الصمت: من الأخلاق إلى علاقة الأنا بالآخر الغريب – محمد الضامن

الصمت: من الأخلاق إلى علاقة الأنا بالآخر الغريب – محمد الضامن

ملاحظة: المقال قسم من كتاب قيد الإنجاز حول الغريب – نسخة PDF


تمتلئ مدونة تراثنا العربي بما يعرف ب: (أدب الصمت)، حيث تفرد له بعض كتب المجاميع بابا تحت مسمى: باب في الصمت، ككتاب ابن عبد ربه الشهير( العقد الفريد). والمتصفح لهذه المدونات التي تفرد له بابا، أو كتابا تاما، مثلما يصنع ابن ابي الدنيا ( ت ٢٨١ ه) حين يضع كتابه: ( كتاب الصمت وآداب اللسان)، أن هناك خطابين يتصارعان بمنطق بلاغي جميل في المدونة التراثية: خطاب تفاضلي بين فضيلة الصمت، وفضيلة الكلام. فإذا كان ابن ابي الدنيا في كتابه( كتاب الصمت) ينحاز بشكل كامل لفضيلة الصمت؛ فإن أبا عثمان الجاحظ ينحاز لفضيلة الكلام في رسالته: ( تفضيل النطق على الصمت). بينما صاحبنا ابن عبد ربه في العقد الفريد فيكتفي بسرد ما جمعه من حكم، ومأثورات حول الصمت، ثم يتبع هذا الباب بباب في المنطق يستجمع فيه ماقيل من محامد الكلام دون أن يدخل في جدال بينهما، كما يفعل الجاحظ. فهو يكتفي بإخبارنا بقوله: ( قال الذين فضلوا المنطق)، فيسرد مقولاتهم كحجتهم التي يفتتح بها هذا الباب: ( إنما بعث الأنبياء بالكلام ولم يبعثوا بالسكوت. وبالكلام وصف فضل الصمت، ولم يوصف القول بالصمت، وبالكلام يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر…). إن فضيلة الصمت تتمحور عند أصحابها حول فساد اللسان باعتباره منبع الشر، وأساس الطريق إلى الإثم. تتمثل هذه الفكرة في الكثير من الأحاديث عن الرسول والصحابة، وحكم الأولين، ومأثورات العلماء، والزهاد، مثل الحديث الذي يورده ابن أبي الدنيا مرويا: ( عن ابن مسعود…أنه كان على الصفا يلبي،ويقول: يالسان قل خيرا تغنم، أو أنصت تسلم من قبل إن تندم؟ قالوا: يا أبا عبدالرحمن، هذا شيء تقوله، أو شيء سمعته؟ قال: لا، بل سمعت رسول الله يقول:” إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه”). تكاد تكون هذه الفكرة المركزية التي يدور حولها كتاب الصمت بتنويعات مختلفة، حيث يُقسَّم الكتاب لعدة أبواب مُفتَتَحا بباب: ( حفظ اللسان وفضل الصمت)، وبقية الأبواب تدور حول الأخلاق الفاسدة التي تنتج عن اطلاق الكلام مثل باب( النهي عن فضول الكلام والخوض في الباطل)، أو ( النهي عن الكلام فيما لا يعنيك)، أو ( الغيبة التي يحل لصاحبها الكلام بها) وباب: ( ذم اللسانين). ويستمر في ذم المزاح، والكذب وتبيان فضيلة الصدق، فاللسان عند أصحاب الصمت مورد الهلاك: هلاك أخلاقي، وجسدي يتجسد ذلك في مقولة أكثم بن صيفي التي يذكرها في باب الصمت ابن عبد ربه: ( مقتل الرجل بين فكيه). وهي مقولة سارت مجرى الأمثال حيث يدونها الزمخشري في كتابه: ( المستقصى من أمثال العرب). هذا الخطاب حول الصمت يخوض فيه أبو عثمان الجاحظ ببلاغته المعهودة، وقلمه المحترف في الجدل بأناقة الفارس الذاهب للحرب، لكنها أناقة نابعة من: بلاغة المنطق. فهو في صدر رسالته: ( تفضيل النطق على الصمت) يذكر صاحبه الذي ينحاز للصمت بمقولته في فضله مقرا له بذلك حيث يقول: ( قد قرأت كتابك فيما وصفت من فضيلة الصمت، وشرحت من مناقب السكوت…وذكرت أنك وجدت الصمت أفضل من الكلام في مواطن كثيرة وإن كان صوابا، وألفيت السكوت أحمد من المنطق في مواضع جمة، وإن كان حقا). يلخص الجاحظ مقولات المنحازين للصمت مذكرا صاحبه: ( وزعمت أن اللسان من مسالك الخنا، والجالب على صاحبه البلا، وقلت: إن حفظ اللسان أمثل من التورط في الكلام). يتنبه الجاحظ لما يمكن تسميته بوهم الحكمة في الصمت حين يقول: ( وسميت الغبي عاقلا، والصامت حليما، والساكت لبيبا، والمطرق مفكرا. وسميت البليغ مكثارا والخطيب مهذارا، والفصيح مفرطا، والمنطيق مطنبا). يعد الجاحظ صاحب كتاب الصمت الذي يحاججه؛ بأنه مهتدٍ بهواه، ويظن بأنه : ( لا يلفي له ناقضا في دهره بعد أن أبرمها، ولا يجد فيها مناويا في عصره بعد أن أحكمها)، وأنها تدل على ( كلام أمرئ قد أعجب برأيه وارتطم في هواه)!. يعتد الجاحظ بنفسه، وبرأيه حين يبدأ بسرد حججه : ( وإني سأوضح ذلك ببرهان قاطع، وبيان ساطع…بما لا يستطيع أحد رده، ولا يمكنه إنكاره وجحده)!. ماهي حجج الجاحظ إذن عن فضل الكلام على الصمت؟!. تتمحور حججه على أساس أن الخير الذي يبتغيه الإنسان، ومنهم أصحاب الصمت لا يحوزه الإ بالكلام مخاطبا صاحبه: ( أنك لا تستطيع العبارة عن حاجتك والإبانة عن مآربك إلا باللسان). فالجاحظ ينحاز للكلام بوصفه طريقا للمعرفة، وبيان لحقائق الأمور بينما الصمت في نظره عجز حيث يقول: ( ولم يحمد الصمت من أحد إلا توقيا لعجزه عن إدراك الحق والصواب في إصابة المعنى). فحين يكون الشخص عالما يعد الصمت عيبا في حقه، إذ الصمت ملزم للجهل كما يرى الجاحظ: ( ولم يلزم الرجل الصمت إحد إلا على سبيل وقوع الجهل عليه، فأما إذا كان الرجل نبيها مميزا، عالما مفوها فالصمت مهجن لعلمه وساتر لفضله). فلم يعرف فضل العرب الإ ببلاغة اللسان، حيث يستشهد الجاحظ بالقرآن حيث جاء للعرب كما تقول الآية الكريمة: ( بلسان عربي مبين). وأن الرسول كان: ( أفصح العرب لسانا، وأحسنهم بيانا). هكذا تمحور خطاب الجدل بين فضيلة الصمت والكلام، لكننا سنجد هناك من يزيل الترهلات عن فكرتي المفاضلة هذه من خلال طرح فيه اقتصاد في الكلام. وهي فكرة دارت عليها فكرة البلاغة باعتبارها الكلام الخالي من الإطناب، والميل إلى الإيجاز مثلما يستشهد ابن رشيق القيرواني في كتابه (العمدة) بأمثلة دالة على لسان أحدهم دون ذكر لاسمه: ( قيل لأحدهم: مالبلاغة؟ فقال: إصابة المعنى وحسن الإيجاز). وعن آخر حين سئل عن البلاغة قال: ( معان كثيرة، في ألفاظ قليلة). هذه البلاغة التي تدل على الصمت في الكلام، التي تنقل العلم، والجمال، والأخبار دون هدر في الكلمات، فنسمع المعرفة بشعور مليئ بالصمت، فلا يحمل الكلام جلجلة الإطناب. هذه الفكرة ممكن الاستشهاد عليها بشعر حديث يمثله صنيع الشاعر وديع سعادة، هذا الشاعر الذي يمكن وصفه بالصامت الكبير. فهو ينحاز للصمت بوصفه طريقا للحياة لم تجربه البشرية، بل جربت طريق الهلاك عبر الكلام حيث في نص( إنها الكلمات الأخيرة… وها أنا أهجرها) يقول: ( في البدء لم يكن كلام، كان الصمت. وحين انبثقت الكلمات بدأ طريق الموت). يبلور سعادة تأمله للصمت في نص بالنعوان ذاته( الصمت) مستشهدا، ومستفسرا عن سر صمت نيتشة : ( لماذا أمضى نيتشة سنواته الأخيرة صامتا منعزلا؟). يطرح علينا سعادة انقلابا عميقا حول فحوى كل من الكلام، والصمت حين يتساءل في نص ( الصمت): ( هل من حد، أونقيض، بين الصمت والكلام؟ ألا يكون الكلام في الغالب أخرس والصمت في الغالب مطلوق اللسان؟ أليس السكوت لغة داخلية ضاجة والقول أصواتا ضاجة أيضا؟ أين الحدود إذن؟). فإذا لم تكن هناك حدود بين الكلام، والصمت فكلاهما يقول سعادة: ( هباء واحد يجمع الصامتين والمتكلمين). فما الفارق بينهماإذن؟!. يتساءل سعادة عندها: ( ما معنى أن نختار الصمت وأن نختار الكلام؟ مالفارق إن تكلمنا أو صمتنا؟. لكن هذا لا يمنعه من أن يختار الصمت باعتبار( أن الصمت يخفف الثقل!) وتصبح الحياة مرتاحة من الضجيج فكلما ( نقص صوت) يعتقد سعادة ( أن الأرض تشعر براحة). من هنا تأتي دعوته لنا أن نجرب الصمت قائلا: ( فلنصمت قليلا). ولو سألناه عن مبرر هذا القرار الذي سنجد فيه قسوة على ذات امتهنت الكلام، فسيقول لنا لأن: ( أصواتنا أودت بنا إلى هنا، إلى هذا الجحيم. إلى القتلى الساقطين بالكلمات،بالخطابات، بالشعارات. إلى المعذبين في زنزانات الكلام المقفلة. المشنوقين باستحالة وصول الصوت)!. ماذا بشأن الصامتين ياوديع؟!.( الصامتون منتحرون أيضا. صحيح. لكنهم يتوحدون مع ذواتهم على خشبة الإنتحار). كأن الصمت هنا خيار أما الكلام فحمى العالم الذي يستهلك الذات في قسوة انخراطها فيه. من هنا دعوته لوقف الكلام؛ لأن ( الأصوات تنشر الأمراض)، وانقاذ البشرية يأتي من شخص ( يأمرها بالصمت). لقد تكلم سعادة كثيرا كما يقول ( لكن الصمت كان ( كنزه  )الوحيد). لا ينطلق سعادة من بعد أخلاقي كما رأينا لدى ابن أبي الدنيا مثلا في انحيازه للصمت، بل من بعد معرفي يعمق تجربة الداخل، وربما هو نتاجها أيضا، حيث ولادة الإنسان العميقة هي بين حدين، وتحديدا كما يقول سعادة في: ( النقطة التي تكاد لا ترى، بين احتضار الصوت وولادة الصمت. بين انتهاء الكلام وبدء السكون). عند هذه النقطة ( ينتهي التناسل الخارجي ويبدأ التناسل الداخلي. تبدأ ولادة الحياة التي تخصنا).

تدعونا نظرة سعادة أن نتساءل : هل الصمت حنين إلى الموت؟!. لقد شعرت بالإنزعاج الآلهة في أسطورة الخلق البابلية ( اينوماإلش) من المخلوقات الصغيرة لما أحدثته من صخب؛ لذلك قررت كما تخبرنا الملحمة أن تفنيها؛ لكي تشعر بالراحة وتخلد للنوم في سلام. وهذا ماستعيده ملحمة جلجامش على لسان سيدوري حين يخرج جلجامش باحثا عن سر الموت وعشبة الخلود مؤكدة: لقد قررت الآلهة أن يكون الموت نصيب البشر وكأن الصمت المتمثل في الموت عقاب أبدي على جريرة الكلام الصاخب. الموت المرادف للصمت للخواء، والعدم الذي قطعه الكلام. حين يقول الانجيل: (في البدء كان الكلمة) كان يعطي الإشارة على بدء الحياة متخذا المسيح رمزا بشريا لهذه الكلمة التي ستنبت الحياة على الأرض؛ كأنها إعادة تأويل لقرار الآلهة البابلية في خلق بديل للموت عبر حياة ستمثلها الكلمة في المسيح؛ لكنه كان ضجيجا قاسيا على الإنسان كل هذا الكلام الطويل كرمز لإعادة الحياة، لايرتاح منه الإ بعد أن يشن الحروب الكبيرة التي يعيد عبرها ذلك الخواء، والصمت الذي يشيعه الخراب، والجثث في الذاكرة لفترات طويلة حتى يستعيد بعد زمن وهج الكلام تعقيبا على ذلك الموت والهلاك متأملا في الكارثة!. هكذا يمثل المسيح رمزيا الموت والحياة، الصمت، والكلام الذي يعيد علاقة الإنسان بالآلهة بوصفه بداية الكلام المتصالح مع الإله، كي يهب الإنسان الحياة من جديد، لا صمت الموت!. لقد درب الكلام الانسان على الإختناق، حوَّله إلى آلة يشعر حين تتوقف بالموت، لذلك ضل متأرجحا بين الخوف من خواء الصمت، والإمّحاء، وبين أن يضل مشلعا في الكلام. لقد أدمن على النظر بالكلام، فكان النظر أيضا مايلقي به في باحة الأمن حين يساهم النظر في المعرفه، فالموت كان لغزا عالجه بلعبة النظر هذه التي صار الكلام آلتها الممتعة: المتعة الحارقة!. هذا الكشف، والتكشف الذي يدشنه الكلام، يعيش مع الصمت تحت وطأة القلق، وانعدام الأمان. هكذا يحتج الصمت على مسيرة الكلام الحضارية بوصفها آلة الحمقى المتسببة في انهيار الأسرار، فكل الحكماء راهنوا على الصمت لا على الكلام، الصمت رمزا لصمت الالهة الابدي!. خلافا لمقولة ارسطو المتدحرجة على الألسن: ( تكلم حتى أراك) التي تضع الكلام طريقا للرؤية بينما هي تلمح إلى الخوف من غموض الصمت، صمت الآخر الغريب الذي لن نعرف مايخفيه حتى يتدحرج عقله على صارية الكلام، وهو خوف نابع منذ القدم حين توجس الإنسان من صمت الآلهة الغامض تجاهه حين يبعث لها توسلاته؛ لكنها لا تستجيب!. لقد كان الكلام طريقا لتهديم تلك المخاوف الغامضة التي يحملها الغرباء؛ لذلك نجدهم كي يحافظوا بينهم على أسرارهم من التكشف، وكي يبقى الصمت ماثلا في علاقتهم بالآخرين حفاظا على أرواحهم؛ فإنهم يرمزون خطاباتهم برموز لا تفهم الإ لأفراد الجماعة. ففي الحروب تتبين هذه اللغات السرية بين الأعداء؛ ليصرف كلا الطرفين جهدا كي يفك شفرة الصمت هذه التي تبقي الشر ماثلا عبر لعبة صمت الرموز، والكلام بعد تفكيك تلك الرموز ليتضح معنى الآخر في الكلام. فالرموز هي صمت المعاني المتفق عليها بين الجماعة. وتمتلك كل الثقافات هذين المستويين من اللغة حيث نجد مستوى الرموز الثقافية لدى معضم القبائل البدائية تعامل رموزها الدينية بمثابة أسرارها الخاصة بحيث لا يسمح حتى لافراد القبيلة بالإطلاع عليها الإ بعد مروره بطقوس التحول الذي سيعرضه الى امتحانات قاسية، وفي نهايتها يتم اطلاعه عليها بعد أن يثبت اجتيازه للإمتحانات. هكذا تبني الثقافات لغة الصمت عبر الرموز المغلقة، والتي تحتاج لفكها، وفهمها إلى خبراء من داخل القبيلة. فعبر هذا الترميز الصامت للمعاني يتحول الصمت لفضيلة شبه مقدسة؛ لذا نجدها أمثولة في حياة الحكماء، ومعنى النضج العقلي في الثقافة العربية، حيث عُدّ الكلام حماقة كلما طالت به المسافات دون أن يكون للمعنى فيه مبيت. أما الكلام فيتبدى عبر ذاك التاريخ شبه المقدس للصمت حربا ضروسا للمعاني وميدانا للحماقات، ولعبة محفوفة بالمخاوف عبر ترميز المعاني بين الآنا والآخر الغريب!. فالأنا تتكشف عبر الصراحة، عبر البوح المفتوح لمعنى الذات أي أن تفك شفراتها الصامتة نحو الآخر عبر الكلام اللامحدود للثرثرة والانكشاف؛ لكنه يحمل معه مخاطره كما يلاحظ ذلك بعين نافذة الشاعر الايطالي تشيزاري بافيزي في (مهنة العيش) حين يقول: ( في العلاقات مع الناس الآخرين، لحظة صراحة واحدة كفيلة بأن تفسد لنا أياما بكاملها من نفع الآخرين). هذا الحذر الذي يعبر عنه بافيزي من التكشف يحيل الى تاريخ عميق من الألعاب الثقافية لفكرة الصمت، والكلام، إذا لم نقل إلى صراعهما. حيث الكلام دائما هو نحو الآخر الغريب. فبقدر ما عبَّرت اللغة عن فك الحواجز بين الإنسان عبر تواصلية اللغة إلا أنها ظلت تحتفظ بهذا التجاذب المحفوف بالمخاوف، والحذر من الآخر عبر الترميز، وعبر رفع الصمت ليكون دليلا على النضج والحكمة، والأهم على النجاة من استعمال ذواتنا من قبل الآخر على نحو يشكل لنا الضرر، والإهانة. لذا يحفظنا الصمت من تلك الاحتمالات، وعلى هذا الصمت ترتكز الذات في علاقتها بالآخر الغريب كاقتصاد في الكلام نتلمس فيه المخاوف العميقة. كما نعلم من التعاليم التي ترشد بها الثقافة الشعبية حين تحذر أبناءها غير الراشدين من الكلام مع الأغراب؛ لتحافظ على أمانها عبر ممارسة هذا الصمت؛ فلا تتكشف أمام الغرباء تحت وطأة لسان أبنائها غير الراشدين، حيث لا يدركون كيف يديرون لعبة الكلام مع الغرباء بحيث يعرفون ما يجب أن يبقى صامتا بينهم، وبين ما يمكن البوح به للغرباء!. وهو ما يمكن أن يعد أساسا جذريا لفكرة كون اللسان أساسا، ومنبعا للشر، كما تقول به الحكمة الرائجة في الثقافة العربية عند المنادين بفضيلة الصمت حين اعتبرت الكلام منبعا للمفاسد، مثلما تخبرنا الحكمة المتداولة: ( لسانك حصانك إن صنته صانك). فهي تتعايش هنا مع هذا التاريخ المتوتر للعلاقة بالآخر الغريب الذي سنبوح له بالكلام؛ فتحذرنا الحكمة بالتروي حيث الكلام طريق للتهلكة إذ نخوض بأرواحنا في عوالم الآخرين الغرباء الغامضين، وكما توضح مقولة محمود درويش هذا الحذر العميق من الحديث مع الآخرين حين يقول محذرا:

 لا تكثروا من الفضفضة

 فإنكم لا تدرون متى يخون المنصتون.

فإذا كان الإطناب قبح جمالي بوصفه كلاما زائدا عن الحاجة كما تشير اقتباسات ابن رشيق القيرواني؛ فإن الفضفضة باعتبارها كلاما فائضا في البوح تعبر عن مخاوف من نقص في العقل كما تشيع في الثقافة حيث الفضفضة، أو الثرثرة هي انسياق للكلام دون ضابط يضبطها. من هنا هي تقف ضد التعقل بوصفه اقتصادا في الكلام، ودليلا على التعقل في الكلام، وفي آخر المطاف تعبر عن الحذر من الآخر الغريب الذي قد يخون ذلك البوح الكثيف كما تحذرنا مقولة درويش. وكما تشير كلمة اوسكار وايلد: ( من أشد أخطاء المرء أن يكون صريحا) لهذا الحذر من البوح الكثيف عبر الصراحة من كل غريب. من هذا المنظور يمكن التفكير في الممارسة الفعلية للكذب كسلوك واع مرات، ومرات في ظهوره بشكل لا واع على أنه تجنب للحديث الواضح مع الآخر الذي يبتغي حماية ذاته من نظرة الغريب. من هنا يأتي اكساب الكذب شكلا من الذكاء؛ ولكن المتذاكي حين يعي ممارسة الكذب، مما يجعلنا نفترض كون ظهور الكذب كتقنية في ممارسة الكلام كانت خاضعة لهذا السياق من علاقة الذات بالآخر الغريب الضرورية في الحياة؛ ولكنها منتظمة في لعبة الصمت، والكلام، والذي تعبر عنه ظهور الكذب كتقنية لا واعية بوصفها أداة تحتفظ بهذا الحذر من نظرة الغريب بُغية حماية الذات. لكننا مع الكذب نتجاوز الثرثرة، والبوح، والكلام الزائد؛ لنجد مستوى آخر من لعبة الصمت، والكلام، والتي ترشده الثقافة بما يجب قوله، وما لا ينبغي البوح به؛ ليبقى طي الكتمان _ بوصفه سرا من أسرار الذات _ عبر ممارسة ملتوية للكلام، أو تحويل معنى الكلام عن مقصده؛ ليدخل الآخر في وهم مؤقت، فيحافظ الشخص عبر ممارسة الكذب على تجنب نظرات الآخرين إذ يوجه نظرته لمعنى آخر، وبالتالي عبر اقتصاد في تحويل وضوح المعاني التي تدل على الذات؛ وإن كانت تبوح بفضائح أخرى عن الذات، إلا أن وهم حماية الذات يبقى قائما باعتباره الملاذ اللاواعي لحماية الذات بالكذب من نظرات الغريب. مع أن الثرثرة تحتفظ بسياق آخر من تقنية الكذب بحيث أن كثرة الكلام تضخ مستوى من التخييل موجه نحو الآخر، إذ يحافظ هذا المستوى من الثرثرة المتخيلة في الكلام على إبقاء الذات مخفية في صمتها عن البوح حيث الثرثرة المتخيلة للكذب توجه ساقية المعاني إلى مسارات بعيدة الفهم عن الذات. هكذا تسير اللعبة جراء الحساسية من نظرة الغريب عبر جدلية الصمت، والكلام على ابقاء الذات في الصمت حيث وهم الأمان!. من هذا المنطلق ممكن اعتبار العزلة كطقس ذاتي ينطلق من هذا الحذر حيث الذهاب في العزلة هو تجنب الإشتباك بفوضى الآخر، ونظراته الفضولية حيث العزلة اقتصاد في الكلام، وصمتا تاما على الذات، وفيها يتدرب الشخص على اقتصاد تام في الكلام، لذلك تعبر عن تعب الذات من التواصل مع الآخر الغريب، أو شبه العجز من البقاء تحت نظراته. من هنا تقتصد الذات في علاقاتها بالآخر عبر البقاء في الصمت. فصمت العزلة كخيار فردي نابع من تعب الذات من ضجيج الكلام الإجتماعي لذلك تنسحب الذات، وأما الخيار القسري للعزلة الناتج عن فرض المجتمع، والسلطة العزلة على الذات أي إجبارها على الصمت؛ فهي ناتجة عن مدى شعور المجتمع، والسلطة بالإنزعاج من الحضور الرمزي للذات المتكلمة، والفاعلة في المجتمع. سواء عبر الكلام كفعل لغوي موجه نحو أفراد المجتمع، أو عبر الإزعاج الذي تسببه رمزية سلوك الذات حين لا تكون خاضعة للشروط الإجتماعية للإنضباط؛ فتسبب عبره إزعاجا للمنظومة الإجتماعية، فيفرض المجتمع عليها الصمت عبر عزلها، وتقييد قدرتها على التواصل لغويا، وجسديا. من هنا؛ فإن المفاضلة بين الصمت، والكلام في الثقافة نابع من هاجس اعتداء الآخر على الذات؛ ذلك حين يتم اعتبار الصمت كفا عن الأذى، وتجنبا للمهالك كما سبق وأخبرتنا الحكم السابقة. هذا يعني أيضا أن الكلام اعتداء على الآخر بوصفه حمالا لتقنيات كثيرة تستعمل إما للحذر من الآخر عبر الكذب، أو قصفه بالشتائم التي تحتفظ كل اللغات بنكهاتها الشتائمية الخاصة، حيث يتعرض الغريب لها دون أن يدركها كإساءة بينما يستعملها أبناء اللغة بمتعة مع الغرباء، حيث الشتائم ذروة وضوح عنف الكلام الموجه للآخرين. من هنا تبرز لعبة جدلية الصمت، والكلام في شكلها العنيف في النزاعات بين الذات، والآخر. حيث يأخذ الصمت الشكل السلبي عن الذات، وهو شكل تسعى سلطة الآخر لفرضه على الذات. لنأخذ كمثال الشعوب وثقافتها حين تكون تحت سلطة استعمار القوى الأجنبية. فالكلام الذي تمارسه الشعوب عبر تمردها ونضالها في كافة أشكاله يبدو مزعجا للقوة الإستعمارية؛ لذلك تسعى للجمه، وفرض الحصار عليه. ولعل أكثر وسيلة يستعملها الإستعمار لفرض الصمت على المُستعمَر هي عبر تمثيله، أي القيام بالكلام نيابة عنه!. وهذا مامثلَه الإستشراق رمزيا، وعمليا حين قام بإعادة تخليق ثقافات الشعوب التي تحدث عنها. لقد استنطق تراثها بحيث أعطاه مسارا آخر تحت لسان منطقها النقدي!. ومثل صوتا بديلا يتحدث عنها،ويعبر هذا التمثيل عن خوف مبطن من قدرة الآخر على الكلام وفق تصوراته، لذا يأتي التمثيل لاستنطاق الأنا عبر الآخر!. فبوصف خطاب الإستعمار خطاب قوة رمزية لفرض سيطرته على الآخر عبر تمثيل صوته وتصوراته ( فهو جهاز يدير معرفة الإختلافات العرقية/الثقافية/ التاريخية وإنكارها) بحسب ما يوضحه هومي بابا في (موقع الثقافية) بحيث ( تتمثل وظيفته الاستراتيجية المسيطرة في خلق فضاء ل “شعوب خاضعة” عبر انتاج معارف تمارس من خلالها المراقبة ويُثار شكلٌ معقّد من اللذة/ التنغيص. وهو يسعى إلى إقرار استراتيجياته عن طريق إنتاج معارف بالمستعمِر والمستعمَر قائمة على الصور النمطية لكنها تُقوَّم وتُثمَّن على نحو متضاد، ومتناقض)، وذلك لأن هدف خطاب الإستعمار كما يوضح بابا: ( هي أن يؤوِّل المستعمَرين بوصفهم شعوبا من أنماط منحطة بسبب من أصلهم العرقي، وذلك لكي يبرر فتح هذه الشعوب ولكي يقيم بين ظهرانيها أنظمة الإدارة والتوجية). فأنظمة الإدارة، والتوجيه هذه تعمل على إبقاء الآخر صامتا عبر أنظمة المعرفة التي ينشئها المستعمِر، وإن تكلم فكلامه خاضع لأنظمة التوجيه المعرفية تلك، فالمُستعمِر لا يحتمل بقاء الآخر غريبا في غموضه؛ لذا يثبته صامتا في معرفته الواضحة حوله بوصف هذه المعرفة نطقة الوحيد!، كما أنها السبيل الوحيد لنفي غربته عنه بحيث يزيل الإستعمار عن ذاته عبر هذه المعرفة هاجس الرهاب من الغريب؛ ليحاول نفي قلق الغريب ويبقى المسيطر بلا رهبة من البرابرة الغرباء الذين يزعجون مضاجع الإمبراطورية بظهورهم مُستنطقين ثقافتهم ليعودوا في هذه اللحظة من النطق: الغريبَ المختلف، والغامض الذي يفلت من سلطة الإستنطاق القسرية لإنظمة التوجيه الإستعمارية. وهذا ما تدل عليه إشارة الباحث العراقي فاضل الربيعي حين يصدر كتابه ( إساف ونائلة) بإهداء لافت بظهور كلام الذات الثقافية التي كانت خاضعة لصوت أنظمة الإستشراق. يقول إهداء الربيعي: ( إلى جورج كدر هذا مقطع واحد في أغنية التاريخ التي يجب أن تُغنى بصوتنا، لا بصوت الآخر الإستشراقي). أما قبل ظهور هذا الصوت فإننا نجد النخب التي درست وحصّلت شهاداتها العليا من جامعات الدول المُستَعمِرة تستعير صوت المُستعمِر الذي قدم نفسه كأعلى سلطة للتقدم والحضارة!؛ لتتحدث عن ذاتها الثقافية، بينما هي عمليا خاضعة للصمت، وبحسب تعبير فرانز فانون: أسود بقناع أبيض!. ومن عبء هذا التمثيل نجد مغزى ثقله الذي يخنق كلام الشعوب المستعمَرة ماثلا في تساؤل غياتري سبيفاك في أشهر بحث لها حين تعنونه : هل يمكن للتابع أن يتكلم!؟. في هذا السياق التاريخي لا يعود الصمت مندرجا كفضيلة أخلاقية!. فالسلطة تسعى لتمثيل صوت الآخر ( الناس ) والحديث عنهم، وتمثيل رغباتهم عبر ضخ نماذجها بينهم والتعبير عنها؛ لإبقاء ذواتهم صامتة!. فيتحول الصمت دلالة على الخضوع اللاواعي، أو اتقاء لشر الآخر ( السلطة ) العنيف!. لكن الصمت يتحول أيضا إلى أداة نضال ضد سلطة الكلام الذي تسعى السلطة لنشره، وإشاعته بين الناس حين يعوز السلطة الكلام، وتسعى لتحفيز الناس على الكلام وفق مصالحها، فيصمتون؛ ليكون الصمت أداتهم الأخيرة لتعطيل كلام الآخر ( السلطة ) الهادف لاستعمالهم كجوقة تؤدي طقوسه الكلامية وفقا لمرامي طموحاته السياسية، حيث تكون الدولة (السلطة ) في تلك اللحظة التاريخية غريبة، والناس غرباء عن الدولة. لذلك تبقى هذه الجدلية بين الكلام، والصمت خاضعة لتوترات الداخل والخارج، الأنا والغريب!.

من هنا نلمح مايشبه الصراع بين الشفوي، والكتابي _ فيما يخص لحظة السلطة الإستعمارية على الخصوص _ تدور فيه رمزيا رحى الكلام والصمت. فحين تسمي الدراسات التاريخية، والإنثروبلوجية _ ككتاب الإنثربولجي إريك وولف  (أوروبا ومن لا تاريخ لهم) _  الشعوب القديمة الشفهية بشعوب بلا تاريخ فهي تصفها، وتحكم عليها بالصمت. فما نعرفه عنها دونه كتابة دارسون غرباء أوروبيون. لقد تكلموا عنها حتى وهم ينقلون من مخبريهم المحليون؛ فإن من يتقولهم في الكتابة هم الغرباء!. فلم يقُل الأفارقة مثلا ذواتهم للعالم الإ كمُمَثلين في الكتابة الإنثروبلوجية، والأدبية الأوروبية. فأفريقيا الصامتة _ كما ترد العبارة لدى هومي بابا في كتابه( موقع الثقافة)_ هي أفريقيا المستعمَرة، أفريقيا المُتخيَّلة. لقد شكلت فترة التحرر من الإستعمار، ومابعده فترة الكلام الإفريقي، الكلام الذي كان يُشكِّل ذُعرا للمُستعمِر الذي يعزز الصمت في الشعوب المستعمَرة عبر استلاب الكلام منها!. لذا تعبر لحظة الكلام _ المتمثل بالإستقلال والتحرر من الإستعمار _ التي تنطق بها الشعوب المستعمَرة عن عنف رمزي لاستعادة الذات المُستلَبة، فهي تستعيد الكلام تحت ضغط الشعور بأن الصمت أداة للقمع مفروض عليها من قبل المستعمِر. لقد فرضت الحضارات التي عرفت الكتابة وطورتها جدلية الصمت، والكلام بينها وبين الشعوب الغريبة، بحيث امتلكت الشعوب الكتابية حق الكلام مرادفا للسلطة، وحق التعبير عن منجز الذاكرة واستيهاماتها بوصفها كلام الشعب المستتر، كما عن استنطاق الحاضر والمستقبل، فارضة على الشعوب الشفهية البقاء في الصمت حيث أصبح الكلام هو الكتابة، فهي الأثر، والنقش الذي يوثِّق استمرارية الذات الثقافية، وتبدلاتها على مر الزمن. بينما يُبقي الشفهي الشعوب صامتة جراء الحفاظ على مروية شفهية من خلال تكرارها، حتى الشعوب التي كانت تمتلك الكتابة وهي خاضعة للإستعمار كان مفروضا عليها الصمت، حيث عانت معاناة أشد على مستوى الجرح الحضاري بسبب انكسار ذاتها المتعالية في التاريخ. فقد شكل الشعور بالإنهزام الحضاري الأداة الأقوى التي يتم تخييلها باستمرار داخل الثقافة المستعمَرة من قبل المستعمِر، كما يوضح لنا مايقوله بندكت أندرسن في أحد هوامش فصول كتابه( الجماعات المُتخيلة/ الموجة الأخيرة ) نقلا عن مار حول استعمار فرنسا للهند الصينية، وقيامها بعزل نظام الكتابة الصينية؛ لإبقاء فيتنام تحت هيمنة نظام الكتابة الفرنسية. يقول الإقتباس: ( كان معظم الموظفين الكولنياليين الفرنسيين في أواخر القرن التاسع عشر.. مقتنعين بأن تحقيق نجاح كولونيالي دائم يقتضي تقليص ضروب النفوذ الصيني أشد التقليص، بما في ذلك نظام الكتابة… ولذلك كانوا يرون أن التخلص من الللغة الصينية هو في الوقت ذاته عزل لفيتنام عن إرثها وتحييد للنخبة التقليدية). هكذا يعمل التخلص من نظام الكتابة على اسكات الذاكرة عبر تحييد النخب التي تمثل صوت شعوبها. لقد نظر وتكلم الإستعمار نيابة عن الشعوب المستعمَرة؛ لكن الشعوب بعدالاستقال حين وجدت لنفسها صوتا، وأصبحت تتكلم عن ذاتها الثقافية وجدت نفسها تواجه عالما جديدا لما بعد الإستعمار حيث باتت تطرح داخل الثقافة الصراع بين المحلي والعالمي، فدودة الغريب المتعالي الذي نظَّر لتفوقه الثقافي جعل ثقافات الشعوب التي استعمرها لا ترى ذاتها الا بمرآته!. إن أسطورة( العالمي) أداة نافذة لسطوة الإستعمار. هكذا لم تعد الذات هنا قادرة على تقدير منجزها الإ حين يخرج للعالم ليس عبر الترجمة، بل عبر استحقاق الجوائز العالمية. وهذا مايلاحظ من عولمة الجوائز الإوروبية. فعبر هذا الاستحقاق الجوائزي يقاس المنجز المحلي بكونه: وُفق المقاييس!، أو كما يمتدح أحدهم عملا بقوله: عمل منجز بشروط عالمية!. لقد انغلقت الدول المستقلة بالنسبة لدول الإستعمار، ولم تعد تقدر كما كانت على استنطاقها مباشرة. لذا فإن نزعة ( العالمية) هي فرض استنطاق للمحلي كي يتكلم مشتبكا، أو مستعيرا النكهة العالمية للمقاييس!. من هنا نجد استزراع عدم الإستقرار داخل الثقافة أمام هذا الفرض العالمي؛ فكأنه حكمٌ بالصمت، إذا لم تتكلم وفق السياق ( العالمي) للحالة الأدبية، والسياسية والإقتصادية، والعلمية أيضا. لذلك يبشرنا سلافوي جيجيك بانهيار الديمقراطية فقط؛ لأن الصين تسعى لإطلاق نسختها الخاصة من الرأسمالية تحت مسمى( الرأسمالية الأسيوية)!. يقول جيجيك( من مقال سلافوي جيجيك وهاروم سكاروم ضمن كتاب حميد دباشي( هل يستطيع غير الأوروبي التفكير): ( أعتقد أن العالم _ اليوم_ يطالب، ببديل حقيقي. هل ترغب، في العيش، في عالم يكون فيه البديل الوحيد إما النيوليبرالية الأنجلوسكسونية، أو الرأسمالية الصينية- السنغافورية، بالقيم الآسيوية؟ أزعم أننا إن لم نفعل شيئا حيال كل هذا، فإننا سنقترب – تدريجيا – من نوع جديد، من المجتمع الاستبدادي. أنا أطلع العالم – هنا – على الأهمية التاريخية، لما يمكن أن يحدث الصين اليوم. حتى اليوم لم يكن هناك سوى حجة جيدة واحدة للرأسمالية: أنها إن عاجلا أم آجلا ستؤدي إلى المطالبة، بالديمقراطية… وجل ما أخشاه أنه، مع هذه الرأسمالية التي تتمتع، بالقيم الآسيوية، فإننا سنحصل على رأسمالية أكثر فاعلية وديناميكية، من الرأسمالية الغربية التي لدينا. ولكنني لا أشارك أصدقائي الليبراليين أملهم – أمنحهم عشر سنوات [ وسيكون هناك ] مظاهرة أخرى، في ميدان تيان آن مين – لا، لقد انتهى الزواج بين الرأسمالية والديمقراطية). ثمت رعب من سماع صوت الآخر الغريب هنا!. فتحذير جيجيك ينطوي على خوف من امتلاك الآخر الكلام حيث نلمس من استعماله للصور النمطية التي رسختها أوروبا عن الشرق في عبارة ( القيم الآسيوية) التي ترادف، وتشير بمجرد نطقها إلى الإستبداد، فعبر هذا التنميط حكمت على الشرق بالصمت داخل شكل مثل جزءا من تصورات أوروبا عن الشرق، فكأن جيجيك عبر هذا التلميح الرمزي يعلن دق الطبول على الحدود من قدوم البرابرة الغرباء الذين سيهدمون بتوحشهم، وتخلفهم صرح الحضارة الإوروبية المتملثة رمزيا بالرأسمالية، وجوهرتها الديمقراطية!. ومطالبا أوروبا لمنع الشرق من الكلام أي من إبراز صوت منجزها، حماية لها من هذا التوحش!. من داخل هذه الجدلية بين الصمت، والكلام في سياقات السلطة يمكن للجاحظ نثر كلامه عن فضيلة الكلام، وسيحضى بشعبية مترفة قد ينافس عليها عتاة المنضالين في العصر الحديث، حين يُرفَع الكلام بوصفه حقا في وجه السلطة، ويُقمَر الصمت بوصفه سلبا للذات؛ ورذيلة أخلاقية حيث تجد مقولة: ( من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس) _ التي يرويها القشيري في ( الرسالة القشيرية) عن أبي علي الدقاق _ دافعا أخلاقيا لانطلاق الكلام؛ لكنه لن يكون في مأمن الحكمة دائما، ففوضى الحماقات ماثلة في كل صراع، وجدال؛ ولن يختفي الصمت بوصفه كلاما _ كما يقول وديع سعادة _ من قلوب مريديه الذين يمثلون الوجه الآخر من جدلية الكلام، الصمت اللذان هما شكل من تمثلات العلاقة المتوترة بين الأنا، والغريب!.

هكذا تحتفظ الثقافة بتراث عميق لتاريخ العلاقة بالآخر الغريب المتوتر عبر كل هذا الجدل بين الصمت والكلام، وذلك بوصف الصمت هروب الذات نحو الداخل للإحتماء من عنف التعرض لنظرة الغريب، بينما الكلام خروج، وذهاب للإشتباك، والإنكشاف أمام الآخر الغريب أي الذهاب نحو المخاطرة المتمثلة في مغامرة انكشاف الأنا للغريب، والبقاء تحت نظرته!.

error: المحتوى محمي