الشاه الإيراني، والثورة الإسلامية، وغموض اختفاء الإمام – ريك غلادستون / ترجمة: سارة العبدالله

الشاه الإيراني، والثورة الإسلامية، وغموض اختفاء الإمام – ريك غلادستون / ترجمة: سارة العبدالله


حتى بمقاييس اليوم، كان الشرق الأوسط عام ١٩٧٠ يعيش حالة من الفوضى. كانت التفجيرات‫،‬ وعمليات الخطف، والاغتيالات، عناوينا للصحف اليومية. في خضم تلك الفوضى، اختفى أحد أكبر رجال الدين لدى المذهب الشيعي أثناء زيارته ليبيا.‬‬

‎ كثرت الكتب، والتخمينات والتساؤلات الجنائية حول مصير رجل الدين الجماهيري الإمام موسى الصدر، وهو إيراني المولد من عائلة دينية لها قوتها، وقد سكن في لبنان لما يقرب من عقدين من الزمن وأصبح داعية متحمسا للشيعة الفقراء فيها.

‎اختفى الإمام هو واثنين من رفاقه منذ ٣١ أغسطس عام ١٩٧٨، وقت الابلاغ عن مشاهدتهم بمطار طرابلس في العاصمة الليبية‫.‬ كثيرون ألقوا باللائمة على عملاء الزعيم الليبي السابق معمر القذافي‫.‬ رغم ذلك، لم يتضح ما إذا كان هناك دافع لهم أم غير ذلك‫.‬‬‬‬‬‬‬

‎بعد ذلك‫.‬ صدر كتاب عن سقوط الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي عام ١٩٧٩, ساعد بإعادة ظهور أمر الاختفاء للضوء من جديد‫.‬ يعرض الكتاب، أن رجال الدين للثورة الإيرانية الذين أطاحوا بالشاه – بقيادة زعيمهم المنفي، آية الله روح الله الخميني – ربما اعتبروا السيد الصدر تهديدا لهم‫.‬‬‬‬‬‬‬

‎كتاب “سقوط السماء‫”، ‬والذي يتناول حياة بهلوي والأيام الأخيرة من الإمبراطورية الإيرانية لا يؤكد فقط أن الشاه والسيد الصدر كانت لهما زيارات واتصالات سرية -رغم التوترات العامة- ولكن يؤكد أيضا أن الشاه قد أراد للسيد الصدر أن يعود إلى إيران كي يحبط مطامح آية الله الخميني، وذلك في الأشهر التي سبقت الثورة.‬‬ ربما تنفيذ هذه الفكرة، يمكن أن يغير مجرى التاريخ.

‎ يقدم الكتاب دليلا على عدم ثقة الصدر العميقة بآية الله الخميني، ومن الواضح أنه كان يعتبره مختلا خطيرا، مكذبا علاقاتهم الودية الظاهرة، وروابط الزواج الأسرية‫.‬ وفقا لهذا لكتاب، فالسيد الصدر قد باح سرّا بعدم ثقته تلك للشاه‫ بهلوي‬.‬‬‬‬

‎يقول مؤلف الكتاب أندرو كوبر ‫(‬الأستاذ في جامعة كولومبيا‫)‬:‬ “القصة التي ستقرؤونها في الكتب، حتى هذه اللحظة، هو أن موسى الصدر كان ضد الشاه ومؤيدا للخميني”‫.‬ ويضيف: “هذا يدمر القصة تماما.”‬‬‬‬‬‬

‎السيد كوبر، متخصص في شؤون الشرق الأوسط، كتب أيضا كتابا آخر بعنوان “ملوك النفط”، يتحدث عن تاريخ التطور النفطي للخليج الفارسي نشر عام ٢٠١٢، وكان قد قضى الثلاث سنوات الماضية، باحثا في كتابه الجديد، لينشر في يوليو بواسطة هنري هولت وشركته‫.‬‬‬

‎ وبحسب قول السيد كوبر: فالنصوص التي تتناول اختفاء الإمام بنيت جزئيا على علاقات مع عائلة الشاه، إضافة لمسؤولين سابقين ورجال دين في إيران. ربما أهم مافي ذلك أن السيد كوبر تحدث إلى مستشارين ومساعدين سابقين للشاه والذي قال عنهم أنهم كانوا هادئين وغير مقحمين بأمر سقوط النظام.

‎ويضيف كوبر‫:‬‬‬
‎”كان الشاه على استعداد للدخول في حوار مع موسى الصدر”, ” أزعم أنه كان أملا كبيرا من جانب الشيعة والتعايش العصري، وقد كسر اختفائه كل ذلك وفتح الطريق لسلالة المتشددين من المذهب الشيعي في إيران “.

‎في حين أن الموضوع الرئيسي للكتاب هو الشاه، الذي توفي في مصر عام ١٩٨٠، إلا أنه يحتوي على حبكة فرعية عن السيد الصدر، الذي أصبح شهيدا عند الشيعة في لبنان‫. لاتزال المليشيا الشيعية أمل، والتي أسسها‬ للدفاع عن مصالح الشيعة خلال الحرب الأهلية في لبنان، قوة سياسية مؤثرة هناك.‬‬

‎شاعت نظرية تقول بأن السيد الصدر ورفاقه قد اختطفوا وقتلوا بناء على أوامر العقيد معمر القذافي، والذي كان قد دعاهم بنفسه إلى طرابلس، وأن العقيد يُموّل من الجماعات المتشددة، وتمضي النظرية بأن القذافي ربما فعل فعلته تلك، بناء على طلب من ياسر عرفات، زعيم منظمة التحرير الفلسطينية. وكان السيد عرفات غاضبا بسبب معارضة السيد الصدر لقواعد الفدائيين الفلسطينية قرب حدود لبنان مع إسرائيل.

‎روايات أخرى تقول إن الأموال التي تبرعت بها ليبيا لمليشيا أمل فقدت، أو أن سوريا تعتبر نفوذ السيد الصدر في لبنان عائقا أمام طموحاتها هناك، أو أن السيد الصدر كان في الجانب الخاسر من صراع الشيعة الداخلي في لبنان‫.‬ بل أن بعضهم قال إن عملاء الشاه قتلوه، وأصر العقيد القذافي أن السيد الصدر وحزبه قد غادروا ليبيا متوجهين لإيطاليا، ودُحض هذا التأكيد من قبل المحققين الإيطاليين‬‬

‎مهما يكن، فالاهتمام بمن كان مسؤولا خلف ذلك وما دافعه، لايزال قويا‫.‬ عام ٢٠١١ وبسقوط حكومة القذافي، تصاعدت الشكوك بأن السيد الصدر على قيد الحياة، وأنه محتجز بمعزل عن العالم الخارجي في سجن ليبي سري لأكثر من ثلاثين عاما‫.‬‬‬‬‬

‎وأُحييت التساؤلات مجددا حول مصيره في الشهر الماضي عندما اعتقل في لبنان الابن الأصغر للعقيد للقذافي هانيبال من قبل المسؤولين القضائيين. يستجوبونه حول سر اختفاء الإمام، وظل الابن معتقلا حتى يوم الخميس.

‎بينما ينظر قادة إيران إلى الكتاب على أنه تاريخ محرف، إلا أن العلماء السياسيين في الشرق الأوسط يقولون بأن التعاون السري بين السيد الصدر والشاه أمر مقبول تماما.
‎‫يقول أوغستو ريتشارد نورتون (الأستاذ في جامعة بوسطن، كان مراقبا للأمم المتحدة في لبنان بدايات عام ١٩٨٠و ١٩٨٧، وله كتاب حول حركة المليشيا أمل) ” لقد سمعت بأن هناك دور إيراني في اختفاء الصدر”‬,”‬ عانت حركة أمل والشيعة من أجل روح لبنان‫”‬. يؤمن السيد نورتون بأن الصدر ‫”‬ كان صديقا للشاه، وما من شك بأن كان يستلم أموالا من الشاه‫”‬‬‬‬‬‬‬‬‬

‎يقول كوبر بأن كتابه يقدم معلومات لم يبلغ عنها حول الاتصالات بين السيد الصدر والشاه. تضمنت تحذيرا بعثه السيد الصدر حول محاضرات آية الله الخميني الهدامة في المنفى، وعرضه للمساعدة مطلع صيف عام ١٩٧٨‫-‬قبل أسابيع من اختفاء الصدر‫-‬ للمساعدة بإلهاء الشاه عن نشاط آية الله الخميني‫.‬‬‬‬‬‬‬

‎بينما كان من المعروف أن حكومة الشاه قد سعت للوصول إلى تسويات سياسية مع رجال الدين المعتدلين في إيران، عرفوا باسم المطمئنين‫.‬ يقول كوبر في هذا الشأن‫:‬ “الجديد هو أن المعتدلين كانوا يحاولون التوصل إلى استراتيجية للتغلب على الخميني، وكانت أحد أفكارهم عودة موسى الصدر إلى إيران “‬‬‬‬

‎وكان هذا الكشف مستمد جزئيا من علي خاني، الذي كان مستشارا مهما للشاه، وصديق الطفولة للسيد الصدر. يعيش خاني الثمانيني في أوروبا في الوقت الحالي، وكان قد أبلغ السيد كوبر أنه عمل كقناة اتصال بين السيد الصدر والشاه.

‎في منتصف ١٩٧٠، وقعت لبنان في فوضى طائفية، وأصبحت بذلك عامل جذب للمنشقين الإيرانيين الذين تدربوا في حروب طائفية. حمّل الشاه السيد الصدر مسؤولية جزئية وأمر بتجريده من جواز سفره

‎ولكن في يوليو ١٩٧٨‫-‬كما يقول الكتاب‫-‬ قام السيد الصدر ببعث رسالة إلى الشاه عن طريق عميل سري إيراني في بيروت، يعرض عليه التحدث مع آية الله الخميني نيابة عن الشاه، لمساعدة الشاه في استرضاءه للنقاد في المؤسسة الدينية‬‬‬‬

‎بعد ذلك، يستعرض الكتاب، موافقة الشاه لإرسال مبعوث يلتقي سرا مع السيد الصدر في ألمانيا الغربية شهر سبتمبر‫.‬ ولم يحدث ذلك الاجتماع قط‬‬

‎ووفقا للكتاب، عرض العقيد القذافي ترتيب لقاء في أغسطس بين السيد الصدر وكبار مساعدي آية الله الخميني، آية الله محمد بهشتي، المشرف الرئيسي للتمرد ضد الشاه

غادر السيد الصدر إلى ليبيا برفقة مساعديه، الشيخ محمد يعقوب والصحافي اللبناني عباس بدر الدين، وبعد أيام من الانتظار في فندق طرابلس، نفذ صبر الصدر وقرر أن يغادر يوم 31 أغسطس دون لقاء آية الله بهشتي، وهو الأمر الذي لم يحلّ محل نظر، وما من شيء يؤكد ما حدث بعد ذلك

‎وفقا لكتاب “الجاسوس الجيد”، وهو سيرة لروبرت أميس، رئيس وكالة الاستخبارات المركزية في بيروت في ذلك الوقت، شوهدت حاشية السيد الصدر في صالة المغادرة الخاصة في مطار طرابلس، عوملت الحاشية بقسوة وألقيت في سيارة من قبل رجال معمر القذافي. تعرض السيرة أن آية الله بهشتي أيضا قد اتصل هاتفيا بالعقيد القذافي لوقف رحيل السيد الصدر والاتصال بعميل السيد الصدر الغربي.

‎وفقا لكتاب السيد كوبر، عندما وصل أمر اختفاء السيد الصدر للشاه، بعث السيد خاني ليسأل القادة العرب عما حدث. أُخبر السيد خاني أن الصدر قد قتل بناء على أوامر من العقيد القذافي. ونقلا عن السيد خاني في الكتاب قوله إن الرئيس المصري أنور السادات أخبره أنه وفقا لمصادر استخبارات الرئيس السادات، أن العقيد القذافي “وضع جسد موسى الصدر في صندوق خرساني مغلق وألقى به من طائرة هليكوبتر في منطقة البحر الأبيض المتوسط “

‎كان الشاه ‫”‬مستاء جدا جدا‫”‬ حال إخباره بذلك، ونقلا عن خاني أيضا ‫”‬لقد جلس في كرسيه لعشر دقائق‫”‬.‬‬‬‬‬‬‬‬

 

 

المصدر

error: المحتوى محمي