نشأة الشرطيّ الدولي – دونالد غرست / ترجمة: محمد المهذبي

نشأة الشرطيّ الدولي – دونالد غرست / ترجمة: محمد المهذبي


 في بداية القرن التاسع عشر، رأت الولايات المتحدة الأمريكيّة نفسها مجبرة لأوّل مرّة، وهي لا تزال حديثة النشأة، على فرض النظام خارج أراضيها. فقد شنّت الحرب ضدّ بلدان شمال إفريقيا التي مارست القرصنة وجعلت المحيط الأطلسي غير آمن.

          لم يسفر الاتّصال الدبلوماسي الأوّل عن أيّة نتيجة إيجابيّة، إذ أنّ مبعوث الدولة البربريّة (1) طرابلس، سيدي حاجي عبد الرحمان، كان شديد الوضوح مع السفير الأمريكي جون آدامز، بقوله إنّ أمريكا بلد كبير بلا شكّ، غير أنّ الوضع وضع حرب. أثناء اللّقاء الموالي في السفارة الأمريكيّة بلندن، بعد أسابيع من ذلك، دعا آدامز زميله المعتمد بباريس توماس جيفرسون، إلى ذلك اللّقاء. كتب جيفرسون إثر اللّقاء بقليل إلى رئيسه في العمل، وزير الخارجيّة على الضفّة الأخرى من المحيط الأطلسي:

لقد أخبرنا السفير أنّه يوجد مكتوبا في قوانين نبيّهم وفي القرآن، أنّ كلّ الأمم التي لا تعترف بسلطته تُعتبر آثمة. وأنّ من حقّ المرء ومن واجبه شنّ الحرب على أولئك الآثمين، حيث وجدهم، وأنّه يمكن جعل الأسرى عبيدا. وأنّ كلّ مسلم يسقط في ساحة الوغى، يدخل الجنّة بكلّ تأكيد.

          حصل اللّقاء المخيّب للآمال ذات مساء شتوي في بداية سنة 1786. ولم يكن الدبلوماسيّان الأمريكيّان من الآباء المؤسّسين للولايات المتّحدة فحسب، بل سيتولّى كلاهما، في مستقبل قريب، أعلى المناصب لدى تلك الأمّة الشابّة. فسفير الولايات المتّحدة بلندن، جون آدامز، سيصبح ثاني رئيس للولايات المتّحدة الأمريكيّة من 1797 إلى 1801 (بعد جورج واشنطن، الرئيس الأوّل)، أمّا زميله بباريس توماس جيفرسون، فسيخلفه من سنة 1801 إلى سنة 1809 في رئاسة البلاد. ولعلّ الإثنين أدركا أنّهما قد واجها، في ذلك المساء، مشكلة من مشاكل السياسة الخارجيّة التي ستطبع المستقبل القريب لبلادهم.

          تنتمي الدول البربريّة الأربع أي طرابلس والمغرب والجزائر وتونس شكليّا إلى الإمبراطوريّة العثمانيّة (2)، إلاّ أنّها مستقلّة في الواقع. كانت بلدان المغرب تلك أو بلدان الضفّة الجنوبيّة للبحر الأبيض المتوسّط، والتي تسمّى بالإنجليزيّة الدول البربريّة (3) نسبة إلى سكّانها البربر (بالألمانية بربارسك)، تعتبر، من وجهة النظر الأوروبيّة، آفة للتجارة الدوليّة. فقد كانت موطن القراصنة الذين يهاجمون السفن التجاريّة منذ قرون عدّة ويأسرون طواقمها وكذلك المسافرين. وكان أولئك لا يمكن فكاك أسرهم إلاّ مقابل دفع مبالغ كبيرة جدّا متى كانوا من الأثرياء، أو يباعون في أسواق العبيد المحليّة، إذا كانوا من ضعفاء الحال.

          بل أكثر من ذلك: فقد تعرّضت المناطق الواقعة على سواحل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، وصولا إلى الجزر البريطانيّة، إلى هجومات القراصنة المفوّضين (4)، مثلما كان يسمّى القراصنة كذلك، واختطفوا السكّان وباعوهم في أسواق العبيد. كذلك حصل، حوالي سنة 1631، للمدينة الساحليّة الصغيرة بالتيمور، بمقاطعة كورك الإيرلنديّة، التي كُتب على رجالها أن يعيشوا حياة الشقاء كعبيد سفن وبيعت نساؤهم إماء للمتعة.

          فيما بين 1520 و1830 تمّ كلّ سنة في الجزائر لوحدها، في المتوسّط، بيع 2000 عبد بالمزاد. وكان الحكّام هناك، من باشوات وسلاطين أو بايات، يتعاملون مع القراصنة ومختطفي البشر. فقد كان الانتقال بين “القوات المسلّحة البحريّة” للأوائل والأعمال الحرّة للأخيرين سلسا (5).

فشل القوى الأوروبيّة في الاهتداء إلى سياسة موحّدة ضدّ ذلك التهديد

          تردّدت القوى الأوروبيّة في ردّ الفعل على تلك الآفة بين المجابهة المسلّحة وبين البديل الذي عرضه الحكّام في طنجة والجزائر وتونس وطرابلس، وهو دفع الإتاوة. كلا الحلّين لم يؤدّيا في أيّ وقت من الأوقات إلى تأثير دائم، حتّى وإن بقيت إسبانيا، لفترة عابرة على الأقلّ، بمنأى عن الهجومات إثر قصف الجزائر من قبل أسطول إسبانيّ سنة 1783. وكذلك فإنّ القوّة البحريّة الرائدة في القرن الثامن عشر، أي بريطانيا، قد تدخّلت عدّة مرّات عسكريّا. إلاّ أنّه تبيّن على المدى البعيد، لدى بعض الدول، أنّ دفع أجر حماية للحكّام، أيسر وأقلّ كلفة من تحمّل أعباء أساطيل كبيرة، وهي أساطيل تحتاجها الدول فوق ذلك بدرجة أولى لحروب ذلك العهد ضدّ الأجوار الأوروبيّين.

          استنادا إلى قوّتها البحريّة وبسبب القواعد التي تملكها في قرب مباشر بالسواحل البربريّة (حتّى في مدى رؤيتها بالعين المجرّدة فيما يخصّ جبل طارق) حصلت بريطانيا العظمى على القدر الأكبر من الاحترام، وهو ما كان في صالح تجّارها، بما في ذلك أولئك الذين يوجدون بمستعمراتها في ما وراء البحار، مثلما كان الأمر لمستعمراتها الأمريكيّة الثلاث عشرة من ماساشوستس إلى جورجيا. وفي سنة 1783، انتهت الحرب التي دامت ثمان سنين، والتي ضمنت لتلك المستعمرات استقلالها. ولكن سرعان ما شعرت الأمّة التي لا تزال غضّة، إثر إبرام اتّفاقيّة السلم مع البلد الأمّ السابق، بالجانب المظلم للسيادة التي خاضت من أجلها كفاحا مريرا: فلم تعد البحريّة الملكيّة البريطانيّة تحمي السفن الأمريكيّة. وخلال وقت قصير تمّ الاستيلاء على السفن الأمريكيّة الأولى في 1784-1785: الـ”بتسي” من قبل قراصنة مغاربة، والـ “ماريا” و”الدوفين” من جانب قراصنة يقيمون بالجزائر. وإلى حدّ سنة 1815 تقاسمت 32 سفينة أمريكيّة أخرى ذلك المصير، مع أكثر من 700 رجل في الجملة من بين الطواقم.

          اعتبر الكونغرس، بسبب قلّة إمكانيّات خزينة الدولة، أنّ دفع الإتاوة يبقى البديل الأسلم لدى أسطول حديث، أمّا الجمهوريّون -شأنهم شأن الجيش المساند لهم- فقد اتّخذوا في كلّ الأحوال موقفا رافضا. وهكذا كان الأمريكيون- شأنهم شأن الدنماركيّين والسويديّين والهولنديّين وأمم أخرى- يفتدون أنفسهم بدفع الأموال والعتاد.

 

الولايات المتّحدة الأمريكيّة تسعى إلى تحييد الدين في المعركة

          تمّ السعي من أجل ذلك إلى اجتناب النقاط الخلافيّة الإيديولوجيّة قدر الإمكان. فقد جرى التأكيد في اتّفاقيّة مبرمة مع طرابلس سنة 1797 على أنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة ليست أمّة مسيحيّة في الحقيقة (أنظر الملاحظات المصاحبة). وشدّد المفاوضون الأمريكيّون على الفصل بين الدين والدولة أيضا في مواجهة الدولة البربريّة. ولكنّ ذلك التصوّر لم يحظ بموافقة الطرف المقابل بالضرورة. فقد أمضى باي تونس اتّفاقية إتاوة باعتباره “قائدا لموقع جهاد خارجي”.

          عند نهاية القرن الثامن عشر تقريبا أصبح من الواضح أنّ التملّق بالمال لا يجلب أيّ أمان للسفن الأمريكيّة، فقد صارت طلبات البرابرة تزداد إجحافا باستمرار، إلى درجة جعلت المدفوعات تبلغ حوالي عشرة بالمائة من الميزانيّة الفدراليّة الأمريكيّة. كتب جفرسون سنة 1784 إلى صديقه جيمس مونرو، الرئيس الخامس القادم، معبّرا عن آماله الوطنيّة: ” يجب أن نصبح قوّة بحريّة إذا أردنا القيام بتجارة خاصّة بنا“. مرّت عشر سنين دون أن يحدث شيء، إلاّ أنّه ظهر في ذلك الوقت تحوّل. فقد عبّر روبرت غولدهابر، نائب كارولينا الجنوبيّة بالكونغرس عن الأجواء السائدة لدى الأمّة بقوله:” الملايين للدفاع، ولا أيّ سنت للإتاوات!“.

          في 27 مارس 1794، أمضى الرئيس واشنطن مشروع قانون ينصّ على بناء ستّ فرقاطات وهي النواة الأصليّة للبحريّة الأمريكيّة الحاليّة، ترسانة القوّة  التي تستعملها الولايات المتّحدة الأمريكيّة على نطاق كوني.

          أوقف توماس جيفرسون، مباشرة إثر تسلّمه لمنصبه، باعتباره الرئيس الثالث في مارس 1801، دفع أموال الإتاوات، وهو سرعان ما ردّ عليه باشا طرابلس يوسف القرمنلي بإعلان الحرب على الولايات المتّحدة الأمريكيّة. (6)  أرسل جيفرسون أسطولا باتّجاه البحر الأبيض المتوسّط، من أجل “المراقبة”، مثلما وُصف ذلك بشكل رسمي، متكوّنا من الفرقاطات الثلاث: الـ”بريزيدنت” و”فيلادلفيا” و”إسكس” وكذلك الـسفينة الشراعيّة “انتربرايز”. قادت الأخيرة المعركة البحريّة الأولى للولايات المتّحدة الأمريكيّة منذ حصولها على استقلالها، تحت قيادة الملازم أندرو ستيريت. قصفت “الانتربرايز” واستولت في أغسطس 1801 على سفينة القراصنة المفوّضين “طرابلس”. وكانت تلك، بالمعنى الواسع، هي العمليّة العسكريّة الأولى للقوّة الصاعدة على السّاحة الدوليّة بإطلاق. تحدّثت الصحف في الولايات المتّحدة الأمريكيّة بفخر عن الانتصار. ووصل الأمر في نيويورك إلى حدّ أنّ مسرحيّة تحمل عنوان “غنيمة طرابلس” (7) احتفلت بعرضها الأوّل الذي لاقى ترحابا واسعا.

          بقي ذلك لوقت طويل الانتصار الوحيد. فرض الأسطول الأمريكي حصارا على طرابلس، إلاّ أنّه لم يكن له، في واقع الأمر، سوى تأثير ضئيل على الباشا القرمنلي وكذلك على قراصنته. فلم تستطع الفرقاطات الأمريكيّة المناورة عن قرب بالشكل الكافي بسبب ضحالة المياه على السواحل، وأفلتت سفن القراصنة الـخفيفة من الأمريكيّين بشكل متكرّر.

          بل لقد حصل ما هو أسوأ.  فعند ملاحقة إحدى سفن قراصنة طرابلس، اصطدمت “الفيلادلفيا” في 31 أكتوبر 1803 قبالة طرابلس بحاجز رمليّ غير مذكور في الخرائط البحريّة. فشلت كلّ محاولات تحرير الفرقاطة، وسلّم القبطان وليام بايبريدج و306 من أعضاء الطاقم أنفسهم للطرابلسيّين، واضطرّوا لقضاء حوالي سنتين في زنازين الباشوات وفُرض عليهم العمل بالسخرة.

          تواصل مسلسل النحس للبحريّة الأمريكيّة. فبعد أيّام قليلة فقط من استسلام “الفيلادلفيا”، خلّصت العواصف السفينة من الضفّة الرمليّة. امتلك البرابرة عندها سفينة حربيّة حديثة، يمكن لهم استخدامها ضدّ الأمريكيّين.

 

عمليّة سريّة: جنود أمريكيّون يشعلون النّار في الـ”الفيلادلفيا”

          اعتبارا لذلك التهديد، قرّرت البحرية الأمريكيّة تنفيذ عمليّة كوماندوس جريئة. ففي مساء 16 فبراير 1804، اقتربت سفينة ذات ساريتين ببطئ، على ضوء القمر الخافت، من سفينة الـ “فيلادلفيا” الجاثمة قبالة طرابلس تحت حماية مدافع حصون الميناء هناك. كانت السفينة بشكل ظاهر مصنوعة على الطريقة الشمال إفريقيّة وكانت في الماضي تسمّى “ماستيكو” قبل أن تستولي عليها البحريّة الأمريكيّة وتغيّر التسمية إلى “انتربيد”. كان مرشد السفينة الأمريكيّة، الواقف على السطح، وهو من صقليّة، قد نادى على الحرّاس القائمين على الـ “فيلادلفيا” بالعربيّة قائلا إنّ المرساة قد ضاعت قبل ذلك بيوم في العاصفة ويطلب السماح له بالركوب على ظهر السفينة.

          تحت سطح السفينة ذات الساريتين، اختبأ الملازم ستيفن ديكاتور الإبن و60 من المارينز الأمريكيّين والـملاّحين. وما كادت السفينة الصغيرة تلتحم بالـ “فيلادلفيا” حتّى هجم ديكاتور ورجاله على السفينة. وخلال وقت قصير، كان الطرابلسيّون الموجودون على متن السفينة قد قُتلوا أو فرّوا. حمل الأمريكيّون موادّ مشتعلة معهم وأضرموا النيران في مواضع مختلفة، ثمّ غادروا السفينة الحربيّة التي كانت أمريكيّة وكان “ديكاتور” آخرهم. وأفلتوا وهم على ظهر “الانتربيد” من رصاص رماة الحصن الذين استُنفروا في الأثناء.

          نشبت النيران خلال وقت قصير في الـ “فيلادلفيا”. أشعلت النّار فتيل مدافع السفينة التي كانت مشحونة، وهو ما جعل الفرقاطة تطلق قبل تدميرها قذيفة رهيبة باتّجاه مدينة مالكيها العابرين، ممّا سبّب صدمة للباشا وأدخل البهجة في قلوب الأمريكيّين المساجين بالمدينة.

          أشعلت عمليّة الكوماندوس الناجحة، التي لم تسفر إلاّ عن جريح أمريكيّ واحد، الحماس لدى الأسطول الأمريكيّ ولدى المواطنين. لقد فرضت الولايات المتّحدة الأمريكيّة للمرّة الأولى الاحترام في ما وراء البحار. وقد اعتبر شخص في حجم الأميرال البريطاني هوراتيو نلسن (1758-1805)، الذي كان وقتها تحديدا يحاصر الميناء الحربي الفرنسي بمدينة طولون، هجوم ديكاتور الخاطف “أكثر أعمال العصر جرأة وشجاعة”.

          إلاّ أنّ أحد القرارات الحاسمة لم يصدر في تلك الحرب مع البرابرة إلاّ عندما تمّ التدخّل البرّي. أجرت الولايات المتّحدة، بمبادرة من الضابط والقنصل الأمريكيّ السابق بتونس وليام إيتون، اتّصالات مع حامد القرمنلي، شقيق باشا طرابلس، الذي كان يعيش في المنفى بمصر. شكّل إيتون جيشا صغيرا من المرتزقة وأتباع حامد وعشرة أمريكيّين (ثمانية من المارينز واثنين من الملاّحين).

          زحفت القوّة المسلّحة التي لا تزيد عن 500 رجل تقريبا، تحت قيادة إيتون النشيطة، مسافة تبلغ حوالي 1000 كيلومتر عبر الصحراء. في آخر أفريل 1805 وصلوا قبالة درنة، ثاني أكبر مدينة في مجال سيطرة طرابلس. كان الباشا القرمنلي يعرف غاية الحملة النهائيّة هي تغيير النظام القائم، إذ أنّ حامدا الذي يحارب مع الأمريكيّين، هو أخوه الأكبر الذي طرده ووضع عائلته في الأسر.

 

رفع العلم الأمريكيّ فوق حصون الباشا بعد الاستيلاء عليها.

          لم يصل الأمر إلى درجة تنصيب حاكم أكثر ميلا إلى الأمريكيّين حين تبيّن أنّ حامدا غير مأمون الجانب وتمّ التخلّي عنه. في معركة درنة، التي تواصلت إلى حدّ 13 مايو، انتصر الملازم “بريسلي أو بانون” وجيشه ضدّ قوّات الباشا المسلّحة. وعندما استسلمت المدينة، رُفع العلم الأمريكي مكان علم الباشا. كانت تلك هي المرّة الأولى التي يرفرف فيها العلم الأمريكي فوق أراض اعتُبرت إلى ذلك الوقت معادية.

          كان من نتائج الهزيمة قبالة درنة وحضور الأسطول الأمريكي الذي ما انفكّ يزداد ضخامة قبالة السواحل الليبيّة، والذي ضمّ في الأثناء ستّ فرقاطات- من بينها السفينتان العصريّتان “كونستيتيوشن” و”كونستيلاسيون”- وسبع سفن أصغر منها، أن أصبح القرمنلي مستعدّا للتفاوض. وتمّ في 10 يونيو 1805 إبرام السِّلم بين الولايات المتّحدة الأمريكيّة وطرابلس. لقد اقتنع الباشا الذي طالب بـ 200 ألف دولار لفكّ أسر طاقم فيلادلفيا، عندها بـ 60  ألف دولار وهو ما اعتُبر حسب تقدير إيتون ومنتقدي الرئيس جيفرسون بالكونجرس مبلغا مشطّا.

          أطلقت مدافع حصون الباشا بمناسبة إبرام السلم طلقات تحيّة، ردّت عليها سفينة “الكونستيتيوشن” بمثلها. وأُطلق سراح القبطان باينبريدج ورجاله في نهاية المطاف.

          قبل ذلك بقليل، أطلقت سفينة الـ”كونستيتيوشن” وسفن أمريكيّة أخرى النّار من جديد: ولكن هذه المرّة بالذخيرة الحيّة على سفن حاكم تونس وهي الدولة البربريّة التي أُقنعت من جانبها بإبرام السلام مع الولايات المتّحدة بعد دخول 18 سفينة أمريكيّة تحمل 2500 رجل من الطواقم والمارينز إلى مينائها.

          تلت الحرب البربريّة الأولى من 1801 إلى 1805 حرب ثانية كانت أقصر وأكثر وضوحا من حيث الحسم، إثر ذلك بعشر سنين. فبينما كانت القوى الأوروبيّة منشغلة ببعضها البعض في خضمّ الحروب النابوليونيّة، عادت طرابلس وتونس والجزائر إلى القرصنة واختطاف البشر على نطاق واسع. كانت الجزائر في تلك المرّة هي الخصم الرئيسيّ. لم تعد القوّة البحريّة في الأثناء يمكن مقارنتها بما كانت عليه عندما كانت لا تزال جنينيّة تقريبا سنة 1801. كانت البحريّة الأمريكيّة قد واجهت للتوّ في الحرب الأمريكيّة-البريطانيّة (1812-1815) البحريّة الملكيّة التي تسيطر على بحار العالم. كان الرئيس جيمس ماديسون يتصرّف عندها في أكثر من 60 سفينة بحريّة عليها ضبّاط وفرق من ذوي الخبرة الحربيّة. وافق الكونجرس لماديسون في 3 مارس 1815 على التدخّل العسكريّ ضدّ الجزائر.

          أرسل الرئيس أسطولين إلى البحر الأبيض المتوسّط، أحدهما كان تحت إمرة ستيفن ديكاتور الذي ارتقى في الأثناء إلى رتبة أعلى، والذي قاد العمليّة الجريئة في ميناء طرابلس قبل أحد عشر عاما. حطّمت البحريّة الأمريكيّة عدّة سفن جزائريّة، وفي 3 يوليو 1815 كانت الجزائر قد استسلمت، وتم توقيع اتفاقية سلام تحت أنظار ديكاتور على سفينته الحربية “غريير”. لم تقتصر الجزائر على تحرير كلّ المساجين الأمريكيّين وبعض الأوروبيّين والالتزام بالتخلّي النهائيّ عن طلب الإتاوات، بل إنّ البلد دفع للأمريكيّين تعويضا بحوالي 10 ألاف دولار بسبب احتجاز السفن تجاريّة. وهكذا انتهت الحرب البربريّة الثانية فقط بعد 16 يوما من دخول ديكاتور وأسطوله إلى البحر الأبيض المتوسّط.

 

مبدأ مونرو: تدخّل أوروبا غير مرغوب فيه

           ظهر، إثر سنة من ذلك، أسطول بريطاني هولندي تحت قيادة اللورد اكسموث والأميرال فان كابيلن قبالة الجزائر. قصف المدينة وحصل على تحرير 2000 من الأوروبيّين المحتجزين هناك كعبيد. عرفت الولايات المتّحدة الأمريكيّة إثر 1815 فترة من الازدهار الاقتصادي، وذلك أيضا بفضل التجارة بلا عوائق، خلال عهد جيمس مونرو الذي خلف ماديسون والذي عرف بعهد الرخاء (8).

          انعكس الوعي الوطني المتنامي بالخصوص في القانون الأشهر للرئيس الخامس، مبدأ مونرو، الذي وضع حدّا للطموحات الأوروبيّة في الشطر الغربي من العالم. لقد كانت التدخّلات في ما وراء البحار، إثر حروب البرابرة، خيارا لدى الولايات المتّحدة تمّ اعتماده منذ أواخر القرن التاسع عشر بشكل متزايد، ولكن قلّ أن حصل ذلك بنفس النجاح الواضح مثلما كان الأمر سنة 1815.

          ربما كان لديكاتور، البطل القومي لحروب البرابرة، ما يشبه التنبّؤ عندما قرأ خطابا دعا فيه إلى الولاء، حتّى عند اتّخاذ قرارات تدعو إلى التساؤل من قبل الحكومات الأمريكيّة: ” بلدنا! ربّما لم يكن دائما على حقّ في تعامله مع أمم غريبة. غير أنّه يبقى بلدنا: سيّان، أصاب أم أخطأ !“.

          ديكاتور، الذي كان مثل كثير من الضبّاط في عصره مسكونا بمفهوم مبالغ فيه للشرف، مات إثر مبارزة مع ضابط آخر. أمّا عن “الناجين” من الحروب البربريّة فمازال منهم إلى اليوم أثر وهو سفينة “الكونستيتيوشن” التي ترسو بميناء شارلستون (قرب بوسطن) وتعتبر البارجة الحربيّة الأقدم التي لا تزال في الخدمة في العالم، وهي تخضع في الوقت الحاضر للترميم، للقرن الثالث من حياتها.

 

 

 


هوامش الترجمة

  • كذلك كان يسمّي الأوروبيّون بلدان المغرب العربي في الفترة السابقة على الحملات الاستعماريّة ولا سيّما في الفترة العثمانيّة نسبة إلى البربر (الأمازيغ) سكّان البلاد الأصليّين.
  • لم تكن المغرب في يوم من الأيّام جزء من الامبراطوريّة العثمانيّة خلافا لبقيّة بلدان المغرب العربي المذكورة، وهو خطأ يقع فيه البعض.
  • يطلق على أصحاب الحملات البحرية القادمة من البلدان المغاربيّة بالإنجليزيّة: Barbary pirates or Barbary corsairs
  • القراصنة المفوضون (بالألمانيّة : Korsaren وبالإنجليزيّة : Privateers) هي ظاهرة كانت موجودة في أنحاء مختلفة من العالم ولم يتمّ القضاء عليها فعليّا في بعض الدول الأوربيّة إلاّ في بداية القرن العشرين، أنظر في هذا الصدد مقال الموسوعة البريطانيّة :

www.britannica.com/topic/privateer

  • ذلك ليس مقتصرا على حكّام بلدان المغرب العربي في تلك الفترة بل هو ظاهرة عالميّة. أمّا في ما يخصّ مسألة العبوديّة فمن المعروف أنّها كانت أمرا مشروعا في الولايات الأمريكيّة حتّى بعد استقلالها عن العرش البريطاني وفي الفترة التي يتحدّث عنها مؤلّف المقال تحديدا وإلى ما بعد ذلك بعشرات السنين وصولا إلى الحرب الأهليّة (1861-1865).
  • يستلهم الروائي الليبي الكبير إبراهيم الكوني تلك الأحداث وغيرها في رواية ملحميّة بعنوان “جنوب غرب طروادة ..جنوب شرق قرطاجة” التي صدرت ضمن سلسلة كتب مجلة “دبي الثقافيّة”، عدد سبتمبر 2011.
  • « The Tripoli prize « 
  • عهد الرخاء Era of good feeling (كذلك وردت في المقال الألماني ولعلّ الصحيح هو Era of good feelings)

 

العنوان الأصلي للمقال :

Premiere der Weltpolizei, بقلم Dr.Donald GERSTE ، نشر في مجلّة DAMALS ، الألمانية، العدد الحادي عشر من سنة 2016.

error: المحتوى محمي