الطب العربي في صدر الإسلام – لوسيان لوكلير / ترجمة: خليد كدري

الطب العربي في صدر الإسلام – لوسيان لوكلير / ترجمة: خليد كدري

 نسخة PDF


     تقديم:

     لا يمكن للباحث في تاريخ الطب عند العرب أو المسلمين أن يستغني البتة عن كتاب تاريخ الطب العربي[1] الذي ألفه المستشرق الفرنسي الدكتور لوسيان لوكلير Lucien Leclerc في أواخر القرن التاسع عشر. ومع أن الكتاب صدر منذ هذا التاريخ، البعيد نسبيا، فقد لا نجانب الصواب إذا قلنا إن معظم ما كتب في الموضوع، إلى غاية يومنا هذا، يكاد يكون عالة عليه. فأهم المصادر المعتمد عليها من قبل مؤرخي الطب العربي المحدثين اثنان: أولهما كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، وثانيهما كتاب لوسيان لوكلير الذي نتحدث عنه.

     لكن المفارقة العجيبة تتمثل في أن الحاجة العلمية الماسة والمزمنة إلى هذا الأخير لم تسفر عن أية محاولة لترجمته إلى اللغة العربية. وقد تفضلت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، عام 1980، بإصدار نسخة ثانية مصورة من طبعة القرن التاسع عشر الفرنسية، لكن من دون أية قيمة مضافة تذكر اللهم ما كان من ترجمة العنوان إلى اللغة العربية، على ظهر الغلاف، وتصدير قصير بقلم الدكتور أحمد رمزي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي الأسبق.

     لهذا عزمنا على ترجمة الكتاب الذي يقع في مجلدين، وتقديمه للنشر عند المناسبة. وفيما يلي ترجمتنا للفصل الذي أفرده المؤلف للطب العربي في فترة صدر الإسلام[2]. ونشفع هذه الترجمة بتعاليق تتضمن توضيحات وملاحظات واستدراكات وإفادات شتى نرجو أن تكون مفيدة للقراء والدارسين العرب. وحيث إن الفصل الذي نترجمه لا يشتمل على أية هوامش، فقد استغنينا عن تمييز تعاليقنا بوضع كلمة (المترجم) بين قوسين.

     لكننا نقدم لهذا كله بالتعريف بمؤلف الكتاب، وهو الدكتور لوسيان لوكليرالمولود في عام 1816 في بلدة فيل-سور-إيلون،Ville-sur-Illon ، بإقليم فوجVosges  التابع لمنطقة اللورين الفرنسية، وبها توفي في عام 1893. ويعلم من سيرته أنه التحق بصفوف جيش الاحتلال في الجزائر كطبيب جراح، حيث تعلم اللغة العربية وتمهر فيها غاية التمهر، ثم شغل منصب سكرتير الجمعية الأركيولوجية بولاية قسنطينة قبل أن يغادر بلاد الجزائر نهائيا في صيف عام 1864. شارك الدكتور لوكلير في الحرب الفرنسية-الألمانية في عام 1870، ثم لم يلبث أن تقاعد من الجيش ليتفرغ للترجمة والبحث والتأليف في تاريخ العلوم العربية.

     وقد اهتم الدكتور لوكلير على الخصوص بتاريخ الطب العربي، ولا سيما مساهمة العرب في علم الصيدلة. واستهل مشوار الترجمة بمعجم كشف الرموز في العقاقير الطبية للشيخ عبد الرزاق بن حمدوش الجزائري، ثم تصدى بعد ذلك لترجمة بعض أمهات الطب العربي، ومنها كتاب الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار المالقي الذي يعد أحد مصادر ابن حمدوش، والمقالة الجراحية من كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف لأبي القاسم الزهراوي القرطبي، وكتاب الجدري والحصبة لمحمد بن زكريا الرازي. وله ترجمات أخرى عديدة لم تنشر إلى غاية يومنا هذا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الكتاب الثاني من قانون الشيخ الرئيس ابن سينا في الأدوية المفردة. غير أن أهم مصنفاته على الإطلاق يتمثل في كتابه الذي اجتزأنا منه النص المترجم، وهو تاريخ الطب العربي.


     أفاد العرب من بلاد فارس أولى معارفهم المنهجية في صناعة الطب. فمنها استعاروا أسماء عدد كبير من الأدوية، مما تداولوه سواء بصيغته الأعجمية الأصلية أو بصيغته المعربة. فالتوابل والعطور والأدوية، التي شهرت بثراء العرب الأسطوري، لم تكن كلها من نتاج أرض العرب، بل أتتهم إما من بلاد فارس وإما من بلاد الهند، ولم يكن العرب سوى وسطاء يتاجرون بهذه المواد. ويظهر أن بلاد فارس كانت تتوفر، في هذا العصر، على ثلة من المتطببين المستقلين عن مدرسة جنديسابور. وقد وقفنا على اسمي اثنين من هؤلاء الأطباء، ممن يجب أن نقول في حقهم بضع كلمات، بالنظر إلى أن العرب نقلوا مصنفاتهما إلى لغتهم، وأفادوا منها.

     1- من أطباء فارس

     1.1- تيادورسThéodore : كان مسيحيا، وعاش في بلاد فارس حيث اشتهر بالمهارة في صناعة الطب. وقد بنى له الملك سابور ذو الأكتاف كنيسة في بلده، وقيل إن الذي بنى له الكنيسة حفيده الملك بهرام جور، مما يظهرنا على علو منزلته عند القوم، ويدلنا، في نفس الوقت، على أنه من أعلام القرن الرابع الميلادي. ولتيادورس كناش في الطب نقل إلى اللغة العربية على ما يذكر صاحب الفهرست.  ومن المحتمل أن يكون هو نفس ثيودور الشارح، الذي ترجم أعماله كل من قوماسCumas ، بروبسProbus  وهيباسHibas  الذين عاشوا في بداية القرن الخامس[3].

     2.1- برزويهBourzouih : كان طبيبا متميزا، فاضلا في علوم الفرس والهند. وهو الذي جلب من بلاد الهند كتاب كليلة ودمنة إلى الملك أنوشروان بن قباذ، الذي شاعت تسميته بكسرى الأكبر، وترجمه إلى اللغة الفارسية. وهذه الترجمة هي التي سيعتمد عليها عبد الله بن المقفع في ترجمته للكتاب إلى اللغة العربية في عهد المأمون العباسي. وعلى ذلك، فقد عاش برزويه في القرن السادس الميلادي، ومن المحتمل أن يكون الحارث بن كلدة الثقفي قد أفاد من علمه. ولا نعلم شيئا عن مؤلفاته، لكننا نستطيع أن ننسب إليه الأقوال الطبية التي ينقلها محمد بن زكريا الرازي عن المسمى «بوريازو»Buriezu  في الترجمة اللاتينية لكتاب الحاوي؛ ذلك أننا لم نتمكن من الوقوف على اسم برزويه في النص العربي للكتاب الذي لم نكن نتوفر – علاوة على ذلك – على الوقت الكافي للإفادة منه كاملا. ومهما كان الحال، فالأمر يقتضينا أن ننسب إلى برزويه بيان الحب الوارد في أقراباذين  يوحنا بن سرابيون تحت اسم «حب برزوياتي الحكيم»pillulae Barzouiati sapientis . أفلا نستطيع، أيضا، أن ننسب إلى برزويه التصنيف الذي يذكره إرنست رينان تحت عنوان في المزاج الأرضي للحكيم الكبير بيروزي Berozi؟ (إ. رينان، الفلسفة المشائية عند السريان، باريس: 1852، ص. 46.)[4].

     2- أطباء عرب

     لمحة عن بلاد العرب: يعتبر القرن الذي يسبق مباشرة ظهور الإسلام من أهم الفترات في تاريخ العرب. وكان مرشحا لأن يكون أهم بكثير لو كان القرن الذي يليه خاليا من الأحداث الجسام. فقد شهد انخراط العرب في مسيرة التطور العقلي، ويعد، من بعض الوجوه، مبشرا بالقرن التالي الذي شهد انخراط العرب في مسيرة التطور السياسي والديني. ويتميز القرن السادس الميلادي بأنه عصر اليقظة الفكرية عند العرب. وعلى غرار سائر الشعوب، تمثلت هذه اليقظة، أول ما تمثلت، في الشعر. وفضلا عن ذلك، فالشعر يمثل أحد سمات العرب القومية البارزة. فقد نظمت المباريات الشعرية، وكانت القصائد الفائزة تكتب بماء الذهب، وتعلق على أبواب الكعبة. واللافت للنظر أن ما وصلنا من هذه الأشعار القديمة قد بلغ من الكمال درجة لم تبلغها أشعار القرون التالية الأكثر تحضرا، والتي، مع فائق تمهرها وقلة خشونتها، قصرت عن أن تضاهي الأشعار القديمة في مقدار الحيوية والعنفوان. ونذكر من جملة شعراء هذا العصر عنترة بن شداد الذي هو بمنزلة هوميروسHomère  وأخيلAchille  زمانه في نفس الوقت؛ إنه واحد من تلك الشخصيات العظيمة والنادرة التي لا نستطيع أن نتكلم عنها دون أن يستولي علينا شعور الإعجاب المشوب بالتعاطف، والتي لم يكن يعوزها سوى مسرح فسيح قادر على تخليد أثره العميق في الإنسانية.

    في خضم هذه الفترة الموسومة بعشق المغامرة وقرض الشعر، في منتصف القرن السادس الميلادي، ولد الحارث بن كلدة الثقفي الذي رحل إلى بلاد فارس طلبا للعلم الذي لم يكن العرب يعرفون عنه شيئا آخر سوى الاسم. وعند عودته إلى وطنه، اتخذ له تلامذة يعلمهم، وأولهم ولده النضر، وربما كان فيهم النبي محمد نفسه[5]. ولولا الثورة السياسية والدينية التي زعزعت أوضاع القرن التالي بعمق، لكان في وسع الحارث أن يكون شيخ مدرسة أو رائد حركة فكرية يعجز المرء عن تقدير قوتها ومداها. ومهما كان الحال، فإن ازدهار قرض الشعر عند العرب، وتعرفهم على الطب العلمي، في نفس الوقت، لا يعدو أن يكون مصادفة لافتة للنظر.

     1.2- الحارث بن كلدة الثقفي: يعد أول طبيب عربي يستحق هذه الصفة، وهو أول من جمع بين النظر والعمل من أطباء العرب. وأغلب الظن أنه ولد بالطائف حوالي منتصف القرن السادس الميلادي. وشد الرحال إلى ناحية فارس لتعلم الطب في مدرسة جنديسابور؛ وأقام هنالك زمنا، فحصل له بمزاولة الطب مال وفير. ووفد الحارث على كسرى أنوشروان، فأذن له بالدخول، وجرى بينهما حديث مطول سيدونه الحارث ويذيعه، لاحقا، بين العرب. وخلا بعض العموميات ذات العلاقة بالعناصر والأخلاط التي دار حولها الحديث الواصل إلينا، فإنه لم يعالج سوى المسائل التي تهم حفظ الصحة. وقوام حفظ الصحة عنده الاعتدال في الأكل. وأخطر الأدواء – يقول الحارث – مأتاه من إدخال الطعام على الطعام، أي من الأكل على الشبع. ويحذر الحارث من دخول الحمام على الامتلاء، وغشيان النساء عند السكر، وينصح بالتدثر بالليل، ويستحسن شرب الماء، وينهى عن شرب النبيذ الصرف غير الممزوج. أما القديد المالح ولحوم الحيوانات الفتية، فيرى أنها أغذية مهلكة للصحة[6]. وينصح بأكل الفواكه في ابتداء مواسمها وفي حين أوانها. وأما فيما يتعلق بالدواء، فإنه أجاب عن سؤال كسرى بقوله: ما دمت صحيحا، فاجتنب الدواء، فإن أصابك داء، فاحسمه بما يرده قبل أن يستحكم. ويرشد محاوره، كذلك، إلى سبل التخلص من كل خلط على حدة.

    وينصح الحارث بالحقنة. ويرى أن أفضل أوقات الحجامة نقصان الهلال في يوم صحو يكون فيه البدن على أتم استعداد. أما وصفه للمرأة، كما يشتهيها الرجال، فقد استحسنه كسرى استحسانا عظيما: ففي هذا الوصف يجمع الحارث بين حذق الطبيب وخيال الشاعر. ويحتوي هذا الحديث، أيضا، على نصيحة نجدها تتكرر عند طائفة من الأطباء العرب، وهي تلك التي تحذر من إتيان المرأة المسنة. وقد أكرمه كسرى، وأحسن صلته.

    وعاد الحارث إلى وطنه لمزاولة الطب. وقد كان عالما بعوائد العرب – يقول أحد المؤرخين – عارفا بالأدوية التي تناسبهم. وكان على صلة بالنبي محمد الذي كان يوجه إليه بعض المرضى؛ ومن المحتمل أن تكون هذه الصلة هي التي أفادت النبي محمد بجزء من معارفه الواسعة في الطب. ونحن نجد أن بعض الأحاديث المنسوبة إلى النبي محمد لا تختلف عن بعض أقوال الحارث بن كلدة.

    ومما يشهد لفطنة الحارث واقعة يتكرر مثالها مرارا في سجل تاريخ الأطباء، وهي هذه: «كان أخوان من ثقيف من بني كنة يتحابان، لم ير قط أحسن ألفة منهما، فخرج الأكبر إلى سفر، فأوصى الأصغر بامرأته، فوقعت عينه عليها يوما غير معتمد لذلك، فهويها وضني، وقدم أخوه فجاءه بالأطباء، فلم يعرفوا ما به، إلى أن جاءه بالحارث بن كلدة، فقال: أرى عينين محتجبتين، وما أدري ما هذا الوجع، وسأجرب، فاسقوه نبيذا، فلما عمل النبيذ فيه قال: [شعر]، فقالوا له: أنت أطب العرب، ثم قال: رددوا النبيذ عليه، فلما عمل فيه قال: [شعر]. قال: فطلقها أخوه، ثم قال: تزوج بها يا أخي، فقال: والله لا تزوجتها، فمات، وما تزوجها»[7].

    وعلى الرغم من علاقات الحارث بالنبي محمد، فإنه من المستبعد أن يكون قد اعتنق دين الإسلام. وليس هناك إجماع على تحديد تاريخ واحد لوفاته، لكن الظاهر أنه قضى نحبه بعد وفاة النبي محمد بزمن قليل. وقد ترك لنا الحارث الديوان الذي يذكره حاجي خليفة تحت عدد 5369.

     2.2- النضر بن الحارث الثقفي: هو ابن خالة النبي محمد؛ وقد جال في البلاد مثل والده الحارث بن كلدة، وعاشر العلماء من سائر المذاهب والملل، فحصل من العلوم القديمة – يقول ابن أبي أصيبعة – قدرا هاما؛ وتعلم من والده ما كان عنده من صناعة الطب، وغيرها.

    ونجد في الكتاب الخامس من قانون ابن سينا ذكرا لحب يمكن أن ننسبه إلى النضر، تحت عنوان: «بيان حب ابن الحارث». وهو عبارة عن مركب عقاقير مطهرة تنفع من كل داء بلغمي وسوداوي.

    ويكتسي الحديث عن النضر بن الحارث أهمية خاصة بالنظر إلى الخاتمة المأساوية التي وسمت سيرته في الحياة. لقد ناصب النبي محمد ألوان العداء. فتفوقه على النبي محمد في سعة معارفه، حداه إلى الهزء بشخصه وبكتابه[8]. ويبدو أن بعض نصوص القرآن تشير ضمنا إلى النضر[9]. ولما كان يوم بدر (624 للميلاد)، قاتل النظر في صفوف المشركين، فأسر في جملة من أسر منهم، بعد أن وقعت الكسرة عليهم، فأمر النبي محمد عليا بقتله بسائق من ضغن لم يكن معهودا فيه. وقد رثته أخته قتيلة بنت الحارث بقصيدة شعرية مؤثرة. وهذا الشعر – يقول المؤرخ – يعد أكرم شعر قالته امرأة موتورة؛ ولما سمع النبي قصيدة قتيلة، ندم على قسوته على أخيها النضر[10].

     3.2- ابن أبي رمثة التميمي[11]: ينتسب إلى قبيلة بني تميم، وكان جراحا يزاول أعمال اليد. وقد أتى النبي محمد، ذات مرة، فرأى بين كتفيه الخاتم، فطلب منه أن يعالجه، لكن النبي رفض طلبه. وهذا كل ما نعلم من سيرة ابن أبي رمثة.

     4.2- النبي محمد والطب النبوي: لقد تحدثنا سابقا عن علاقات النبي محمد بالحارث بن كلدة. ولا شك أنه أفاد من هذه العلاقات جزءا من معارفه الطبية. وأفاد معارف طبية أخرى غيرها مما شاهده سواء في أسفاره أو بين ظهراني قومه. فإلى جانب الحارث، كان هناك عرب آخرون يزاولون الطب الشعبي من كي وحجامة وفصد وتضميد جروح ومعالجة بالأدوية، وربما استعانوا بالوسائل الفائقة للطبيعة[12]surnaturels . ويحتفظ لنا التاريخ بأسماء بعض هؤلاء الأشخاص الذين كانوا على صلة بالنبي محمد. فنحن نعلم أنهم عالجوا فلانا أو علانا بالكي أو بالفصد أو بالحجامة. ويستدل على سعة ملاحظاته بالعدد الكبير للأحاديث الطبية المنسوبة إليه. فهذه التوصيات دليل عنايته الفائقة بصحة المؤمنين، مثلما هي إحدى وسائل التأثير عليهم.

    وربما صح القول بأنه لا توجد في العصر القديم شخصية نملك عنها من المعلومات الجمة والدقيقة نظير ما نملك عن مشرع العرب. فما لبث أتباعه من المسلمين أن جمعوا ودونوا أفعاله وأقواله بمنتهى الجد والعناية، وأفنى رجال أعمارهم في تمحيصها وحفظها عن ظهر قلب. أما مدى صحة نسبة هذه الأفعال والأقوال إليه، فتعرف من فحص ما تنقله عنه الروايات المتتالية.

    وتعتبر أحاديث النبي محمد بمثابة تكملة لشريعته، وبقراءتها نستطيع أن نكون فكرة صحيحة ووافية عن هذا الرجل العظيم بصورة أفضل مما لو اعتمدنا على القرآن وحده. أما أحاديثه الطبية الواصلة إلينا، فيناهز عددها الثلاثمائة حديث. وإذا كان قسم من هذه الأحاديث الطبية مجرد امتداد للطب الشعبي، فإن قسما آخر يشي بأنه مستفاد من مصدر خارجي، ومن طريق الحارث بن كلدة على الأرجح.

    وقد جمعت ودونت هذه الأحاديث الطبية في مؤلفات خاصة تحمل عنوان: الطب النبوي؛ ونصادف هذه المؤلفات في كافة مجاميع المخطوطات العربية. ويوجد في باريس اثنان منها تحت العددين 1061 و1897 من الملحق.

    ويذكر حاجي خليفة، في معجم كشف الظنون، نحوا من ستة مؤلفات في الطب النبوي لمؤلفين مختلفين. والظاهر أن أقواها نفوذا مصنف أبي نعيم الأصفهاني الذي غالبا ما تتم الإحالة إليه في المؤلفات الأخرى ذات الصلة، بينما يفضل نيقولا بيرونPerron  أن يترجم مصنف جلال الدين أبي سليمان داوود[13].

    فهذه المؤلفات تضفي على الأحاديث النبوية طابع العمل المنهجي في الطب، وتذيلها بشروح وإفادات تكميلية. وفيما يلي الترتيب المتبع في المخطوط 1061، والذي يوافق أنواع العلاج الثلاثة التي استخدمها النبي محمد: العلاج بالأدوية الطبيعية، العلاج بالأدوية الفائقة للطبيعة[14]، ثم العلاج المركب منهما.

   وقد يظن المرء أن جوهر الإسلام، بوصفه انقيادا واستسلاما لله، سيزهد المسلمين عن العناية بصحة أبدانهم. وهذا ظن باطل، لأن النبي محمد عني بأمر الصحة عناية فائقة. وأول حديث نبوي يطالعنا في مصنف جلال الدين [15]هو هذا: «خياركم أحسنكم أخلاقا»[16]. ولم يفتأ النبي محمد يردد على مسامع المؤمنين، وبألفاظ شتى، قوله: إن الله لا ينزل الداء إلا وينزل معه الدواء[17].

    وكما هو الحال عند اليهود، نجد أن تدابير حفظ الصحة فرضت على المسلمين بواعز الدين. أما التدابير التي لم ينص عليها كتاب القرآن، فقد فرضتها السنة النبوية. إن ما يأمر به النبي محمد يتمثل على الخصوص في الاعتدال. وقد وجدنا في بعض المواضع الحكاية الطريفة التالية، وهي: «أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين بن وافد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان، قال علي: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا، قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: «كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين»، فقال النصراني: ولا يؤثَر عن رسولكم شيء في الطب؟ فقال علي: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطب في [ألفاظ يسيرة]، قال النصراني: وما هي؟ قال: قوله: «المعِدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء، وأعط كل بدن ما عودته»، فقال النصراني: ما ترك كتابكم، ولا رسولُكم لجالينوس طبا »[18].

    وقد يكون مصدر هذه القاعدة الطبية الحارث بن كلدة الذي تنسب إليه بدوره. والكل يعلم أن الوضوء والعناية بنظافة جميع البدن يعتبران من قواعد الدين عند المسلمين. وفيما يتعلق بتدابير حفظ الصحة، أوصى النبي محمد بالاعتدال، وبتجنب الغضب وألوان الحزن والاغتمام. ونهى عن شرب الخمر، ولو على قصد التداوي، فقال: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم»[19]. ويعتقد أن للإكثار من أكل اللحوم أضرارا قد لا تقل خطورة عن أضرار شرب الخمر[20].

    ويثني النبي محمد كثيرا على الألبان والفواكه والعسل وزيت الزيتون. وقد تكتسي وصاياه أحيانا طابعا شعريا مبتكرا، كقوله إن النخلة شجرة مباركة، وحثه على إكرامها كما يكرم ذوو القربى، لأن الله خلق النخلة مما تبقى من طينة آدم[21]، وقوله أيضا إنه ما من بيت فيه عسل وزيت زيتون إلا ودعت الملائكة لأهله بالخير[22]. ونجد في أحد الأحاديث النبوية ذكرا للباذنجان[23]. أما أهم الأدوية التي يصفها النبي محمد، فتتمثل في الحبة السوداء، العسل، الحناء، الثفاء [أو الرشاد]، الحرملpeganum harmala ، السنا[24]. ولربما كان نص الحديث النبوي أقدم وثيقة تاريخية مكتوبة تتضمن إشارة إلى السنا. ومن المستجدات التي تستحق الذكر، كذلك، نجد الورسmemecylon tinctorum  والكاديpandanus odoratissimus، هذا العقار الهندي الذي يتداوى به من الجدري، والذي لم يتعرف عليه أحد من المترجمين قبلنا[25].

    وهناك فواكه أخرى كثيرة أوصى النبي محمد بالتداوي بها أيضا. ويقول: «الشفاء في ثلاثة‏:‏ شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار»[26]. وقد اكتوى وافتصد على يد أبي بن كعب[27]، واحتجم على فخذه[28]. وعندما أدمي من جراء كسر رباعيته، عمدت بنته فاطمة إلى حصير البردي، فأحرقته حتى إذا صار رمادا ألصقته على الجرح من أجل وقف النزيف[29]. وقد كوى النبي الصحابي سعد بن معاذ في أكحله. وكان يعنى بأمر الجرحى. وكان يغزو بأم سليم بنت ملحان ومعها نسوة من الأنصار لمداواة الجرحى. وفي يوم أحد استقدم النبي طبيبين من المدينة[30]. وكان يعالج الصداع والحمى بالحجامة والماء البارد، لكنه نهى عن الحجامة في القفا، لأن مؤخر الدماغ موضع الحفظ، والحجامة تذهبه[31].

    وكانت تنتاب النبي محمد نفسه نوبات من الصداع، وبعض المؤلفين قالوا: الصرع، والكلمتان تكتبان في اللغة العربية بنفس الكيفية تقريبا[32]. وأما بالنسبة إلى داء الاستسقاء، فإنه أمر بشرب أبوال الإبل وألبانها من غير أن يعترض على البط. وكان يأمر بالعسل عند استطلاق البطن، وبالحناء في حالة وجع الرجلين. ومع أنه كان حريصا على سلامة صحة المرضى، إلا أنه كان يماشيهم في رغباتهم، وقد ذكرت حالة أباح فيها النبي التداوي بالخنزير[33]. أما فيما يتعلق بالأمراض المعدية، فقد أوصى النبي بلزوم الحيطة والحذر، غير أنه منع من مغادرة البلد عند انتشار الطاعون. وعند حدوث بعض الآفات كان يسلي المؤمنين بألوان خاصة من المواساة. ومن ذلك أنه اعتبر من مات بالطاعون أو الحرق أو الغرق أو من ماتت بالولادة من النساء شهداء.

    ولم يكن النبي محمد يقتصر على ما يصدر عنه من أقوال طبية، في هذه المناسبة أو تلك، بل كان يقوم بفحص المرضى أيضا. وبفضل مواظبتها على حضور جلسات هذه الفحوص الطبية بالذات، صارت زوجه عائشة، التي كانت تساعده وتعاونه، ماهرة في علاج المرضى ومداواتهم. وفي الحالات الصعبة، كان يرسل مرضاه إلى الحارث بن كلدة. وقد ذكرنا سابقا أنه كان يعالج بالأدوية الفائقة للطبيعة. ويوجد حديث يفهم منه أنه كان لا يلجأ إلى هذه الأدوية إلا حين تعييه الحيل، لكننا نجده، من جهة أخرى، يعترف بحقيقة السحر وتأثير الرقية. فقد أجاب راقيا استأذنه في ترقية أحد أصحابه بقوله: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل»[34]. ولم يكن يشترط على الراقي سوى أن تكون الرقية بألفاظ موافقة للضوابط الشرعية. وكان يأمر بقراءة القرآن وبخاصة سورة الفاتحة.

    وإذا كان كبار الأطباء قلما يستشهدون بالأحاديث النبوية، أو بعبارة أخرى: قلما يحتجون بالمرجعية النبوية، فإن جمهور المؤلفين من الطبقة الثانية يستدعونها بكثرة. وقد أورد القزويني عددا كبيرا منها[35]. وقد تأكدنا بأنفسنا، في بلاد الجزائر، أن تعاليم النبي محمد ما تزال تحتل مكانة عظيمة في الطب الشعبي. وأيا كانت قيمة هذه التعاليم في حد ذاتها، فإن تكتسي مع ذلك أهمية تاريخية. وطائفة منها مستمدة طبعا من العلم الإغريقي.

    وقد استرعت أحاديث النبي محمد انتباه الدارسين في أكثر من مناسبة. ولذلك، أفرد لها جان غانييهGagnier  الفصل الأخير من كتابه عن سيرة محمد[36]؛ كما خصص لها يوهان ريسكهReiske  حوالي أربعين صفحة من كتابه رسائل طبيةOpuscula medica . وأخيرا، نشر نيقولا بيرونPerron ، عام 1860، ترجمته الفرنسية لمصنف في الطب النبوي، على صفحات مجلة الجزائر الطبيةGazette médicale de l’Algérie ، وقد كتبنا عنها في مجلة المستشفياتGazette des hôpitaux ، في عددها الصادر في شهر شتنبر من نفس السنة. ونأسف لتنكب المترجم الفرنسي عن تزويد ترجمته بالشروح والتعاليق الكافية. وسنصادف، فيما بعد، طائفة أخرى من مصنفات الطب النبوي.

 

 

د. خليد كدري، أستاذ باحث بجامعة شعيب الدكالي (المغرب)


هوامش:

[1]- Lucien Leclerc, Histoire de la médecine arabe, 2 vol., Ernest Leroux : Paris, 1876.

[2]– Ibid., vol. 1, p. 24-34.

[3]– هذا تخمين عجيب، لأن ثيودور الشارحThéodore le commentateur ، المعروف عند المؤرخين، ليس سوى الأسقف ثيودور المصيصيThéodore de Mopsueste ، أستاذ نسطوريوسNestorius ، وأحد أبرز رؤساء مدرسة أنطاكية اللاهوتية القديمة، المتوفى عام 428 للميلاد؛ لكن، ليس لثيودور هذا أية علاقة بالطب، ولا يذكر له المؤرخون أي تصنيف فيه، وإنما له الشروح المعروفة على نصوص الكتاب المقدس، والتي ترجم بعضها إلى السريانية من قبل بعض شيوخ مدرسة الرهاÉdesse  الذين ذكرهم لوكلير. ويظهر أن هذا الأخير استقى الخبر عن ترجمات ثيودور الشارح إما من فهرس المؤلفين لعبد يشوع الصوباويEbedjes ، وإما من المكتبة الشرقية ليوسف السمعانيAssemani  التي أشار إليها في تصدير الكتاب؛ انظر: C. Allemand-Lavigerie, Essai historique sur l’école chrétienne d’Edesse، باريس-ليون: المكتبة الكاثوليكية، 1850، ص. 99.

[4]– تجدر الإشارة إلى أن العنوان الذي ذكره لوكلير لا يطابق تمام المطابقة العنوان الذي أورده إ. رينان، وهو:Scientia de temperamento terrae ex libri Berozi, sapientis magistri؛ انظر: E. Renan, Philosophia peripatetica apud Syros commentationem historicam ، باريس: 1852، ص. 46.

[5]– قارن: ابن قيم الجوزية، الطب النبوي، تحقيق عبد الغني عبد الخالق، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1957، ص. 27-28: «وليس طبه صلى الله عليه وسلم كطب الأطباء؛ فإن طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن قطعي إلهي، صادر عن الوحي، ومشكاة النبوة، وكمال العقل؛ وطب غيره أكثره حدس وظنون وتجارب».

[6]– هذا الكلام غير صحيح، لأن الحارث ينصح في حديثه بالضأن الفتي، كما نقرأ في ابن أبي أصيبعة، ولم ينه إلا عن القديد المالح ولحم الجزور والبقر؛ انظر: ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، بيروت-لبنان: دار الكتب العلمية، ط. الأولى، 1998، ص. 164: «قال: فأي اللحمان أفضل؟ قال: الضأن الفتي، والقديد المالح مهلك للآكل، واجتنب لحم الجزور والبقر».

[7]– فضلنا إيراد الخبر بنصه العربي من ابن أبي أصيبعة، م. ن، ص. 149.

[8]– في الأصل: « ses écrits »، أي: «كتاباته»!

[9]– يقصد لقمان: 6، القلم: 15، الكهف: 83-98، وغيرها، حسب طائفة من المفسرين.

[10]– في الأصل:  « en les lisant »، أي: «لما قرأها»! وفي نفس الأصل أيضا: « il se repentit de sa rigueur »، وتعني حرفيا: «ندم على قسوته»! وهو ما أثبتناه في متن الترجمة. ولعل لوكلير تأول هذا المعنى من بعض أصحاب السير والتراجم أو من الأصفهاني الذي ينقل عنهم في الأغاني؛ انظر: أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، 25 ج.، تحقيق إحسان عباس ومن معه، بيروت-لبنان: دار صادر، ط. الثالثة، 2008، ج. 1، ص. 35: «فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته»؛ ومثله في ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء…، م. س، ص. 153؛ ويذكره ابن حجر بهذا اللفظ منسوبا إلى عبد الله بن إدريس؛ انظر: الحافظ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، بيروت-لبنان: المكتبة العصرية، ط. الأولى، 2012، ترجمة عدد 11686، ص. 1945-46: “فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بكى حتى اخضلّت لحيته، وقال: لو بلغني شعرها قبل أن أقتله ما قتلته”؛ وقارن: ابن هشام، السيرة النبوية،  تح. عمر عبد السلام تدمري، 4 ج.، دار الكتاب العربي، ط. الثالثة، 1990، ج. 2، ص. 387: “فيقال، والله أعلم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه هذا الشعر قال: لو بلغني هذا قبل قتله، لمننت عليه”.

[11]– في الأصل: « Ebn Abi Ramitsa »، وفي موضع سابق: «Ebn Abi Rabitsa  »، وصوابه ما ذكرنا.

[12]– كالتمائم والرقى والعزائم والصلوات والأدعية، إلخ. ويستوي في ذلك السحر والدين من المنظور «العقلاني» في الطب الذي يمكن الرجوع بأصوله إلى كتاب المرض الإلهيMaladie sacrée  المنسوب إلى أبقراط القوسي.

  -[13]نيقولا بيرونNicolas Perron  (1798-1876)، طبيب ومستشرق فرنسي. من أعماله ترجمة فرنسية لكتاب الطب النبويMédecine du prophète  لجلال الدين أبي سليمان داود، الجزائر-باريس: 1860. واسم مصنف الكتاب، كما ضبطه الحافظ الذهبي في المعجم، هو داود بن أبي الفرج الدمنهوري الدمشقي الطبيب؛ انظر: شمس الدين الذهبي، المعجم المختص بالمحدثين، تحقيق محمد الحبيب الهيلة، الطائف: مكتبة الصديق، ط. الأولى، 1988، ص. 94. ومع ذلك، فما زالت طائفة من الناشرين و«المحققين» عندنا تنسبه تارة إلى الموفق البغدادي وتارة إلى الحافظ الذهبي نفسه، وطورا إلى جلال الدين السيوطي!

 -[14]وقيل: «الإلهية»؛ انظر: ابن قيم الجوزية، الطب النبوي، م. س، ص. 17: «وكان علاجه صلى الله عليه وسلم للمرض ثلاثة أنواع: أحدها بالأدوية الطبيعية، والثاني بالأدوية الإلهية، والثالث بالمركب من الأمرين».

[15]– يقصد داود بن أبي الفرج الذي ترجمه نيقولا بيرون.

[16]– في الأصل:

»le meilleur d’entre vous est celui qui a reçu de dieu la nature physique la meilleure».

وترجمته إلى اللغة العربية تعطينا: «خيركم من رزقه الله أحسن خلقة»! وهو حديث لا أصل له. فنعتقد أن لوكلير اعتمد، من غير أن يتحقق، على ترجمة المستشرق نيقولا بيرون للحديث الوارد في مصنف داود بن أبي الفرج – المنسوب خطأ إلى الحافظ الذهبي أو الموفق البغدادي أو إلى غيرهما – وهي ترجمة فرنسية سقيمة بلا شك، لأننا لما رجعنا إلى الأصل العربي، وجدنا الحديث المتفق عليه الذي أثبتناه في المتن، وهو: «خياركم أحسنكم أخلاقا»! هذا من جهة، ومن تالية، فلا علاقة لهذا الحديث بطب الأبدان، ولا هو «أول حديث يطالعنا في مصنف جلال الدين»، كما زعم لوكلير.

[17]– هذه مجرد ترجمة؛ أما عن نص الحديث العربي، فنقرأ في صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء »؛ وفي صحيح مسلم عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل»؛ وفي مسند أحمد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله».

[18]– ورد الخبر في أكثر من مصدر. وفضلنا إيراد نص الخبر العربي من تفسير أبي إسحق الثعلبي المسمى الكشف والبيان، 10 ج.، تحقيق ابن عاشور، بيروت-لبنان: دار إحياء التراث العربي، ط. الأولى، 2002، ج. 4، ص. 230.

[19]– أخرجه البخاري في صحيحه معلقاً من كلام ابن مسعود في كتاب الأشربة .

[20]– هذا قول عمر بن الخطاب، وليس حديثا نبويا. وقد ذكره مالك في الموطأ؛ انظر: ابن عبد البر القرطبي، الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 30 ج.، تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي، دمشق- حلب: دار قتيبة بالاشتراك مع دار الوعي، ط. الأولى، 1993، ج. 26، ص. 346: «باب ما جاء في أكل اللحم: مالك، عن يحيى بن سعيد، أن عمر بن الخطاب قال : إياكم واللحم، فإن له ضراوة كضراوة الخمر». وإذا كان لوكلير يعتمد على ترجمة نيقولا بيرون لمصنف داود بن أبي الفرج، فإننا رجعنا مرة أخرى إلى ترجمة بيرون، ثم إلى الأصل العربي، المنحول إلى جماعة، كما أسلفنا، فوجدنا أن الغلط، في هذا الموضع، من المصنف العربي لا من المترجم الفرنسي، إذ نقرأ: «ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم واللحم، فإن له ضراوة كضراوة الخمر»؛ وهذا دليل آخر على بطلان نسبة المصنف إلى بعض أئمة الحديث كالحافظ الذهبي أو الحافظ السيوطي أو غيرهما.

[21]– الظاهر أنه يقصد حديث: «أكرموا عمتكم النخلة»، وفي لفظ آخر: «أحسنوا الى عمتكم النخلة«. وجاء في بعض الروايات أنها خلقت من فضل طينة آدم، وأن مريم بنت عمران ولدت تحتها. وكلها موضوعة.

[22]– لعله يقصد حديث: «عليك بالعسل، فوالذي نفسي بيده ما من بيت فيه عسل إلا وتستغفر ملائكة البيت له. فإن شربه رجل دخل جوفه ألف دواء، وخرج منه ألف داء. فإن مات وهو في جوفه لم تمس النار جلده»؛ وهو حديث منكر عند المحدثين السنة؛ انظر: محمد بن علي الشوكاني، الفوائد المجموعة، بيروت-لبنان: دار الكتب العلمية، ط. الأولى، 1995، ص. 179: «رواه الإسماعيلي في معجمه عن سلمان مرفوعا، وقال: منكر جدا. وقال ابن الجوزي: موضوع. جمهور رواته مجاهيل»؛ وقارن: حسين النوري الطبرسي، مستدرك الوسائل، 18 ج.، قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1987، ج. 16، ص. 370. أما فيما يتعلق بزيت الزيتون، فلم نقف للحديث على أصل. وإنما نجد الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة». ورواه أحمد والترمذي أيضاً من طريق أبي سيد، والحديث صححه الألباني بمجموع طرقه. وهناك أحاديث أخرى، لكن لم تثبت صحتها، مثل حديث: »نعم السواك الزيتون من شجرة مباركة يطيب الفم ويذهب بالحفر، هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي»؛ رواه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في كتاب السواك، وقال الألباني: موضوع؛ وحديث: «عليكم بهذه الشجرة المباركة زيت الزيتون فتداووا به فإنه مصحة من الباسور»؛ رواه الطبراني وأبو نعيم عن عقبة بن عامر، وقال الألباني: موضوع.

[23]– لعله يقصد حديث: «الباذنجان لما أكل له»، وهو موضوع؛ انظر: ابن قيم الجوزية: الطب النبوي، م. س، ص. 224: «وهذا الكلام مما يستقبح نسبته إلى آحاد العقلاء، فضلا عن الأنبياء».

[24]– السنا أو السنى؛ انظر: ابن القيم، م. ن، ص. 59: «وأما السنا ففيه لغتان: المد والقصر».

[25]– لم يرد في عقار «الكادي» أي حديث نبوي طبي، مهما كانت درجته، حسب معلوماتنا. ثم ما الداعي إلى اعتباره من «المستجدات» إذا صح أن أطباء الهند سباقون إلى معرفته واستعماله في الطب؟ ونلاحظ أن لوكلير لم يشر في هذا الموضع إلى مصدر الخبر عن التداوي به من الجدري، ألا وهو الرازي الطبيب. أما قوله: «لم يتعرف عليه أحد من المترجمين قبلنا»، فيحيلنا بلا شك إلى ترجمته الفرنسية لكتاب الجدري والحصبة لأبي بكر الرازي، حيث اجتهد، معترضا على غيره من المترجمين الغربيين، في تصحيح التصحيف الذي طال اسم العقار الهندي في المخطوط العربي، وذلك اعتمادا على ما نقله ابن البيطار عن كتاب الرازي في الجامع لمفردات الأدوية والأغذية؛ انظر: Traité de la variole et de la rougeole de Razès, traduit par Lucien Leclerc، باريس: 1866، ص. 22، هامش؛ وقارن:Rhazes, A Treatise on the small-pox and measles, translated from the original arabic by William .A. Greenhill، لندن: 1848، ص. 42.

[26]– أسقط من آخره بقية الحديث: «وأنهى أمتي عن الكي». والحديث رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

[27]– في الأصل: « Absy ben Kab »، أي»أبسي أو عبسي بن كاب»! والظاهر أنه يريد أبي بن كعب الذي جاء عنه في الأثر عن جابر، قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيبا، فقطع منه عرقا، ثم كواه عليه»؛ رواه مسلم. وقد أساء لوكلير فهم العبارة العربية، فقلب الفاعل مفعولا، وتزيد في الخبر.

[28]– في الأصل: « il se fit ventouser pour une souffrance à la cuisse »، أي «احتجم على فخذه»، والأصح كما يعلم من الأثر: على وركه؛ فقد ثبت عند أبي داود في سننه، وغيره من طريق أبي الزبير عن جابر أن النبي «احتجم على وركه من وثء كان به».

[29]– ورد في الصحيحين من حديث سهل بن سعد: «أن النبي صلى الله عليه وسلم، يوم أحد، جرح وجهه، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم، وكان علي بن أبي طالب يسكب عليها بالمجن، فلما رأت فاطمة الدم لا يزيد إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير، فأحرقتها حتى إذا صارت رمادا ألصقته على الجرح، فاستمسك الدم».

[30]– أخرج الحاكم في المستدرك وصححه، وابن السني وأبو نعيم – كلاهما في الطب النبوي – عن أبي هريرة قال: «أصيب رجل من الأنصار يوم أحد، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم طبيبين بالمدينة، فقال: عالجاه، فقالا: يا رسول الله، إنما كنا نعالج ونحتال في الجاهلية، فلما جاء الإسلام فما هو إلا التوكل، فقال: عالجاه، فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ثم جعل فيه شفاء. فعالجاه، فبرأ».

[31]– هذا قول ابن سينا، ويعوزه الدليل؛ قارن: ابن قيم الجوزية، الطب النبوي، م. س، ص. 44: «واختلف الأطباء في الحجامة على نقرة القفا، وهى: القمحدوة. وذكر أبو نعيم في كتاب الطب النبوي حديثا مرفوعا: عليكم بالحجامة في جوزة القمحدوة، فإنها تشفي من خمسة أدواء، ذكر منها الجذام. وفي حديث آخر: عليكم بالحجامة في جوزة القمحدوة، فإنها شفاء من اثنين وسبعين داء. فطائفة منهم استحسنته، وقالت: إنها تنفع من جحوظ العين والنتوء العارض فيها وكثير من أمراضها ومن ثقل الحاجبين والجفن وتنفع من جربه. وروي أن أحمد بن حنبل احتاج إليها، فاحتجم في جانبي قفاه، ولم يحتجم في النقرة. وممن كرهها صاحب القانون، وقال: إنها تورث النسيان حقا، كما قال سيدنا ومولانا وصاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإن مؤخر الدماغ موضع الحفظ والحجامة تذهبه. انتهى كلامه. ورد عليه آخرون، وقالوا: الحديث لا يثبت، وإن ثبت فالحجامة إنما تضعف مؤخر الدماغ إذا استعملت لغير ضرورة، فأما إذا استعملت لغلبة الدم عليه، فإنها نافعة له طبا وشرعا، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه احتجم في عدة أماكن من قفاه بحسب ما اقتضاه الحال في ذلك، واحتجم في غير القفا بحسب ما دعت إليه حاجته».

[32]– ليت شعري، ما علاقة لفظ «صداع» بلفظ «صرع» مبنى ومعنى؟! أما “الصداع” الذي ترجمه لوكلير بلفظ céphalalgie، فالخبر عنه ثابت من أمهات السنة؛ انظر على سبيل المثال: ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، تح. ياسين محمد السواس، دمشق-بيروت: دار ابن كثير، ط. الخامسة، 1999، ص. 204: «وكان صداع الرأس والشقيقة يعتريه كثيرا في حياته، ويتألم منه أياما«. وأما دعوى “الصرع”Épilepsie ، فلا سند لها في المصادر العربية المعروفة اللهم ما كان من تأول بعض المستشرقين، مع سوء فهم غالب للألفاظ العربية. وأما قول لوكلير: “بعض المؤلفين”، فلعله يريد به عالم اللاهوت السويسري يوهان هاينريش [جان هنري] هوتنغرJohann Heinrich Hottinger ، صاحب تاريخ الشرقHistoria Orientalis   (زوريخ، 1651) ومن نحا نحوه من المستشرقين المحدثين. وقد ذكره المستشرق جان غانييهJean Gangnier ، واعترض على دعواه، في كتابه عن سيرة محمد الذي يذكره لوكلير في آخر النص الذي ترجمناه. وقد عدنا إلى هذا الكتاب، فوجدنا جان غانييه يعتمد، في مناقشته لهوتنغر، ترجمة فرنسية عجيبة للخبر الذي أورده أبو الفداء في تاريخه، وتناقلته كتب السير، عن حادث شق صدر النبي محمد في صباه، وهو في بادية بني سعد، حيث ينقل قول زوج حليمة: “قد حسبت أن هذا الغلام قد أصيب، فالحقيه بأهله” كما يلي:  Je crains fort que cet enfant n’ait contracté parmi les siens le mal caduc ، أي: “أخشى جدا أن يكون هذا الصبي قد أصيب في أهله بداء الصرع”. وهكذا تتحول عبارة “أصيب، فألحقيه بأهله” إلى “أصيب في أهله”. وتتحول “الإصابة” إلىmal caduc  الذي هو أحد أسماء “الصرع”Épilepsie  الشائعة في الغرب اللاتيني منذ العصر الوسيط؛ انظر: أبو الفداء إسماعيل الأيوبي، المختصر في أخبار البشر، 4 ج.، القاهرة: المطبعة الحسينية، ط. الأولى، 1907، ج. 1، ص. 113؛ وقارن:

 Jean Gagnier, Vie de Mahomet, 2 vol., Amsterdam : Westeins & Smith, 1732,  vol. 1, p. 90-91.

[33]– هكذا في الأصل: « on cite un cas ou il permit l’usage du porc »؛ ولم يسم لوكلير المصدر الذي نقل عنه الخبر على فرض أنه موجود. ولم نقف على شيء مما ذكر في المصادر الإسلامية المعروفة. ومعلوم أن أكثر الشافعية وبعض الحنفية والظاهرية ذهبوا إلى جواز التداوي بالمحرم أو النجس، إذا أخبر طبيب مسلم ثقة مختص أن فيه شفاء للمريض، ولا يوجد دواء مباح يقوم مقامه في التداوي، لكن لا أحد منهم استدل على ذلك بما يذكر لوكلير، بل استدلوا عليه بما جاء في سورة الأنعام: «وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه»، وبما جاء في صحيح البخاري عن أنس، قال: «إن رهطا من عرينة أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا اجتوينا المدينة، وعظمت بطوننا، وارتهست أعضاؤنا، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يلحقوا براعي الإبل فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فلحقوا براعي الإبل فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صحت بطونهم وأبدانهم، فقتلوا الراعي وساقوا الإبل فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فبعث في طلبهم فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم».

[34]– أوردنا الأصل العربي. وتمام الحديث النبوي رواه مسلم، عن جابر بن عبد الله، قال: «لدغت رجلا منا عقرب ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: يا رسول الله، أرقيه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل».

[35]– يريد صاحب آثار البلاد وأخبار العباد؛ وقد ذكره في الفصل الأول عند الكلام عن حجام ساباط. لكن ما علاقته بالطب؟! فالقزويني مؤرخ وجغرافي وطبيعي، إلخ، لكنه غير مذكور في تراجم الأطباء، لأنه لم يزاول الطب، ولا يعرف له تصنيف في الصناعة.

[36]– جان غانييهJean Gagnier   (ح 1670-1740)، مستشرق وقس فرنسي. حل ببريطانيا لاجئا حيث اعتنق المذهب الإصلاحي، ودرس اللغات الشرقية، وبخاصة العبرية، بأكسفورد. من أعماله سيرة محمد، باللغة الفرنسية، في جزئين، أمستردام: 1732. والفصل المشار إليه هو الحادي والعشرون من الجزء الثاني، ص. 405-413.

 

error: المحتوى محمي