متوسط العمر بين النساء والرجال على أنه لا يعد جائر. وفي حين أن هذا الافتراض بديهي جدا وتتبناه شريحة عريضة غير أنه مع هذا جدلي في بعض الأوساط. فليبرت – راسميوسن (2013)، من بين آخرين، يرفضه. ومن حيث المبدأ هو جدال مفتوح. غير أنه من المناسب للغرض الحالي عدم الخوض في هذه المسألة. ومن أجل هذه الغاية يمكننا التمييز بين “العدالة الاجتماعية” بشكل واضح عن “العدالة الطبيعية”، حيث يُعرف الجور الاجتماعي بقابلية التجنب كشرط حتمي؛ كما يؤطر الجدل المفتوح بناء على هذا الشرط، كما يفعل ليبرت- راسميوسن نفسه:” ثمة شيء يدعى الجور الطبيعي، وليس الجور الاجتماعي بأسوأ من الجور الطبيعي من حيث القول” (2013،59). يمكننا حينها ببساطة تجنبه دون التحامل عليه عبر اشتراط في كل موضع من نقاشنا أن تُفهم “العدالة” وما يشتق منها على أنها عدالة اجتماعية تحديدا.

وعلى أكثر المستويات بساطة، يمكن تطبيق مبدأ المساواة على الصحة فقط إذا وقعت “الصحة” ضمن مدى المبدأ. فإذا انطبق المبدأ دون حصر على “المواد” أو “الوظائف” فحينها لن يكون ثمة عائق لتطبيق المبدأ على الصحة. وبالمثل، إذا تطلب المبدأ مساواة “للضمان الاجتماعي” فلن يكون ثمة عائق أيضا من حيث النقاش بما أن من المعقول أن يُفسر “الضمان الاجتماعي” على أنه يشمل “الصحة” كمكون له. بيد أن في الجهة المقابلة، ليس من الواضح جدا عما إذا كانت تعتبر الصحة عامل مساواة تحت مبدأ مساواة “المصادر”. فإذا كانت تُعد كذلك، ستساوى الصحة كوسيلة لهدف آخر أو ظرف ما، ولكن ليس كهدف في ذاتها. وفي حين يمكن رؤية الصحة بشكل معقول كوسيلة مهمة للعديد من الأهداف القيمة طبيعيا، فإن الدفاع الشرعي عن مبدأ مساواة المصادر لا يفسر الصحة كـ “مصدر” بالمعنى الفعلي (Dworkin 2000, chh. 1–2).

وأهم من ذلك، يمكن أن تعتمد تطبيقات مبدأ المساواة للصحة على كيف تُفهم “المساواة” نفسها. يمكن أن تُعرف مثلا إما بمصطلحات نسبية أو مطلقة. ويمكن القول بلغة أكثر سهولة أنه يمكن تعريف المساواتية على أنها إما تتطلب مساواة تُقال بصرامة أو تتطلب أولوية للأسوأ حالا (Parfit 2001). ففي التفسير الأول (أي النسبي)، تكون المطالبات بالمساواتية مقارنة في الأساس: تتطلب المساواة (مثلا في الصحة) أن يمتلك إنسان ما نفس الصحة كالآخرين في مجموعة مرجعية محددة (مثلا أولئك في نفس المجتمع أو في الإنسانية ككل). أما في التفسير الثاني (أي المطلق)، تكون متطلبات المساواتية غير مقارنة في الأساس: يتطلب مبدأ “أولوية الصحة” أن يحظى امرئ ما بأكبر قدر ممكن من الصحة، محكوما بقياسات غير مقارنة ما (مثلا متوسط سنوات العمر المطلق). بل يقضي مبدأ أولوية الصحة بشكل أكثر تحديدا أنه كلما زاد السوء في القياسات غير المقارنة لشخص ما (متوسط سنوات عمرها أقل مثلا)، كلما زاد الثقل الأخلاقي لفضل تحسين صحتها (إضافة سنة لمتوسط عمرها مثلا).

وفي حالات كثيرة، يملك مبدأ المساواة ومبدأ الأولوية في الصحة نفس التطبيقات العملية. ويبرز كثيرا في لو أن فردا (أو مجموعة) يملك متوسط عمر أقل من الآخرين يمكن تجنبه، حينها سيدين كلا المبدأين تفاوت الصحة الناتج وسيفرضان محاولات لتحسين متوسط العمر للشخص الأسوأ حالا (أو المجموعة). أكثر شيء يختلف فيه المبدئين هو في كيف يمكن التخلص من تفاوت صحي قابل للتجنب، ليس بتحسين صحة الشخص الأسوأ حالا (أو المجموعة) ولكن بتقليل صحة الشخص الأفضل (أو المجموعة) فقط.  لن يعثر مبدأ أولوية الصحة هنا على أي سبب لتقليل صحة الشخص الأفضل، في حين سيجد مبدأ مساواة الصحة على سبب لتقليل صحة الشخص الأفضل حالا – سيقضي على التفاوت تحديدا. يعرض هذا اعتراض ما يدعى “تخفيض المستوى” ضد مبادئ المساواة: إذ يعتبر بارفيت (2001) هذا اعتراضا قاهرا، بالرغم من أن تيمكن (1993) وإيفال (2013) لا يعتبرانه كذلك.

تنبثق تعقيدات إضافية حين يمضي التمييز بين المساواة والأولوية عبر تمييزنا السابق بين توجه الموقف الحر والمشتق لتطبيق المساواتية على حالة الصحة. ومن أجل استحضار أوضح الأمثلة إلى المشهد، فلنركز على الدخل كمحدد اجتماعي للصحة وافتراض أن دخل الفرد يشكل مساهمة سببية في متوسط عمر الفرد. في التوجه المشتق، عدالة الأسباب هي المحدد الرئيسي للتقييم. ولكن سواء يعد ما عانته التفاوتات في الصحة جراء تفاوت في الدخل جورا يمكن أن يعتمد على مبدأنا المعياري، بما أن يمكن لذلك أن يؤثر على ما إذا التفاوت في الدخل نفسه (أي السبب) يعد جورا في المقام الأول. فلنفرض أن خفض مستوى الدخل (أي تقليل دخل الغني دون رفع دخل الفقير) هي الطريقة الوحيدة للتخلص من تفاوت معطى للدخل. في تلك الحالة، لن يعد تفاوت الدخل جورا في مبدأ الأولوية في الدخل. بيد سيعد كلا التفاوتين جورا في مبدأ المساواة في الدخل.

أما في توجه الموقف الحر، يكون الجور في تفاوتات الصحة هو المحدد الرئيسي للتقييم. فلنعتبر حالة حيث نؤكد بطبيعة الحال على مبدأ أولوية الصحة، ولكن فرضية الدخل النسبي صحيحة تجريبيا – أي متوسط عمر الفرد نتج عن دخله مقارنة بدخل الآخرين في مجتمعه وليس على المستوى غير المقارن فقط. سيُنتج تخفيض المستوى فيما يتعلق بالدخل هنا مكسبا صحا مطلقا لمن هم في الحالة الأسوأ فيما يتعلق بالدخل. وبالتالي، سيُسمح به في مبدأ أولوية الصحة (خاصة لو كانوا الأسوأ حالا فيما يخص الدخل هم أسوأ حالا فيما يخص الصحة أيضا)، بما أن تفاوتا مطلقا في الصحة سيظل (ويمكن تجنبه) لو اجتنبنا تخفيض دخل الأفضل حالا. ولاحظ بريغهاوس وسويفت أمرا مشابها في جزء من نقاشهم “المواد الموضعية” (2006، 480). إذ اعتبرها حالة تستدعي سببا “لتخفيض المستوى”. بيد أن الكثير يعتمد على التعاريف هنا (cf. Brighouse and Swift 2006, 477–78). وفي معنى اعتراض بارفيت، يتطلب “خفض المستوى” ألا يُنتج التخلص من التفاوت أي مكسب مطلق لأي أحد. ولا تتعلق حالتنا بخفض مستوى بهذا المعنى، إذ تُنتج مكاسب صحية مطلقة للبعض (عبر فرضية الدخل النسبي)، على الرغم من أنها لا تُنتج مكاسب مطلقة في الدخل لأي أحد. قد يقترح اعتبار هذه الحالات الأخيرة المتألقة عوضا عن ذلك أنه من المصطنع ومن الساذج جدا وضع أي ثقل على المبادئ ذات معيار العنصر الواحد، مثل “المساواة بالدخل ذاته” أو “أولوية الصحة ذاتها”. يعزز هذا النقطة البنيوية الرئيسية التي انبثقت من نقاشنا لحجة هاوسمان (2007، 2013) ضد الدفاع عن التفاوتات الصحية عبر الأفراد.

 

  1. الخيار والمسئولية

إن آخر التعقيدات التي يمكن اعتبارها تتعلق بتموضع المسئولية الشخصية. حث “المنادون بمساواة الحظوظ” بأن نهمل الوقع الأخلاقي للنتائج السلبية التي يعانيها العنصر عموما (التفاوت في صلاح الحال مثلا)، حين تكون نتيجة جلية لخيار جلي قام بها العنصر نفسه على الأقل – مما ينتج عنه ألا تُعد تلك النتائج جورا وليست مخولة للتوجه نحوها اجتماعيا (انظر Anderson 1999). ويُنصح بإهمال مشابه للنتائج الإيجابية. ويمكن لإهمالات كهذه أن يناشد بها المنادون بالأولوية كذلك – يؤكد آرنيسون (2000) مثلا على ما يسميه ” مسئولية تغذي الأولوية”.

يمكن للمساواة في الحظ أن تطبق على الصحة بشكل خاص (أنظر مثلا Le Grand 1987 and Segall 2010). ففي هذه الحالة تُستعرض المسألة الجوهرية جيدا عبر مثال سرطان الرئة والتدخين. إذا كان يملك المرء حالة سرطان رئة قابلة للعلاج، يمكننا حينها تباعا الافتراض بشكل معقول بأنه سيكون من الجور حرمانه من الرعاية الطبية. غير أن لو كان سرطانه جراء تدخين كثيف ولمدة طويلة، فإن السؤال يُطرح عما إذا الافتراض الاعتيادي قد هُزم أو خارت قوته. لو كان ثمة خيار ليُصنع مثلا (فلنقل بسبب شح الموارد) بين معالجته أو معالجة مريض آخر بسرطان الرئة لم يكن بأي حال من الأحوال مسئولا عن مرضه، هل يتطلب العدل تفضيل المريض الثاني؟ إن تطبيقا بسيطا للمساواة في الحظ سيقضي أنه من العدل حرمان المدخن من العلاج، طالما “خياره للتدخين” يؤهل أن يكون “خيارا جليا” وفقا لتصنيف مناسب ما.

بيد أن لا لي غراند ولا سيغال يتخذان هذا الموقف في التحليل الأخير. إذ يتجنبه لي سيغال (2013) عبر التماس دور الحظ الناتج (الذي يخفف من فاعلية الخيارات الجلية حتى)، في حين يتجنبه سيغال (2010، الفصل 10) عبر التماس قيمة التعددية. وعلى النقيض، يحاج ويكلر (2004) بأنه لا يجب أن يتوقف الوصول للعلاج ليتوافق مع اعتبارات للمسئولية الشخصية أساسا.

 

  1.  الصحة فقط، معها وضدها

يقترح دانيلز وكينيدي وكاواتشي (2000) تقرير متى تكون التفاوتات الصحية جائرة عبر استحضار نظرية راولز عن العدالة (1971). يخلص دانيلز مساهمتهم (2008، الفصل 3)، ومن أجل الموائمة سنشير إلى المعالجة الآنفة. يتبع دانيلز التوجه المشتق لتقييم التفاوتات الصحية. وللوهلة الأولى، أي بمعنى آخر، تركيزه التقييمي هو على أسباب التفاوتات الصحية. وزعمه الرئيسي هو، عبر مصادفة سعيدة، أن مبادئ راولز عن العدالة تنظم كل المحددات الاجتماعية الرئيسية للصحة (2008، 82 و97).

بداية، يُنظم الدخل عبر مبدأ الفرق: يُسمح للتفاوتات في الدخل فقط في المدى التي تعمل به بأكبر منفعة للأحسن حالا على الأقل. ويُنظم التعليم عبر مبدأ المساواة الحقة للفرص والذي يتطلب “تعليما عاما متساويا” و ” تدخلات تطويرية مبكرة لرياض الأطفال والطفولة المبكرة” (Daniels 2008, 96). (وستنظم منظمة العمل، إن صُدقت على أنها محدد للصحة، تحت مبدأ المساواة الحقة للفرص أيضا). أما المشاركة السياسية التي يعتبرها دانيلز (2008, 95–6) كمحدد اجتماعي للصحة، فتنظم عبر مبدأ الحرية الأساسية المتساوية: يحمي هذا المبدأ، من ضمن أشياء أخرى، القيمة الحقة لحق المشاركة السياسية. ويستمر دانيلز أخيرا عبر تأكيد عمله السابق (1985) أن المساواة في الفرص الحقة تتطلب أيضا وصولا موحدا لرعاية صحية شاملة (مبنية بشكل واسع لتشمل الصحة العامة).

وإلى المدى الذي فيه هذه المتغيرات الاجتماعية محددات سببية للصحة، وإلى المدى الذي يفشل فيه توزيعها أن يتطابق مع مبدأ راولز للعدالة، ستكون التفاوتات الصحية الناتجة جائرة لأن أسبابها جائرة. والوجه الآخر من هذه النقطة هو أن تطبيق مبادئ راولز ستميل – إلى الحد الذي به المحددات ذات الصلة سببية – إلى أن تعدل الميل في العنصر الاجتماعي للصحة Daniels 2008, 82)): أي تقليل التفاوتات الموجودة في الصحة. وبالتالي أتى عنوان الورقة المشتركة (2000): “العدل جيد لصحتنا”.

وكما لاحظ دانيلز، فإن ملاحظة عدالة راولز قد تعدل العنصر الاجتماعي في الصحة دون إلغائه تماما. مثلا، قد يسمح مبدأ الفرق بتفاوتات معينة في الدخل، والتي مع هذا يمكن إلغائها. إذا كان الدخل محددا سببيا للصحة، (ستظل) هذه التفاوتات في الدخل المسموح بها تولد تفاوتات في الصحة إن تُركت على حالها. (هذا المشهد مفهوم فقط حقيقة إذا كانت فرضية الدخل النسبي هي الاعتبار الصحيح لآلية السببية. وللشرح انظر Sreenivasan 2009b). يقضي دانيلز بأن لا يمنحنا استمرار التفاوتات الصحية القابلة للتجنب سببا في العدالة لإلغاء السبب الواقع خلفها بشكل مستقل عن مبدأ الفرق. ففي منظوره، تسمح العدالة ببعض التفاوتات في الصحة: ” إن التفاوتات الباقية التي تنبثق بتطابق مع مبادئ [راولز] ليست تنازلا عما تتطلبه العدالة بشكل مثالي، فهي مقبولة على أنها عادلة.” (2008, 99).

انتقد هذا الموقف أناند وبيتر (2000، 50-52). فبداية، يحاجان أن هناك شدا بين استخدامين يقوم بهما دانيلز لمبدأ راولز الثاني للعدالة. وعلى صعيد آخر، يحاجان أن دانيلز يعامل شقي المبدأ على أنهما ينظمان محددات اجتماعية معينة للصحة ببساطة – ينظم مبدأ المساواة الحقة للفرص التعليم (مثلا)، بينما ينظم مبدأ الفرق الدخل. ومن جهة أخرى، فإن اعتباره للرعاية الصحية يعامل مبدأ المساواة الحقة للفرص كمنظم للصحة ذاتها بشكل مباشر. بيد أن التوظيف الأخير لمساواة الفرص الحقة، الذي يفضلانه أناند وبيتر حقا (2000، 52)، يهدد بأن يتناقض مع معاملة دانيلز للتفاوتات الصحية المتبقية. إذا تتطلب مساواة الفرص الحقة (نوعا ما) من المساواتية فيما يخص الصحة، إذن فإن التفاوتات الصحية المتبقية بعدما يُطبق مبدأ الفرق بالكامل لا تزال واقعة ضمن مجال المبدأ. وفي تلك الحالة، ستطالب عدالة راولز بتخفيضها.

يقدم أناند وبيتر نقطة إضافية، والتي يمكن أن توضع وفق تمييزنا بين توجه الموقف الحر والمشتق لتقييم التفاوتات الصحية. توظف معاملة دانيلز للرعاية الصحية منطق توجه الموقف الحر، باسطة تقييم الصحية بأثر رجعي إلى أحد أسبابها (الرعاية الصحية). بيد أن استنتاجه الأخير يتطلب أن نلزم حصريا بمنطق التوجه المشتق. إذ يزعم دانيلز أن التفاوتات الصحية المتبقية عادلة – ليس لأنها تقع بوضوح ضمن مجال تفاوت صحي مسموح به، كما في صحة متساوية “إلى مدى معين” ولكن_ لأن أسبابها عادلة. بيد أن، ليس من الجلي كيف يمكن لعدالة تفاوت صحي أن تقضي بمسألة السماح بها إلا إذا لم ينطبق مبدأ مصدق للعدالة مباشرة على التفاوتات الصحية. وإن كان هذا صحيحا، فعلى دانيلز علاوة على أن يتحاشى حتى اعتمادا جزئيا عليها، أن يُظهر بألا وجود لأي موقف حر مصدق في التوجه. وكما يضعها أناند وبيتر:” يعتمد المنظور على أساس – الذي لا يظهره المؤلفون – بأن التفاوتات الصحية جائرة إذا، وإذا فقط، كانت نتيجة ترتيبات اجتماعية جائرة” (2000،50). بيد أن دانيلز لا يقدم أي حجة تؤكد جزءا من الأساس الذي يتطلبه استنتاجه الأخير.

 

 

 


المراجع

  • Adler, N. and Newman, K. (2002). “Socioeconomic Disparities in Health: Pathways and Policies,” Health Affairs, 21: 60–76.
  • Adler, N. and Ostrove, J. (1999). “Socioeconomic Status and Health: What We Know and What We Don’t,” in Socioeconomic Status and Health in Industrial Nations: Social, Psychological, and Biological Pathways, N. Adler et al. (eds.), New York: New York Academy of Sciences.
  • Anand, S. (2004). “The Concern for Equity in Health,” in Anand et al(eds.) 2004: 15–20.
  • Anand, S. and Peter, F. (2000). “Equal Opportunity,” in Is inequality bad for our health?, eds. J. Cohen and J. Rogers. Boston: Beacon Press.
  • Anand, S., Peter, F., and Sen, A. (eds.) (2004). Public Health, Ethics, and Equity, Oxford: Oxford University Press.
  • Anand, S., Diderichsen, F., Evans, T., Shkolnikov, V., and Wirth, M. (2001). “Measuring Disparities in Health: Methods and Indicators,” in T. Evans et al. (eds.) 2001: 49–67.
  • Anderson, E. (1999). “What is the Point of Equality?,” Ethics, 109: 287–337.
  • Arneson, R. (2000). “Luck Egalitarianism and Prioritarianism,” Ethics, 110: 339–49.
  • Asada, Y. (2013). “A Summary Measure of Health Inequalities,” in Eyal et al. (eds.) 2013: 37–51.
  • Backlund, E., Sorlie, P., and Johnson, N. (1999). “A comparison of the relationships of education and income with mortality: the national longitudinal mortality study,” Social Science and Medicine, 49: 1373–84.
  • Brighouse, H. and Swift, A. (2006). “Equality, Priority, and Positional Goods,” Ethics, 116: 471–97.
  • Brunner, E. and Marmot, M. (1999). “Social organization, stress, and health,” in Marmot and Wilkinson, eds. (1999).
  • Buchanan, A. (1984). “The Right to a Decent Minimum of Health Care,” Philosophy & Public Affairs, 13: 55–78.
  • Cohen, S., Line, S., Manuck, S., Rabin, B., Heise, E., and Kaplan, J. (1997). “Chronic Social Stress, Social Status, and Susceptibility to Upper Respiratory Infections in Nonhuman Primates,” Psychosomatic Medicine, 59: 213–21.
  • Crimmins, E. and Saito, Y. (2001). “Trends in healthy life expectancy in the United States, 1970–1990: gender, racial, and educational differences,” Social Science and Medicine, 52: 1629–41.
  • Culyer, A. and Wagstaff, A. (1993). “Equity and equality in health and health care,” Journal of Health Economics, 12: 431–57.
  • Cutler, D., Lleras-Muney, A., and Vogl, T. (2011). “Socioeconomic status and health: Dimensions and mechanisms,” in Oxford Handbook of Health Economics, eds. S. Glied and P.C. Smith. Oxford: Oxford University Press.
  • Dahlgren, G. and Whitehead, M. (1991). Policies and Strategies to Promote Social Equality in Health, Stockholm: Institute of Future Studies.
  • Daniels, N. (2008). Just Health: Meeting Health Needs Fairly, New York: Cambridge University Press.
  • ––– (1985). Just Health Care, New York: Cambridge University Press.
  • Daniels, N., Kennedy, B., and Kawachi, I. (2000). “Why Justice is Good for our Health,” in Is inequality bad for our health?, eds. J. Cohen and J. Rogers. Boston: Beacon Press.
  • Deaton, A. (2013). “What does the empirical evidence tell us about the injustice of health inequalities?,” in Eyal et al. (eds.) 2013: 263–281.
  • ––– (2003). “Health, Inequality, and Economic Development,” Journal of Economic Literature, 41: 113–58.
  • ––– (2002). “Policy Implications of the Health and Wealth Gradient,” Health Affairs, 21: 13–30.
  • Dworkin, R. (2000). Sovereign Virtue, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Elo, I. and Preston, S. (1996). “Educational differences in mortality: United States, 1975–1989,” Social Science and Medicine, 42: 47–57.
  • Evans, R., Hodge, M., and Pless, I. (1994). “If Not Genetics, Then What? Biological Pathways and Population Health,” in Why Are Some People Healthy and Others Not?, R. Evans et al. (eds.), New York: de Gruyter.
  • Evans, T., Whitehead, M., Diderichsen, F., Bhuiya, A., and Wirth, M. (eds.) (2001). Challenging Inequities in Health: From Ethics to Action, New York: Oxford University Press.
  • Eyal, N. (2013). “Leveling down health,” in Eyal et al. (eds.) 2013: 197–213.
  • Eyal, N., Hurst, S., O. Norheim, and Wikler, D. (eds.) (2013). Inequalities in Health: Concepts, Measure, and Ethics, Oxford: Oxford University Press.
  • Gibbard, A. (1984). “Health Care and the Prospective Pareto Principle,” Ethics, 94: 261–82.
  • Hausman, D. (2013). “Egalitarian critiques of health inequalities,” in Eyal et al. (eds.) 2013: 95–112.
  • ––– (2007). “What’s wrong with health inequalities?,” Journal of political philosophy, 15(1): 46–66.
  • Huisman, M., Kunst, A., Bopp, M., Borgan, J.K., Borrell, C., Costa, G., Deboosere, P., Gadeyne, S., Glickman, M., Marinacci, C., Minder, C., Regidor, E., Valkonen, T., Mackenbach, J. (2005). “Educational inequalities in cause-specific mortality in middle-aged and older men and women in eight western European populations,” Lancet, 365: 493–500.
  • Kamm, F. (2004). “Deciding Whom to Help, Health-Adjusted Life Years and Disabilities,” in Anand et al. (eds.) 2004: 225–42.
  • Kawachi, I., Kennedy, B., and Wilkinson, R. (eds.) (1999). Income Inequality and Health: A Reader, New York: New Press.
  • Kunst, A. and Mackenbach, J. (1994). “The Size of Mortality Differences Associated with Educational Level in Nine Industrialized Countries,” American Journal of Public Health, 84: 932–37.
  • Le Grand, J. (2013). “Individual responsibility, Health, and Health Care,” in Eyal et al. (eds.) 2013: 299–306.
  • ––– (1987). “Equity, health, and health care,” Social justice research, 1: 257–274.
  • Leon, D. and Walt, G. (eds.) (2001). Poverty, Inequality, and Health: An International Perspective, Oxford: Oxford University Press.
  • Lippert-Rasmussen, K. (2013). “When Group Measures of Health Should Matter,” in Eyal et al. (eds.) 2013: 52–65.
  • Marmot, M. (2004). The status syndrome, New York: Henry Holt.
  • ––– (2001). “Inequalities in health,” New England Journal of Medicine, 345: 134–6.
  • ––– (2000). “Multilevel Approaches to Understanding Social Determinants,” in Social Epidemiology, eds. L. Berkman and I. Kawachi. Oxford: Oxford University Press.
  • Marmot, M., Bosma, H., Hemingway, H., Brunner, E., and Stansfeld, S. (1997). “Contribution of job control and other risk factors to social variations in coronary heart disease incidence,”Lancet, 350: 235–39.
  • Marmot, M., Rose, G., Shipley, M., and Hamilton, P. (1978). “Employment grade and coronary heart disease in British civil servants,” Journal of Epidemiology and Community Health, 32: 244–49.
  • Marmot, M., Shipley, M., and Rose, G. (1984). “Inequalities in Death—Specific Explanations of a General Pattern?,” Lancet, 323: 1003–6.
  • Marmot, M. and Wilkinson, R. (eds.) (1999). Social Determinants of Health, Oxford: Oxford University Press.
  • McDonough, P., Duncan, G., Williams, D., and House, J. (1997). “Income Dynamics and Adult Mortality in the United States, 1972 through 1989,” American Journal of Public Health, 87: 1476–83.
  • McEwen, B. (1998). “Protective and damaging effects of stress mediators,” New England Journal of Medicine, 338: 171–79.
  • Murray, C., Kulkarni, S., Michaud, C., Tomijima, N., Bulzacchelli, M., Iandiorio, T., and Ezzati, M. (2006). “Eight Americas: investigating mortality disparities across races, counties, and race-counties in the United States,” PLoS Medicine, 3(9): e260.
  • Murray, C., Frenk, J., and Gakidou, E. (2001). “Measuring health inequality: challenges and new directions,” in Leon and Walt, eds. (2001): 194–216.
  • Murray, C., Gakidou, E., and Frenk, J. (1999). “Health inequalities and social group differences: What should we measure?,” Bulletin of the World Health Organization, 77: 537–543.
  • Parfit, D. (2001). “Equality or Priority?,” in Bioethics, ed. J. Harris. Oxford: Oxford University Press: 347–86.
  • Peter, F. (2004). “Health Equity and Social Justice,” in Anand et al. (eds.) 2004: 93–105.
  • Rawls, J. (1971). A Theory of Justice, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Sapolsky, R. (1993). “Endocrinology Alfresco: Psychoendocrine Studies of Wild Baboons,” Recent Progress in Hormone Research, 48: 437–68.
  • Sapolsky, R. and Mott, G. (1987). “Social subordinance in wild baboons is associated with suppressed high density lipoprotein-cholesterol concentrations: the possible role of chronic stress,” Endocrinology, 121: 1605–10.
  • Segall, S. (2010). Health, Luck, and Justice, Princeton: Princeton University Press.
  • Sen, A. (1992). “Missing women,” BMJ, 304: 586–7.
  • Shively, C. and Clarkson, T. (1994). “Social status and coronary artery atherosclerosis in female monkeys,” Arteriosclerosis Thrombosis and Vascular Biology, 14: 721–26.
  • Sreenivasan, G. (2009a). “Ethics and epidemiology: the income debate,” Public Health Ethics, 2: 45–52.
  • ––– (2009b). “Ethics and epidemiology: residual health inequalities,” Public Health Ethics, 2: 244–49.
  • ––– (2007a). “Health care and equality of opportunity,” Hastings Center Report, 37(2): 21–31.
  • ––– (2007b). “Health and justice in our non-ideal world,” Politics, Philosophy & Economics, 6: 218–36.
  • ––– (2001). “Opportunity is not the key,” American Journal of Bioethics, 1(2): 1b–2b.
  • Temkin, L. (1993). Inequality, Oxford: Oxford University Press.
  • van Rossum, C., Shipley, M., van de Mheen, H., Grobbee, D., and Marmot, M. (2000). “Employment grade differences in cause specific mortality,” Journal of Epidemiology and Community Health, 54: 178–84.
  • Wang, H., Schumacher, A., Levitz, C., Mokdad, A., and Murray, C. (2013). “Left behind: widening disparities for males and females in US county life expectancy, 1985–2010,” Population Health Metrics, 11: 8.
  • Wikler, D. (2004). “Personal and Social Responsibility for Health,” in Anand et al. (eds.) 2004: 109–34.
  • Wilkinson, R. (1996). Unhealthy societies: The afflictions of inequality, London: Routledge.
  • Wilkinson, R., and Marmot, M. (eds.) (2003). Social determinants of health: The solid facts, 2nd Copenhagen: World Health Organization.
  • WHO (2013). World Health Statistics 2013, Geneva: World Health Organization.

 

أدوات أكاديمية

How to cite this entry.
Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).
Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر إنترنت

مدخلات ذات صلة

beneficence, principle of | civil rights | economics and economic justice | egalitarianism | equality |equality: of opportunity | ethics, biomedical: justice and access to health care | exploitation |feminist philosophy, interventions: bioethics | feminist philosophy, topics | health | human genome project | justice: as a virtue | justice: distributive | justice: intergenerational | justice: international distributive | luck: justice and bad luck | race | Rawls, John | social minimum [basic income]

 

 

[1] Sreenivasan, Gopal, “Justice, Inequality, and Health”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2018 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2018/entries/justice-inequality-health/>.

error: المحتوى محمي