ظلمة تتهاوى: محاولة في فهم الانتحار – تأليف: كاي جاميسون/ ترجمة: طلال العمري وهدى متبولي

ظلمة تتهاوى: محاولة في فهم الانتحار – تأليف: كاي جاميسون/ ترجمة: طلال العمري وهدى متبولي


الإبداع ومرض الاكتئاب الهوسي - كي ريدفيلد جاميسون

د. كاي ريدفيلد جايمسون، برفيسور الطب النفسي والعلوم السلوكية في جون هوبكينز، كاتبة كتاب الظلام يتهاوى متتابعاً


مقدمة:

الظلام يتهاوى متتابعاً 
اليوم لا زال في ماضٍ ..
يحاول التسلل من عتمة يطل عليها بابي
ثلاث نذفات .. فأربع .. ثم يغرقني الكثير ..

 

إيدن . فاينست ميلي .

اعتاد صديقي جاك رايان أن يصحبني إلى حديقة بريستو في البيفرلي هلز, ظاناً أنه بالإمكان جعل مساءات لوس أنجلوس أقصر وأخف وطأة. كنت أطلب عادة سرطان البحر وكأس السكوتش على الصخور, بينما يقوم جاك من حين لآخر بعرض فكرة الزواج علي. كانت بالطبع تلك فكرةً مثالية للحصول على براءة اختراع في توليد الكوارث, لكن على كل حال؛ لم يكن أيٌ منا ميالاً لأخذ عرض الزواج هذا بجدية, على عكس صداقتنا التي كنا نأخذها على محمل الجد.

في هذا المساء تحديداً؛ وكنت التهمت القطعة الأخيرة من سرطان البحر, أخذت أحرك كأسي خالقة بعض الدوامات ومتلاعبة بمكعبات الثلج بعصبية. كان حديثنا عن الانتحار يجعل مني عصبية المزاج وعاجزة عن الاسترخاء. أخذنا نقطع أغلظ الوعود: إذا ما فكر أحدنا بتقديم دمه قرباناً للموت؛ فسنجتمع حيث يقطن جاك في الكيب كود, وسيكون لدى الآخر أسبوعاً هناك ليقنعه بالعدول عن الانتحار, ويسرد له كافة الأسباب ليعود لتناول جرعات الليثيوم.. على افتراض أن الانقطاع عن الليثيوم3 هو السبب الرئيسي لهذه الأفكار الإنتحارية (كان كلانا مصاباً بمرض الاكتئاب الهوسي4, وعلى الرغم مما نبدو عليه من الحكمة والتعقل؛ كان كلانا لا يحبذ تناول الدواء) أسبوعاً كما نظنه كافياً لإقناع من يفكر بالموت بالذهاب للمستشفى, وإيقاظ ضميره بتذكيره بالألم الحتمي الذي سيتسبب فيه لعائلته إن هو مات منتحراً.

كنا خلال هذا الأسبوع -كما تصورنا- سنسير بمحاذاة الشاطئ يذكر بعضنا بعضاً بعدد المرات التي رأينا الأمل فيها يتلاشى والنهاية تصبح حتمية, فينقشع بطريقة ما كل هذا الظلام ويعود الأمل للبزوغ .. و الحقيقة أنه إذا لم يكن الشخص الذي اختبر الهاوية هو الأقدر على إنقاذ من يقف على حافتها؛ فمن عساه يكون؟

كان كلانا يعرف الإنتحار جيداً, وله طريقته الحميمة للتعامل معه, وكنا نظن أنه في قدرتنا تجنب أن تكون عبارة “الوفاة منتحراً” هي الطريقة الأدق لوصف موتنا في شهادة الوفاة. كنا قد قررنا أن أسبوعاً واحداً هو أكثر من كافٍ لمناقشة البقاء على قيد الحياة وجدواه, وحتى إذا لم يفلح ذلك؛ فعلى الأقل نكون قد حاولنا. ولأن لدينا سنوات طويلة من الخبرة المتراكمة مع نمط الحياة المتسم بالتهور وغير القابل للتنبؤ, ولأننا نعرف كيف يمكن أن يكون الدافع للانتحار سريعاً وقاطعاً؛ فقد قررنا أن لا يشتري أينا مسدساً أبداً, بل وأقسمنا أن لا نجعل كائناً من كان وتحت أي ظرف من الظروف يستودع مسدساً في منزل نسكنه.”في صحتك”، قلنا بشكل متزامن مع قرقعة الثلج و ارتطام الكأسين ببعضيهما

عدنا من إبحارنا نحو الواقع والعالم العقلاني. كانت لا زالت تعتريني بعض الشكوك. أصغيت للتفاصيل, حاولت استيضاح بعضها, تجرعت ما تبقى في كأسي, ثم حدقت في الضوء النحيل الذي يحيط بنا في الحديقة.

 

الظلام يتهاوى متتابعاً – كاي جاميسون

غلاف كتاب (الظلام يتهاوى متتابعاً – كاي جاميسون)

من كنا نخادع؟!

لم يحدث مرة خلال نوبة من نوبات الاكتئاب الانتحاري أن وجدت في نفسي الرغبة أو القدرة في رفع سماعة الهاتف وطلب المساعدة من صديق .. لم يحدث ذلك مرة, هذا لا يشبهني أبداً! كيف بإمكاني جدياً أن أتخيل أن أتصل بجاك ثم أحجز رحلة طيران ثم أذهب للمطار ثم أستأجر سيارة وأجد الطريق لبيت جاك في الكيب ؟! والحقيقة أن هذا يبدو أقل سخفاً بالنسبة لجاك, فهو شخص ثري على الأقل, و بإمكانه أن يسند لأحدهم مهمة إنجاز الإجراءات العملية نيابة عنه. كلما فكرت في هذا؛ غدوت متشككة أكثر. توّجَ هذا الحماس الوقاد, والاستدراج المغوي, والقدرة الهائلة على خداع النفس التي يستطيع ارتكابها اثنان مهووسا المزاج, حلوى السوفليه التي وصلت في الوقت الذي كنا فيه مقتنعين تماماً أن اتفاقنا سارٍ وسيتماسك. سأتصل به حتماً كما اتفقنا, وسيفعل هو ذلك.. وسنطرح الفارس الأسود المسكين خارج الرقعة.

 

***

إن كان الأمر خاضعاً للفارس الأسود5, فقد كان ميالاً للصمود والتمسك بالبقاء بيدقا على رقعة الشطرنج.. وكذلك فعل. فبعد عدة سنوات من لقائنا في الحديقة, تزوج جاك ورحلت أنا لواشنطن, و لم تتح لي رؤيته لفترة طويلة, حتى كان ذلك النهار الذي استقبلت فيه مكالمة من كاليفورينا يخبرني فيها المتصل أن جاك وجه مسدسا لرأسه وأطلق النار..لقد قتل نفسه, هكذا أكد المتصل. لم يعد هناك فرصة لعقد المزيد من الأسابيع في الكيب كود, ولا المزيد من المحاولات ليثني أحدنا الآخر عن تقديم دمه قربانا للموت .

جاك الذي كان مبدعاً بما يكفي ليحوز آلاف براءات الاختراع لطيف واسع من الابتكارات, ابتداءً من الأنظمة الردارية المستخدمة في وزارة الدفاع الأمريكية لصواريخ الهوك وسبارو, مروراً بالألعاب التي يلعب بها ملايين الأطفال على امتداد الأرض, وليس انتهاءً بالأجهزة التي تستخدم في كل بيت أمريكي.. التاجر الناجح.. خريج ييل.. محب الحياة.. ذو المخيلة الخلاقة؛ لم يجد في مخيلته متسعاً لإيجاد بديل لتقرير مصيره بغير هذه الطريقة الذاتية العنيفة.

والحقيقة أنني وإن كان قد هزني موت جاك, إلا أني لم أًفاجأ به, ولم أكن متفاجئة بالطبع من أنه لم يتصل بي حينما فكر بالانتحار, فأنا بعد كل شيء, ومنذ العهد الذي قطعناه في الحديقة, أصبحت انتحارية غير مرة وفي عدة مناسبات؛ ولم أتصل به و لم يخطر لي حتى أن أفعل ذلك ..فالانتحار ليس شيئاَ يمكن ضبطه بوعود المساءات, ولا يمكن أن يلتزم الخطط المرسومة في لحظات رائقة, أو أن يغلف بالنوايا الحسنة .. وأنا أعرف هذا بالاستناد إلى حقيقة غير مبهجة, تتمثل في أن الانتحار غدا في دائرة اهتمامي المهني لأكثر من عشرين سنة, واهتمامي الشخصي لفترة معتبرة أطول من ذلك.

ويمكنني القول, أن الانتحار انتزع بحق اعتباري وتقديري البالغ, لقدرته على اجتياح الإنسان وجرف أركانه والاستحواذ عليه وعلى عقله, وتدميره أخيراً وكممارسة اكلينيكة, وباحثة, ومعلمة, عرفت دوما ً مرضى شنقوا أنفسهم, أو أطلقوا النار على أنفسهم, عليها أو خنقوا أنفسهم بأنفسهم. قفزوا نحو حتوفهم من فوق السلالم, أو المباني, أو الجسور, ماتوا نتيجة لاستنشاق الغازات السامة أو بجرعات زائدة من الأدوية, قطعوا أرساغهم, أو شقوا حناجرهم. أصدقاء مقربون, زلاء دراسة, زملاء عمل و أبناءهم .. فعلوا شيئاً كهذا أو قريبا منه. أكثرهم كانوا يافعين وكانوا يعانون من اضطرابات عقلية, وكلها الوفيات خلفت وراءها ألماً غير متصور, وإحساس بالذنب لا يخففه الزمن. و كآخرين يعانون من الاضطراب ثنائي القطب, عرفت الانتحار بشكل خاص ومريع, ولقد اختبرت فقدان الطهارة الأولى في ذلك اليوم الذي قررت فيه أن الانتحار هو الحل الوحيد لمستوى غير محتمل من الألم العقلي, بعد أن كنت حتى ذلك الوقت فتاة محظوظة أغرم بها الكثيرون, وصبية ذات مزاج حساس وشاعري ونظرة وردية للحياة. لم أكن أعرف الموت سوى في أكثر أشكاله رمزية .. و لم أفكر يوماً في أنه يمكنني أن أخطط لموتي بنفسي أو أسعى له.

كنت في السابعة عشر وغارقة في اكتئابيء. وقد نمت معرفتي عن الانتحار بطريقة بعيدة عن الطريقة الوجودية التي يمكن لمراهقة ان تعرفه بها, ولوقت طويل من كل يوم, لعدة أشهر طوال سنتي الآخيرة في المرحلة الثانوية؛ فكرت كثيراً ما إذا وكيف وأين ومتى كنت سأقتل نفسي. تعلمت كيف أبرز للآخرين وجها غير وجهي, وتفكيرا غير تفكيري. تقصيت موقعين أو ثلاثة تحتوي لأبراج طويلة بسلالم غير محمية, استكشفت أسرع الطرق الممتلئة بالسيارات المندفعة صباحاً, ثم تعلمت كيف أحشو مسدس والدي بالرصاص. وهوى الظلام على بقية حياتي في ذلك الوقت, أصبحت الرياضة والكتابة والحصص الدراسية والأصدقاء و التخطيط للجامعة؛ مسرحية سخيفة لا يمكن احتمالها, وجود أجوف مزيف تماماً, يزوَر فيه الناس وجودهم وطريقهم بأفضل ما يستطيعون. ثم وتدريجيا انقشع الاكتئاب.. طبقة إثر طبقة, وبحلول وقت تخرجي كنت قد اصبحت بخير لعدة اشهر, وانسحب الانتحار للمربع الخلفي من الرقعة, وغدا مرة أخرى ضمن مما لا يخطر على بال.

لحرصي على كتمان هذه الكوابيس وخصوصيتها, لا أحد مقرب مني كان لديه فكرة حقيقة عن المعاناة التي ابقيتها سراً كبيراً. كان ثمة حاجز بين تجربتي الشخصية و التعبير عنها علناً,  حاجز ذي وجود مطلق غير قابلٍ للنقاش, حتى أن تظاهري بعافيتي كان مقنعاً بشكل مخيف. وخلال سنوات كان الاضطراب الاكتئابي الهوسي يزداد سوءاً, وحقيقة أنني سأموت منتحرة وأنا شابة, أصبحت كامنة في طريقة تعاملي مع الحياة, ثم وحين كنت في الثامنة والعشرين, أخذت جرعة هائلة زائدة من الليثيوم بعد نوبة ذهان هوسي مدمرة, متبوعة بنوبة طويلة وحصار عنيف من الاكتئاب. وكنت بحق أريد أن أموت, وكدت أن أفعل, فالموت من الانتحار كان دائماً إحتمالية في حياتي إن لم يكن حتمية. و تحت الظروف الراهنة, كنت عضو هيئة تدريس شابة في قسم الطب النفسي. لم تكن مسافة طويلة تلك التي فصلت بين تجربتي الشخصية و تجربتي الاكلينيكية والبحثية العلمية. كنت قد درست كل ما استطعت قراءته عن مرضي, وقرأت تقريبا كل ما استطعت إيجاده عن الدوافع البيولوجية والننفسية فيه للانتحار. وكما يفعل مروض النمور الذي يعرف تفكير قطه وحركته القادمة, وكما يفعل طيار يتعلم ديناميكة الرياح والهواء, تعلمت أنا عن المرض ونهاياته المحتملة.

تعلمت بأفضل ما أستطيع و بأكثر ما يمكن عن أمزجة الموت.

 

 

لقراءة الفصل الثالث من كتاب الظلام يتهاوى متتابعاً

 

 

ترجمة: طلال العمري


هوامش المترجم :

1- فضلنا عبارة (الظلام يتهاوى متتابعاً) على عبارة (الظلام يتهاوى سريعاً ) لأن التهاوي لا يكون إلا متسارعاً , وكرهنا تكرار المعنى.
2-كاي ردفيلد جاميسون , عالمة نفس  إكلينيكية وكاتبة , و أستاذة الطب النفسي  في جونز هوبكنز , اشتهرت بكتابها (عقل غير هادئ) – مترجم -الذي أفصحت فيه للعامة عن معاناتها مع الاضطراب ثنائي القطب لما يزيد عن 20 عاماً.    وكتاب  ( ممسوس بانار :  عن علاقة الإبداع بعلل المزاج ) _ تحت الترجمة –

ثم شاركت د فردريك جودوين – رئيس المعهد الوطني للصحة النفسية حينها – بتأليف الكتاب المرجعي عن إضطراب المزاج ثنائي القطب ( Manic Depressive Illness     ) , هي أرملة  الطبيب النفسي العالمي ريتشارد وايت .

 3-دواء الليثيوم : عنصر كيميائي Li    ‘ بدأ استخدامه الطبي في أوائل القرن  التاسع عشر كعلاج لبعض اضطرابات الجهاز الهضمي  ثم بديل للملح لمرضى الضغط الدموي  ومنها مصادفة أكتشفت فائدته في اضطرايات المزاج  في منتصف القرن , بدأ استعماله من عام 1949 م  وتأخرت هييئة الدواء والغذاء الأمريكية في الإعتراف به حتي عام 1970 م , – كان ترتيبها الدولة 50 في الإعتراف به . منذ ذلك الوقت وهو العلاج الذهبي للثنائي

4-الإكتئاب الهوسي : هو الاسم القديم لمرض الاضطراب ثنائي القطب , و هو مرض نفسي يتميز بمرور المريض بنوبات هوس (ارتفاع حاد في المزاج) و نوبات اكتئاب(انخفاض حاد في المزاج) . و هو يصنف إلى نوعين النوع الأول (يترافق مع هوس شديد Mania  ( و النوع الثاني ( يترافق مع هوس خفيف  (Hypomania , و كانت المؤلفة جاميسون مصابة بالنوع الأول.
5- تعبير مجازي تقصد به المؤلفة الاكتئاب و الأفكار الانتحارية المرافقة له.

الظلام يتهاوى متتابعاً

error: